«اللَّهُمَّ اجْعَلْ بِالْمَدِينَةِ ضِعْفَيْ مَا جَعَلْتَ بِمَكَّةَ مِنَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٨٨٥

الحديث رقم ١٨٨٥ من كتاب «فضائل المدينة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب حدثنا عبد الله بن محمد.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٨٨٥ في صحيح البخاري

«اللَّهُمَّ اجْعَلْ بِالْمَدِينَةِ ضِعْفَيْ مَا جَعَلْتَ بِمَكَّةَ مِنَ الْبَرَكَةِ».

تَابَعَهُ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ يُونُسَ.

إسناد حديث رقم ١٨٨٥ من صحيح البخاري

١٨٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا أَبِي سَمِعْتُ: يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٨٨٥: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الرِّجَالَ كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الْحَدِيدِ.

قَوْلُهُ: (بَابٌ) بِالتَّنْوِينِ (الْمَدِينَةُ تَنْفِي الْخَبَثَ) أَيْ: بِإِخْرَاجِهِ وَإِظْهَارِهِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ) بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْمُهْمَلَةِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ هُوَ ابْنُ مَهْدِيٍّ، وَسُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ.

قَوْلُهُ: (عَنْ جَابِرٍ) وَقَعَ فِي الْأَحْكَامِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا

قَوْلُهُ: (جَاءَ أَعْرَابِيٌّ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، إِلَّا أَنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ ذَكَرَ فِي رَبِيعِ الْأَبْرَارِ أَنَّهُ قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، وَهُوَ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُ تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ مَشْهُورٌ، صَرَّحُوا بِأَنَّهُ هَاجَرَ فَوَجَدَ النَّبِيَّ قَدْ مَاتَ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَلَعَلَّهُ آخَرُ وَافَقَ اسْمَهُ وَاسْمَ أَبِيهِ. وَفِي الذَّيْلِ لِأَبِي مُوسَى فِي الصَّحَابَةِ قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ الْمِنْقَرِيُّ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ هَذَا.

قَوْلُهُ: (فَبَايَعَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَجَاءَ مِنَ الْغَدِ مَحْمُومًا فَقَالَ أَقِلْنِي) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ سَأَلَ الْإِقَالَةَ مِنَ الْإِسْلَامِ وَبِهِ جَزَمَ عِيَاضٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ إِنَّمَا اسْتَقَالَهُ مِنَ الْهِجْرَةِ وَإِلَّا لَكَانَ قَتَلَهُ عَلَى الرِّدَّةِ، سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (ثَلَاثَ مِرَارٍ) يَتَعَلَّقُ بِأَقِلْنِي، وَيُقَالُ مَعًا (١).

قَوْلُهُ: (تَنْفِي خَبَثَهَا) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَوَائِلِ الْمَدِينَةِ.

قَوْلُهُ: (وَتنْصَعُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ النُّونِ وَبِالْمُهْمَلَتَيْنِ مِنَ النُّصُوعِ وَهُوَ الْخُلُوصُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهَا إِذَا نَفَتِ الْخَبَثَ تَمَيَّزَ الطَّيِّبُ وَاسْتَقَرَّ فِيهَا، وَأَمَّا قَوْلُهُ: (طِيِّبُهَا) فَضَبَطَهُ الْأَكْثَرُ بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِالتَّحْتَانِيَّةِ أَوَّلَهُ وَرَفَعَ طَيِّبَهَا عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ وَطَيِّبُهَا لِلْجَمِيعِ بِالتَّشْدِيدِ، وَضَبَطَهُ الْقَزَّازُ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَالتَّخْفِيفِ ثُمَّ اسْتَشْكَلَهُ فَقَالَ: لَمْ أَرَ لِلنُّصُوعِ فِي الطَّيِّبِ ذِكْرًا، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ يَتَضَوَّعُ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَزِيَادَةِ الْوَاوِ الثَّقِيلَةِ. قَالَ: وَيُرْوَى وَتَنْضَخُ بِمُعْجَمَتَيْنِ، وَأَغْرَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي الْفَائِقِ فَضَبَطَهُ بِمُوَحَّدَةٍ وَضَادٍ مُعْجَمَةٍ وَعَيْنٍ، وَقَالَ: هُوَ مِنْ أَبْضَعَهُ بِضَاعَةً إِذَا دَفَعَهَا إِلَيْهِ، يَعْنِي: أَنَّ الْمَدِينَةَ تُعْطِي طَيِّبَهَا لِمَنْ سَكَنَهَا. وَتَعَقَّبَهُ الصَّغَانِيُّ بِأَنَّهُ خَالَفَ جَمِيعَ الرُّوَاةِ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: الْمَشْهُورُ بِالنُّونِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ) هُوَ الْخَطْمِيُّ، وَفِي الْإِسْنَادِ صَحَابِيَّانِ أَنْصَارِيَّانِ فِي نَسَقٍ وَاحِدٍ.

قَوْلُهُ: (رَجَعَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ) هُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النِّسَاءِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا بَيَانُ ابْتِدَاءِ قَوْلِهِ: تَنْفِي الرِّجَالَ وَأَنَّهُ كَانَ فِي أُحُدٍ.

قَوْلُهُ: (الرِّجَالُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، ولِلْكُشْمِيهَنِيِّ، الدَّجَّالُ بِالدَّالِ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ، وَوَقَعَ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ تَنْفِي الذُّنُوبَ وَفِي تَفْسِيرِ النِّسَاءِ تَنْفِي الْخَبَثَ وَأَخْرَجَهُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ كُلِّهَا مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ بِاللَّفْظِ الَّذِي أَخْرَجَهُ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ طَرِيقِ غُنْدَرٍ، وَغُنْدَرٌ أَثْبَتُ النَّاسِ فِي شُعْبَةَ، وَرِوَايَتُهُ تُوَافِقُ رِوَايَةَ حَدِيثِ جَابِرٍ الَّذِي قَبْلَهُ حَيْثُ قَالَ فِيهِ: تَنْفِي خَبَثَهَا وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: تُخْرِجُ الْخَبَثَ وَمَضَى فِي أَوَّلِ فَضَائِلِ الْمَدِينَةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: تَنْفِي النَّاسَ، وَالرِّوَايَةُ الَّتِي هُنَا بِلَفْظِ: تَنْفِي الرِّجَالَ لَا تُنَافِي الرِّوَايَةَ بِلَفْظِ الْخَبَثِ بَلْ هِيَ مُفَسِّرَةٌ لِلرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ، بِخِلَافِ تَنْفِي الذُّنُوبَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ أَهْلَ الذُّنُوبِ فَيَلْتَئِمُ مَعَ بَاقِي الرِّوَايَاتِ.

باب

١٨٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، سَمِعْتُ يُونُسَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ بِالْمَدِينَةِ ضِعْفَيْ مَا جَعَلْتَ بِمَكَّةَ مِنْ الْبَرَكَةِ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٨٨٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «حدَّثني» (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنَديُّ-بفتح النُّون أو بكسرها- قال: (حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ) بفتح الجيم، قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) جريرُ بن حازمٍ قال: (سَمِعْتُ يُونُسَ) بن يزيد الأيليَّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ أَنَسٍ) هو ابن مالكٍ (، عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: اللَّهُمَّ؛ اجْعَلْ بِالمَدِينَةِ ضِعْفَيْ) تثنية: ضِعْفٍ -بالكسر- قال في «القاموس»: ضِعْف الشَّيء: مثله، وضِعْفاه: مثلاه، أو الضِّعْف: المِثْل إلى ما زاد، ويُقال: لك ضِعْفُه؛ يريدون: مِثْلَيه وثلاثةَ أمثاله لأنَّه زيادةٌ غير محصورةٍ، وقول الله تعالى: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠] أي: ثلاثةَ أعذبةٍ، ومَجازُ يُضاعَف؛ أي يُجعَل إلى الشَّيء شيئان حتَّى يصير ثلاثةً. انتهى.

وقال الفقهاء في الوصيَّة: بضعف نصيب ابنه: مثلاه، وبضعفيه: ثلاثة أمثاله عملًا بالعرف في الوصايا، وكذا في الأقارير نحو: له عليَّ ضعف درهمٍ، فيلزمه درهمان لا العمل باللُّغة، والمعنى هنا: اللَّهمَّ اجعل بالمدينة مِثْلَيِ (مَا جَعَلْتَ بِمَكَّةَ مِنَ البَرَكَةِ) أي: الدُّنيويَّة؛ إذ هو مجملٌ فسَّره الحديث الآخر [خ¦١٨٨٩] «اللَّهمَّ بارك لنا في صاعنا ومدِّنا»، فلا يُقال: إنَّ مقتضى إطلاق البركة أن يكون ثواب صلاة المدينة ضعفي ثواب الصَّلاة بمكَّة، أو المراد: عموم البركة، لكن خُصَّت الصَّلاة ونحوها بدليلٍ خارجيٍّ، فاستدلَّ به على تفضيل المدينة على مكَّة، وهو ظاهرٌ من هذه الجهة، لكن لا يلزم من حصول أفضليَّة المفضول في شيءٍ من الأشياء ثبوت الأفضليَّة على الإطلاق، وأيضًا لا دلالة في تضعيف الدُّعاء للمدينة على فضلها على مكَّة؛ إذ لو كان كذلك للزم أن يكون الشَّام (١) واليمن أفضل من مكَّة لقوله في الحديث الآخر [خ¦١٠٣٧]: «اللَّهمَّ بارك لنا في شامنا ويمننا» -أعادها ثلاثًا- وهو باطلٌ لما لا يخفى، فالتَّكرير للتَّأكيد، والمعنى واحدٌ، قال الأبيُّ: ومعنى: «ضعف ما بمكَّة» أنَّ المراد: ما أشبع بغير مكَّة

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الرِّجَالَ كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الْحَدِيدِ.

قَوْلُهُ: (بَابٌ) بِالتَّنْوِينِ (الْمَدِينَةُ تَنْفِي الْخَبَثَ) أَيْ: بِإِخْرَاجِهِ وَإِظْهَارِهِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ) بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْمُهْمَلَةِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ هُوَ ابْنُ مَهْدِيٍّ، وَسُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ.

قَوْلُهُ: (عَنْ جَابِرٍ) وَقَعَ فِي الْأَحْكَامِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا

قَوْلُهُ: (جَاءَ أَعْرَابِيٌّ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، إِلَّا أَنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ ذَكَرَ فِي رَبِيعِ الْأَبْرَارِ أَنَّهُ قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، وَهُوَ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُ تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ مَشْهُورٌ، صَرَّحُوا بِأَنَّهُ هَاجَرَ فَوَجَدَ النَّبِيَّ قَدْ مَاتَ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَلَعَلَّهُ آخَرُ وَافَقَ اسْمَهُ وَاسْمَ أَبِيهِ. وَفِي الذَّيْلِ لِأَبِي مُوسَى فِي الصَّحَابَةِ قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ الْمِنْقَرِيُّ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ هَذَا.

قَوْلُهُ: (فَبَايَعَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَجَاءَ مِنَ الْغَدِ مَحْمُومًا فَقَالَ أَقِلْنِي) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ سَأَلَ الْإِقَالَةَ مِنَ الْإِسْلَامِ وَبِهِ جَزَمَ عِيَاضٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ إِنَّمَا اسْتَقَالَهُ مِنَ الْهِجْرَةِ وَإِلَّا لَكَانَ قَتَلَهُ عَلَى الرِّدَّةِ، سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (ثَلَاثَ مِرَارٍ) يَتَعَلَّقُ بِأَقِلْنِي، وَيُقَالُ مَعًا (١).

قَوْلُهُ: (تَنْفِي خَبَثَهَا) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَوَائِلِ الْمَدِينَةِ.

قَوْلُهُ: (وَتنْصَعُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ النُّونِ وَبِالْمُهْمَلَتَيْنِ مِنَ النُّصُوعِ وَهُوَ الْخُلُوصُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهَا إِذَا نَفَتِ الْخَبَثَ تَمَيَّزَ الطَّيِّبُ وَاسْتَقَرَّ فِيهَا، وَأَمَّا قَوْلُهُ: (طِيِّبُهَا) فَضَبَطَهُ الْأَكْثَرُ بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِالتَّحْتَانِيَّةِ أَوَّلَهُ وَرَفَعَ طَيِّبَهَا عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ وَطَيِّبُهَا لِلْجَمِيعِ بِالتَّشْدِيدِ، وَضَبَطَهُ الْقَزَّازُ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَالتَّخْفِيفِ ثُمَّ اسْتَشْكَلَهُ فَقَالَ: لَمْ أَرَ لِلنُّصُوعِ فِي الطَّيِّبِ ذِكْرًا، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ يَتَضَوَّعُ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَزِيَادَةِ الْوَاوِ الثَّقِيلَةِ. قَالَ: وَيُرْوَى وَتَنْضَخُ بِمُعْجَمَتَيْنِ، وَأَغْرَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي الْفَائِقِ فَضَبَطَهُ بِمُوَحَّدَةٍ وَضَادٍ مُعْجَمَةٍ وَعَيْنٍ، وَقَالَ: هُوَ مِنْ أَبْضَعَهُ بِضَاعَةً إِذَا دَفَعَهَا إِلَيْهِ، يَعْنِي: أَنَّ الْمَدِينَةَ تُعْطِي طَيِّبَهَا لِمَنْ سَكَنَهَا. وَتَعَقَّبَهُ الصَّغَانِيُّ بِأَنَّهُ خَالَفَ جَمِيعَ الرُّوَاةِ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: الْمَشْهُورُ بِالنُّونِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ) هُوَ الْخَطْمِيُّ، وَفِي الْإِسْنَادِ صَحَابِيَّانِ أَنْصَارِيَّانِ فِي نَسَقٍ وَاحِدٍ.

قَوْلُهُ: (رَجَعَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ) هُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النِّسَاءِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا بَيَانُ ابْتِدَاءِ قَوْلِهِ: تَنْفِي الرِّجَالَ وَأَنَّهُ كَانَ فِي أُحُدٍ.

قَوْلُهُ: (الرِّجَالُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، ولِلْكُشْمِيهَنِيِّ، الدَّجَّالُ بِالدَّالِ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ، وَوَقَعَ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ تَنْفِي الذُّنُوبَ وَفِي تَفْسِيرِ النِّسَاءِ تَنْفِي الْخَبَثَ وَأَخْرَجَهُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ كُلِّهَا مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ بِاللَّفْظِ الَّذِي أَخْرَجَهُ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ طَرِيقِ غُنْدَرٍ، وَغُنْدَرٌ أَثْبَتُ النَّاسِ فِي شُعْبَةَ، وَرِوَايَتُهُ تُوَافِقُ رِوَايَةَ حَدِيثِ جَابِرٍ الَّذِي قَبْلَهُ حَيْثُ قَالَ فِيهِ: تَنْفِي خَبَثَهَا وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: تُخْرِجُ الْخَبَثَ وَمَضَى فِي أَوَّلِ فَضَائِلِ الْمَدِينَةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: تَنْفِي النَّاسَ، وَالرِّوَايَةُ الَّتِي هُنَا بِلَفْظِ: تَنْفِي الرِّجَالَ لَا تُنَافِي الرِّوَايَةَ بِلَفْظِ الْخَبَثِ بَلْ هِيَ مُفَسِّرَةٌ لِلرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ، بِخِلَافِ تَنْفِي الذُّنُوبَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ أَهْلَ الذُّنُوبِ فَيَلْتَئِمُ مَعَ بَاقِي الرِّوَايَاتِ.

باب

١٨٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، سَمِعْتُ يُونُسَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ بِالْمَدِينَةِ ضِعْفَيْ مَا جَعَلْتَ بِمَكَّةَ مِنْ الْبَرَكَةِ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٨٨٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «حدَّثني» (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنَديُّ-بفتح النُّون أو بكسرها- قال: (حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ) بفتح الجيم، قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) جريرُ بن حازمٍ قال: (سَمِعْتُ يُونُسَ) بن يزيد الأيليَّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ أَنَسٍ) هو ابن مالكٍ (، عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: اللَّهُمَّ؛ اجْعَلْ بِالمَدِينَةِ ضِعْفَيْ) تثنية: ضِعْفٍ -بالكسر- قال في «القاموس»: ضِعْف الشَّيء: مثله، وضِعْفاه: مثلاه، أو الضِّعْف: المِثْل إلى ما زاد، ويُقال: لك ضِعْفُه؛ يريدون: مِثْلَيه وثلاثةَ أمثاله لأنَّه زيادةٌ غير محصورةٍ، وقول الله تعالى: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠] أي: ثلاثةَ أعذبةٍ، ومَجازُ يُضاعَف؛ أي يُجعَل إلى الشَّيء شيئان حتَّى يصير ثلاثةً. انتهى.

وقال الفقهاء في الوصيَّة: بضعف نصيب ابنه: مثلاه، وبضعفيه: ثلاثة أمثاله عملًا بالعرف في الوصايا، وكذا في الأقارير نحو: له عليَّ ضعف درهمٍ، فيلزمه درهمان لا العمل باللُّغة، والمعنى هنا: اللَّهمَّ اجعل بالمدينة مِثْلَيِ (مَا جَعَلْتَ بِمَكَّةَ مِنَ البَرَكَةِ) أي: الدُّنيويَّة؛ إذ هو مجملٌ فسَّره الحديث الآخر [خ¦١٨٨٩] «اللَّهمَّ بارك لنا في صاعنا ومدِّنا»، فلا يُقال: إنَّ مقتضى إطلاق البركة أن يكون ثواب صلاة المدينة ضعفي ثواب الصَّلاة بمكَّة، أو المراد: عموم البركة، لكن خُصَّت الصَّلاة ونحوها بدليلٍ خارجيٍّ، فاستدلَّ به على تفضيل المدينة على مكَّة، وهو ظاهرٌ من هذه الجهة، لكن لا يلزم من حصول أفضليَّة المفضول في شيءٍ من الأشياء ثبوت الأفضليَّة على الإطلاق، وأيضًا لا دلالة في تضعيف الدُّعاء للمدينة على فضلها على مكَّة؛ إذ لو كان كذلك للزم أن يكون الشَّام (١) واليمن أفضل من مكَّة لقوله في الحديث الآخر [خ¦١٠٣٧]: «اللَّهمَّ بارك لنا في شامنا ويمننا» -أعادها ثلاثًا- وهو باطلٌ لما لا يخفى، فالتَّكرير للتَّأكيد، والمعنى واحدٌ، قال الأبيُّ: ومعنى: «ضعف ما بمكَّة» أنَّ المراد: ما أشبع بغير مكَّة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله وبحمده