«اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ، وَاجْعَلْ مَوْتِي⦗٢٤⦘فِي بَلَدِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٨٩٠

الحديث رقم ١٨٩٠ من كتاب «فضائل المدينة» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب حدثنا مسدد.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٨٩٠ في صحيح البخاري

«اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ، وَاجْعَلْ مَوْتِي

⦗٢٤⦘

فِي بَلَدِ رَسُولِكَ » وَقَالَ ابْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ قَالَتْ: سَمِعْتُ عُمَرَ: نَحْوَهُ. وَقَالَ هِشَامٌ، عَنْ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَفْصَةَ: سَمِعْتُ عُمَرَ .

كِتَابُ الصَّوْمِ

بَابُ وُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَانَ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾

إسناد حديث البخاري رقم ١٨٩٠

١٨٩٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُمَرَ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٨٩٠: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

نَجْلًا تَعْنِي مَاءً آجِنًا"

[الحديث ١٨٨٩ - أطرافه في ٣٩٢٦، ٥٦٥٤، ٥٦٧٧، ٦٣٧٢]

١٨٩٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ قَالَ اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ وَاجْعَلْ مَوْتِي فِي بَلَدِ رَسُولِكَ وَقَالَ ابْنُ زُرَيْعٍ عَنْ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ قَالَتْ سَمِعْتُ عُمَرَ نَحْوَهُ وَقَالَ هِشَامٌ عَنْ زَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَفْصَةَ سَمِعْتُ عُمَرَ

قَوْلُهُ: (بَابٌ) كَذَا فِي جَمِيعِ النُّسَخِ بِلَا تَرْجَمَةٍ، وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى حَدِيثَيْنِ وَأَثَرٍ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا تَعَلُّقٌ بِالتَّرْجَمَةِ الَّتِي قَبْلَهُ: فَحَدِيثُ: مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى التَّرْغِيبِ فِي سُكْنَى الْمَدِينَةِ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ وَعْكِ أَبِي بَكْرٍ، وَبِلَالٍ فِيهِ دُعَاؤُهُ لِلْمَدِينَةِ بِقَوْلِهِ: اللَّهُمَّ صَحِّحْهَا وَفِي ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى التَّرْغِيبِ فِي سُكْنَاهَا أَيْضًا، وَأَثَرُ عُمَرَ فِي دُعَائِهِ بِأَنْ تَكُونَ وَفَاتُهُ بِهَا ظَاهِرٌ فِي ذَلِكَ، وَفِي كُلِّ ذَلِكَ مُنَاسَبَةٌ لِكَرَاهَتِهِ أَنْ تُعْرَى الْمَدِينَةُ، أَيْ: تَصِيرَ خَالِيَةً.

فَأَمَّا الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ فِي الْمِنْبَرِ، فَقَوْلُهُ: مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي. كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَسَاكِرٍ وَحْدَهُ قَبْرِي بَدَلَ بَيْتِي وَهُوَ خَطَأٌ، فَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ قُبَيْلَ الْجَنَائِزِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِلَفْظِ بَيْتِي وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مُسْنَدِ مُسَدَّدٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ، نَعَمْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عِنْدَ الْبَزَّارِ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ: الْقَبْرُ، فَعَلَى هَذَا الْمُرَادُ بِالْبَيْتِ فِي قَوْلِهِ بَيْتِي أَحَدُ بُيُوتِهِ لَا كُلُّهَا، وَهُوَ بَيْتُ عَائِشَةَ الَّذِي صَارَ فِيهِ قَبْرُهُ، وَقَدْ وَرَدَ الْحَدِيثُ بِلَفْظِ: مَا بَيْنَ الْمِنْبَرِ وَبَيْتِ عَائِشَةَ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ.

قَوْلُهُ: (رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ) أَيْ: كَرَوْضَةٍ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ فِي نُزُولِ الرَّحْمَةِ وَحُصُولِ السَّعَادَةِ بِمَا يَحْصُلُ مِنْ مُلَازَمَةِ حِلَقِ الذِّكْرِ لَا سِيَّمَا فِي عَهْدِهِ فَيَكُونُ تَشْبِيهًا بِغَيْرِ أَدَاةٍ، أَوِ الْمَعْنَى أَنَّ الْعِبَادَةَ فِيهَا تُؤَدِّي إِلَى الْجَنَّةِ فَيَكُونُ مَجَازًا، أَوْ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ رَوْضَةٌ حَقِيقَةٌ بِأَنْ يَنْتَقِلَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ بِعَيْنِهِ فِي الْآخِرَةِ إِلَى الْجَنَّةِ. هَذَا مُحَصَّلُ مَا أَوَّلَهُ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَهِيَ عَلَى تَرْتِيبِهَا هَذَا فِي الْقُوَّةِ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي أَيْ: يُنْقَلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُنْصَبُ عَلَى الْحَوْضِ، وَقَالَ الْأَكْثَرُ: الْمُرَادُ مِنْبَرُهُ بِعَيْنِهِ الَّذِي قَالَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ، وَهُوَ فَوْقَهُ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ الْمِنْبَرُ الَّذِي يُوضَعُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ. وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْمُتَقَدِّمُ، وَقَدْ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ رَفَعَهُ: إِنَّ قَوَائِمَ مِنْبَرِي رَوَاتِبُ فِي الْجَنَّةِ وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ قَصْدَ مِنْبَرِهِ وَالْحُضُورَ عِنْدَهُ لِمُلَازَمَةِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ يُورِدُ صَاحِبَهُ إِلَى الْحَوْضِ وَيَقْتَضِي شُرْبَهُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَنَقَلَ ابْنُ زَبَالَةَ أَنَّ ذَرْعَ مَا بَيْنَ الْمِنْبَرِ وَالْبَيْتِ الَّذِي فِيهِ الْقَبْرُ الْآنَ ثَلَاثٌ وَخَمْسُونَ ذِرَاعًا. وَقِيلَ: أَرْبَعٌ وَخَمْسُونَ وَسُدُسٌ. وَقِيلَ: خَمْسُونَ إِلَّا ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ، وَهُوَ الْآنَ كَذَلِكَ، فَكَأَنَّهُ نَقَصَ لَمَّا أُدْخِلَ مِنَ الْحُجْرَةِ فِي الْجِدَارِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمَدِينَةَ أَفْضَلُ مِنْ مَكَّةَ؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ الَّتِي بَيْنَ الْبَيْتِ وَالْمِنْبَرِ مِنَ الْجَنَّةِ، وَقَدْ قَالَ الْحَدِيثُ الْآخَرُ: لَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ حَزْمٍ بِأَنَّ قَوْلَهُ: أنَّهَا مِنَ الْجَنَّةِ، مَجَازا؛ إِذْ لَوْ كَانَتْ حَقِيقَةً لَكَانَتْ كَمَا وَصَفَ اللَّهُ الْجَنَّةَ: ﴿إِنَّ لَكَ أَلا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى﴾ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ الصَّلَاةَ فِيهَا تُؤَدِّي إِلَى الْجَنَّةِ كَمَا يُقَ لُ فِي الْيَوْمِ الطَّيِّبِ: هَذَا مِنْ أَيَّامِ الْجَنَّةِ، وَكَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : الْجَنَّةُ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ قَالَ: ثُمَّ لَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ لَمَا كَانَ الْفَضْلُ إِلَّا لِتِلْكَ الْبُقْعَةِ خَاصَّةً، فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ مَا قَرُبَ مِنْهَا أَفْضَلُ مِمَّا بَعُدَ لَزِمَهُمْ أَنْ يَقُولُوا: إِنَّ الْجُحْفَةَ أَفْضَلُ مِنْ مَكَّةَ وَلَا قَائِلَ بِهِ. وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَقَوْلُهُ: وُعِكَ

- بِضَمِّ أَوَّلِهِ - أَيْ: أَصَابَهُ الْوَعْكُ وَهُوَ الْحُمَّى، وَقِيلَ: مَغْثُ الْحُمَّى، وَسَيَأْتِي شَرْحُ هَذَا الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْمَغَازِي أَوَّلَ الْهِجْرَةِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (قَالَتْ) يَعْنِي: عَائِشَةَ، وَالْقَائِلُ عُرْوَةُ فَهُوَ مُتَّصِلٌ.

قَوْلُهُ: (وَهِيَ أَوْبَأُ) بِالْهَمْزِ بِوَزْنِ أَفْعَلَ مِنَ الْوَبَاءِ، وَالْوَبَاءُ مَقْصُورٌ بِهَمْزٍ وَبِغَيْرِ هَمْزٍ، هُوَ الْمَرَضُ الْعَامُّ، وَلَا يُعَارِضُ قُدُومَهُمْ عَلَيْهَا وَهِيَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ نَهْيُهُ عَنِ الْقُدُومِ عَلَى الطَّاعُونِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ النَّهْيِ، أَوْ أَنَّ النَّهْيَ يَخْتَصُّ بِالطَّاعُونِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْمَوْتِ الذَّرِيعِ لَا الْمَرَضِ وَلَوْ عَمَّ.

قَوْلُهُ: (قَالَتْ: فَكَانَ بُطْحَانُ) يَعْنِي: وَادِي، الْمَدِينَةِ وَقَوْلُهَا (يَجْرِي نَجْلًا، تَعْنِي مَاءً آجِنًا) هُوَ مِنْ تَفْسِيرِ الرَّاوِي عَنْهَا، وَغَرَضُهَا بِذَلِكَ بَيَانُ السَّبَبِ فِي كَثْرَةِ الْوَبَاءِ بِالْمَدِينَةِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ الَّذِي هَذِهِ صِفَتُهُ يَحْدُثُ عِنْدَهُ الْمَرَضُ، وَقِيلَ: النَّجْلُ النَّزُّ بِنُونٍ وَزَايٍ، يُقَالُ: اسْتَنْجَلَ الْوَادِي إِذَا ظَهَرَ نُزُوزُهُ. وَنَجْلًا بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْجِيمِ، وَقَدْ تُفْتَحُ، حَكَاهُ ابْنُ التِّينِ، وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: النَّجَلُ - بِفَتْحَتَيْنِ - سَعَةُ الْعَيْنِ، وَلَيْسَ هُوَ الْمُرَادَ هُنَا، وَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: النَّجْلُ الْعَيْنُ حِينَ تَظْهَرُ وَيَنْبُعُ عَيْنُ الْمَاءِ. وَقَالَ الْحَرْبِيُّ: نَجْلًا؛ أَيْ: وَاسِعًا، وَمِنْهُ عَيْنٌ نَجْلَاءُ أَيْ: وَاسِعَةٌ، وَقِيلَ: هُوَ الْغَدِيرُ الَّذِي لَا يَزَالُ فِيهِ الْمَاءُ.

قَوْلُهُ: (تَعْنِي مَاءً آجِنًا) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْجِيمِ بَعْدَهَا نُونٌ أَيْ: مُتَغَيِّرًا، قَالَ عِيَاضٌ: هُوَ خَطَأٌ مِمَّنْ فَسَّرَهُ؛ فَلَيْسَ الْمُرَادُ هُنَا الْمَاءَ الْمُتَغَيِّرَ. قُلْتُ: وَلَيْسَ كَمَا قَالَ؛ فَإِنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ ذَلِكَ فِي مَقَامِ التَّعْلِيلِ لِكَوْنِ الْمَدِينَةِ كَانَتْ وَبِيئَةً، وَلَا شَكَّ أَنَّ النَّجْلَ إِذَا فُسِّرَ بِكَوْنِهِ الْمَاءَ الْحَاصِلَ مِنَ النَّزِّ فَهُوَ بِصَدَدِ أَنْ يَتَغَيَّرَ، وَإِذَا تَغَيَّرَ كَانَ اسْتِعْمَالُهُ مِمَّا يُحْدِثُ الْوَبَاءَ فِي الْعَادَةِ. وَأَمَّا أَثَرُ عُمَرَ فَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ سَبَبَ دُعَائِهِ بِذَلِكَ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ رَأَى رُؤْيَا فِيهَا أَنَّ عُمَرَ شَهِيدٌ مُسْتَشْهَدٌ، فَقَالَ لَمَّا قَصَّهَا عَلَيْهِ: أَنَّى لِي بِالشَّهَادَةِ وَأَنَا بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، لَسْتُ أَغْزُو وَالنَّاسُ حَوْلِي. ثُمَّ قَالَ: بَلَى، يَأْتِي بِهَا اللَّهُ إِنْ شَاءَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ زُرَيْعٍ عن رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ) وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ، عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ بِسْطَامٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ بِهِ وَلَفْظُهُ: عَنْ حَفْصَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ قَتْلًا فِي سَبِيلِكَ وَوَفَاةً بِبَلَدِ نَبِيِّكِ. قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَأَنَّى يَكُونُ هَذَا؟ قَالَ: يَأْتِي بِهِ اللَّهُ إِذَا شَاءَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ هِشَامُ) ابْنُ سَعْدٍ (عَنْ زَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ) أَسْلَمَ، وَصَلَهُ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي فُدَيْكٍ عَنْهُ، وَلَفْظُهُ: عَنْ حَفْصَةَ، أَنَّهَا سَمِعَتْ أَبَاهَا يَقُولُ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، وَفِي آخِرِهِ: إِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِأَمْرِهِ إِنْ شَاءَ وَأَرَادَ الْبُخَارِيُّ بِهَذَيْنِ التَّعْلِيقَيْنِ بَيَانَ الِاخْتِلَافِ فِيهِ عَلَى زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، فَاتَّفَقَ هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ عَلَى أَنَّهُ عَنْ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ أَسْلَمَ، عَنْ عُمَرَ وَقَدْ تَابَعَهُمَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ زَيْدٍ، عِنْدَ عُمَرَ بْنِ شَبَّةَ، وَانْفَرَدَ رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ زَيْدٍ بِقَوْلِهِ: عَنْ أُمِّهِ وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ مَعْنِ بْنِ عِيسَى، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، أَنَّ عُمَرَ فَذَكَرَهُ مُرْسَلًا، وَلِلْحَدِيثِ طَرِيقٌ أُخْرَى أَخْرَجَهَا الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَارِئِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ يَقُولُ ذَلِكَ وَطَرِيقٌ أُخْرَى أَخْرَجَهَا عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ إِسْنَادُهَا صَحِيحٌ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُنْقَطِعٌ، وَزَادَ: فَكَانَ النَّاسُ يَتَعَجَّبُونَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يَدْرُونَ مَا وَجْهُهُ حَتَّى طَعَنَ أَبُو لُؤْلُؤَةَ، عُمَرَ، . (تَنْبِيهٌ): تَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِفَضْلِ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ وَمَسْجِدِ قُبَاءٍ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى فِي أَبْوَابٍ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الصَّلَاةِ.

(خَاتِمَةٌ): اشْتَمَلَ ذِكْرُ الْمَدِينَةِ عَلَى سِتَّةٍ وَعِشْرِينَ حَدِيثًا، الْمُعَلَّقُ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ، وَالْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى تِسْعَةٌ، وَالْخَالِصُ سَبْعَةَ عَشَرَ، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي ذِكْرِ بَنِي حَارِثَةَ، وَحَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ فِي ذِكْرِ الدَّجَّالِ. وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ أَثَرٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ أَثَرُ عُمَرَ الَّذِي خَتَمَ بِهِ فَأَخْرَجَهُ مَوْصُولًا وَمُعَلَّقًا، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى حُسْنِ الْخِتَامِ، فَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَخْتِمَ لَنَا بِالْحُسْنَى، وَأَنْ يُعِينَ عَلَى خَتْمِ هَذَا الشَّرْحِ، وَيَرْفَعَنَا بِهِ إِلَى الْمَحِلِّ الْأَسْنَى، إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وكسر الجيم بعدها نونٌ؛ أي: متغيِّرًا، وغرض عائشة بذلك: بيان السَّبب في كثرة الوباء بالمدينة لأنَّ الماء الذي هذا صفته يحدث عنه المرض.

وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ أيضًا في «الحجِّ».

١٨٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) المصريُّ -بالميم- قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ) من الزِّيادة (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ) اللَّيثيِّ المدنيِّ (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ) أسلمَ مولى (١) عمر بن الخطَّاب (عَنْ عُمَرَ ) أنَّه (قَالَ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ) قد استُجيبت دعوته، فقتله أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة يوم الأربعاء لأربعٍ بقين من ذي الحجَّة سنة ثلاثٍ وعشرين، فحصل له ثواب الشَّهادة لأنَّه قُتِل ظلمًا (وَاجْعَلْ مَوْتِي فِي بَلَدِ رَسُولِكَ (٢) ) فتُوفِّي بها من ضربة أبي لؤلؤة في خاصرته، ودُفِن عند أبي بكرٍ عند النَّبيِّ ، فالثَّلاثة في بقعةٍ واحدةٍ؛ وهي أشرف البقاع على الإطلاق، ومناسبة هذا الأثر لما ترجم به في طلبه الموت بالمدينة إظهارًا لمحبَّته إيَّاها كمحبَّته (٣) مكَّة وأعلى.

(وَقَالَ ابْنُ زُرَيْعٍ) يزيدُ، ممَّا وصله الإسماعيليُّ (عَنْ رَوْحِ بْنِ القَاسِمِ) بفتح الرَّاء (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أُمِّهِ) وفي الأولى قال: «عن أبيه»، وفي نسخةٍ بالفرع: «عن أبيه» (عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ قَالَتْ: سَمِعْتُ عُمَرَ (٤) نَحْوَهُ) ولفظ الإسماعيليِّ: اللَّهمَّ قتلًا في سبيلك (٥)، ووفاةً في

بلد نبيِّك، قالت: فقلت: وأنَّى يكون هذا؟ قال: يأتي به الله إذا شاء (١).

(وَقَالَ هِشَامٌ) هو ابن سعدٍ القرشيُّ، ممَّا وصله ابن سعدٍ (عَنْ زَيْدٍ) هو ابن أسلم (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَفْصَةَ) أنَّها قالت: (سَمِعْتُ عُمَرَ ) يقول … ، فذكر مثله، وفي آخره: أنَّ الله يأتي بأمره إن شاء، وأراد المؤلِّف بهذين التَّعليقين بيان الاختلاف فيه على زيد بن أسلم، فاتَّفق هشام بن سعدٍ وسعيد بن أبي هلالٍ على أنَّه عن زيدٍ عن أبيه أسلم (٢) عن عمر، وتابعهما حفص بن ميسرة عن زيدٍ عند عمر بن شبَّة، وانفرد رَوْحُ بن القاسم عن زيدٍ بقوله: «عن أمِّه».

تمَّ كتاب الحجِّ، ولله الحمد (٣).

((٣٠)) (كِتَابُ الصَّوْمِ) بفتح الصَّاد وسكون الواو. (بسم الله الرحمن الرحيم) كذا في فرع «اليونينيَّة»، وفي غيرها (١): بتقديم البسملة على لفظ: «كتاب» (٢)، وفي رواية النَّسفيِّ-كما في «فتح الباري» -: «كتاب الصِّيام» بكسر الصَّاد والياء بدل الواو، وهما مصدران لـ «صَامَ»، وثبتت البسملة للجميع، وذكرُ الصَّوم متأخِّرًا عن الحجِّ أنسبُ من ذكره عقب الزَّكاة لاشتمال كلٍّ منهما على بذل المال، فلم يبق للصَّوم موضعٌ إلَّا الأخير، وهو ربع الإيمان لقوله : «الصَّوم نصف الصَّبر»، وقوله: «الصَّبر نصف الإيمان»، وشرعه سبحانه لفوائد أعظمها: كسر النَّفس وقهر الشَّيطان، فالشِّبع نهرٌ في النَّفس يَرِدُه الشَّيطان، والجوع نهرٌ في الرُّوح تَرِدُه الملائكة، ومنها: أنَّ الغنيَّ يعرف قدر نعمة الله تعالى عليه بإقداره على ما مُنِع منه كثيرٌ من الفقراء من فضول الطَّعام والشَّراب والنِّكاح، فإنَّه بامتناعه من ذلك في وقتٍ مخصوصٍ وحصول المشقَّة له بذلك يتذكر به (٣) من مُنِع ذلك على الإطلاق، فيوجب له ذلك شكر (٤) نعمة الله تعالى عليه بالغنى، ويدعوه إلى رحمة أخيه المحتاج ومواساته بما يمكن من ذلك.

وهو لغةً: الإمساك، ومنه قوله تعالى حكايةً عن مريم : ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦] أي: إمساكًا وسكوتًا عن الكلام، وقول النَّابغة:

خيلٌ صيامٌ وخيلٌ غيرُ صائمةٍ … تَحْتَ العَجاجِ وأخرى تعلُكُ اللُّجُما

وشرعًا: إمساكٌ عن المفطر (١) على وجهٍ مخصوصٍ، وقال الطِّيبيُّ: إمساك المُكلَّف بالنِّيَّة من الخيط الأبيض إلى الخيط الأسود عن تناول الأطيبين والاستمناء والاستقاء، فهو وصفٌ سلبيٌّ، وإطلاق العمل عليه تجوُّزٌ.

(١) (بابُ وُجُوبِ صَوْمِ) شهر (رَمَضَانَ) وكان في شعبان من السَّنة الثَّانية من الهجرة، و «رمضان»: مصدر «رمض» إذا احترق، لا ينصرف للعلميَّة والألف والنُّون، وإنَّما سمَّوه بذلك إمَّا لارتماضهم فيه من حرِّ الجوع والعطش، أو لارتماض الذُّنوب فيه، أو لوقوعه أيَّام رمض الحرِّ؛ حيث نقلوا أسماء الشُّهور عن اللَّغة القديمة وسمَّوها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشَّهرُ أيَّام رمض الحرِّ، أو من رَمَضَ الصَّائم اشتدَّ حرُّ جوفه (٢)، أو لأنَّه يحرق الذُّنوب، ورمضان إن صحَّ أنَّه من أسماء الله تعالى فغير مشتقٍّ، أو راجعٌ إلى معنى: الغافر، أي: يمحو الذُّنوب ويمحقها، وقد روى أبو أحمد بن عديٍّ الجرجانيُّ من حديث نجيحٍ أبي معشرٍ عن سعيدٍ المقبريِّ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : «لا تقولوا: رمضان؛ فإنَّ رمضان اسمٌ من أسماء الله تعالى» وفيه: أبو مَعْشَرٍ ضعيفٌ، لكن قالوا: يُكتَب حديثه.

(وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على سابقه: (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾) يعني: الأنبياء والأمم من لدن آدم، وفيه توكيدٌ للحكم، وترغيبٌ

للفعل، وتطييبٌ للنَّفس (﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]) المعاصي؛ فإنَّ الصَّوم يكسر الشَّهوة التي هي مبدؤها كما قال [خ¦١٩٠٥]: «فعليه بالصَّوم؛ فإنَّ الصَّوم له (١) وجاءٌ»، وهل صيام رمضان من خصائص هذه الأمَّة أم لا؟ إن قلنا: إنَّ (٢) التشبيه الذي دلَّ (٣) عليه كافُ «كما» في قوله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ على حقيقته فيكون رمضان كُتِبَ على مَنْ قبلنا، وذكر ابن أبي حاتمٍ عن ابن عمر مرفوعًا: «صيام رمضان كتبه الله على الأمم قبلكم» وفي إسناده مجهولٌ، وإن قلنا: المرادُ مطلقُ الصَّوم دون قدره ووقته فيكون التَّشبيه واقعًا على مطلق الصَّوم، وهو قول الجمهور.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

نَجْلًا تَعْنِي مَاءً آجِنًا"

[الحديث ١٨٨٩ - أطرافه في ٣٩٢٦، ٥٦٥٤، ٥٦٧٧، ٦٣٧٢]

١٨٩٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ قَالَ اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ وَاجْعَلْ مَوْتِي فِي بَلَدِ رَسُولِكَ وَقَالَ ابْنُ زُرَيْعٍ عَنْ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ قَالَتْ سَمِعْتُ عُمَرَ نَحْوَهُ وَقَالَ هِشَامٌ عَنْ زَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَفْصَةَ سَمِعْتُ عُمَرَ

قَوْلُهُ: (بَابٌ) كَذَا فِي جَمِيعِ النُّسَخِ بِلَا تَرْجَمَةٍ، وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى حَدِيثَيْنِ وَأَثَرٍ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا تَعَلُّقٌ بِالتَّرْجَمَةِ الَّتِي قَبْلَهُ: فَحَدِيثُ: مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى التَّرْغِيبِ فِي سُكْنَى الْمَدِينَةِ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ وَعْكِ أَبِي بَكْرٍ، وَبِلَالٍ فِيهِ دُعَاؤُهُ لِلْمَدِينَةِ بِقَوْلِهِ: اللَّهُمَّ صَحِّحْهَا وَفِي ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى التَّرْغِيبِ فِي سُكْنَاهَا أَيْضًا، وَأَثَرُ عُمَرَ فِي دُعَائِهِ بِأَنْ تَكُونَ وَفَاتُهُ بِهَا ظَاهِرٌ فِي ذَلِكَ، وَفِي كُلِّ ذَلِكَ مُنَاسَبَةٌ لِكَرَاهَتِهِ أَنْ تُعْرَى الْمَدِينَةُ، أَيْ: تَصِيرَ خَالِيَةً.

فَأَمَّا الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ فِي الْمِنْبَرِ، فَقَوْلُهُ: مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي. كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَسَاكِرٍ وَحْدَهُ قَبْرِي بَدَلَ بَيْتِي وَهُوَ خَطَأٌ، فَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ قُبَيْلَ الْجَنَائِزِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِلَفْظِ بَيْتِي وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مُسْنَدِ مُسَدَّدٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ، نَعَمْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عِنْدَ الْبَزَّارِ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ: الْقَبْرُ، فَعَلَى هَذَا الْمُرَادُ بِالْبَيْتِ فِي قَوْلِهِ بَيْتِي أَحَدُ بُيُوتِهِ لَا كُلُّهَا، وَهُوَ بَيْتُ عَائِشَةَ الَّذِي صَارَ فِيهِ قَبْرُهُ، وَقَدْ وَرَدَ الْحَدِيثُ بِلَفْظِ: مَا بَيْنَ الْمِنْبَرِ وَبَيْتِ عَائِشَةَ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ.

قَوْلُهُ: (رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ) أَيْ: كَرَوْضَةٍ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ فِي نُزُولِ الرَّحْمَةِ وَحُصُولِ السَّعَادَةِ بِمَا يَحْصُلُ مِنْ مُلَازَمَةِ حِلَقِ الذِّكْرِ لَا سِيَّمَا فِي عَهْدِهِ فَيَكُونُ تَشْبِيهًا بِغَيْرِ أَدَاةٍ، أَوِ الْمَعْنَى أَنَّ الْعِبَادَةَ فِيهَا تُؤَدِّي إِلَى الْجَنَّةِ فَيَكُونُ مَجَازًا، أَوْ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ رَوْضَةٌ حَقِيقَةٌ بِأَنْ يَنْتَقِلَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ بِعَيْنِهِ فِي الْآخِرَةِ إِلَى الْجَنَّةِ. هَذَا مُحَصَّلُ مَا أَوَّلَهُ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَهِيَ عَلَى تَرْتِيبِهَا هَذَا فِي الْقُوَّةِ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي أَيْ: يُنْقَلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُنْصَبُ عَلَى الْحَوْضِ، وَقَالَ الْأَكْثَرُ: الْمُرَادُ مِنْبَرُهُ بِعَيْنِهِ الَّذِي قَالَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ، وَهُوَ فَوْقَهُ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ الْمِنْبَرُ الَّذِي يُوضَعُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ. وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْمُتَقَدِّمُ، وَقَدْ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ رَفَعَهُ: إِنَّ قَوَائِمَ مِنْبَرِي رَوَاتِبُ فِي الْجَنَّةِ وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ قَصْدَ مِنْبَرِهِ وَالْحُضُورَ عِنْدَهُ لِمُلَازَمَةِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ يُورِدُ صَاحِبَهُ إِلَى الْحَوْضِ وَيَقْتَضِي شُرْبَهُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَنَقَلَ ابْنُ زَبَالَةَ أَنَّ ذَرْعَ مَا بَيْنَ الْمِنْبَرِ وَالْبَيْتِ الَّذِي فِيهِ الْقَبْرُ الْآنَ ثَلَاثٌ وَخَمْسُونَ ذِرَاعًا. وَقِيلَ: أَرْبَعٌ وَخَمْسُونَ وَسُدُسٌ. وَقِيلَ: خَمْسُونَ إِلَّا ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ، وَهُوَ الْآنَ كَذَلِكَ، فَكَأَنَّهُ نَقَصَ لَمَّا أُدْخِلَ مِنَ الْحُجْرَةِ فِي الْجِدَارِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمَدِينَةَ أَفْضَلُ مِنْ مَكَّةَ؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ الَّتِي بَيْنَ الْبَيْتِ وَالْمِنْبَرِ مِنَ الْجَنَّةِ، وَقَدْ قَالَ الْحَدِيثُ الْآخَرُ: لَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ حَزْمٍ بِأَنَّ قَوْلَهُ: أنَّهَا مِنَ الْجَنَّةِ، مَجَازا؛ إِذْ لَوْ كَانَتْ حَقِيقَةً لَكَانَتْ كَمَا وَصَفَ اللَّهُ الْجَنَّةَ: ﴿إِنَّ لَكَ أَلا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى﴾ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ الصَّلَاةَ فِيهَا تُؤَدِّي إِلَى الْجَنَّةِ كَمَا يُقَ لُ فِي الْيَوْمِ الطَّيِّبِ: هَذَا مِنْ أَيَّامِ الْجَنَّةِ، وَكَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : الْجَنَّةُ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ قَالَ: ثُمَّ لَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ لَمَا كَانَ الْفَضْلُ إِلَّا لِتِلْكَ الْبُقْعَةِ خَاصَّةً، فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ مَا قَرُبَ مِنْهَا أَفْضَلُ مِمَّا بَعُدَ لَزِمَهُمْ أَنْ يَقُولُوا: إِنَّ الْجُحْفَةَ أَفْضَلُ مِنْ مَكَّةَ وَلَا قَائِلَ بِهِ. وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَقَوْلُهُ: وُعِكَ

- بِضَمِّ أَوَّلِهِ - أَيْ: أَصَابَهُ الْوَعْكُ وَهُوَ الْحُمَّى، وَقِيلَ: مَغْثُ الْحُمَّى، وَسَيَأْتِي شَرْحُ هَذَا الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْمَغَازِي أَوَّلَ الْهِجْرَةِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (قَالَتْ) يَعْنِي: عَائِشَةَ، وَالْقَائِلُ عُرْوَةُ فَهُوَ مُتَّصِلٌ.

قَوْلُهُ: (وَهِيَ أَوْبَأُ) بِالْهَمْزِ بِوَزْنِ أَفْعَلَ مِنَ الْوَبَاءِ، وَالْوَبَاءُ مَقْصُورٌ بِهَمْزٍ وَبِغَيْرِ هَمْزٍ، هُوَ الْمَرَضُ الْعَامُّ، وَلَا يُعَارِضُ قُدُومَهُمْ عَلَيْهَا وَهِيَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ نَهْيُهُ عَنِ الْقُدُومِ عَلَى الطَّاعُونِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ النَّهْيِ، أَوْ أَنَّ النَّهْيَ يَخْتَصُّ بِالطَّاعُونِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْمَوْتِ الذَّرِيعِ لَا الْمَرَضِ وَلَوْ عَمَّ.

قَوْلُهُ: (قَالَتْ: فَكَانَ بُطْحَانُ) يَعْنِي: وَادِي، الْمَدِينَةِ وَقَوْلُهَا (يَجْرِي نَجْلًا، تَعْنِي مَاءً آجِنًا) هُوَ مِنْ تَفْسِيرِ الرَّاوِي عَنْهَا، وَغَرَضُهَا بِذَلِكَ بَيَانُ السَّبَبِ فِي كَثْرَةِ الْوَبَاءِ بِالْمَدِينَةِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ الَّذِي هَذِهِ صِفَتُهُ يَحْدُثُ عِنْدَهُ الْمَرَضُ، وَقِيلَ: النَّجْلُ النَّزُّ بِنُونٍ وَزَايٍ، يُقَالُ: اسْتَنْجَلَ الْوَادِي إِذَا ظَهَرَ نُزُوزُهُ. وَنَجْلًا بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْجِيمِ، وَقَدْ تُفْتَحُ، حَكَاهُ ابْنُ التِّينِ، وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: النَّجَلُ - بِفَتْحَتَيْنِ - سَعَةُ الْعَيْنِ، وَلَيْسَ هُوَ الْمُرَادَ هُنَا، وَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: النَّجْلُ الْعَيْنُ حِينَ تَظْهَرُ وَيَنْبُعُ عَيْنُ الْمَاءِ. وَقَالَ الْحَرْبِيُّ: نَجْلًا؛ أَيْ: وَاسِعًا، وَمِنْهُ عَيْنٌ نَجْلَاءُ أَيْ: وَاسِعَةٌ، وَقِيلَ: هُوَ الْغَدِيرُ الَّذِي لَا يَزَالُ فِيهِ الْمَاءُ.

قَوْلُهُ: (تَعْنِي مَاءً آجِنًا) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْجِيمِ بَعْدَهَا نُونٌ أَيْ: مُتَغَيِّرًا، قَالَ عِيَاضٌ: هُوَ خَطَأٌ مِمَّنْ فَسَّرَهُ؛ فَلَيْسَ الْمُرَادُ هُنَا الْمَاءَ الْمُتَغَيِّرَ. قُلْتُ: وَلَيْسَ كَمَا قَالَ؛ فَإِنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ ذَلِكَ فِي مَقَامِ التَّعْلِيلِ لِكَوْنِ الْمَدِينَةِ كَانَتْ وَبِيئَةً، وَلَا شَكَّ أَنَّ النَّجْلَ إِذَا فُسِّرَ بِكَوْنِهِ الْمَاءَ الْحَاصِلَ مِنَ النَّزِّ فَهُوَ بِصَدَدِ أَنْ يَتَغَيَّرَ، وَإِذَا تَغَيَّرَ كَانَ اسْتِعْمَالُهُ مِمَّا يُحْدِثُ الْوَبَاءَ فِي الْعَادَةِ. وَأَمَّا أَثَرُ عُمَرَ فَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ سَبَبَ دُعَائِهِ بِذَلِكَ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ رَأَى رُؤْيَا فِيهَا أَنَّ عُمَرَ شَهِيدٌ مُسْتَشْهَدٌ، فَقَالَ لَمَّا قَصَّهَا عَلَيْهِ: أَنَّى لِي بِالشَّهَادَةِ وَأَنَا بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، لَسْتُ أَغْزُو وَالنَّاسُ حَوْلِي. ثُمَّ قَالَ: بَلَى، يَأْتِي بِهَا اللَّهُ إِنْ شَاءَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ زُرَيْعٍ عن رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ) وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ، عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ بِسْطَامٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ بِهِ وَلَفْظُهُ: عَنْ حَفْصَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ قَتْلًا فِي سَبِيلِكَ وَوَفَاةً بِبَلَدِ نَبِيِّكِ. قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَأَنَّى يَكُونُ هَذَا؟ قَالَ: يَأْتِي بِهِ اللَّهُ إِذَا شَاءَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ هِشَامُ) ابْنُ سَعْدٍ (عَنْ زَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ) أَسْلَمَ، وَصَلَهُ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي فُدَيْكٍ عَنْهُ، وَلَفْظُهُ: عَنْ حَفْصَةَ، أَنَّهَا سَمِعَتْ أَبَاهَا يَقُولُ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، وَفِي آخِرِهِ: إِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِأَمْرِهِ إِنْ شَاءَ وَأَرَادَ الْبُخَارِيُّ بِهَذَيْنِ التَّعْلِيقَيْنِ بَيَانَ الِاخْتِلَافِ فِيهِ عَلَى زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، فَاتَّفَقَ هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ عَلَى أَنَّهُ عَنْ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ أَسْلَمَ، عَنْ عُمَرَ وَقَدْ تَابَعَهُمَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ زَيْدٍ، عِنْدَ عُمَرَ بْنِ شَبَّةَ، وَانْفَرَدَ رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ زَيْدٍ بِقَوْلِهِ: عَنْ أُمِّهِ وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ مَعْنِ بْنِ عِيسَى، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، أَنَّ عُمَرَ فَذَكَرَهُ مُرْسَلًا، وَلِلْحَدِيثِ طَرِيقٌ أُخْرَى أَخْرَجَهَا الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَارِئِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ يَقُولُ ذَلِكَ وَطَرِيقٌ أُخْرَى أَخْرَجَهَا عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ إِسْنَادُهَا صَحِيحٌ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُنْقَطِعٌ، وَزَادَ: فَكَانَ النَّاسُ يَتَعَجَّبُونَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يَدْرُونَ مَا وَجْهُهُ حَتَّى طَعَنَ أَبُو لُؤْلُؤَةَ، عُمَرَ، . (تَنْبِيهٌ): تَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِفَضْلِ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ وَمَسْجِدِ قُبَاءٍ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى فِي أَبْوَابٍ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الصَّلَاةِ.

(خَاتِمَةٌ): اشْتَمَلَ ذِكْرُ الْمَدِينَةِ عَلَى سِتَّةٍ وَعِشْرِينَ حَدِيثًا، الْمُعَلَّقُ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ، وَالْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى تِسْعَةٌ، وَالْخَالِصُ سَبْعَةَ عَشَرَ، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي ذِكْرِ بَنِي حَارِثَةَ، وَحَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ فِي ذِكْرِ الدَّجَّالِ. وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ أَثَرٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ أَثَرُ عُمَرَ الَّذِي خَتَمَ بِهِ فَأَخْرَجَهُ مَوْصُولًا وَمُعَلَّقًا، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى حُسْنِ الْخِتَامِ، فَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَخْتِمَ لَنَا بِالْحُسْنَى، وَأَنْ يُعِينَ عَلَى خَتْمِ هَذَا الشَّرْحِ، وَيَرْفَعَنَا بِهِ إِلَى الْمَحِلِّ الْأَسْنَى، إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وكسر الجيم بعدها نونٌ؛ أي: متغيِّرًا، وغرض عائشة بذلك: بيان السَّبب في كثرة الوباء بالمدينة لأنَّ الماء الذي هذا صفته يحدث عنه المرض.

وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ أيضًا في «الحجِّ».

١٨٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) المصريُّ -بالميم- قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ) من الزِّيادة (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ) اللَّيثيِّ المدنيِّ (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ) أسلمَ مولى (١) عمر بن الخطَّاب (عَنْ عُمَرَ ) أنَّه (قَالَ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ) قد استُجيبت دعوته، فقتله أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة يوم الأربعاء لأربعٍ بقين من ذي الحجَّة سنة ثلاثٍ وعشرين، فحصل له ثواب الشَّهادة لأنَّه قُتِل ظلمًا (وَاجْعَلْ مَوْتِي فِي بَلَدِ رَسُولِكَ (٢) ) فتُوفِّي بها من ضربة أبي لؤلؤة في خاصرته، ودُفِن عند أبي بكرٍ عند النَّبيِّ ، فالثَّلاثة في بقعةٍ واحدةٍ؛ وهي أشرف البقاع على الإطلاق، ومناسبة هذا الأثر لما ترجم به في طلبه الموت بالمدينة إظهارًا لمحبَّته إيَّاها كمحبَّته (٣) مكَّة وأعلى.

(وَقَالَ ابْنُ زُرَيْعٍ) يزيدُ، ممَّا وصله الإسماعيليُّ (عَنْ رَوْحِ بْنِ القَاسِمِ) بفتح الرَّاء (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أُمِّهِ) وفي الأولى قال: «عن أبيه»، وفي نسخةٍ بالفرع: «عن أبيه» (عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ قَالَتْ: سَمِعْتُ عُمَرَ (٤) نَحْوَهُ) ولفظ الإسماعيليِّ: اللَّهمَّ قتلًا في سبيلك (٥)، ووفاةً في

بلد نبيِّك، قالت: فقلت: وأنَّى يكون هذا؟ قال: يأتي به الله إذا شاء (١).

(وَقَالَ هِشَامٌ) هو ابن سعدٍ القرشيُّ، ممَّا وصله ابن سعدٍ (عَنْ زَيْدٍ) هو ابن أسلم (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَفْصَةَ) أنَّها قالت: (سَمِعْتُ عُمَرَ ) يقول … ، فذكر مثله، وفي آخره: أنَّ الله يأتي بأمره إن شاء، وأراد المؤلِّف بهذين التَّعليقين بيان الاختلاف فيه على زيد بن أسلم، فاتَّفق هشام بن سعدٍ وسعيد بن أبي هلالٍ على أنَّه عن زيدٍ عن أبيه أسلم (٢) عن عمر، وتابعهما حفص بن ميسرة عن زيدٍ عند عمر بن شبَّة، وانفرد رَوْحُ بن القاسم عن زيدٍ بقوله: «عن أمِّه».

تمَّ كتاب الحجِّ، ولله الحمد (٣).

((٣٠)) (كِتَابُ الصَّوْمِ) بفتح الصَّاد وسكون الواو. (بسم الله الرحمن الرحيم) كذا في فرع «اليونينيَّة»، وفي غيرها (١): بتقديم البسملة على لفظ: «كتاب» (٢)، وفي رواية النَّسفيِّ-كما في «فتح الباري» -: «كتاب الصِّيام» بكسر الصَّاد والياء بدل الواو، وهما مصدران لـ «صَامَ»، وثبتت البسملة للجميع، وذكرُ الصَّوم متأخِّرًا عن الحجِّ أنسبُ من ذكره عقب الزَّكاة لاشتمال كلٍّ منهما على بذل المال، فلم يبق للصَّوم موضعٌ إلَّا الأخير، وهو ربع الإيمان لقوله : «الصَّوم نصف الصَّبر»، وقوله: «الصَّبر نصف الإيمان»، وشرعه سبحانه لفوائد أعظمها: كسر النَّفس وقهر الشَّيطان، فالشِّبع نهرٌ في النَّفس يَرِدُه الشَّيطان، والجوع نهرٌ في الرُّوح تَرِدُه الملائكة، ومنها: أنَّ الغنيَّ يعرف قدر نعمة الله تعالى عليه بإقداره على ما مُنِع منه كثيرٌ من الفقراء من فضول الطَّعام والشَّراب والنِّكاح، فإنَّه بامتناعه من ذلك في وقتٍ مخصوصٍ وحصول المشقَّة له بذلك يتذكر به (٣) من مُنِع ذلك على الإطلاق، فيوجب له ذلك شكر (٤) نعمة الله تعالى عليه بالغنى، ويدعوه إلى رحمة أخيه المحتاج ومواساته بما يمكن من ذلك.

وهو لغةً: الإمساك، ومنه قوله تعالى حكايةً عن مريم : ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦] أي: إمساكًا وسكوتًا عن الكلام، وقول النَّابغة:

خيلٌ صيامٌ وخيلٌ غيرُ صائمةٍ … تَحْتَ العَجاجِ وأخرى تعلُكُ اللُّجُما

وشرعًا: إمساكٌ عن المفطر (١) على وجهٍ مخصوصٍ، وقال الطِّيبيُّ: إمساك المُكلَّف بالنِّيَّة من الخيط الأبيض إلى الخيط الأسود عن تناول الأطيبين والاستمناء والاستقاء، فهو وصفٌ سلبيٌّ، وإطلاق العمل عليه تجوُّزٌ.

(١) (بابُ وُجُوبِ صَوْمِ) شهر (رَمَضَانَ) وكان في شعبان من السَّنة الثَّانية من الهجرة، و «رمضان»: مصدر «رمض» إذا احترق، لا ينصرف للعلميَّة والألف والنُّون، وإنَّما سمَّوه بذلك إمَّا لارتماضهم فيه من حرِّ الجوع والعطش، أو لارتماض الذُّنوب فيه، أو لوقوعه أيَّام رمض الحرِّ؛ حيث نقلوا أسماء الشُّهور عن اللَّغة القديمة وسمَّوها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشَّهرُ أيَّام رمض الحرِّ، أو من رَمَضَ الصَّائم اشتدَّ حرُّ جوفه (٢)، أو لأنَّه يحرق الذُّنوب، ورمضان إن صحَّ أنَّه من أسماء الله تعالى فغير مشتقٍّ، أو راجعٌ إلى معنى: الغافر، أي: يمحو الذُّنوب ويمحقها، وقد روى أبو أحمد بن عديٍّ الجرجانيُّ من حديث نجيحٍ أبي معشرٍ عن سعيدٍ المقبريِّ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : «لا تقولوا: رمضان؛ فإنَّ رمضان اسمٌ من أسماء الله تعالى» وفيه: أبو مَعْشَرٍ ضعيفٌ، لكن قالوا: يُكتَب حديثه.

(وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على سابقه: (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾) يعني: الأنبياء والأمم من لدن آدم، وفيه توكيدٌ للحكم، وترغيبٌ

للفعل، وتطييبٌ للنَّفس (﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]) المعاصي؛ فإنَّ الصَّوم يكسر الشَّهوة التي هي مبدؤها كما قال [خ¦١٩٠٥]: «فعليه بالصَّوم؛ فإنَّ الصَّوم له (١) وجاءٌ»، وهل صيام رمضان من خصائص هذه الأمَّة أم لا؟ إن قلنا: إنَّ (٢) التشبيه الذي دلَّ (٣) عليه كافُ «كما» في قوله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ على حقيقته فيكون رمضان كُتِبَ على مَنْ قبلنا، وذكر ابن أبي حاتمٍ عن ابن عمر مرفوعًا: «صيام رمضان كتبه الله على الأمم قبلكم» وفي إسناده مجهولٌ، وإن قلنا: المرادُ مطلقُ الصَّوم دون قدره ووقته فيكون التَّشبيه واقعًا على مطلق الصَّوم، وهو قول الجمهور.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.6 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
لا إله إلا الله