الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٩٠
الحديث رقم ١٩٠ من كتاب «كتاب الوضوء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب حدثنا عبد الرحمن بن يونس.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ مَنْ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ
١٩٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الْجَعْدِ قَالَ: سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
هَذِهِ الرِّوَايَةُ وَإِنْ كَانَتْ عَنْ مَجْهُولٍ لَكِنَّهَا مُتَابَعَةٌ، وَيُغْتَفَرُ فِيهَا مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الْأُصُولِ. قُلْتُ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِلَّا أَنَّهُ لَا يُعْتَذَرُ بِهِ هُنَا؛ لِأَنَّ الْمُبْهَمَ مَعْرُوفٌ، وَإِنَّمَا لَمْ يُسَمِّهِ اخْتِصَارًا كَمَا اخْتَصَرَ السَّنَدَ فَعَلَّقَهُ، وَزَعَمَ الْكِرْمَانِيُّ أَنَّ قَوْلَهُ وَقَالَ عُرْوَةُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ فِي السَّنَدِ الَّذِي قَبْلَهُ أَخْبَرَنِي مَحْمُودٌ فَيَكُونُ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ رَوَى عَنِ الزُّهْرِيِّ حَدِيثَ مَحْمُودٍ وَعَطَفَ عَلَيْهِ حَدِيثَ عُرْوَةَ، فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ حَدِيثُ عُرْوَةَ مُعَلَّقًا بَلْ يَكُونُ مَوْصُولًا بِالسَّنَدِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَصَنِيعُ أَئِمَّةِ النَّقْلِ يُخَالِفُ مَا زَعَمَهُ، وَاسْتَمَرَّ الْكِرْمَانِيُّ عَلَى هَذَا التَّجْوِيزِ حَتَّى زَعَمَ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ لِلْمِسْوَرِ، وَمَحْمُودِ، وَلَيْسَ كَمَا زَعَمَ بَلْ هُوَ لِلْمِسْوَرِ، وَمَرْوَانَ، وَهُوَ تَجْوِيزٌ مِنْهُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ، وَالرُّجُوعُ إِلَى النَّقْلِ فِي بَابِ النَّقْلِ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (كَانُوا يَقْتَتِلُونَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَلِلْبَاقِينَ كَادُوا بِالدَّالِ وَهُوَ الصَّوَابُ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ، وَإِنَّمَا حَكَى ذَلِكَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ لَمَّا رَجَعَ إِلَى قُرَيْشٍ لِيُعْلِمَهُمْ شِدَّةَ تَعْظِيمِ الصَّحَابَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَطْلَقَ الْقِتَالَ مُبَالَغَةً.
بَاب
١٩٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يُونُسَ، قال: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ الْجَعْدِ، قال: سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابْنَ أُخْتِي وَقِعٌ، فَمَسَحَ رَأْسِي وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ. ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ، ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ مِثْلَ زِرِّ الْحَجَلَةِ.
[الحديث ١٩٠ - أطرافه في: ٣٥٤٠، ٣٥٤١، ٦٣٥٢]
قَوْلُهُ: (بَابُ) كَذَا لِلْمُسْتَمْلِي كَأَنَّهُ كَالْفَصْلِ مِنَ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَجَعَلَهُ الْبَاقُونَ مِنْهُ بِلَا فَصْلٍ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يُونُسَ) هُوَ أَبُو مُسْلِمٍ الْمُسْتَمْلِي أَحَدُ الْحُفَّاظِ.
قَوْلُهُ: (عَنِ الْجَعْدِ) كَذَا هُنَا، وَلِلْأَكْثَرِ الْجُعَيْدُ بِالتَّصْغِيرِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَالسَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ مِنْ صِغَارِ الصَّحَابَةِ، وَسَيَأْتِي حَدِيثُهُ هَذَا مُبَيَّنًا فِي كِتَابِ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (وَقِعٌ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَالتَّنْوِينِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ وَقَعَ بِلَفْظِ الْمَاضِي، وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَجَعٌ بِالْجِيمِ وَالتَّنْوِينِ، وَالْوَقْعُ وَجَعٌ فِي الْقَدَمَيْنِ.
قَوْلُهُ: (زِرُّ الْحَجَلَةِ) بِكَسْرِ الزَّايِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ، وَالْحَجَلَةُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْجِيمِ وَاحِدَةُ الْحِجَالِ، وَهِيَ بُيُوتٌ تُزَيَّنُ بِالثِّيَابِ وَالْأَسِرَّةِ وَالسُّتُورِ لَهَا عُرًى وَأَزْرَارٌ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْحَجَلَةِ الطَّيْرُ وَهُوَ الْيَعْقُوبُ يُقَالُ لِلْأُنْثَى مِنْهُ حَجَلَةٌ، وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ بِزِرِّهَا بَيْضَتُهَا، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي حَدِيثٍ آخَرَ مِثْلُ بَيْضَةِ الْحَمَامَةِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ مُسْتَوْفًى فِي صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَأَرَادَ الْبُخَارِيُّ الِاسْتِدْلَالَ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَلَى رَدِّ قَوْلِ مَنْ قال بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، وَحَكَى الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ رَجَعَ عَنْهُ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ بَعْدَ شَهْرَيْنِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ: الْأُولَى: طَاهِرٌ لَا طَهُورٌ وَهِيَ رِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ وَهُوَ الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، الثَّانِيَةُ: نَجِسٌ نَجَاسَةً خَفِيفَةً وَهِيَ رِوَايَةُ أَبِي يُوسُفَ عَنْهُ، الثَّالِثَةُ: نَجِسٌ نَجَاسَةً غَلِيظَةً وَهِيَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ اللُّؤْلُؤِيِّ عَنْهُ. وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تَرُدُّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النَّجِسَ لَا يُتَبَرَّكُ بِهِ، وَحَدِيثُ الْمَجَّةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِالْوُضُوءِ لَكِنَّ تَوْجِيهَهُ أَنَّ الْقَائِلَ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ إِذَا عَلَّلَهُ بِأَنَّهُ مَاءٌ مُضَافٌ، قِيلَ لَهُ: هُوَ مُضَافٌ إِلَى طَاهِرٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ بِهِ، وَكَذَلِكَ الْمَاءُ الَّذِي خَالَطَهُ الرِّيقُ طَاهِرٌ لِحَدِيثِ الْمَجَّةِ، وَأَمَّا مَنْ عَلَّلَهُ مِنْهُمْ بِأَنَّهُ مَاءُ الذَّنُوبِ فَيَجِبُ إِبْعَادُهُ مُحْتَجًّا بِالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
مُبالَغةً منهم في التَّنافس عليه، وصوّب الحافظ ابن حجرٍ رواية «الدَّال»، قال (١): لأنَّه لم يقع منهم قتالٌ كما في رواية المُستملي (٢)، وإنَّما حكى ذلك عروة بن مسعودٍ لمَّا رجع إلى قريشٍ.
(بابٌ) بالتَّنوين، بغير (٣) ترجمةٍ كما في رواية المُستملي، وهو ساقطٌ في رواية الأكثرين من غير فصلٍ بين آخر الحديث السَّابق واللَّاحق.
١٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يُونُسَ) البغداديُّ، المُستملي لسفيان بن عُيَيْنَةَ وغيره، وهو أحد الحفَّاظ، المُتوفَّى فجأةً سنة أربعٍ وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بالحاء المُهمَلة والمُثنَّاة الفوقيَّة، الكوفيُّ، نزيل المدينة، المُتوفَّى بها سنة ستٍّ وثمانين ومئةٍ في خلافة هارون (عَنِ الجَعْدِ) بفتح الجيم وسكون العَيْن المُهمَلة، وللأكثر (٤): «الجُعيد» بالتَّصغير وهو المشهور، ابن عبد الرَّحمن بن أوسٍ المدنيُّ الكنديُّ (قَالَ: سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ) بالسِّين المُهمَلة والمُثنَّاة التَّحتيَّة آخره مُوحَّدةٌ، والثَّاني: مِنَ الزِّيادة، الكنديَّ من صغار الصَّحابة، كان مع أبيه في حجَّة الوداع وهو ابن سبع سنين، ووُلِد في السَّنة الثَّانية من الهجرة، وخرج مع الصِّبيان إلى ثنيَّة الوداع لتلقِّي (٥) النَّبيِّ ﷺ مَقْدَمَهُ
من تبوك، وتُوفِّي بالمدينة سنة إحدى وتسعين، له في «البخاريِّ» ستَّة أحاديث ﵁ (يَقُولُ: ذَهَبَتْ) أي: مضت (بِي خَالَتِي) لم تُسمَّ (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ ابْنَ أُخْتِي) عُلْبة (١)، بالعين المُهمَلة (٢) المضمومة واللَّام السَّاكنة والمُوحَّدة، بنت شُرَيْحٍ (وَقِعٌ) بفتح الواو وكسر القاف والتَّنوين، أي: أصابه وجعٌ في قدميه، أو يشتكي لحم رجليه من الحفاء لغلظ الأرض والحجارة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «وَقَعَ» بفتح القاف، بلفظ الماضي، أي: وقع في المرض، وفي الفرع لأبي ذَرٍّ وكريمة وأبي الوقت: «وَجِعٌ» بفتح الواو وكسر الجيم والتَّنوين، وعليه الأكثرون، والعرب تسمِّي كلَّ مرضٍ وجعًا، قال السَّائب: (فَمَسَحَ) ﵊ (رَأْسِي) بيده الشَّريفة (وَدَعَا لِي بِالبَرَكَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ) بفتح الواو، أي: مِنَ الماء المتقاطر من أعضائه الشَّريفة، وبهذا التَّفسير تقع المُطابَقة بين التَّرجمة والحديث، إذ فيه: دلالةٌ على طهارة الماء المُستعمَل (ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ) ﵊ (فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَِمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ) بكسر تاء «خاتم» أي: فاعل الختم وهو الإتمام والبلوغ إلى الآخر، وبفتحها بمعنى: الطَّابع، ومعناه: الشَّيء الذي هو دليلٌ على أنَّه لا نبيَّ بعده، وفيه: صيانةٌ لنبوَّته ﵊ عن تطرُّق القدح إليها صيانةَ الشَّيءِ المستوثَق بالختم، وفي رواية أحمد من حديث عبد الله بن سَرْجِس (٣): في نَُغْض كتفه اليسرى، بضمِّ النُّون وفتحها وسكون الغَيْن
المُعجَمة آخره ضادٌ مُعجَمةٌ: أعلى الكتف أو العظم (١) الدَّقيق (٢) الذي على طرفه (مِثْلَ) بكسر الميم وفتح اللَّام، مفعول «نظرت»، وللأَصيليِّ: «مثلِ» بكسرها بدلٌ من المجرور (زِرِّ الحَجَلَةِ) بكسر الزَّاي وتشديد الرَّاء، واحد: الأزرار، و «الحَجَلة» بفتح المُهمَلَة والجيم، واحدة الحجال، وهي بيوتٌ تُزيَّن بالثِّياب والسُّتور والأسِرَّة، لها عُرًى وأزرارٌ، وفي رواية أحمد من حديث أبي رمثة (٣) التَّيميِّ قال: خرجت مع أبي حتَّى أتيت رسول الله ﷺ، فرأيت على كتفه مثل التُّفَّاحة، فقال أبي: إنِّي طبيبٌ، ألا أبُطُّها (٤) لك؟ قال: «طبيبُها (٥) الذي خلقها»، فإن قلت: هل وضع الخاتم بعد مولده ﵊ أو وُلِدَ وهو به؟ أُجيب بأنَّ في «الدَّلائل» لأبي نُعيمٍ: «أنَّه ﷺ لمَّا وُلِدَ ذكرت أمُّه أنَّ الملَك غمسه في الماء الذي أنبعه ثلاث غمساتٍ، ثمَّ أخرج صرَّةً من حريرٍ أبيض فإذا فيها خاتمٌ، فضرب به على كتفه كالبيضة المكنونة تضيء كالزُّهَرَة» فهذا صريحٌ في وضعه بعد مولده، وقِيلَ: وُلِدَ به، والله أعلم، وفي كتابي (٦) «المواهب» مزيدٌ لذلك، ويأتي إن شاء الله تعالى في «صفته ﵊» (٧) مزيدُ بحثٍ لذلك.
ورواة هذا الحديث الأربعة ما بين بغداديٍّ وكوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والسَّماع، وأخرجه المؤلِّف في «صفته ﵊» [خ¦٣٥٤١] وفي «الطِّبِّ» [خ¦٥٦٧٠] و «الدَّعوات» [خ¦٦٣٥٢]، ومسلمٌ في «صفته ﵊»، والتِّرمذيُّ في «المناقب» وقال: حسنٌ غريبٌ من هذا الوجه، والنَّسائيُّ في «الطِّبِّ».
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
هَذِهِ الرِّوَايَةُ وَإِنْ كَانَتْ عَنْ مَجْهُولٍ لَكِنَّهَا مُتَابَعَةٌ، وَيُغْتَفَرُ فِيهَا مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الْأُصُولِ. قُلْتُ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِلَّا أَنَّهُ لَا يُعْتَذَرُ بِهِ هُنَا؛ لِأَنَّ الْمُبْهَمَ مَعْرُوفٌ، وَإِنَّمَا لَمْ يُسَمِّهِ اخْتِصَارًا كَمَا اخْتَصَرَ السَّنَدَ فَعَلَّقَهُ، وَزَعَمَ الْكِرْمَانِيُّ أَنَّ قَوْلَهُ وَقَالَ عُرْوَةُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ فِي السَّنَدِ الَّذِي قَبْلَهُ أَخْبَرَنِي مَحْمُودٌ فَيَكُونُ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ رَوَى عَنِ الزُّهْرِيِّ حَدِيثَ مَحْمُودٍ وَعَطَفَ عَلَيْهِ حَدِيثَ عُرْوَةَ، فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ حَدِيثُ عُرْوَةَ مُعَلَّقًا بَلْ يَكُونُ مَوْصُولًا بِالسَّنَدِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَصَنِيعُ أَئِمَّةِ النَّقْلِ يُخَالِفُ مَا زَعَمَهُ، وَاسْتَمَرَّ الْكِرْمَانِيُّ عَلَى هَذَا التَّجْوِيزِ حَتَّى زَعَمَ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ لِلْمِسْوَرِ، وَمَحْمُودِ، وَلَيْسَ كَمَا زَعَمَ بَلْ هُوَ لِلْمِسْوَرِ، وَمَرْوَانَ، وَهُوَ تَجْوِيزٌ مِنْهُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ، وَالرُّجُوعُ إِلَى النَّقْلِ فِي بَابِ النَّقْلِ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (كَانُوا يَقْتَتِلُونَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَلِلْبَاقِينَ كَادُوا بِالدَّالِ وَهُوَ الصَّوَابُ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ، وَإِنَّمَا حَكَى ذَلِكَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ لَمَّا رَجَعَ إِلَى قُرَيْشٍ لِيُعْلِمَهُمْ شِدَّةَ تَعْظِيمِ الصَّحَابَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَطْلَقَ الْقِتَالَ مُبَالَغَةً.
بَاب
١٩٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يُونُسَ، قال: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ الْجَعْدِ، قال: سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابْنَ أُخْتِي وَقِعٌ، فَمَسَحَ رَأْسِي وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ. ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ، ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ مِثْلَ زِرِّ الْحَجَلَةِ.
[الحديث ١٩٠ - أطرافه في: ٣٥٤٠، ٣٥٤١، ٦٣٥٢]
قَوْلُهُ: (بَابُ) كَذَا لِلْمُسْتَمْلِي كَأَنَّهُ كَالْفَصْلِ مِنَ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَجَعَلَهُ الْبَاقُونَ مِنْهُ بِلَا فَصْلٍ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يُونُسَ) هُوَ أَبُو مُسْلِمٍ الْمُسْتَمْلِي أَحَدُ الْحُفَّاظِ.
قَوْلُهُ: (عَنِ الْجَعْدِ) كَذَا هُنَا، وَلِلْأَكْثَرِ الْجُعَيْدُ بِالتَّصْغِيرِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَالسَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ مِنْ صِغَارِ الصَّحَابَةِ، وَسَيَأْتِي حَدِيثُهُ هَذَا مُبَيَّنًا فِي كِتَابِ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (وَقِعٌ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَالتَّنْوِينِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ وَقَعَ بِلَفْظِ الْمَاضِي، وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَجَعٌ بِالْجِيمِ وَالتَّنْوِينِ، وَالْوَقْعُ وَجَعٌ فِي الْقَدَمَيْنِ.
قَوْلُهُ: (زِرُّ الْحَجَلَةِ) بِكَسْرِ الزَّايِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ، وَالْحَجَلَةُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْجِيمِ وَاحِدَةُ الْحِجَالِ، وَهِيَ بُيُوتٌ تُزَيَّنُ بِالثِّيَابِ وَالْأَسِرَّةِ وَالسُّتُورِ لَهَا عُرًى وَأَزْرَارٌ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْحَجَلَةِ الطَّيْرُ وَهُوَ الْيَعْقُوبُ يُقَالُ لِلْأُنْثَى مِنْهُ حَجَلَةٌ، وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ بِزِرِّهَا بَيْضَتُهَا، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي حَدِيثٍ آخَرَ مِثْلُ بَيْضَةِ الْحَمَامَةِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ مُسْتَوْفًى فِي صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَأَرَادَ الْبُخَارِيُّ الِاسْتِدْلَالَ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَلَى رَدِّ قَوْلِ مَنْ قال بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، وَحَكَى الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ رَجَعَ عَنْهُ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ بَعْدَ شَهْرَيْنِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ: الْأُولَى: طَاهِرٌ لَا طَهُورٌ وَهِيَ رِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ وَهُوَ الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، الثَّانِيَةُ: نَجِسٌ نَجَاسَةً خَفِيفَةً وَهِيَ رِوَايَةُ أَبِي يُوسُفَ عَنْهُ، الثَّالِثَةُ: نَجِسٌ نَجَاسَةً غَلِيظَةً وَهِيَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ اللُّؤْلُؤِيِّ عَنْهُ. وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تَرُدُّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النَّجِسَ لَا يُتَبَرَّكُ بِهِ، وَحَدِيثُ الْمَجَّةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِالْوُضُوءِ لَكِنَّ تَوْجِيهَهُ أَنَّ الْقَائِلَ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ إِذَا عَلَّلَهُ بِأَنَّهُ مَاءٌ مُضَافٌ، قِيلَ لَهُ: هُوَ مُضَافٌ إِلَى طَاهِرٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ بِهِ، وَكَذَلِكَ الْمَاءُ الَّذِي خَالَطَهُ الرِّيقُ طَاهِرٌ لِحَدِيثِ الْمَجَّةِ، وَأَمَّا مَنْ عَلَّلَهُ مِنْهُمْ بِأَنَّهُ مَاءُ الذَّنُوبِ فَيَجِبُ إِبْعَادُهُ مُحْتَجًّا بِالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
مُبالَغةً منهم في التَّنافس عليه، وصوّب الحافظ ابن حجرٍ رواية «الدَّال»، قال (١): لأنَّه لم يقع منهم قتالٌ كما في رواية المُستملي (٢)، وإنَّما حكى ذلك عروة بن مسعودٍ لمَّا رجع إلى قريشٍ.
(بابٌ) بالتَّنوين، بغير (٣) ترجمةٍ كما في رواية المُستملي، وهو ساقطٌ في رواية الأكثرين من غير فصلٍ بين آخر الحديث السَّابق واللَّاحق.
١٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يُونُسَ) البغداديُّ، المُستملي لسفيان بن عُيَيْنَةَ وغيره، وهو أحد الحفَّاظ، المُتوفَّى فجأةً سنة أربعٍ وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بالحاء المُهمَلة والمُثنَّاة الفوقيَّة، الكوفيُّ، نزيل المدينة، المُتوفَّى بها سنة ستٍّ وثمانين ومئةٍ في خلافة هارون (عَنِ الجَعْدِ) بفتح الجيم وسكون العَيْن المُهمَلة، وللأكثر (٤): «الجُعيد» بالتَّصغير وهو المشهور، ابن عبد الرَّحمن بن أوسٍ المدنيُّ الكنديُّ (قَالَ: سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ) بالسِّين المُهمَلة والمُثنَّاة التَّحتيَّة آخره مُوحَّدةٌ، والثَّاني: مِنَ الزِّيادة، الكنديَّ من صغار الصَّحابة، كان مع أبيه في حجَّة الوداع وهو ابن سبع سنين، ووُلِد في السَّنة الثَّانية من الهجرة، وخرج مع الصِّبيان إلى ثنيَّة الوداع لتلقِّي (٥) النَّبيِّ ﷺ مَقْدَمَهُ
من تبوك، وتُوفِّي بالمدينة سنة إحدى وتسعين، له في «البخاريِّ» ستَّة أحاديث ﵁ (يَقُولُ: ذَهَبَتْ) أي: مضت (بِي خَالَتِي) لم تُسمَّ (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ ابْنَ أُخْتِي) عُلْبة (١)، بالعين المُهمَلة (٢) المضمومة واللَّام السَّاكنة والمُوحَّدة، بنت شُرَيْحٍ (وَقِعٌ) بفتح الواو وكسر القاف والتَّنوين، أي: أصابه وجعٌ في قدميه، أو يشتكي لحم رجليه من الحفاء لغلظ الأرض والحجارة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «وَقَعَ» بفتح القاف، بلفظ الماضي، أي: وقع في المرض، وفي الفرع لأبي ذَرٍّ وكريمة وأبي الوقت: «وَجِعٌ» بفتح الواو وكسر الجيم والتَّنوين، وعليه الأكثرون، والعرب تسمِّي كلَّ مرضٍ وجعًا، قال السَّائب: (فَمَسَحَ) ﵊ (رَأْسِي) بيده الشَّريفة (وَدَعَا لِي بِالبَرَكَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ) بفتح الواو، أي: مِنَ الماء المتقاطر من أعضائه الشَّريفة، وبهذا التَّفسير تقع المُطابَقة بين التَّرجمة والحديث، إذ فيه: دلالةٌ على طهارة الماء المُستعمَل (ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ) ﵊ (فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَِمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ) بكسر تاء «خاتم» أي: فاعل الختم وهو الإتمام والبلوغ إلى الآخر، وبفتحها بمعنى: الطَّابع، ومعناه: الشَّيء الذي هو دليلٌ على أنَّه لا نبيَّ بعده، وفيه: صيانةٌ لنبوَّته ﵊ عن تطرُّق القدح إليها صيانةَ الشَّيءِ المستوثَق بالختم، وفي رواية أحمد من حديث عبد الله بن سَرْجِس (٣): في نَُغْض كتفه اليسرى، بضمِّ النُّون وفتحها وسكون الغَيْن
المُعجَمة آخره ضادٌ مُعجَمةٌ: أعلى الكتف أو العظم (١) الدَّقيق (٢) الذي على طرفه (مِثْلَ) بكسر الميم وفتح اللَّام، مفعول «نظرت»، وللأَصيليِّ: «مثلِ» بكسرها بدلٌ من المجرور (زِرِّ الحَجَلَةِ) بكسر الزَّاي وتشديد الرَّاء، واحد: الأزرار، و «الحَجَلة» بفتح المُهمَلَة والجيم، واحدة الحجال، وهي بيوتٌ تُزيَّن بالثِّياب والسُّتور والأسِرَّة، لها عُرًى وأزرارٌ، وفي رواية أحمد من حديث أبي رمثة (٣) التَّيميِّ قال: خرجت مع أبي حتَّى أتيت رسول الله ﷺ، فرأيت على كتفه مثل التُّفَّاحة، فقال أبي: إنِّي طبيبٌ، ألا أبُطُّها (٤) لك؟ قال: «طبيبُها (٥) الذي خلقها»، فإن قلت: هل وضع الخاتم بعد مولده ﵊ أو وُلِدَ وهو به؟ أُجيب بأنَّ في «الدَّلائل» لأبي نُعيمٍ: «أنَّه ﷺ لمَّا وُلِدَ ذكرت أمُّه أنَّ الملَك غمسه في الماء الذي أنبعه ثلاث غمساتٍ، ثمَّ أخرج صرَّةً من حريرٍ أبيض فإذا فيها خاتمٌ، فضرب به على كتفه كالبيضة المكنونة تضيء كالزُّهَرَة» فهذا صريحٌ في وضعه بعد مولده، وقِيلَ: وُلِدَ به، والله أعلم، وفي كتابي (٦) «المواهب» مزيدٌ لذلك، ويأتي إن شاء الله تعالى في «صفته ﵊» (٧) مزيدُ بحثٍ لذلك.
ورواة هذا الحديث الأربعة ما بين بغداديٍّ وكوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والسَّماع، وأخرجه المؤلِّف في «صفته ﵊» [خ¦٣٥٤١] وفي «الطِّبِّ» [خ¦٥٦٧٠] و «الدَّعوات» [خ¦٦٣٥٢]، ومسلمٌ في «صفته ﵊»، والتِّرمذيُّ في «المناقب» وقال: حسنٌ غريبٌ من هذا الوجه، والنَّسائيُّ في «الطِّبِّ».