«أَنَّهُ أَفْرَغَ مِنَ الْإِنَاءِ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ غَسَلَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٩١

الحديث رقم ١٩١ من كتاب «كتاب الوضوء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من مضمض واستنشق من غرفة واحدة.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أنه أفرغ من الإناء على يديه فغسلهما، ثم غسل…

«أَنَّهُ أَفْرَغَ مِنَ الْإِنَاءِ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ غَسَلَ أَوْ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفَّةٍ وَاحِدَةٍ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا، فَغَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَا أَقْبَلَ وَمَا أَدْبَرَ، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا وُضُوءُ رَسُولِ اللهِ ».

سند حديث: ١٩١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا…

١٩١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ:

رواة الحديث

شرح حديث: «أنه أفرغ من الإناء على يديه فغسلهما، ثم غسل…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ، فَأَحَادِيثُ الْبَابِ أَيْضًا تَرُدُّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَا يَجِبُ إِبْعَادُهُ لَا يُتَبَرَّكُ بِهِ وَلَا يُشْرَبُ، قال ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَفِي إِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْبَلَلَ الْبَاقِيَ عَلَى أَعْضَاءِ الْمُتَوَضِّئِ وَمَا قَطَرَ مِنْهُ عَلَى ثِيَابِهِ طَاهِرٌ؛ دَلِيلٌ قَوِيٌّ عَلَى طَهَارَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ غَيْرَ طَهُورٍ فَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْغُسْلِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٤١ - بَاب مَنْ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ

١٩١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قال: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قال: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ أَفْرَغَ مِنْ الْإِنَاءِ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ غَسَلَ أَوْ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفَّةٍ وَاحِدَةٍ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا. فَغَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَا أَقْبَلَ وَمَا أَدْبَرَ، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ قال: هَكَذَا وُضُوءُ رَسُولِ اللَّهِ .

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ قَرِيبًا فِي بَابِ مَسْحِ الرَّأْسِ، وَتَقَدَّمَتِ الْمَسْأَلَةُ أَيْضًا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي أَوَائِلِ الْوُضُوءِ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ غَسَلَ)؛ أَيْ: فَمَهُ (أَوْ مَضْمَضَ) كَذَا عِنْدَهُ بِالشَّكِّ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ عَنْ خَالِدٍ بِسَنَدِهِ هَذَا مِنْ غَيْرِ شَكٍّ، وَلَفْظُهُ: ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ. وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ وَهْبِ بْنِ بَقِيَّةَ، عَنْ خَالِدٍ كَذَا، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الشَّكَّ فِيهِ مِنْ مُسَدَّدٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ. وَأَغْرَبَ الْكِرْمَانِيُّ فَقَالَ: الظَّاهِرُ أَنَّ الشَّكَّ فِيهِ مِنَ التَّابِعِيِّ.

قَوْلُهُ: (مِنْ كَفَّةٍ وَاحِدَةٍ) كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَفِي نُسْخَةٍ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلِلْأَكْثَرِ مِنْ كَفٍّ بِغَيْرِ هَاءٍ. قال ابْنُ بَطَّالٍ: الْمُرَادُ بِالْكَفَّةِ الْغَرْفَةُ، فَاشْتُقَّ لِذَلِكَ مِنِ اسْمٍ الْكَفِّ عِبَارَةٌ عَنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى، قال: وَلَا يُعْرَفُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ إِلْحَاقُ هَاءِ التَّأْنِيثِ فِي الْكَفِّ، وَمُحَصَّلُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ كَفَّةٌ فَعْلَةٌ، لَا أَنَّهَا تَأْنِيثُ الْكَفِّ. وَقَالَ صَاحِبُ الْمَشَارِقِ: قَوْلُهُ مِنْ كُفَّةٍ هِيَ بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ كَغَرْفَةٍ وَغُرْفَةٍ؛ أَيْ: مَا مَلَأَ كَفَّهُ مِنَ الْمَاءِ.

قَوْلُهُ (ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ) لَمْ يَذْكُرْ غَسْلَ الْوَجْهِ اخْتِصَارًا، وَهُوَ ثَابِتٌ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ. وَبَقِيَّةُ مَبَاحِثِ هَذَا الْحَدِيثِ تَقَدَّمَتْ قَرِيبًا.

٤٢ - بَاب مَسْحِ الرَّأْسِ مَرَّةً

١٩٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قال: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، قال: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، قال: شَهِدْتُ عَمْرَو بْنَ أَبِي حَسَنٍ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ عَنْ وُضُوءِ النَّبِيِّ ، فَدَعَا بِتَوْرٍ مِنْ مَاءٍ فَتَوَضَّأَ لَهُمْ، فَكَفَأَ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ مِنْ مَاءٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ فَغَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ فَأَقْبَلَ بِيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ بِهِمَا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ.

وَحَدَّثَنَا مُوسَى، قال: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، قال: مَسَحَ رَأْسَهُ مَرَّةً.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَسْحِ الرَّأْسِ مَرَّةً) ولِلْأَصِيلِيِّ: مَسْحَةً.

قَوْلُهُ: (فَدَعَا بِتَوْرٍ مِنْ مَاءٍ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٤١) (بابُ مَنْ مَضْمَضَ) وفي روايةٍ: «تمضمض» (وَاسْتَنْشَقَ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ).

١٩١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) بالسِّين وفتح الدَّال المُشدَّدة المُهمَلتين (قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عبد الرَّحمن الواسطيُّ، أبو الهيثم (١) الطَّحَّان، المتصدِّق بزنة بدنه فضَّةً ثلاث مرَّاتٍ فيما حُكِيَ، المُتوفَّى سنة تسعٍ (٢) وسبعين ومئةٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى) بفتح العَيْن، المازنيُّ الأنصاريُّ (عَنْ أَبِيهِ) يحيى بن عُمَارة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ) الأنصاريِّ (أَنَّهُ) أي: أنَّ عبد الله بن زيدٍ (أَفْرَغَ) أي: صبَّ الماء (مِنَ الإِنَاءِ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ غَسَلَ) أي: فمه (٣) (أَوْ مَضْمَضَ) شكٌّ مِنَ الرَّاوي، قال في «الفتح»: والظَّاهر أنَّه من شيخ البخاريِّ، وأخرجه مسلمٌ بغير شكٍّ (وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفَّةٍ) بفتح الكاف وضمِّها آخره هاء تأنيثٍ، كغَرفةٍ وغُرفةٍ، أي: من حفنةٍ (وَاحِدَةٍ) فاشتقَّ ذلك من اسم «الكفِّ» عبارةً عن ذلك المعنى، ولا يُعرَف في كلام العرب إلحاق هاء التَّأنيث في «الكفِّ» قاله ابن بطَّالٍ، وهي رواية أبي ذَرٍّ، وقال ابن التِّين: اشتقَّ ذلك

من اسم «الكفِّ»، فسمَّى (١) الشَّيء باسم ما كان فيه، وعنِ الأَصيليِّ فيما رأيته بهامش فرع «اليونينيَّة»: صوابه: «من كفٍّ واحدٍ»، وفي رواية ابن عساكر: «من كفٍّ واحدةٍ» لكن كتب بإزائه: صوابه (٢): «من كفٍّ واحدٍ» بتذكيرهما، وفي رواية أبي ذَرٍّ: «غرفةً» كما في الفرع، وقال ابن حجرٍ: وفي نسخةٍ، أي: من مرويِّ أبي ذَرٍّ: «غرفةً واحدةً» (فَفَعَلَ ذَلِكَ) أي: المضمضة والاستنشاق (ثَلَاثًا) من غرفةٍ واحدةٍ، وهذه إحدى الكيفيَّات الخمس (٣) السَّابقة، وتحصل السُّنة -كما مرَّ- بفعل أيِّها حصل. نعم، الأظهر (٤) تفضيل الجمع بثلاث غرفاتٍ يتمضمض من كلٍّ، ثمَّ يستنشق كما (٥) سبق (٦) (فَغَسَلَ (٧) يَدَيْهِ إِلَى) أي: معَ (المِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَا أَقْبَلَ) أي (٨): منها (وَمَا أَدْبَرَ) منها مرَّةً واحدةً (وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى) أي: معَ (الكَعْبَيْنِ) وسقط هنا ذكر غسل الوجه، وقد أخرج هذا الحديث المذكور مسلمٌ والإسماعيليُّ، وفيه بعد ذكر

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

يوسوس إِلَيْهِ، فَإِذا ذكر الله تَعَالَى العَبْد خنس. ثمَّ الْحِكْمَة فِي الْخَاتم. على وَجه الِاعْتِبَار. أَن قلبه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لما ملىء حِكْمَة وإيمانا، كَمَا فِي (الصَّحِيح) ، ختم عَلَيْهِ كَمَا يخْتم على الْوِعَاء المملوء مسكاً أَو درا، فَلم يجد عدوه سَبِيلا إِلَيْهِ من أجل ذَلِك الْخَتْم، لِأَن الشَّيْء الْمَخْتُوم محروس، وَكَذَا تَدْبِير الله، عز وَجل، فِي هَذِه الدُّنْيَا إِذا وجد الشَّيْء بختمه زَالَ الشَّك وَانْقطع الْخِصَام فِيمَا بَين الْآدَمِيّين، فَلذَلِك ختم رب العلمين فِي قلبه ختماً تطامن لَهُ الْقلب، وَبَقِي النُّور فِيهِ، ونفذت قُوَّة الْقلب إِلَى الصلب فظهرت بَين الْكَتِفَيْنِ كالبيضة، وَمن أجل ذَلِك برز بِالصّدقِ على أهل الْموقف، فَصَارَت لَهُ الشَّفَاعَة من بَين الرُّسُل بالْمقَام الْمَحْمُود، لِأَن ثَنَاء الصدْق هُوَ الَّذِي خصّه ربه بِمَا لم يخص بِهِ أحدا غَيره من الْأَنْبِيَاء، وَغَيرهم، يحققه قَول الله الْعَظِيم: {وَبشر الَّذين آمنُوا أَن لَهُم قدم صدق عِنْد رَبهم} (يُونُس: ٢) قَالَ ابو سعيد الْخُدْرِيّ، وَقد صدق: هُوَ مُحَمَّد، عَلَيْهِ السَّلَام، شفيعكم يَوْم الْقِيَامَة، وَكَذَا قَالَ الْحسن وَقَتَادَة وَزيد بن أسلم: وَقَول الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيمَا ذكره مُسلم من حَدِيث أبي بن كَعْب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وأخرت الثَّالِثَة ليَوْم ترغب إِلَيّ فِيهِ الْخلق كلهم حَتَّى إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: هَذَا الْخَاتم هُوَ أثر شقّ الْملكَيْنِ بَين كَتفيهِ. وَقَالَ النَّوَوِيّ: هَذَا بَاطِل، لِأَن شقّ الْملكَيْنِ إِنَّمَا كَانَ فِي صَدره.

مشكلات مَا وَقع فِي هَذَا الْبَاب قَوْله: (فِي نغض كتفه الْيُسْرَى) ، بِضَم النُّون وَفتحهَا وَكسر الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره ضاد مُعْجمَة، قَالَ ابْن الاثير: النغض والنغض والناغض: أَعلَى الْكَتف. وَقيل: هُوَ الْعظم الرَّقِيق الَّذِي على طرفه. قَوْله: (كأه جمع) ، بِضَم الْجِيم وَسُكُون الْمِيم، مَعْنَاهُ: مثل جمع الْكَفّ، وَهُوَ أَن تجمع الْأَصَابِع وتضمها، وَمِنْه يُقَال: ضربه بِجمع كَفه. (و: الخيلان) بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء، جمع: خَال. قَوْله: (الثآليل) جمع: ثؤلول، وَهُوَ الْحبَّة الَّتِي تظهر فِي الْجلد كالحمصة فمادونها. قَوْله: (ردع حناء) ، بِفَتْح الرَّاء وَسُكُون الدَّال وَفِي آخِره عين مُهْملَة: أَي لطخ حناء، والحناء، بِالْكَسْرِ وَالتَّشْدِيد وبالمد، مَعْرُوف. والحناءة أخص مِنْهُ. قَوْله: (أَلَا أبطها) ؟ من البَطِّ، وَهُوَ: شقّ الدمل وَالْخَرَاج. قَوْله: (بضعَة نَاشِزَة) . الْبضْعَة، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة: الْقطعَة من اللَّحْم. و: نَاشِزَة، بالنُّون والشين وَالزَّاي المعجمتين أَي: مُرْتَفعَة عَن الْجِسْم. قَوْله: (محتفرة) : أَي غائصة، وَأَصله من حفر الأَرْض.

بَيَان استنباط الْأَحْكَام الاول: فِيهِ بركَة الاسترقاء. الثَّانِي: فِيهِ الدّلَالَة على مسح رَأس الصَّغِير، وَكَانَ مولد السَّائِب الَّذِي مسح رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رَأسه فِي السّنة الثَّانِيَة من الْهِجْرَة، وَشهد حجَّة الْوَدَاع، وَخرج مَعَ الصّبيان إِلَى ثنية الْوَدَاع يتلَقَّى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مقدمه من تَبُوك. الثَّالِث: فِيهِ الدّلَالَة على طَهَارَة المَاء الْمُسْتَعْمل، وَإِن كَانَ المُرَاد من قَول السَّائِب بن يزِيد: فَشَرِبت من وضوئِهِ، وَهُوَ: المَاء الَّذِي يتقاطر من أَعْضَائِهِ الشَّرِيفَة. وَقَالَ بَعضهم: هَذِه الْأَحَادِيث يَعْنِي الَّتِي فِي هَذَا الْبَاب. ترد عَلَيْهِ: أَي على أبي حنيفَة، لِأَن النَّجس لَا يتبرك بِهِ. قلت: قصد هَذَا الْقَائِل التشنيع على أبي حنيفَة بِهَذَا الرَّد الْبعيد، لِأَن لَيْسَ فِي الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة مَا يدل صَرِيحًا على أَن المُرَاد من: فضل وضوئِهِ، هُوَ: المَاء الَّذِي تقاطر من أَعْضَائِهِ الشَّرِيفَة. وَكَذَا فِي قَوْله: (كَانُوا يقتتلون على وضوئِهِ) ، وَكَذَا فِي قَول السَّائِب: (فَشَرِبت من وضوئِهِ) . وَلَئِن سلمنَا أَن المُرَاد هُوَ المَاء الَّذِي يتقاطر من أَعْضَائِهِ الشَّرِيفَة، فَأَبُو حنيفَة يُنكر هَذَا وَيَقُول بِنَجَاسَة ذَاك، حاشاه مِنْهُ، وَكَيف يَقُول ذَلِك هُوَ يَقُول بِطَهَارَة بَوْله وَسَائِر فضلاته؟ وَمَعَ هَذَا قد قُلْنَا: لم يَصح عَن أبي حنيفَة تنجيس المَاء الْمُسْتَعْمل، وفتوى الحنيفة عَلَيْهِ، فَانْقَطع شغب هَذَا المعاند. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وَفِي إِجْمَاع أهل الْعلم على أَن البلل الْبَاقِي على أَعْضَاء المتوضىء، وَمَا قطر مِنْهُ على ثِيَابه، دَلِيل قوي على طَهَارَة المَاء الْمُسْتَعْمل. قلت: الْمثل.

حفظت شَيْئا وَغَابَتْ عَنْك أَشْيَاء.

وَالْمَاء الْبَاقِي على أَعْضَاء المتوضيء لَا خلاف لأحد فِي طَهَارَته، لِأَن من يَقُول بِعَدَمِ طهرته إِنَّمَا يَقُول بالانفصال عَن الْعُضْو، بل عِنْد بضعهم بالانفصال والاستقرار فِي مَكَان. وَأما المَاء الَّذِي قطر مِنْهُ على ثِيَابه فَإِنَّمَا سقط حكمه للضَّرُورَة لتعذر الِاحْتِرَاز عَنهُ.

٤١ - (بابُ مَنْ مَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدةٍ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق من غرفَة وَاحِدَة، كَمَا فعله عبد الله بن زيد.

والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن كلا مِنْهُمَا من تعلقات الْوضُوء. فَالْأول: فِي الْوضُوء، بِالْفَتْح، وَالثَّانِي: فِي الْوضُوء، بِالضَّمِّ.

١٩١ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قالَ حدّثنى خالِدُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حدّثنا عَمْرُو بنُ يَحْيَى عنْ أَبِيهِ عنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ زَيْدٍ أنَّهُ أفْرَغَ مِنَ الاِناءِ علَى يَدَيْهِ فَغَسَلهُمَا ثُمَّ غَسَلَ أوْ مَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ مِنْ كَفَّةٍ وَاحِدَةٍ فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا فغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثاً ثُمَّ غَسَل يَدَيْهِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ ومَسَحَ برَأُسِهِ مَا أَقْبلَ وَمَا أَدْبَرَ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الكَعْبَيْنِ ثُمَّ قالَ هَكَذَا وُضُوءُ رَسُول اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم..

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة. الأول: مُسَدّد بِفَتْح الدَّال المسددة، وَقد تقدم فِي أول كتاب الايمان. الثَّانِي: خَالِد بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الوَاسِطِيّ، أَبُو الْهَيْثَم الطَّحَّان، يحْكى أَنه تصدق بزنة بدنه فضَّة ثَلَاث مَرَّات، مَاتَ سنة تسع وَسِتِّينَ وَمِائَة. الثَّالِث: عَمْرو بن يحيى، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ابْن عمَارَة الْمَازِني الْأنْصَارِيّ، تقدم قَرِيبا. الرَّابِع: أَبوهُ يحيى، تقدم أَيْضا. الْخَامِس: عبد الله بن زيد الْأنْصَارِيّ.

بَيَان لطائف اسناده مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وواسطي ومدني. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ فعل الصَّحَابِيّ ثمَّ إِسْنَاده إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره قد ذكرنَا عَن قريب أَن البُخَارِيّ قد أخرج حَدِيث عبد الله بن زيد فِي خَمْسَة مَوَاضِع. وَأخرجه مُسلم عَن مُحَمَّد بن الصَّباح عَن خَالِد بن عبد الله بِسَنَدِهِ هَذَا من غير شكّ، وَلَفظه: (ثمَّ أَدخل يَده فاستخرجها فَمَضْمض واستنشق) : وَأخرجه أَيْضا الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق وهب بن بَقِيَّة عَن خَالِد كَذَلِك.

بَيَان لغاته وَمَعْنَاهُ قَوْله: (أفرغ) اي: صب المَاء فِي الْإِنَاء على يَدَيْهِ. قَوْله: (ثمَّ غسل) أَي: فَمه. قَوْله: (أَو مضمض) شكّ من الرَّاوِي. قَالَ الْكرْمَانِي: الظَّاهِر أَن الشَّك من يحيى. وَقَالَ بَعضهم: الظَّاهِر أَن الشَّك من مُسَدّد شيخ البُخَارِيّ، ثمَّ قَالَ: وَأغْرب الْكرْمَانِي فَقَالَ: الظَّاهِر أَن الشَّك فِيهِ من التَّابِعِيّ: قلت: كل مِنْهُمَا مُحْتَمل، وَكَونه من الظَّاهِر من أَيْن بِلَا قرينَة؟ قَوْله: (من كفة) كَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَر بن: (من كف) بِلَا هَاء، وَفِي بعض النّسخ: (من غرفَة وَاحِدَة) . وَقَالَ ابْن بطال: من كفة، أَي: من حفْنَة وَاحِدَة، فاشتق لذَلِك من اسْم الْكَفّ عبارَة عَن ذَلِك الْمَعْنى، وَلَا يعرف فِي كَلَام الْعَرَب إِلْحَاق هَاء التَّأْنِيث فِي الْكَفّ. وَقَالَ ابْن التِّين: اشتق بذلك من اسْم الْكَفّ، وَسمي الشَّيْء باسم مَا كَانَ فِيهِ. وَقَالَ صَاحب (الْمطَالع) : هِيَ بِالضَّمِّ وَالْفَتْح مثل غرفَة وغرفة، أَي: مَلأ كَفه من مَاء. وَقَالَ بَعضهم: ومحصل ذَلِك أَن المُرَاد من قَوْله: (كَفه) فعلة فِي أَنَّهَا تَأْنِيث الْكَفّ. قلت: هَذَا مُحَصل غير حَاصِل، فَكيف يكون كفة تَأْنِيث كف، والكف مؤنث؟ وَالْأَقْرَب إِلَى الصَّوَاب مَا ذكره ابْن التِّين قَوْله: (فَغسل يَدَيْهِ إِلَى الْمرْفقين) . وَلَا يكون ذَلِك إلَاّ بعد غسل الْوَجْه، وَلم يذكر غسل الْوَجْه. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فان قلت: أَيْن ذكر غسل الْوَجْه؟ قلت: هُوَ من بَاب اخْتِصَار الحَدِيث وَذكر مَا هُوَ الْمَقْصُود، وَهُوَ الَّذِي ترْجم لَهُ الْبَاب مَعَ زِيَادَة بَيَان مَا اخْتلف فِيهِ من التَّثْلِيث فِي الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق وَإِدْخَال الْمرْفق فِي الْيَد وتثنية غسل الْيَد وَمسح مَا أقبل وَأدبر من الرَّأْس وَغسل الرجل منتهياً إِلَى الكعب، وَأما غسل الْوَجْه فَأمره ظَاهر لَا احْتِيَاج لَهُ إِلَى الْبُنيان؛ فالتشبيه فِي: (هَكَذَا وضوء رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) لَيْسَ من جَمِيع الْوُجُوه، بل فِي حكم الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق. قلت: هَذَا جَوَاب لَيْسَ فِيهِ طائل، وَتصرف غير موجه، لِأَن هَذَا فِي بَاب التَّعْلِيم لغيره صفة الْوضُوء، فَيشْهد بذلك قَوْله: (هَكَذَا وضوء رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، وَيُؤَيّد ذَلِك مَا جَاءَ فِي حَدِيث الآخر عَن عَمْرو بن يحيى الْمَازِني، عَن أَبِيه أَن رجلا قَالَ لعبد الله بن زيد، وَهُوَ حد عَمْرو بن يحيى: (أتستطيع أَن تريني كَيفَ كَانَ رَسُول الله يتَوَضَّأ) ؟ الحَدِيث ... وَقد مر عَن قريب، وكل مَا رُوِيَ عَن عبد الله بن زيد فِي هَذَا الْبَاب حَدِيث وَاحِد وَقد ذكر فِيهِ غسل الْوَجْه، وَكَذَا ثَبت ذَلِك فِي رِوَايَة مُسلم وَغَيره، فَإِذا كَانَ هَذَا فِي بَاب التَّعْلِيم فَكيف يجوز لَهُ ترك فرض من فروض الْوضُوء وَذكر شَيْء من الزَّوَائِد؟ وَالظَّاهِر أَنه سقط من الرَّاوِي كَمَا أَنه شكّ فِي قَوْله: (ثمَّ غسل أَو مضمض) . وَقَول الْكرْمَانِي: واما غسل الْوَجْه فَأمره ظَاهر، غير ظَاهر، وَكَونه ظَاهرا عِنْد عبد الله بن زيد لَا يسْتَلْزم أَن يكون ظَاهرا عِنْد السَّائِل عَنهُ، وَلَو كَانَ ظَاهرا لما سَأَلَهُ. وَقَوله

: ذكر مَا هُوَ الْمَقْصُود، أَي: ذكر البُخَارِيّ مَا هُوَ الْمَقْصُود، وَهُوَ الَّذِي ترْجم لَهُ الْبَاب. قلت: كَانَ يَنْبَغِي أَن يقْتَصر على المضمضمة وَالِاسْتِنْشَاق فَقَط، كَمَا هُوَ عَادَته فِي تقطيع الحَدِيث لأجل التراجم، فَيتْرك اختصاراً ذكر فرض من الْفُرُوض القطعية، وَيذكر زَوَائِد لَا تطابق التَّرْجَمَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَقد يُجَاب أَيْضا بِأَن الْمَفْعُول الْمَحْذُوف الْوَجْه، أَي: ثمَّ غسل وَجهه، وَحذف لظُهُوره، فأو، بِمَعْنى: الْوَاو، فِي قَوْله: (أَو مضمض) ، وَمن كفة وَاحِدَة يتَعَلَّق: بمضمض واستنشق فَقَط. قلت: هَذَا أقرب إِلَى الصَّوَاب لِأَنَّهُ لَا يُقَال فِي الْفَم فِي الْوضُوء إلَاّ مضمض، وَإِن كَانَ يُطلق عَلَيْهِ الْغسْل.

بَيَان استنباط الْأَحْكَام قد تقدم، وَإِنَّمَا مُرَاد البُخَارِيّ هَهُنَا بَيَان أَن الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق من غرفَة وَاحِدَة، وَهَذَا أحد الْوُجُوه الْخَمْسَة الْمُتَقَدّمَة، وَلَيْسَ هَذَا حجَّة على من يرى خلاف هَذَا الْوَجْه، لِأَن الْكل نقل عَنهُ، عَلَيْهِ السَّلَام، بَيَانا للْجُوَاز.

٤٢ - (بابُ مَسْحِ الرَّأْسِ مَرَّةً)

أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان مسح الرَّأْس مرّة وَاحِدَة. والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة.

١٩٢ - حدّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ قالَ حدّثنا وُهَيْبٌ قَالَ حدّثنا عَمْرُو بنُ يَحْيىَ عنْ أَبِيه قَالَ شَهدْتُ عَمْرَو بنَ أبي حَسَنِ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بنَ زَيْدٍ عنْ وُضُوءِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَدَعا بِتَوْرٍ مِنْ ماءٍ فَتَوَضَّأَ لهُمْ (فَكَفَأَهُ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسلَهُمَا ثَلاثاً ثُمَّ أدْخَلَ يَدَهُ فِي الاِناءِ) فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ واسْتَنْثَرَ ثَلاثاً بِثَلاثِ غَرَفاتٍ مِنْ ماءٍ ثُمَّ أدْخَلَ يَدَهُ فِي الاناءِ فَغَسَلَ وَجْههُ ثَلَاثًا ثُمَّ اَدْخَلَ يَدَهُ فِي الاِناءِ فَغَسَلَ يَدَيْهِ الى المِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ اَدْخَلَ يَدَهُ فِي الاناءِ فمَسَح بِرَأْسِهِ فَأَقْبَل بِيَدَيْهِ وَادْبَرَ بِهِمَا ثُمَّ اَدْخَلَ يَدَهُ فِي الاِناءِ فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ..

قَوْله: (بَاب مسح الرَّأْس مرّة) ، هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: (بَاب مسح الرَّأْس مسحة) .

ومطابقة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهِي فِي قَوْله: (فَمسح بِرَأْسِهِ) ، أَي: مرّة وَاحِدَة، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ شَيْئَانِ. أَحدهمَا: أَنه نَص على الثَّلَاث وعَلى مرَّتَيْنِ فِي غَيره. وَالثَّانِي: أَنه صرح بالمرة فِي حَدِيث مُوسَى عَن وهيب، كَمَا يذكرهُ الْآن، وَقد تقدم الْكَلَام فِيهِ فِيمَا مضى. قَوْله: (وهيب) هُوَ ابْن خَالِد. قَوْله: (فَدَعَا بتور من مَاء) كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (فَدَعَا بِمَاء) ، لم يذكر: التور. قَوْله: (فكفأه) أَي: أماله، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: (فاكفأه) ، بِزِيَادَة همزَة فِي أَوله، وَهَذِه كلهَا مَضَت فِي بَاب غسل الرجلَيْن إِلَى الْكَعْبَيْنِ، والتفاوت بَينهمَا أَنه كرر لفظ: مرَّتَيْنِ، هَهُنَا وَزَاد: الْبَاء، فِي: مسح بِرَأْسِهِ. وَلَفظ: (ثمَّ ادخل يَده فِي الاناء) ، وَنقص لفظ: مرّة وَاحِدَة، مِنْهُ وَلَفظ: إِلَى الْكَعْبَيْنِ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: هَل فرق بَين تكْرَار لفظ: مرَّتَيْنِ، وَعَدَمه غير التَّأْكِيد؟ قلت: هَذَا نَص فِي غسل كل يَد مرَّتَيْنِ، وَذَلِكَ ظَاهر فِيهِ.

وحدّثنا مُوسَى قَالَ حدّثنا وُهَيْبٌ قَالَ مَسَحَ رَأسَهُ مَرَّةً.

مُوسَى هُوَ ابْن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِي؛ ووهب هُوَ ابْن خَالِد، وَتَقَدَّمت طَرِيق مُوسَى هَذَا فِي بَاب غسل الرجلَيْن إِلَى الْكَعْبَيْنِ، وَذكر فِيهَا أَنه مسح الراس مرّة وَاحِدَة. وَقَالَ ابْن بطال: قَالَ الشَّافِعِي: الْمسنون ثَلَاث مسحات، وَالْحجّة عَلَيْهِ أَن الْمسنون يحْتَاج إِلَى شرع، وَحَدِيث عُثْمَان، رَضِي الله عَنهُ، وَإِن كَانَ فِيهِ: أَنه مسح بِرَأْسِهِ مرّة، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الشَّرْع الَّذِي قَالَ الشَّافِعِي فِي مسنونية الثَّلَاث مَا روى أَبُو دَاوُد فِي (سنَنه) : أَنه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، مسح ثَلَاثًا، وَالْقِيَاس على سَائِر الْأَعْضَاء. قلت: روى أَبُو دَاوُد: حَدثنَا هَارُون بن عبد الله، قَالَ: حَدثنَا يحيى بن آدم، قَالَ: حَدثنَا اسرائيل عَن عَامر عَن شَقِيق بن حَمْزَة عَن شَقِيق بن سَلمَة، قَالَ: (رَأَيْت عُثْمَان بن عَفَّان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، غسل ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا، وَمسح رَأسه ثَلَاثًا، ثمَّ قَالَ: رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فعل هَذَا) . قلت: الْمَذْكُور من حَدِيث الْجَمَاعَة هُوَ مسح الراس مرّة وَاحِدَة، وَلِهَذَا قَالَ أَبُو دَاوُد فِي (سنَنه) : أَحَادِيث عُثْمَان الصِّحَاح تدل على أَن مسح الرَّأْس مرّة، فَإِنَّهُم ذكرُوا الْوضُوء ثَلَاثًا

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ، فَأَحَادِيثُ الْبَابِ أَيْضًا تَرُدُّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَا يَجِبُ إِبْعَادُهُ لَا يُتَبَرَّكُ بِهِ وَلَا يُشْرَبُ، قال ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَفِي إِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْبَلَلَ الْبَاقِيَ عَلَى أَعْضَاءِ الْمُتَوَضِّئِ وَمَا قَطَرَ مِنْهُ عَلَى ثِيَابِهِ طَاهِرٌ؛ دَلِيلٌ قَوِيٌّ عَلَى طَهَارَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ غَيْرَ طَهُورٍ فَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْغُسْلِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٤١ - بَاب مَنْ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ

١٩١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قال: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قال: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ أَفْرَغَ مِنْ الْإِنَاءِ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ غَسَلَ أَوْ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفَّةٍ وَاحِدَةٍ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا. فَغَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَا أَقْبَلَ وَمَا أَدْبَرَ، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ قال: هَكَذَا وُضُوءُ رَسُولِ اللَّهِ .

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ قَرِيبًا فِي بَابِ مَسْحِ الرَّأْسِ، وَتَقَدَّمَتِ الْمَسْأَلَةُ أَيْضًا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي أَوَائِلِ الْوُضُوءِ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ غَسَلَ)؛ أَيْ: فَمَهُ (أَوْ مَضْمَضَ) كَذَا عِنْدَهُ بِالشَّكِّ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ عَنْ خَالِدٍ بِسَنَدِهِ هَذَا مِنْ غَيْرِ شَكٍّ، وَلَفْظُهُ: ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ. وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ وَهْبِ بْنِ بَقِيَّةَ، عَنْ خَالِدٍ كَذَا، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الشَّكَّ فِيهِ مِنْ مُسَدَّدٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ. وَأَغْرَبَ الْكِرْمَانِيُّ فَقَالَ: الظَّاهِرُ أَنَّ الشَّكَّ فِيهِ مِنَ التَّابِعِيِّ.

قَوْلُهُ: (مِنْ كَفَّةٍ وَاحِدَةٍ) كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَفِي نُسْخَةٍ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلِلْأَكْثَرِ مِنْ كَفٍّ بِغَيْرِ هَاءٍ. قال ابْنُ بَطَّالٍ: الْمُرَادُ بِالْكَفَّةِ الْغَرْفَةُ، فَاشْتُقَّ لِذَلِكَ مِنِ اسْمٍ الْكَفِّ عِبَارَةٌ عَنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى، قال: وَلَا يُعْرَفُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ إِلْحَاقُ هَاءِ التَّأْنِيثِ فِي الْكَفِّ، وَمُحَصَّلُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ كَفَّةٌ فَعْلَةٌ، لَا أَنَّهَا تَأْنِيثُ الْكَفِّ. وَقَالَ صَاحِبُ الْمَشَارِقِ: قَوْلُهُ مِنْ كُفَّةٍ هِيَ بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ كَغَرْفَةٍ وَغُرْفَةٍ؛ أَيْ: مَا مَلَأَ كَفَّهُ مِنَ الْمَاءِ.

قَوْلُهُ (ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ) لَمْ يَذْكُرْ غَسْلَ الْوَجْهِ اخْتِصَارًا، وَهُوَ ثَابِتٌ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ. وَبَقِيَّةُ مَبَاحِثِ هَذَا الْحَدِيثِ تَقَدَّمَتْ قَرِيبًا.

٤٢ - بَاب مَسْحِ الرَّأْسِ مَرَّةً

١٩٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قال: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، قال: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، قال: شَهِدْتُ عَمْرَو بْنَ أَبِي حَسَنٍ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ عَنْ وُضُوءِ النَّبِيِّ ، فَدَعَا بِتَوْرٍ مِنْ مَاءٍ فَتَوَضَّأَ لَهُمْ، فَكَفَأَ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ مِنْ مَاءٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ فَغَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ فَأَقْبَلَ بِيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ بِهِمَا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ.

وَحَدَّثَنَا مُوسَى، قال: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، قال: مَسَحَ رَأْسَهُ مَرَّةً.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَسْحِ الرَّأْسِ مَرَّةً) ولِلْأَصِيلِيِّ: مَسْحَةً.

قَوْلُهُ: (فَدَعَا بِتَوْرٍ مِنْ مَاءٍ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٤١) (بابُ مَنْ مَضْمَضَ) وفي روايةٍ: «تمضمض» (وَاسْتَنْشَقَ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ).

١٩١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) بالسِّين وفتح الدَّال المُشدَّدة المُهمَلتين (قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عبد الرَّحمن الواسطيُّ، أبو الهيثم (١) الطَّحَّان، المتصدِّق بزنة بدنه فضَّةً ثلاث مرَّاتٍ فيما حُكِيَ، المُتوفَّى سنة تسعٍ (٢) وسبعين ومئةٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى) بفتح العَيْن، المازنيُّ الأنصاريُّ (عَنْ أَبِيهِ) يحيى بن عُمَارة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ) الأنصاريِّ (أَنَّهُ) أي: أنَّ عبد الله بن زيدٍ (أَفْرَغَ) أي: صبَّ الماء (مِنَ الإِنَاءِ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ غَسَلَ) أي: فمه (٣) (أَوْ مَضْمَضَ) شكٌّ مِنَ الرَّاوي، قال في «الفتح»: والظَّاهر أنَّه من شيخ البخاريِّ، وأخرجه مسلمٌ بغير شكٍّ (وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفَّةٍ) بفتح الكاف وضمِّها آخره هاء تأنيثٍ، كغَرفةٍ وغُرفةٍ، أي: من حفنةٍ (وَاحِدَةٍ) فاشتقَّ ذلك من اسم «الكفِّ» عبارةً عن ذلك المعنى، ولا يُعرَف في كلام العرب إلحاق هاء التَّأنيث في «الكفِّ» قاله ابن بطَّالٍ، وهي رواية أبي ذَرٍّ، وقال ابن التِّين: اشتقَّ ذلك

من اسم «الكفِّ»، فسمَّى (١) الشَّيء باسم ما كان فيه، وعنِ الأَصيليِّ فيما رأيته بهامش فرع «اليونينيَّة»: صوابه: «من كفٍّ واحدٍ»، وفي رواية ابن عساكر: «من كفٍّ واحدةٍ» لكن كتب بإزائه: صوابه (٢): «من كفٍّ واحدٍ» بتذكيرهما، وفي رواية أبي ذَرٍّ: «غرفةً» كما في الفرع، وقال ابن حجرٍ: وفي نسخةٍ، أي: من مرويِّ أبي ذَرٍّ: «غرفةً واحدةً» (فَفَعَلَ ذَلِكَ) أي: المضمضة والاستنشاق (ثَلَاثًا) من غرفةٍ واحدةٍ، وهذه إحدى الكيفيَّات الخمس (٣) السَّابقة، وتحصل السُّنة -كما مرَّ- بفعل أيِّها حصل. نعم، الأظهر (٤) تفضيل الجمع بثلاث غرفاتٍ يتمضمض من كلٍّ، ثمَّ يستنشق كما (٥) سبق (٦) (فَغَسَلَ (٧) يَدَيْهِ إِلَى) أي: معَ (المِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَا أَقْبَلَ) أي (٨): منها (وَمَا أَدْبَرَ) منها مرَّةً واحدةً (وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى) أي: معَ (الكَعْبَيْنِ) وسقط هنا ذكر غسل الوجه، وقد أخرج هذا الحديث المذكور مسلمٌ والإسماعيليُّ، وفيه بعد ذكر

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

يوسوس إِلَيْهِ، فَإِذا ذكر الله تَعَالَى العَبْد خنس. ثمَّ الْحِكْمَة فِي الْخَاتم. على وَجه الِاعْتِبَار. أَن قلبه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لما ملىء حِكْمَة وإيمانا، كَمَا فِي (الصَّحِيح) ، ختم عَلَيْهِ كَمَا يخْتم على الْوِعَاء المملوء مسكاً أَو درا، فَلم يجد عدوه سَبِيلا إِلَيْهِ من أجل ذَلِك الْخَتْم، لِأَن الشَّيْء الْمَخْتُوم محروس، وَكَذَا تَدْبِير الله، عز وَجل، فِي هَذِه الدُّنْيَا إِذا وجد الشَّيْء بختمه زَالَ الشَّك وَانْقطع الْخِصَام فِيمَا بَين الْآدَمِيّين، فَلذَلِك ختم رب العلمين فِي قلبه ختماً تطامن لَهُ الْقلب، وَبَقِي النُّور فِيهِ، ونفذت قُوَّة الْقلب إِلَى الصلب فظهرت بَين الْكَتِفَيْنِ كالبيضة، وَمن أجل ذَلِك برز بِالصّدقِ على أهل الْموقف، فَصَارَت لَهُ الشَّفَاعَة من بَين الرُّسُل بالْمقَام الْمَحْمُود، لِأَن ثَنَاء الصدْق هُوَ الَّذِي خصّه ربه بِمَا لم يخص بِهِ أحدا غَيره من الْأَنْبِيَاء، وَغَيرهم، يحققه قَول الله الْعَظِيم: {وَبشر الَّذين آمنُوا أَن لَهُم قدم صدق عِنْد رَبهم} (يُونُس: ٢) قَالَ ابو سعيد الْخُدْرِيّ، وَقد صدق: هُوَ مُحَمَّد، عَلَيْهِ السَّلَام، شفيعكم يَوْم الْقِيَامَة، وَكَذَا قَالَ الْحسن وَقَتَادَة وَزيد بن أسلم: وَقَول الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيمَا ذكره مُسلم من حَدِيث أبي بن كَعْب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وأخرت الثَّالِثَة ليَوْم ترغب إِلَيّ فِيهِ الْخلق كلهم حَتَّى إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: هَذَا الْخَاتم هُوَ أثر شقّ الْملكَيْنِ بَين كَتفيهِ. وَقَالَ النَّوَوِيّ: هَذَا بَاطِل، لِأَن شقّ الْملكَيْنِ إِنَّمَا كَانَ فِي صَدره.

مشكلات مَا وَقع فِي هَذَا الْبَاب قَوْله: (فِي نغض كتفه الْيُسْرَى) ، بِضَم النُّون وَفتحهَا وَكسر الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره ضاد مُعْجمَة، قَالَ ابْن الاثير: النغض والنغض والناغض: أَعلَى الْكَتف. وَقيل: هُوَ الْعظم الرَّقِيق الَّذِي على طرفه. قَوْله: (كأه جمع) ، بِضَم الْجِيم وَسُكُون الْمِيم، مَعْنَاهُ: مثل جمع الْكَفّ، وَهُوَ أَن تجمع الْأَصَابِع وتضمها، وَمِنْه يُقَال: ضربه بِجمع كَفه. (و: الخيلان) بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء، جمع: خَال. قَوْله: (الثآليل) جمع: ثؤلول، وَهُوَ الْحبَّة الَّتِي تظهر فِي الْجلد كالحمصة فمادونها. قَوْله: (ردع حناء) ، بِفَتْح الرَّاء وَسُكُون الدَّال وَفِي آخِره عين مُهْملَة: أَي لطخ حناء، والحناء، بِالْكَسْرِ وَالتَّشْدِيد وبالمد، مَعْرُوف. والحناءة أخص مِنْهُ. قَوْله: (أَلَا أبطها) ؟ من البَطِّ، وَهُوَ: شقّ الدمل وَالْخَرَاج. قَوْله: (بضعَة نَاشِزَة) . الْبضْعَة، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة: الْقطعَة من اللَّحْم. و: نَاشِزَة، بالنُّون والشين وَالزَّاي المعجمتين أَي: مُرْتَفعَة عَن الْجِسْم. قَوْله: (محتفرة) : أَي غائصة، وَأَصله من حفر الأَرْض.

بَيَان استنباط الْأَحْكَام الاول: فِيهِ بركَة الاسترقاء. الثَّانِي: فِيهِ الدّلَالَة على مسح رَأس الصَّغِير، وَكَانَ مولد السَّائِب الَّذِي مسح رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رَأسه فِي السّنة الثَّانِيَة من الْهِجْرَة، وَشهد حجَّة الْوَدَاع، وَخرج مَعَ الصّبيان إِلَى ثنية الْوَدَاع يتلَقَّى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مقدمه من تَبُوك. الثَّالِث: فِيهِ الدّلَالَة على طَهَارَة المَاء الْمُسْتَعْمل، وَإِن كَانَ المُرَاد من قَول السَّائِب بن يزِيد: فَشَرِبت من وضوئِهِ، وَهُوَ: المَاء الَّذِي يتقاطر من أَعْضَائِهِ الشَّرِيفَة. وَقَالَ بَعضهم: هَذِه الْأَحَادِيث يَعْنِي الَّتِي فِي هَذَا الْبَاب. ترد عَلَيْهِ: أَي على أبي حنيفَة، لِأَن النَّجس لَا يتبرك بِهِ. قلت: قصد هَذَا الْقَائِل التشنيع على أبي حنيفَة بِهَذَا الرَّد الْبعيد، لِأَن لَيْسَ فِي الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة مَا يدل صَرِيحًا على أَن المُرَاد من: فضل وضوئِهِ، هُوَ: المَاء الَّذِي تقاطر من أَعْضَائِهِ الشَّرِيفَة. وَكَذَا فِي قَوْله: (كَانُوا يقتتلون على وضوئِهِ) ، وَكَذَا فِي قَول السَّائِب: (فَشَرِبت من وضوئِهِ) . وَلَئِن سلمنَا أَن المُرَاد هُوَ المَاء الَّذِي يتقاطر من أَعْضَائِهِ الشَّرِيفَة، فَأَبُو حنيفَة يُنكر هَذَا وَيَقُول بِنَجَاسَة ذَاك، حاشاه مِنْهُ، وَكَيف يَقُول ذَلِك هُوَ يَقُول بِطَهَارَة بَوْله وَسَائِر فضلاته؟ وَمَعَ هَذَا قد قُلْنَا: لم يَصح عَن أبي حنيفَة تنجيس المَاء الْمُسْتَعْمل، وفتوى الحنيفة عَلَيْهِ، فَانْقَطع شغب هَذَا المعاند. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وَفِي إِجْمَاع أهل الْعلم على أَن البلل الْبَاقِي على أَعْضَاء المتوضىء، وَمَا قطر مِنْهُ على ثِيَابه، دَلِيل قوي على طَهَارَة المَاء الْمُسْتَعْمل. قلت: الْمثل.

حفظت شَيْئا وَغَابَتْ عَنْك أَشْيَاء.

وَالْمَاء الْبَاقِي على أَعْضَاء المتوضيء لَا خلاف لأحد فِي طَهَارَته، لِأَن من يَقُول بِعَدَمِ طهرته إِنَّمَا يَقُول بالانفصال عَن الْعُضْو، بل عِنْد بضعهم بالانفصال والاستقرار فِي مَكَان. وَأما المَاء الَّذِي قطر مِنْهُ على ثِيَابه فَإِنَّمَا سقط حكمه للضَّرُورَة لتعذر الِاحْتِرَاز عَنهُ.

٤١ - (بابُ مَنْ مَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدةٍ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق من غرفَة وَاحِدَة، كَمَا فعله عبد الله بن زيد.

والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن كلا مِنْهُمَا من تعلقات الْوضُوء. فَالْأول: فِي الْوضُوء، بِالْفَتْح، وَالثَّانِي: فِي الْوضُوء، بِالضَّمِّ.

١٩١ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قالَ حدّثنى خالِدُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حدّثنا عَمْرُو بنُ يَحْيَى عنْ أَبِيهِ عنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ زَيْدٍ أنَّهُ أفْرَغَ مِنَ الاِناءِ علَى يَدَيْهِ فَغَسَلهُمَا ثُمَّ غَسَلَ أوْ مَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ مِنْ كَفَّةٍ وَاحِدَةٍ فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا فغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثاً ثُمَّ غَسَل يَدَيْهِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ ومَسَحَ برَأُسِهِ مَا أَقْبلَ وَمَا أَدْبَرَ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الكَعْبَيْنِ ثُمَّ قالَ هَكَذَا وُضُوءُ رَسُول اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم..

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة. الأول: مُسَدّد بِفَتْح الدَّال المسددة، وَقد تقدم فِي أول كتاب الايمان. الثَّانِي: خَالِد بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الوَاسِطِيّ، أَبُو الْهَيْثَم الطَّحَّان، يحْكى أَنه تصدق بزنة بدنه فضَّة ثَلَاث مَرَّات، مَاتَ سنة تسع وَسِتِّينَ وَمِائَة. الثَّالِث: عَمْرو بن يحيى، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ابْن عمَارَة الْمَازِني الْأنْصَارِيّ، تقدم قَرِيبا. الرَّابِع: أَبوهُ يحيى، تقدم أَيْضا. الْخَامِس: عبد الله بن زيد الْأنْصَارِيّ.

بَيَان لطائف اسناده مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وواسطي ومدني. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ فعل الصَّحَابِيّ ثمَّ إِسْنَاده إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره قد ذكرنَا عَن قريب أَن البُخَارِيّ قد أخرج حَدِيث عبد الله بن زيد فِي خَمْسَة مَوَاضِع. وَأخرجه مُسلم عَن مُحَمَّد بن الصَّباح عَن خَالِد بن عبد الله بِسَنَدِهِ هَذَا من غير شكّ، وَلَفظه: (ثمَّ أَدخل يَده فاستخرجها فَمَضْمض واستنشق) : وَأخرجه أَيْضا الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق وهب بن بَقِيَّة عَن خَالِد كَذَلِك.

بَيَان لغاته وَمَعْنَاهُ قَوْله: (أفرغ) اي: صب المَاء فِي الْإِنَاء على يَدَيْهِ. قَوْله: (ثمَّ غسل) أَي: فَمه. قَوْله: (أَو مضمض) شكّ من الرَّاوِي. قَالَ الْكرْمَانِي: الظَّاهِر أَن الشَّك من يحيى. وَقَالَ بَعضهم: الظَّاهِر أَن الشَّك من مُسَدّد شيخ البُخَارِيّ، ثمَّ قَالَ: وَأغْرب الْكرْمَانِي فَقَالَ: الظَّاهِر أَن الشَّك فِيهِ من التَّابِعِيّ: قلت: كل مِنْهُمَا مُحْتَمل، وَكَونه من الظَّاهِر من أَيْن بِلَا قرينَة؟ قَوْله: (من كفة) كَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَر بن: (من كف) بِلَا هَاء، وَفِي بعض النّسخ: (من غرفَة وَاحِدَة) . وَقَالَ ابْن بطال: من كفة، أَي: من حفْنَة وَاحِدَة، فاشتق لذَلِك من اسْم الْكَفّ عبارَة عَن ذَلِك الْمَعْنى، وَلَا يعرف فِي كَلَام الْعَرَب إِلْحَاق هَاء التَّأْنِيث فِي الْكَفّ. وَقَالَ ابْن التِّين: اشتق بذلك من اسْم الْكَفّ، وَسمي الشَّيْء باسم مَا كَانَ فِيهِ. وَقَالَ صَاحب (الْمطَالع) : هِيَ بِالضَّمِّ وَالْفَتْح مثل غرفَة وغرفة، أَي: مَلأ كَفه من مَاء. وَقَالَ بَعضهم: ومحصل ذَلِك أَن المُرَاد من قَوْله: (كَفه) فعلة فِي أَنَّهَا تَأْنِيث الْكَفّ. قلت: هَذَا مُحَصل غير حَاصِل، فَكيف يكون كفة تَأْنِيث كف، والكف مؤنث؟ وَالْأَقْرَب إِلَى الصَّوَاب مَا ذكره ابْن التِّين قَوْله: (فَغسل يَدَيْهِ إِلَى الْمرْفقين) . وَلَا يكون ذَلِك إلَاّ بعد غسل الْوَجْه، وَلم يذكر غسل الْوَجْه. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فان قلت: أَيْن ذكر غسل الْوَجْه؟ قلت: هُوَ من بَاب اخْتِصَار الحَدِيث وَذكر مَا هُوَ الْمَقْصُود، وَهُوَ الَّذِي ترْجم لَهُ الْبَاب مَعَ زِيَادَة بَيَان مَا اخْتلف فِيهِ من التَّثْلِيث فِي الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق وَإِدْخَال الْمرْفق فِي الْيَد وتثنية غسل الْيَد وَمسح مَا أقبل وَأدبر من الرَّأْس وَغسل الرجل منتهياً إِلَى الكعب، وَأما غسل الْوَجْه فَأمره ظَاهر لَا احْتِيَاج لَهُ إِلَى الْبُنيان؛ فالتشبيه فِي: (هَكَذَا وضوء رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) لَيْسَ من جَمِيع الْوُجُوه، بل فِي حكم الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق. قلت: هَذَا جَوَاب لَيْسَ فِيهِ طائل، وَتصرف غير موجه، لِأَن هَذَا فِي بَاب التَّعْلِيم لغيره صفة الْوضُوء، فَيشْهد بذلك قَوْله: (هَكَذَا وضوء رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، وَيُؤَيّد ذَلِك مَا جَاءَ فِي حَدِيث الآخر عَن عَمْرو بن يحيى الْمَازِني، عَن أَبِيه أَن رجلا قَالَ لعبد الله بن زيد، وَهُوَ حد عَمْرو بن يحيى: (أتستطيع أَن تريني كَيفَ كَانَ رَسُول الله يتَوَضَّأ) ؟ الحَدِيث ... وَقد مر عَن قريب، وكل مَا رُوِيَ عَن عبد الله بن زيد فِي هَذَا الْبَاب حَدِيث وَاحِد وَقد ذكر فِيهِ غسل الْوَجْه، وَكَذَا ثَبت ذَلِك فِي رِوَايَة مُسلم وَغَيره، فَإِذا كَانَ هَذَا فِي بَاب التَّعْلِيم فَكيف يجوز لَهُ ترك فرض من فروض الْوضُوء وَذكر شَيْء من الزَّوَائِد؟ وَالظَّاهِر أَنه سقط من الرَّاوِي كَمَا أَنه شكّ فِي قَوْله: (ثمَّ غسل أَو مضمض) . وَقَول الْكرْمَانِي: واما غسل الْوَجْه فَأمره ظَاهر، غير ظَاهر، وَكَونه ظَاهرا عِنْد عبد الله بن زيد لَا يسْتَلْزم أَن يكون ظَاهرا عِنْد السَّائِل عَنهُ، وَلَو كَانَ ظَاهرا لما سَأَلَهُ. وَقَوله

: ذكر مَا هُوَ الْمَقْصُود، أَي: ذكر البُخَارِيّ مَا هُوَ الْمَقْصُود، وَهُوَ الَّذِي ترْجم لَهُ الْبَاب. قلت: كَانَ يَنْبَغِي أَن يقْتَصر على المضمضمة وَالِاسْتِنْشَاق فَقَط، كَمَا هُوَ عَادَته فِي تقطيع الحَدِيث لأجل التراجم، فَيتْرك اختصاراً ذكر فرض من الْفُرُوض القطعية، وَيذكر زَوَائِد لَا تطابق التَّرْجَمَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَقد يُجَاب أَيْضا بِأَن الْمَفْعُول الْمَحْذُوف الْوَجْه، أَي: ثمَّ غسل وَجهه، وَحذف لظُهُوره، فأو، بِمَعْنى: الْوَاو، فِي قَوْله: (أَو مضمض) ، وَمن كفة وَاحِدَة يتَعَلَّق: بمضمض واستنشق فَقَط. قلت: هَذَا أقرب إِلَى الصَّوَاب لِأَنَّهُ لَا يُقَال فِي الْفَم فِي الْوضُوء إلَاّ مضمض، وَإِن كَانَ يُطلق عَلَيْهِ الْغسْل.

بَيَان استنباط الْأَحْكَام قد تقدم، وَإِنَّمَا مُرَاد البُخَارِيّ هَهُنَا بَيَان أَن الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق من غرفَة وَاحِدَة، وَهَذَا أحد الْوُجُوه الْخَمْسَة الْمُتَقَدّمَة، وَلَيْسَ هَذَا حجَّة على من يرى خلاف هَذَا الْوَجْه، لِأَن الْكل نقل عَنهُ، عَلَيْهِ السَّلَام، بَيَانا للْجُوَاز.

٤٢ - (بابُ مَسْحِ الرَّأْسِ مَرَّةً)

أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان مسح الرَّأْس مرّة وَاحِدَة. والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة.

١٩٢ - حدّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ قالَ حدّثنا وُهَيْبٌ قَالَ حدّثنا عَمْرُو بنُ يَحْيىَ عنْ أَبِيه قَالَ شَهدْتُ عَمْرَو بنَ أبي حَسَنِ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بنَ زَيْدٍ عنْ وُضُوءِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَدَعا بِتَوْرٍ مِنْ ماءٍ فَتَوَضَّأَ لهُمْ (فَكَفَأَهُ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسلَهُمَا ثَلاثاً ثُمَّ أدْخَلَ يَدَهُ فِي الاِناءِ) فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ واسْتَنْثَرَ ثَلاثاً بِثَلاثِ غَرَفاتٍ مِنْ ماءٍ ثُمَّ أدْخَلَ يَدَهُ فِي الاناءِ فَغَسَلَ وَجْههُ ثَلَاثًا ثُمَّ اَدْخَلَ يَدَهُ فِي الاِناءِ فَغَسَلَ يَدَيْهِ الى المِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ اَدْخَلَ يَدَهُ فِي الاناءِ فمَسَح بِرَأْسِهِ فَأَقْبَل بِيَدَيْهِ وَادْبَرَ بِهِمَا ثُمَّ اَدْخَلَ يَدَهُ فِي الاِناءِ فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ..

قَوْله: (بَاب مسح الرَّأْس مرّة) ، هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: (بَاب مسح الرَّأْس مسحة) .

ومطابقة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهِي فِي قَوْله: (فَمسح بِرَأْسِهِ) ، أَي: مرّة وَاحِدَة، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ شَيْئَانِ. أَحدهمَا: أَنه نَص على الثَّلَاث وعَلى مرَّتَيْنِ فِي غَيره. وَالثَّانِي: أَنه صرح بالمرة فِي حَدِيث مُوسَى عَن وهيب، كَمَا يذكرهُ الْآن، وَقد تقدم الْكَلَام فِيهِ فِيمَا مضى. قَوْله: (وهيب) هُوَ ابْن خَالِد. قَوْله: (فَدَعَا بتور من مَاء) كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (فَدَعَا بِمَاء) ، لم يذكر: التور. قَوْله: (فكفأه) أَي: أماله، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: (فاكفأه) ، بِزِيَادَة همزَة فِي أَوله، وَهَذِه كلهَا مَضَت فِي بَاب غسل الرجلَيْن إِلَى الْكَعْبَيْنِ، والتفاوت بَينهمَا أَنه كرر لفظ: مرَّتَيْنِ، هَهُنَا وَزَاد: الْبَاء، فِي: مسح بِرَأْسِهِ. وَلَفظ: (ثمَّ ادخل يَده فِي الاناء) ، وَنقص لفظ: مرّة وَاحِدَة، مِنْهُ وَلَفظ: إِلَى الْكَعْبَيْنِ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: هَل فرق بَين تكْرَار لفظ: مرَّتَيْنِ، وَعَدَمه غير التَّأْكِيد؟ قلت: هَذَا نَص فِي غسل كل يَد مرَّتَيْنِ، وَذَلِكَ ظَاهر فِيهِ.

وحدّثنا مُوسَى قَالَ حدّثنا وُهَيْبٌ قَالَ مَسَحَ رَأسَهُ مَرَّةً.

مُوسَى هُوَ ابْن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِي؛ ووهب هُوَ ابْن خَالِد، وَتَقَدَّمت طَرِيق مُوسَى هَذَا فِي بَاب غسل الرجلَيْن إِلَى الْكَعْبَيْنِ، وَذكر فِيهَا أَنه مسح الراس مرّة وَاحِدَة. وَقَالَ ابْن بطال: قَالَ الشَّافِعِي: الْمسنون ثَلَاث مسحات، وَالْحجّة عَلَيْهِ أَن الْمسنون يحْتَاج إِلَى شرع، وَحَدِيث عُثْمَان، رَضِي الله عَنهُ، وَإِن كَانَ فِيهِ: أَنه مسح بِرَأْسِهِ مرّة، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الشَّرْع الَّذِي قَالَ الشَّافِعِي فِي مسنونية الثَّلَاث مَا روى أَبُو دَاوُد فِي (سنَنه) : أَنه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، مسح ثَلَاثًا، وَالْقِيَاس على سَائِر الْأَعْضَاء. قلت: روى أَبُو دَاوُد: حَدثنَا هَارُون بن عبد الله، قَالَ: حَدثنَا يحيى بن آدم، قَالَ: حَدثنَا اسرائيل عَن عَامر عَن شَقِيق بن حَمْزَة عَن شَقِيق بن سَلمَة، قَالَ: (رَأَيْت عُثْمَان بن عَفَّان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، غسل ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا، وَمسح رَأسه ثَلَاثًا، ثمَّ قَالَ: رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فعل هَذَا) . قلت: الْمَذْكُور من حَدِيث الْجَمَاعَة هُوَ مسح الراس مرّة وَاحِدَة، وَلِهَذَا قَالَ أَبُو دَاوُد فِي (سنَنه) : أَحَادِيث عُثْمَان الصِّحَاح تدل على أَن مسح الرَّأْس مرّة، فَإِنَّهُم ذكرُوا الْوضُوء ثَلَاثًا

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.4 / 29.5
الإضاءة 68%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
لا إله إلا الله