الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٩٣
الحديث رقم ١٩٣ من كتاب «كتاب الوضوء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب وضوء الرجل مع امرأته وفضل وضوء المرأة.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
بَابُ صَبِّ النَّبِيِّ ﷺ وَضُوءَهُ عَلَى الْمُغْمَى عَلَيْهِ
١٩٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
فَدَعَا بِمَاءٍ وَلَمْ يَذْكُرِ التَّوْرَ.
قَوْلُهُ: (فَكَفَأَهُ)؛ أَيْ: أَمَالَهُ، وَلِلْأَصِيلِيِّ فَأَكْفَأَهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ النَّقْلُ أَنَّهُمَا بِمَعْنًى.
قَوْلُهُ (فَأَقْبَلَ بِيَدِهِ) كَذَا هُنَا بِالْإِفْرَادِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِالتَّثْنِيَةِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ)؛ أَيْ: بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُورِ وَحَدِيثِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ طَرِيقُ مُوسَى هَذِهِ فِي بَابِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، وَذَكَرَ فِيهَا أَنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ مَرَّةً، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْلُ الْخِلَافِ فِي اسْتِحْبَابِ الْعَدَدِ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ فِي بَابِ الْوُضُوءِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ عُثْمَانَ، وَذَكَرْنَا قَوْلَ أَبِي دَاوُدَ: إِنَّ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ عَنْ عُثْمَانَ لَيْسَ فِيهَا عَدَدٌ لِمَسْحِ الرَّأْسِ، وَأَنَّهُ أَوْرَدَ الْعَدَدَ مِنْ طَرِيقَيْنِ صَحَّحَ أَحَدَهُمَا غَيْرُهُ، وَالزِّيَادَةُ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ (١)، فَيُحْمَلُ قَوْلُ أَبِي دَاوُدَ عَلَى إِرَادَةِ اسْتِثْنَاءِ الطَّرِيقَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا، فَكَأَنَّهُ قال: إِلَّا هَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ.
قال ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: فِي الِاصْطِلَامِ (٢): اخْتِلَافُ الرِّوَايَةِ يُحْمَلُ عَلَى التَّعَدُّدِ، فَيَكُونُ مَسَحَ تَارَةً مَرَّةً وَتَارَةً ثَلَاثًا، فَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ مَسَحَ مَرَّةً حُجَّةٌ عَلَى مَنْعِ التَّعَدُّدِ. وَيُحْتَجُّ لِلتَّعَدُّدِ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْمَغْسُولِ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ طَهَارَةٌ حُكْمِيَّةٌ، وَلَا فَرْقَ فِي الطَّهَارَةِ الْحُكْمِيَّةِ بَيْنَ الْغَسْلِ وَالْمَسْحِ. وَأُجِيبَ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمَسْحَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّخْفِيفِ بِخِلَافِ الْغَسْلِ، وَلَوْ شُرِعَ التَّكْرَارُ لَصَارَتْ صُورَتُهُ صُورَةَ الْمَغْسُولِ. وَقَدِ اتُّفِقَ عَلَى كَرَاهَةِ غَسْلِ الرَّأْسِ بَدَلَ الْمَسْحِ وَإِنْ كَانَ مُجْزِئًا، وَأَجَابَ بِأَنَّ الْخِفَّةَ تَقْتَضِي عَدَمَ الِاسْتِيعَابِ وَهُوَ مَشْرُوعٌ بِالِاتِّفَاقِ فَلْيَكُنِ الْعَدَدُ كَذَلِكَ، وَجَوَابُهُ وَاضِحٌ.
وَمِنْ أَقْوَى الْأَدِلَّةِ عَلَى عَدَمِ الْعَدَدِ الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ الَّذِي صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ؛ حَيْثُ قال النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ أَنْ فَرَغَ: مَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَقَدْ أَسَاءَ وَظَلَمَ. فَإِنَّ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ مَسَحَ رَأْسَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ عَلَى الْمَرَّةِ غَيْرُ مُسْتَحَبَّةٍ، وَيُحْمَلُ مَا وَرَدَ مِنَ الْأَحَادِيثِ فِي تَثْلِيثِ الْمَسْحِ - إِنْ صَحَّتْ - عَلَى إِرَادَةِ الِاسْتِيعَابِ بِالْمَسْحِ، لَا أَنَّهَا مَسَحَاتٌ مُسْتَقِلَّةٌ لِجَمِيعِ الرَّأْسِ. جَمْعًا بَيْنَ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ.
(تَنْبِيهٌ): لَمْ يَقَعْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ذِكْرُ غَسْلِ الْوَجْهِ، وَجَوَّزَ الْكِرْمَانِيُّ أَنْ يَكُونَ هُوَ مَفْعُولَ غَسَلَ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الشَّكُّ مِنَ الرَّاوِي، وَالتَّقْدِيرُ: فَغَسَلَ وَجْهَهُ أَوْ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ. قُلْتُ: وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ.
وَقَدْ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ مُسْلِمٌ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي رِوَايَتِهِمَا الْمَذْكُورَةِ وَفِيهَا بَعْدَ ذِكْرِ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الِاخْتِصَارَ مِنْ مُسَدَّدٍ، كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الشَّكَّ مِنْهُ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَذَفَ الْوَجْهَ إِذَا لَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ اخْتِلَافٌ، وَذَكَرَ مَا عَدَاهُ لِمَا فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ مِنَ الْإِفْرَادِ وَالْجَمْعِ، وَلِمَا فِي إِدْخَالِ الْمِرْفَقَيْنِ، وَلِمَا فِي مَسْحِ جَمِيعِ الرَّأْسِ، وَلِمَا فِي الرِّجْلَيْنِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، انْتَهَى مُلَخَّصًا، وَلَا ي خْفَى تَكَلُّفُهُ.
٤٣ - بَاب وُضُوءِ الرَّجُلِ مَعَ امْرَأَتِهِ وَفَضْلِ وَضُوءِ الْمَرْأَةِ. وَتَوَضَّأَ عُمَرُ بِالْحَمِيمِ مِنْ بَيْتِ نَصْرَانِيَّةٍ
١٩٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قال: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قال: كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَتَوَضَّؤُونَ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَمِيعًا.
قَوْلُهُ: (بَابُ وُضُوءِ الرَّجُلِ) بِضَمِّ الْوَاوِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ بِهِ الْفِعْلُ.
قَوْلُهُ: (وَفَضْلُ وَضُوءِ الْمَرْأَةِ) بِفَتْحِ الْوَاوِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمَاءُ الْفَاضِلُ فِي الْإِنَاءِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْوُضُوءِ، وَهُوَ بِالْخَفْضِ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ وُضُوءِ الرَّجُلِ.
قَوْلُهُ:
(وَتَوَضَّأَ عُمَرُ بِالْحَمِيمِ)؛ أَيْ: بِالْمَاءِ الْمُسَخَّنِ، وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ وَغَيْرُهُمَا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ بِلَفْظِ إِنَّ عُمَرَ كَانَ يَتَوَضَّأُ بِالْحَمِيمِ وَيَغْتَسِلُ مِنْهُ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ بِلَفْظِ كَانَ يُسَخَّنُ لَهُ مَاءٌ فِي قُمْقُمٍ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ. قال الدَّارَقُطْنِيُّ: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَمُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ أَهْلَ الرَّجُلِ تَبَعٌ لَهُ فِيمَا يَفْعَلُ، فَأَشَارَ الْبُخَارِيُّ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ مَنَعَ الْمَرْأَةَ أَنْ تَتَطَهَّرَ بِفَضْلِ الرَّجُلِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ امْرَأَةَ عُمَرَ كَانَتْ تَتَوَضَّأُ بِفَضْلِهِ أَوْ مَعَهُ، فَيُنَاسِبُ قَوْلَهُ: وُضُوءُ الرَّجُلِ مَعَ امْرَأَتِهِ أَيْ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ.
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ التَّطَهُّرِ بِالْمَاءِ الْمُسَخَّنِ فَاتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِهِ إِلَّا مَا نُقِلَ عَنْ مُجَاهِدٍ.
قَوْلُهُ: (وَمِنْ بَيْتِ نَصْرَانِيَّةٍ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ بِالْحَمِيمِ؛ أَيْ: وَتَوَضَّأَ عُمَرُ مِنْ بَيْتِ نَصْرَانِيَّةٍ، وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ الشَّافِعِيُّ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ وَغَيْرُهُمَا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ بِهِ، وَلَفْظُ الشَّافِعِيِّ: تَوَضَّأَ مِنْ مَاءٍ فِي جَرَّةِ نَصْرَانِيَّةٍ وَلَمْ يَسْمَعْهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ مِنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، فَقَدْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعْدَانَ بْنِ نَصْرٍ عَنْهُ، قال: حَدَّثُونَا عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ. فَذَكَرَهُ مُطَوَّلًا. وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ بِإِثْبَاتِ الْوَاسِطَةِ، فَقَالَ: عَنِ ابْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ بِهِ. وَأَوْلَادُ زَيْدٍ هُمْ عَبْدُ اللَّهِ، وَأُسَامَةُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَأَوْثَقُهُمْ وَأَكْبَرُهُمْ عَبْدُ اللَّهِ، وَأَظُنُّهُ هُوَ الَّذِي سَمِعَ ابْنَ عُيَيْنَةَ مِنْهُ ذَلِكَ، وَلِهَذَا جَزَمَ بِهِ الْبُخَارِيُّ.
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ بِحَذْفِ الْوَاوِ مِنْ قَوْلِهِ وَمِنْ بَيْتِ وَهَذَا الَّذِي جَرَّأَ الْكِرْمَانِيُّ أَنْ يَقُولَ: الْمَقْصُودُ ذِكْرُ اسْتِعْمَالِ سُؤْرِ الْمَرْأَةِ، وَأَمَّا الْحَمِيمُ فَذَكَرَهُ لِبَيَانِ الْوَاقِعِ. وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُمَا أَثَرَانِ مُتَغَايِرَانِ، وَهَذَا الثَّانِي مُنَاسِبٌ لِقَوْلِهِ وَفَضْلُ وَضُوءِ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ عُمَرَ تَوَضَّأَ بِمَائِهَا وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ، مَعَ جَوَازِ أَنْ تَكُونَ تَحْتَ مُسْلِمٍ وَاغْتَسَلَتْ مِنْ حَيْضٍ لِيَحِلَّ لَهُ وَطْؤُهَا فَفَضَلَ مِنْهُ ذَلِكَ الْمَاءُ، وَهَذَا وَإِنْ لَمْ يَقَعِ التَّصْرِيحُ بِهِ لَكِنَّهُ مُحْتَمَلٌ، وَجَرَتْ عَادَةُ الْبُخَارِيِّ بِالتَّمَسُّكِ بِمِثْلِ ذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ الِاسْتِفْصَالِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ لَا يَسْتَدِلُّ بِذَلِكَ فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ التَّطَهُّرِ بِفَضْلِ وَضُوءِ الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ أَسْوَأَ حَالًا مِنَ النَّصْرَانِيَّةِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ اسْتِعْمَالِ مِيَاهِ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ غَيْرِ اسْتِفْصَالٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ: لَا بَأْسَ بِالْوُضُوءِ مِنْ مَاءِ الْمُشْرِكِ وَبِفَضْلِ وَضُوئِهِ مَا لَمْ تُعْلَمْ فِيهِ نَجَاسَةٌ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: انْفَرَدَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ بِكَرَاهَةِ فَضْلِ الْمَرْأَةِ إِذَا كَانَتْ جُنُبًا.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) هُوَ التِّنِّيسِيُّ أَحَدُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ.
قَوْلُهُ: (كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ) ظَاهِرُهُ التَّعْمِيمُ، فَاللَّامُ لِلْجِنْسِ لَا لِلِاسْتِغْرَاقِ.
قَوْلُهُ: (فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ) يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ يَرَى أَنَّ الصَّحَابِيَّ إِذَا أَضَافَ الْفِعْلَ إِلَى زَمَنِ الرَّسُولِ ﷺ يَكُونُ حُكْمُهُ الرَّفْعَ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَحُكِيَ عَنْ قَوْمٍ خِلَافُهُ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ، وَهُوَ ضَعِيفٌ لِتَوَفُّرِ دَوَاعِي الصَّحَابَةِ عَلَى سُؤَالِهِمْ إِيَّاهُ عَنِ الْأُمُورِ الَّتِي تَقَعُ لَهُمْ وَمِنْهُمْ، وَلَوْ لَمْ يَسْأَلُوهُ لَمْ يُقَرُّوا عَلَى فِعْلِ غَيْرِ الْجَائِزِ فِي زَمَنِ التَّشْرِيعِ، فَقَدِ اسْتَدَلَّ أَبُو سَعِيدٍ، وَجَابِرٌ عَلَى إِبَاحَةِ الْعَزْلِ بِكَوْنِهِمْ كَانُوا يَفْعَلُونَهُ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ وَلَوْ كَانَ مَنْهِيًّا لَنَهَى عَنْهُ الْقُرْآنُ، وَزَادَ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ، عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: نُدْلِي فِيهِ أَيْدِينَا. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الِاغْتِرَافَ مِنَ الْمَاءِ الْقَلِيلِ لَا يُصَيِّرُهُ مُسْتَعْمَلًا؛ لِأَنَّ أَوَانِيَهُمْ كَانَتْ صِغَارًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى طَهَارَةِ الذِّمِّيَّةِ وَاسْتِعْمَالِ فَضْلِ طَهُورِهَا وَسُؤْرِهَا لِجَوَازِ تَزَوُّجِهِنَّ، وَعَدَمِ التَّفْرِقَةِ فِي الْحَدِيثِ بَيْنَ الْمُسْلِمَةِ وَغَيْرِهَا.
قَوْلُهُ: (جَمِيعًا) ظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَنَاوَلُونَ الْمَاءَ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ عَنْ قَوْمٍ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ كَانُوا يَتَوَضَّؤُونَ جَمِيعًا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، هَؤُلَاءِ عَلَى حِدَةٍ وَهَؤُلَاءِ عَلَى حِدَةٍ، وَالزِّيَادَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ فِي قَوْلِهِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ تَرِدُ عَلَيْهِ، وَكَأَنَّ هَذَا الْقَائِلَ اسْتَبْعَدَ اجْتِمَاعَ
الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ الْأَجَانِبِ، وَقَدْ أَجَابَ ابْنُ التِّينِ عَنْهُ بِمَا حَكَاهُ عَنْ سَحْنُونَ أَنَّ مَعْنَاهُ كَانَ الرِّجَالُ يَتَوَضَّؤُونَ وَيَذْهَبُونَ، ثُمَّ تَأْتِي النِّسَاءُ فَيَتَوَضَّأْنَ، وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ مِنْ قَوْلِهِ جَمِيعًا، قال أَهْلُ اللُّغَةِ: الْجَمِيعُ ضِدُّ الْمُفْتَرِقِ، وَقَدْ وَقَعَ مُصَرَّحًا بِوَحْدَةِ الْإِنَاءِ فِي صَحِيحِ ابْنِ خُزَيْمَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِ مُعْتَمِرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَبْصَرَ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ يَتَطَهَّرُونَ وَالنِّسَاءُ مَعَهُمْ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ كُلُّهُمْ يَتَطَهَّرُ مِنْهُ، وَالْأَوْلَى فِي الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: لَا مَانِعَ مِنَ الِاجْتِمَاعِ قَبْلَ نُزُولِ الْحِجَابِ، وَأَمَّا بَعْدَهُ فَيَخْتَصُّ بِالزَّوْجَاتِ وَالْمَحَارِمِ.
وَنَقَلَ الطَّحَاوِيُّ ثُمَّ الْقُرْطُبِيُّ، وَالنَّوَوِيُّ الِاتِّفَاقَ عَلَى جَوَازِ اغْتِسَالِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ مِنَ الْإِنَاءِ الْوَاحِدِ. وَفِيهِ نَظَرٌ، لِمَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَنْهَى عَنْهُ، وَكَذَا حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ قَوْمٍ، وَهَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ.
وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ أَيْضًا الِاتِّفَاقَ عَلَى جَوَازِ وُضُوءِ الْمَرْأَةِ بِفَضْلِ الرَّجُلِ دُونَ الْعَكْسِ، وَفِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا فَقَدْ أَثْبَتَ الْخِلَافَ فِيهِ الطَّحَاوِيُّ، وَثَبَتَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ الْمَنْعَ لَكِنْ مُقَيَّدًا بِمَا إِذَا كَانَتْ حَائِضًا، وَأَمَّا عَكْسُهُ فَصَحَّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ الصَّحَابِيِّ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُم مَنَعُوا التَّطَهُّرَ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ، وَبِهِ قال أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، لَكِنْ قَيَّدَاهُ بِمَا إِذَا خَلَتْ بِهِ؛ لِأَنَّ أَحَادِيثَ الْبَابِ ظَاهِرَةٌ فِي الْجَوَازِ إِذَا اجْتَمَعَا، وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي مَنْعِ التَّطَهُّرِ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ وَفِي جَوَازِ ذَلِكَ مُضْطَرِبَةٌ، قال: لَكِنْ صَحَّ عَنْ عِدَّةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ الْمَنْعُ فِيمَا إِذَا خَلَتْ بِهِ، وَعُورِضَ بِصِحَّةِ الْجَوَازِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَشْهَرُ الْأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ مِنَ الْجِهَتَيْنِ حَدِيثُ الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو الْغِفَارِيِّ فِي الْمَنْعِ، وَحَدِيثُ مَيْمُونَةَ فِي الْجَوَازِ.
أَمَّا حَدِيثُ الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو فَأَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَأَغْرَبَ النَّوَوِيُّ فَقَالَ: اتَّفَقَ الْحُفَّاظُ عَلَى تَضْعِيفِهِ. وَأَمَّا حَدِيثُ مَيْمُونَةَ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، لَكِنْ أَعَلَّهُ قَوْمٌ لِتَرَدُّدٍ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ؛ حَيْثُ قال: عِلْمِي وَالَّذِي يَخْطِرُ عَلَى بَالِي أَنَّ أَبَا الشَّعْثَاءِ أَخْبَرَنِي. . . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَقَدْ وَرَدَ من طَرِيقٍ أُخْرَى بِلَا تَرَدُّدٍ لَكِنَّ رَاوِيَهَا غَيْرُ ضَابِطٍ وَقَدْ خُولِفَ، وَالْمَحْفُوظُ مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ بِلَفْظِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَمَيْمُونَةَ كَانَا يَغْتَسِلَانِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، وَفِي الْمَنْعِ أَيْضًا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيِّ، قال: لَقِيتُ رَجُلًا صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ أَرْبَعَ سِنِينَ، فَقَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَغْتَسِلَ الْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ أَوْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ، وَلْيَغْتَرِفَا جَمِيعًا.
رِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَلَمْ أَقِفْ لِمَنْ أَعَلَّهُ عَلَى حُجَّةٍ قَوِيَّةٍ، وَدَعْوَى الْبَيْهَقِيُّ أَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمُرْسَلِ مَرْدُودَةٌ؛ لِأَنَّ إِبْهَامَ الصَّحَابِيِّ لَا يَضُرُّ، وَقَدْ صَرَّحَ التَّابِعِيُّ بِأَنَّهُ لَقِيَهُ، وَدَعْوَى ابْنِ حَزْمٍ أَنَّ دَاوُدَ رَاوِيَهُ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هُوَ ابْنُ يَزِيدُ الْأَوْدِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ مَرْدُودَةٌ، فَإِنَّهُ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَوْدِيُّ وَهُوَ ثِقَةٌ، وَقَدْ صَرَّحَ بِاسْمِ أَبِيهِ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ، وَمِنْ أَحَادِيثِ الْجَوَازِ مَا أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ: أَجْنَبْتُ فَاغْتَسَلْتُ مِنْ جَفْنَةٍ، فَفَضَلَتْ فِيهَا فَضْلَةٌ، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ يَغْتَسِلُ مِنْهُ، فَقُلْتُ لَهُ، فَقَالَ: الْمَاءُ لَيْسَ عَلَيْهِ جَنَابَةٌ. وَاغْتَسَلَ مِنْهُ. لَفْظُ الدَّارَقُطْنِيِّ.
وَقَدْ أَعَلَّهُ قَوْمٌ بِسِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ رَاوِيهِ عَنْ عِكْرِمَةَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَقْبَلُ التَّلْقِينَ، لَكِنْ قَدْ رَوَاهُ عَنْهُ شُعْبَةُ وَهُوَ لَا يَحْمِلُ عَنْ مَشَايِخِهِ إِلَّا صَحِيحَ حَدِيثِهِمْ. وَقَوْلُ أَحْمَدَ: إِنَّ الْأَحَادِيثَ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ مُضْطَرِبَةٌ إِنَّمَا يُصَارُ إِلَيْهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْجَمْعِ، وَهُوَ مُمْكِنٌ بِأَنْ تُحْمَلَ أَحَادِيثُ النَّهْيِ عَلَى مَا تَسَاقَطَ مِنَ الْأَعْضَاءِ، وَالْجَوَازِ عَلَى مَا بَقِيَ مِنَ الْمَاءِ، وَبِذَلِكَ جَمَعَ الْخَطَّابِيُّ، أَوْ يُحْمَلُ النَّهْيُ عَلَى التَّنْزِيهِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
أيضًا (مِنْ بَيْتِ نَصْرَانِيَّةٍ) فيما وصله الشَّافعيُّ ﵁، وعبد الرَّزَّاق، وغيرهما عن سفيان بن عُيَيْنَةَ عن زيد بن أسلمَ عن أبيه: أنَّ عمر ﵁ توضَّأ من ماءٍ نصرانيَّةٍ في جرَّةِ (١) نصرانيَّةٍ لكنَّ ابن عُيَيْنَةَ لم يسمع من زيد بن أسلمَ، فقد رواه البيهقيُّ من طريق سعدان (٢) بن نصر عنه، قال: وحدَّثونا (٣) عن زيد بن أسلم .... ، فذكره مُطوَّلًا، وفي رواية كريمة: «بالحَمِيم من بيت نصرانيَّةٍ» بحذف واو العطف، وفي ذلك نظرٌ لأنَّهما أثران مُستقلَّان كما مرَّ، ولم تظهر (٤) لي (٥) مُناسَبَتهما للتَّرجمة، أمَّا توضُّؤ عمر بالحميم فلا يخفى عدم مُناسَبته، وأمَّا توضُّؤه من بيت نصرانيَّةٍ فلا يدلُّ على أنَّه كان من فضل ما استعملته، بلِ الذي يدلُّ عليه جواز استعمال مياههم، ولا خلاف في جواز (٦) استعمال سؤر النَّصرانيَّة لأنَّه طاهرٌ، خلافًا لأحمد وإسحاق بن رَاهُوْيَه (٧) وأهل الظَّاهر، واختلف قول مالكٍ ﵀، ففي «المُدوَّنة» لا يتوضَّأ بسؤر النَّصرانيِّ ولا بما أدخل يده فيه. وفي «العتبيَّة» أجازه مرَّةً وكرهه أخرى، وفي رواية ابن عساكر حذف الأثرين، وهو أَوْلى لعدم المُطابَقة بينهما وبين التَّرجمة.
١٩٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄، وفي رواية أبوَي ذَرٍّ والوقت وابن
عساكر: «عن ابن عمر» (أَنَّهُ قَالَ: كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ) أي: الجنس منهما (١) (يَتَوَضَّؤُونَ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ جَمِيعًا) أي: حال كونهم مجتمعين لا متفرِّقين، زاد ابن ماجه عن هشام بن عمار (٢) عن مالكٍ في هذا الحديث: «من إناءٍ واحدٍ»، وزاد أبو داود من طريق عبيد الله بن عمر عن نافعٍ عنِ ابن عمر: «ندلي فيه أيدينا»، وفي «صحيح ابن خزيمة» من طريق معمرٍ (٣) عن عبيد الله عن نافعٍ عنِ ابن عمر (٤): أنَّه أبصر النَّبيَّ ﷺ وأصحابه يتطهَّرون والنِّساء معهم من إناءٍ واحدٍ، كلُّهم يتطهَّر (٥) منه، وهو محمولٌ على ما قبل نزول الحجاب، وأمَّا بعده فيختصُّ بالزَّوجات والمحارم، وفي قوله: «زمان رسول الله ﷺ» حجَّةٌ للجواز، فإنَّ الصَّحابيَّ إذا قال: «كنَّا نفعل أو كانوا يفعلون في زمنه ﷺ» يكون حكمه الرَّفع، كما هو الصَّحيح، وهذا الحديث يدلُّ على الجزء الأوَّل مِنَ التَّرجمة فقط، وأمَّا فضل وضوء (٦) المرأة فيجوز عند الشَّافعيَّة الوضوء منه للرَّجل، سواءٌ خلت به أم لا، من غير كراهةٍ، وبذلك قال مالكٌ وأبو حنيفة ﵄ وجمهور العلماء، وقال أحمد وداود: لا يجوز إذا خلت به، وعنِ الحسن وابن المُسَيَّب: كراهة فضلها مُطلَقًا.
ورواة هذا الحديث الأربعة ما بين تنِّيسيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: الإخبار والتَّحديث والعنعنة والقول، وهو من سلسلة الذَّهب، وهو عند المؤلِّف ﵀ أصحُّ الأسانيد.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
المراة وَالْمَرْأَة بِفضل الرجل، وَلَكِن يشرعان جَمِيعًا) ، وَأخرجه الطَّحَاوِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَرُوِيَ أَيْضا من حَدِيث الحكم الْغِفَارِيّ، قَالَ: (نهى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يتَوَضَّأ الرجل بِفضل الْمَرْأَة أَو بسؤر الْمَرْأَة، لَا يدْرِي أَبُو حَاجِب أَيهمَا قَالَ) . وَأَبُو حَاجِب هُوَ الَّذِي روى عَن الحكم، وَاسم أبي حَاجِب: سوَادَة بن عَاصِم الْعَنزي. وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه والطَّحَاوِي، وَرُوِيَ أَيْضا عَن حميد بن عبد الرَّحْمَن، قَالَ: (كنت لقِيت من صحب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَمَا صَحبه أَبُو هُرَيْرَة أَربع سِنِين، قَالَ: نهى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، فَذكر مثله، أخرجه الطَّحَاوِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة. قلت: نقل عَن الإِمَام أَحْمد أَن الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي منع التطهر بِفضل الْمَرْأَة، وَفِي جَوَاز ذَلِك مضطربة، قَالَ: لَكِن صَحَّ من الصَّحَابَة الْمَنْع فِيمَا إِذا دخلت بِهِ، وَلَكِن يُعَارض هَذَا مَا رُوِيَ بِصِحَّة الْجَوَاز عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة الَّذين ذَكَرْنَاهُمْ.
وَأشهر الْأَحَادِيث عِنْد المانعين: حَدِيث عبد الله ابْن سرجس، وَحَدِيث حكم الْغِفَارِيّ. وَأما حَدِيث عبد الله بن سرجس، فَإِنَّهُ رُوِيَ مَرْفُوعا وموقوفاً. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: الْمَوْقُوف أولى بِالصَّوَابِ، وَقد قَالَ البُخَارِيّ: أَخطَأ من رَفعه. قلت: الحكم للرافع، لِأَنَّهُ زَاد: والراوي قد يُفْتِي بالشَّيْء ثمَّ يرويهِ مرّة أُخْرَى، وَيجْعَل الْمَوْقُوف فَتْوَى فَلَا يُعَارض الْمَرْفُوع، وَصَححهُ ابْن حزم مَرْفُوعا من حَدِيث عبد الْعَزِيز بن الْمُخْتَار الَّذِي فِي مُسْنده، والشيخان أخرجَا لَهُ، وَوَثَّقَهُ ابْن معِين وَأَبُو حَاتِم وَأَبُو زرْعَة، فَلَا يضرّهُ وقف من وَقفه. وَتوقف ابْن الْقطَّان فِي تَصْحِيحه لِأَنَّهُ لم يره إلَاّ فِي كتاب الدَّارَقُطْنِيّ، وَشَيخ الدَّارَقُطْنِيّ فِيهِ لَا يعرف حَاله. قلت: شَيْخه فِيهِ عبد الله بن مُحَمَّد بن سعد المَقْبُري، وَلَو رَآهُ عِنْد ابْن مَاجَه أَو عِنْد الطَّحَاوِيّ لما توقف، لَان ابْن مَاجَه رَوَاهُ عَن مُحَمَّد بن يحيى عَن المعلي بن أَسد، والطَّحَاوِي رَوَاهُ مُحَمَّد بن خُزَيْمَة، وهما مشهوران. وَأما حَدِيث الحكم الْغِفَارِيّ، فَقَالَت جمَاعَة من أهل الحَدِيث، إِن هَذَا الحَدِيث لَا يَصح، وَأَشَارَ الْخطابِيّ أَيْضا إِلَى عدم صِحَّته، وَقَالَ ابْن مَنْدَه: لَا يثبت من جِهَة السَّنَد. قلت: لما أخرجه التِّرْمِذِيّ قَالَ: هَذَا حَدِيث حسن، وَرجحه ابْن مَاجَه على حَدِيث عبد الله بن سرجس، وَصَححهُ ابْن حبَان وَأَبُو مُحَمَّد الْفَارِسِي، وَالْقَوْل قَول من صَححهُ لَا من ضعفه، لِأَنَّهُ مُسْند ظَاهره السَّلامَة من تضعف وَانْقِطَاع، وَقَالَ ابْن قدامَة: الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد وَاحْتج بِهِ، وتضعيف البُخَارِيّ لَهُ بعد ذَلِك لَا يقبل لاحْتِمَال أَن يكون وَقع لَهُ من غير طَرِيق صَحِيح، وَيرد بِهَذَا أَيْضا قَول النَّوَوِيّ: اتّفق الْحفاظ على تَضْعِيفه.
الثَّالِث من الْأَحْكَام أَن ظَاهر الحَدِيث يدل على جَوَاز تنَاول الرِّجَال وَالنِّسَاء المَاء فِي حَالَة وَاحِدَة، وَحكى ابْن التِّين عَن قوم: أَن الرِّجَال وَالنِّسَاء كَانُوا يتوضؤون جَمِيعًا من إِنَاء وَاحِد، هَؤُلَاءِ على حِدة وَهَؤُلَاء على حِدة. قلت: الزِّيَادَة فِي الحَدِيث وَهُوَ قَوْله: (من إِنَاء وَاحِد) يرد عَلَيْهِم، وَكَأَنَّهُم استبعدوا إجتماع الرِّجَال وَالنِّسَاء الأجنبيات، وَأجَاب ابْن التِّين عَن ذَلِك بِمَا حَكَاهُ عَن سَحْنُون أَن مَعْنَاهُ كَانَ الرِّجَال يتوضؤون ويذهبون، ثمَّ تَأتي النِّسَاء فيتوضأن. قلت: هَذَا خلاف الَّذِي يدل عَلَيْهِ جَمِيعًا، وَمَعَ هَذَا جَاءَ صَرِيحًا وحدة الْإِنَاء فِي (صَحِيح ابْن خُزَيْمَة) فِي هَذَا الحَدِيث من طَرِيق مُعْتَمر عَن عبيد الله بن عمر عَن نَافِع عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: (أَنه أبْصر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَصْحَابه يتطهرون، وَالنِّسَاء مَعَهم، من إِنَاء وَاحِد كلهم يتطهرون مِنْهُ) . قيل: وَلنَا أَن نقُول: مَا كَانَ مَانع من ذَلِك قبل نزُول آيَة الْحجاب، وَأما بعده فَيخْتَص بالزوجات والمحارم، وَفِيه نظر، وَالله تَعَالَى أعلم.
٤٤ - (بابُ صَبِّ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَضوءَهُ علَى المُغْمَى عَلَيهِ)
أَي: هَذَا فِي بَيَان صب النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وضوء، بِفَتْح الْوَاو: وَهُوَ المَاء الَّذِي تَوَضَّأ بِهِ على من أُغمي عَلَيْهِ، يُقَال: أُغمي عَلَيْهِ، بِضَم الْهمزَة، فَهُوَ مغمى عَلَيْهِ، وغمي بِضَم الْغَيْن وَتَخْفِيف الْمِيم فَهُوَ مغمى عَلَيْهِ، بِصِيغَة الْمَفْعُول، لِأَن أَصله مغموي على وزن: مفعول، اجْتمعت الْوَاو وَالْيَاء وسبقت إِحْدَاهمَا بِالسُّكُونِ فقلبت يَاء، ثمَّ أدغمت الْيَاء فِي الْيَاء، فَصَارَ: مغمى، بِضَم الْمِيم الثَّانِيَة وَتَشْديد الْيَاء، ثمَّ أبدلت من ضمة الْمِيم كسرة لأجل الْيَاء، فَصَارَ مغمى، وَالْإِغْمَاء والغشي بِمَعْنى وَاحِد. قَالَه الْكرْمَانِي: وَلَيْسَ كَذَلِك، فَإِن الغشي مرض يحصل من طول التَّعَب، وَهُوَ أخف من الْإِغْمَاء، وَالْفرق بَينه وَبَين الْجُنُون وَالنَّوْم أَن الْعقل يكون فِي الْإِغْمَاء مَغْلُوبًا، وَفِي الْجُنُون يكون مسلوباً، وَفِي النّوم يكون مَسْتُورا.
والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن فِي كل وَاحِد مِنْهُمَا نوعا من الْوضُوء.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
فَدَعَا بِمَاءٍ وَلَمْ يَذْكُرِ التَّوْرَ.
قَوْلُهُ: (فَكَفَأَهُ)؛ أَيْ: أَمَالَهُ، وَلِلْأَصِيلِيِّ فَأَكْفَأَهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ النَّقْلُ أَنَّهُمَا بِمَعْنًى.
قَوْلُهُ (فَأَقْبَلَ بِيَدِهِ) كَذَا هُنَا بِالْإِفْرَادِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِالتَّثْنِيَةِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ)؛ أَيْ: بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُورِ وَحَدِيثِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ طَرِيقُ مُوسَى هَذِهِ فِي بَابِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، وَذَكَرَ فِيهَا أَنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ مَرَّةً، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْلُ الْخِلَافِ فِي اسْتِحْبَابِ الْعَدَدِ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ فِي بَابِ الْوُضُوءِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ عُثْمَانَ، وَذَكَرْنَا قَوْلَ أَبِي دَاوُدَ: إِنَّ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ عَنْ عُثْمَانَ لَيْسَ فِيهَا عَدَدٌ لِمَسْحِ الرَّأْسِ، وَأَنَّهُ أَوْرَدَ الْعَدَدَ مِنْ طَرِيقَيْنِ صَحَّحَ أَحَدَهُمَا غَيْرُهُ، وَالزِّيَادَةُ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ (١)، فَيُحْمَلُ قَوْلُ أَبِي دَاوُدَ عَلَى إِرَادَةِ اسْتِثْنَاءِ الطَّرِيقَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا، فَكَأَنَّهُ قال: إِلَّا هَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ.
قال ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: فِي الِاصْطِلَامِ (٢): اخْتِلَافُ الرِّوَايَةِ يُحْمَلُ عَلَى التَّعَدُّدِ، فَيَكُونُ مَسَحَ تَارَةً مَرَّةً وَتَارَةً ثَلَاثًا، فَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ مَسَحَ مَرَّةً حُجَّةٌ عَلَى مَنْعِ التَّعَدُّدِ. وَيُحْتَجُّ لِلتَّعَدُّدِ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْمَغْسُولِ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ طَهَارَةٌ حُكْمِيَّةٌ، وَلَا فَرْقَ فِي الطَّهَارَةِ الْحُكْمِيَّةِ بَيْنَ الْغَسْلِ وَالْمَسْحِ. وَأُجِيبَ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمَسْحَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّخْفِيفِ بِخِلَافِ الْغَسْلِ، وَلَوْ شُرِعَ التَّكْرَارُ لَصَارَتْ صُورَتُهُ صُورَةَ الْمَغْسُولِ. وَقَدِ اتُّفِقَ عَلَى كَرَاهَةِ غَسْلِ الرَّأْسِ بَدَلَ الْمَسْحِ وَإِنْ كَانَ مُجْزِئًا، وَأَجَابَ بِأَنَّ الْخِفَّةَ تَقْتَضِي عَدَمَ الِاسْتِيعَابِ وَهُوَ مَشْرُوعٌ بِالِاتِّفَاقِ فَلْيَكُنِ الْعَدَدُ كَذَلِكَ، وَجَوَابُهُ وَاضِحٌ.
وَمِنْ أَقْوَى الْأَدِلَّةِ عَلَى عَدَمِ الْعَدَدِ الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ الَّذِي صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ؛ حَيْثُ قال النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ أَنْ فَرَغَ: مَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَقَدْ أَسَاءَ وَظَلَمَ. فَإِنَّ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ مَسَحَ رَأْسَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ عَلَى الْمَرَّةِ غَيْرُ مُسْتَحَبَّةٍ، وَيُحْمَلُ مَا وَرَدَ مِنَ الْأَحَادِيثِ فِي تَثْلِيثِ الْمَسْحِ - إِنْ صَحَّتْ - عَلَى إِرَادَةِ الِاسْتِيعَابِ بِالْمَسْحِ، لَا أَنَّهَا مَسَحَاتٌ مُسْتَقِلَّةٌ لِجَمِيعِ الرَّأْسِ. جَمْعًا بَيْنَ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ.
(تَنْبِيهٌ): لَمْ يَقَعْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ذِكْرُ غَسْلِ الْوَجْهِ، وَجَوَّزَ الْكِرْمَانِيُّ أَنْ يَكُونَ هُوَ مَفْعُولَ غَسَلَ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الشَّكُّ مِنَ الرَّاوِي، وَالتَّقْدِيرُ: فَغَسَلَ وَجْهَهُ أَوْ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ. قُلْتُ: وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ.
وَقَدْ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ مُسْلِمٌ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي رِوَايَتِهِمَا الْمَذْكُورَةِ وَفِيهَا بَعْدَ ذِكْرِ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الِاخْتِصَارَ مِنْ مُسَدَّدٍ، كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الشَّكَّ مِنْهُ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَذَفَ الْوَجْهَ إِذَا لَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ اخْتِلَافٌ، وَذَكَرَ مَا عَدَاهُ لِمَا فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ مِنَ الْإِفْرَادِ وَالْجَمْعِ، وَلِمَا فِي إِدْخَالِ الْمِرْفَقَيْنِ، وَلِمَا فِي مَسْحِ جَمِيعِ الرَّأْسِ، وَلِمَا فِي الرِّجْلَيْنِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، انْتَهَى مُلَخَّصًا، وَلَا ي خْفَى تَكَلُّفُهُ.
٤٣ - بَاب وُضُوءِ الرَّجُلِ مَعَ امْرَأَتِهِ وَفَضْلِ وَضُوءِ الْمَرْأَةِ. وَتَوَضَّأَ عُمَرُ بِالْحَمِيمِ مِنْ بَيْتِ نَصْرَانِيَّةٍ
١٩٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قال: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قال: كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَتَوَضَّؤُونَ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَمِيعًا.
قَوْلُهُ: (بَابُ وُضُوءِ الرَّجُلِ) بِضَمِّ الْوَاوِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ بِهِ الْفِعْلُ.
قَوْلُهُ: (وَفَضْلُ وَضُوءِ الْمَرْأَةِ) بِفَتْحِ الْوَاوِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمَاءُ الْفَاضِلُ فِي الْإِنَاءِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْوُضُوءِ، وَهُوَ بِالْخَفْضِ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ وُضُوءِ الرَّجُلِ.
قَوْلُهُ:
(وَتَوَضَّأَ عُمَرُ بِالْحَمِيمِ)؛ أَيْ: بِالْمَاءِ الْمُسَخَّنِ، وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ وَغَيْرُهُمَا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ بِلَفْظِ إِنَّ عُمَرَ كَانَ يَتَوَضَّأُ بِالْحَمِيمِ وَيَغْتَسِلُ مِنْهُ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ بِلَفْظِ كَانَ يُسَخَّنُ لَهُ مَاءٌ فِي قُمْقُمٍ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ. قال الدَّارَقُطْنِيُّ: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَمُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ أَهْلَ الرَّجُلِ تَبَعٌ لَهُ فِيمَا يَفْعَلُ، فَأَشَارَ الْبُخَارِيُّ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ مَنَعَ الْمَرْأَةَ أَنْ تَتَطَهَّرَ بِفَضْلِ الرَّجُلِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ امْرَأَةَ عُمَرَ كَانَتْ تَتَوَضَّأُ بِفَضْلِهِ أَوْ مَعَهُ، فَيُنَاسِبُ قَوْلَهُ: وُضُوءُ الرَّجُلِ مَعَ امْرَأَتِهِ أَيْ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ.
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ التَّطَهُّرِ بِالْمَاءِ الْمُسَخَّنِ فَاتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِهِ إِلَّا مَا نُقِلَ عَنْ مُجَاهِدٍ.
قَوْلُهُ: (وَمِنْ بَيْتِ نَصْرَانِيَّةٍ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ بِالْحَمِيمِ؛ أَيْ: وَتَوَضَّأَ عُمَرُ مِنْ بَيْتِ نَصْرَانِيَّةٍ، وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ الشَّافِعِيُّ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ وَغَيْرُهُمَا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ بِهِ، وَلَفْظُ الشَّافِعِيِّ: تَوَضَّأَ مِنْ مَاءٍ فِي جَرَّةِ نَصْرَانِيَّةٍ وَلَمْ يَسْمَعْهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ مِنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، فَقَدْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعْدَانَ بْنِ نَصْرٍ عَنْهُ، قال: حَدَّثُونَا عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ. فَذَكَرَهُ مُطَوَّلًا. وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ بِإِثْبَاتِ الْوَاسِطَةِ، فَقَالَ: عَنِ ابْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ بِهِ. وَأَوْلَادُ زَيْدٍ هُمْ عَبْدُ اللَّهِ، وَأُسَامَةُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَأَوْثَقُهُمْ وَأَكْبَرُهُمْ عَبْدُ اللَّهِ، وَأَظُنُّهُ هُوَ الَّذِي سَمِعَ ابْنَ عُيَيْنَةَ مِنْهُ ذَلِكَ، وَلِهَذَا جَزَمَ بِهِ الْبُخَارِيُّ.
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ بِحَذْفِ الْوَاوِ مِنْ قَوْلِهِ وَمِنْ بَيْتِ وَهَذَا الَّذِي جَرَّأَ الْكِرْمَانِيُّ أَنْ يَقُولَ: الْمَقْصُودُ ذِكْرُ اسْتِعْمَالِ سُؤْرِ الْمَرْأَةِ، وَأَمَّا الْحَمِيمُ فَذَكَرَهُ لِبَيَانِ الْوَاقِعِ. وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُمَا أَثَرَانِ مُتَغَايِرَانِ، وَهَذَا الثَّانِي مُنَاسِبٌ لِقَوْلِهِ وَفَضْلُ وَضُوءِ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ عُمَرَ تَوَضَّأَ بِمَائِهَا وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ، مَعَ جَوَازِ أَنْ تَكُونَ تَحْتَ مُسْلِمٍ وَاغْتَسَلَتْ مِنْ حَيْضٍ لِيَحِلَّ لَهُ وَطْؤُهَا فَفَضَلَ مِنْهُ ذَلِكَ الْمَاءُ، وَهَذَا وَإِنْ لَمْ يَقَعِ التَّصْرِيحُ بِهِ لَكِنَّهُ مُحْتَمَلٌ، وَجَرَتْ عَادَةُ الْبُخَارِيِّ بِالتَّمَسُّكِ بِمِثْلِ ذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ الِاسْتِفْصَالِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ لَا يَسْتَدِلُّ بِذَلِكَ فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ التَّطَهُّرِ بِفَضْلِ وَضُوءِ الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ أَسْوَأَ حَالًا مِنَ النَّصْرَانِيَّةِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ اسْتِعْمَالِ مِيَاهِ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ غَيْرِ اسْتِفْصَالٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ: لَا بَأْسَ بِالْوُضُوءِ مِنْ مَاءِ الْمُشْرِكِ وَبِفَضْلِ وَضُوئِهِ مَا لَمْ تُعْلَمْ فِيهِ نَجَاسَةٌ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: انْفَرَدَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ بِكَرَاهَةِ فَضْلِ الْمَرْأَةِ إِذَا كَانَتْ جُنُبًا.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) هُوَ التِّنِّيسِيُّ أَحَدُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ.
قَوْلُهُ: (كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ) ظَاهِرُهُ التَّعْمِيمُ، فَاللَّامُ لِلْجِنْسِ لَا لِلِاسْتِغْرَاقِ.
قَوْلُهُ: (فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ) يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ يَرَى أَنَّ الصَّحَابِيَّ إِذَا أَضَافَ الْفِعْلَ إِلَى زَمَنِ الرَّسُولِ ﷺ يَكُونُ حُكْمُهُ الرَّفْعَ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَحُكِيَ عَنْ قَوْمٍ خِلَافُهُ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ، وَهُوَ ضَعِيفٌ لِتَوَفُّرِ دَوَاعِي الصَّحَابَةِ عَلَى سُؤَالِهِمْ إِيَّاهُ عَنِ الْأُمُورِ الَّتِي تَقَعُ لَهُمْ وَمِنْهُمْ، وَلَوْ لَمْ يَسْأَلُوهُ لَمْ يُقَرُّوا عَلَى فِعْلِ غَيْرِ الْجَائِزِ فِي زَمَنِ التَّشْرِيعِ، فَقَدِ اسْتَدَلَّ أَبُو سَعِيدٍ، وَجَابِرٌ عَلَى إِبَاحَةِ الْعَزْلِ بِكَوْنِهِمْ كَانُوا يَفْعَلُونَهُ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ وَلَوْ كَانَ مَنْهِيًّا لَنَهَى عَنْهُ الْقُرْآنُ، وَزَادَ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ، عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: نُدْلِي فِيهِ أَيْدِينَا. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الِاغْتِرَافَ مِنَ الْمَاءِ الْقَلِيلِ لَا يُصَيِّرُهُ مُسْتَعْمَلًا؛ لِأَنَّ أَوَانِيَهُمْ كَانَتْ صِغَارًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى طَهَارَةِ الذِّمِّيَّةِ وَاسْتِعْمَالِ فَضْلِ طَهُورِهَا وَسُؤْرِهَا لِجَوَازِ تَزَوُّجِهِنَّ، وَعَدَمِ التَّفْرِقَةِ فِي الْحَدِيثِ بَيْنَ الْمُسْلِمَةِ وَغَيْرِهَا.
قَوْلُهُ: (جَمِيعًا) ظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَنَاوَلُونَ الْمَاءَ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ عَنْ قَوْمٍ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ كَانُوا يَتَوَضَّؤُونَ جَمِيعًا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، هَؤُلَاءِ عَلَى حِدَةٍ وَهَؤُلَاءِ عَلَى حِدَةٍ، وَالزِّيَادَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ فِي قَوْلِهِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ تَرِدُ عَلَيْهِ، وَكَأَنَّ هَذَا الْقَائِلَ اسْتَبْعَدَ اجْتِمَاعَ
الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ الْأَجَانِبِ، وَقَدْ أَجَابَ ابْنُ التِّينِ عَنْهُ بِمَا حَكَاهُ عَنْ سَحْنُونَ أَنَّ مَعْنَاهُ كَانَ الرِّجَالُ يَتَوَضَّؤُونَ وَيَذْهَبُونَ، ثُمَّ تَأْتِي النِّسَاءُ فَيَتَوَضَّأْنَ، وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ مِنْ قَوْلِهِ جَمِيعًا، قال أَهْلُ اللُّغَةِ: الْجَمِيعُ ضِدُّ الْمُفْتَرِقِ، وَقَدْ وَقَعَ مُصَرَّحًا بِوَحْدَةِ الْإِنَاءِ فِي صَحِيحِ ابْنِ خُزَيْمَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِ مُعْتَمِرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَبْصَرَ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ يَتَطَهَّرُونَ وَالنِّسَاءُ مَعَهُمْ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ كُلُّهُمْ يَتَطَهَّرُ مِنْهُ، وَالْأَوْلَى فِي الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: لَا مَانِعَ مِنَ الِاجْتِمَاعِ قَبْلَ نُزُولِ الْحِجَابِ، وَأَمَّا بَعْدَهُ فَيَخْتَصُّ بِالزَّوْجَاتِ وَالْمَحَارِمِ.
وَنَقَلَ الطَّحَاوِيُّ ثُمَّ الْقُرْطُبِيُّ، وَالنَّوَوِيُّ الِاتِّفَاقَ عَلَى جَوَازِ اغْتِسَالِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ مِنَ الْإِنَاءِ الْوَاحِدِ. وَفِيهِ نَظَرٌ، لِمَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَنْهَى عَنْهُ، وَكَذَا حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ قَوْمٍ، وَهَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ.
وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ أَيْضًا الِاتِّفَاقَ عَلَى جَوَازِ وُضُوءِ الْمَرْأَةِ بِفَضْلِ الرَّجُلِ دُونَ الْعَكْسِ، وَفِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا فَقَدْ أَثْبَتَ الْخِلَافَ فِيهِ الطَّحَاوِيُّ، وَثَبَتَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ الْمَنْعَ لَكِنْ مُقَيَّدًا بِمَا إِذَا كَانَتْ حَائِضًا، وَأَمَّا عَكْسُهُ فَصَحَّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ الصَّحَابِيِّ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُم مَنَعُوا التَّطَهُّرَ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ، وَبِهِ قال أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، لَكِنْ قَيَّدَاهُ بِمَا إِذَا خَلَتْ بِهِ؛ لِأَنَّ أَحَادِيثَ الْبَابِ ظَاهِرَةٌ فِي الْجَوَازِ إِذَا اجْتَمَعَا، وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي مَنْعِ التَّطَهُّرِ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ وَفِي جَوَازِ ذَلِكَ مُضْطَرِبَةٌ، قال: لَكِنْ صَحَّ عَنْ عِدَّةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ الْمَنْعُ فِيمَا إِذَا خَلَتْ بِهِ، وَعُورِضَ بِصِحَّةِ الْجَوَازِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَشْهَرُ الْأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ مِنَ الْجِهَتَيْنِ حَدِيثُ الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو الْغِفَارِيِّ فِي الْمَنْعِ، وَحَدِيثُ مَيْمُونَةَ فِي الْجَوَازِ.
أَمَّا حَدِيثُ الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو فَأَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَأَغْرَبَ النَّوَوِيُّ فَقَالَ: اتَّفَقَ الْحُفَّاظُ عَلَى تَضْعِيفِهِ. وَأَمَّا حَدِيثُ مَيْمُونَةَ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، لَكِنْ أَعَلَّهُ قَوْمٌ لِتَرَدُّدٍ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ؛ حَيْثُ قال: عِلْمِي وَالَّذِي يَخْطِرُ عَلَى بَالِي أَنَّ أَبَا الشَّعْثَاءِ أَخْبَرَنِي. . . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَقَدْ وَرَدَ من طَرِيقٍ أُخْرَى بِلَا تَرَدُّدٍ لَكِنَّ رَاوِيَهَا غَيْرُ ضَابِطٍ وَقَدْ خُولِفَ، وَالْمَحْفُوظُ مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ بِلَفْظِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَمَيْمُونَةَ كَانَا يَغْتَسِلَانِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، وَفِي الْمَنْعِ أَيْضًا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيِّ، قال: لَقِيتُ رَجُلًا صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ أَرْبَعَ سِنِينَ، فَقَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَغْتَسِلَ الْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ أَوْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ، وَلْيَغْتَرِفَا جَمِيعًا.
رِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَلَمْ أَقِفْ لِمَنْ أَعَلَّهُ عَلَى حُجَّةٍ قَوِيَّةٍ، وَدَعْوَى الْبَيْهَقِيُّ أَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمُرْسَلِ مَرْدُودَةٌ؛ لِأَنَّ إِبْهَامَ الصَّحَابِيِّ لَا يَضُرُّ، وَقَدْ صَرَّحَ التَّابِعِيُّ بِأَنَّهُ لَقِيَهُ، وَدَعْوَى ابْنِ حَزْمٍ أَنَّ دَاوُدَ رَاوِيَهُ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هُوَ ابْنُ يَزِيدُ الْأَوْدِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ مَرْدُودَةٌ، فَإِنَّهُ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَوْدِيُّ وَهُوَ ثِقَةٌ، وَقَدْ صَرَّحَ بِاسْمِ أَبِيهِ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ، وَمِنْ أَحَادِيثِ الْجَوَازِ مَا أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ: أَجْنَبْتُ فَاغْتَسَلْتُ مِنْ جَفْنَةٍ، فَفَضَلَتْ فِيهَا فَضْلَةٌ، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ يَغْتَسِلُ مِنْهُ، فَقُلْتُ لَهُ، فَقَالَ: الْمَاءُ لَيْسَ عَلَيْهِ جَنَابَةٌ. وَاغْتَسَلَ مِنْهُ. لَفْظُ الدَّارَقُطْنِيِّ.
وَقَدْ أَعَلَّهُ قَوْمٌ بِسِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ رَاوِيهِ عَنْ عِكْرِمَةَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَقْبَلُ التَّلْقِينَ، لَكِنْ قَدْ رَوَاهُ عَنْهُ شُعْبَةُ وَهُوَ لَا يَحْمِلُ عَنْ مَشَايِخِهِ إِلَّا صَحِيحَ حَدِيثِهِمْ. وَقَوْلُ أَحْمَدَ: إِنَّ الْأَحَادِيثَ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ مُضْطَرِبَةٌ إِنَّمَا يُصَارُ إِلَيْهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْجَمْعِ، وَهُوَ مُمْكِنٌ بِأَنْ تُحْمَلَ أَحَادِيثُ النَّهْيِ عَلَى مَا تَسَاقَطَ مِنَ الْأَعْضَاءِ، وَالْجَوَازِ عَلَى مَا بَقِيَ مِنَ الْمَاءِ، وَبِذَلِكَ جَمَعَ الْخَطَّابِيُّ، أَوْ يُحْمَلُ النَّهْيُ عَلَى التَّنْزِيهِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
أيضًا (مِنْ بَيْتِ نَصْرَانِيَّةٍ) فيما وصله الشَّافعيُّ ﵁، وعبد الرَّزَّاق، وغيرهما عن سفيان بن عُيَيْنَةَ عن زيد بن أسلمَ عن أبيه: أنَّ عمر ﵁ توضَّأ من ماءٍ نصرانيَّةٍ في جرَّةِ (١) نصرانيَّةٍ لكنَّ ابن عُيَيْنَةَ لم يسمع من زيد بن أسلمَ، فقد رواه البيهقيُّ من طريق سعدان (٢) بن نصر عنه، قال: وحدَّثونا (٣) عن زيد بن أسلم .... ، فذكره مُطوَّلًا، وفي رواية كريمة: «بالحَمِيم من بيت نصرانيَّةٍ» بحذف واو العطف، وفي ذلك نظرٌ لأنَّهما أثران مُستقلَّان كما مرَّ، ولم تظهر (٤) لي (٥) مُناسَبَتهما للتَّرجمة، أمَّا توضُّؤ عمر بالحميم فلا يخفى عدم مُناسَبته، وأمَّا توضُّؤه من بيت نصرانيَّةٍ فلا يدلُّ على أنَّه كان من فضل ما استعملته، بلِ الذي يدلُّ عليه جواز استعمال مياههم، ولا خلاف في جواز (٦) استعمال سؤر النَّصرانيَّة لأنَّه طاهرٌ، خلافًا لأحمد وإسحاق بن رَاهُوْيَه (٧) وأهل الظَّاهر، واختلف قول مالكٍ ﵀، ففي «المُدوَّنة» لا يتوضَّأ بسؤر النَّصرانيِّ ولا بما أدخل يده فيه. وفي «العتبيَّة» أجازه مرَّةً وكرهه أخرى، وفي رواية ابن عساكر حذف الأثرين، وهو أَوْلى لعدم المُطابَقة بينهما وبين التَّرجمة.
١٩٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب ﵄، وفي رواية أبوَي ذَرٍّ والوقت وابن
عساكر: «عن ابن عمر» (أَنَّهُ قَالَ: كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ) أي: الجنس منهما (١) (يَتَوَضَّؤُونَ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ جَمِيعًا) أي: حال كونهم مجتمعين لا متفرِّقين، زاد ابن ماجه عن هشام بن عمار (٢) عن مالكٍ في هذا الحديث: «من إناءٍ واحدٍ»، وزاد أبو داود من طريق عبيد الله بن عمر عن نافعٍ عنِ ابن عمر: «ندلي فيه أيدينا»، وفي «صحيح ابن خزيمة» من طريق معمرٍ (٣) عن عبيد الله عن نافعٍ عنِ ابن عمر (٤): أنَّه أبصر النَّبيَّ ﷺ وأصحابه يتطهَّرون والنِّساء معهم من إناءٍ واحدٍ، كلُّهم يتطهَّر (٥) منه، وهو محمولٌ على ما قبل نزول الحجاب، وأمَّا بعده فيختصُّ بالزَّوجات والمحارم، وفي قوله: «زمان رسول الله ﷺ» حجَّةٌ للجواز، فإنَّ الصَّحابيَّ إذا قال: «كنَّا نفعل أو كانوا يفعلون في زمنه ﷺ» يكون حكمه الرَّفع، كما هو الصَّحيح، وهذا الحديث يدلُّ على الجزء الأوَّل مِنَ التَّرجمة فقط، وأمَّا فضل وضوء (٦) المرأة فيجوز عند الشَّافعيَّة الوضوء منه للرَّجل، سواءٌ خلت به أم لا، من غير كراهةٍ، وبذلك قال مالكٌ وأبو حنيفة ﵄ وجمهور العلماء، وقال أحمد وداود: لا يجوز إذا خلت به، وعنِ الحسن وابن المُسَيَّب: كراهة فضلها مُطلَقًا.
ورواة هذا الحديث الأربعة ما بين تنِّيسيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: الإخبار والتَّحديث والعنعنة والقول، وهو من سلسلة الذَّهب، وهو عند المؤلِّف ﵀ أصحُّ الأسانيد.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
المراة وَالْمَرْأَة بِفضل الرجل، وَلَكِن يشرعان جَمِيعًا) ، وَأخرجه الطَّحَاوِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَرُوِيَ أَيْضا من حَدِيث الحكم الْغِفَارِيّ، قَالَ: (نهى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يتَوَضَّأ الرجل بِفضل الْمَرْأَة أَو بسؤر الْمَرْأَة، لَا يدْرِي أَبُو حَاجِب أَيهمَا قَالَ) . وَأَبُو حَاجِب هُوَ الَّذِي روى عَن الحكم، وَاسم أبي حَاجِب: سوَادَة بن عَاصِم الْعَنزي. وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه والطَّحَاوِي، وَرُوِيَ أَيْضا عَن حميد بن عبد الرَّحْمَن، قَالَ: (كنت لقِيت من صحب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَمَا صَحبه أَبُو هُرَيْرَة أَربع سِنِين، قَالَ: نهى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، فَذكر مثله، أخرجه الطَّحَاوِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة. قلت: نقل عَن الإِمَام أَحْمد أَن الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي منع التطهر بِفضل الْمَرْأَة، وَفِي جَوَاز ذَلِك مضطربة، قَالَ: لَكِن صَحَّ من الصَّحَابَة الْمَنْع فِيمَا إِذا دخلت بِهِ، وَلَكِن يُعَارض هَذَا مَا رُوِيَ بِصِحَّة الْجَوَاز عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة الَّذين ذَكَرْنَاهُمْ.
وَأشهر الْأَحَادِيث عِنْد المانعين: حَدِيث عبد الله ابْن سرجس، وَحَدِيث حكم الْغِفَارِيّ. وَأما حَدِيث عبد الله بن سرجس، فَإِنَّهُ رُوِيَ مَرْفُوعا وموقوفاً. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: الْمَوْقُوف أولى بِالصَّوَابِ، وَقد قَالَ البُخَارِيّ: أَخطَأ من رَفعه. قلت: الحكم للرافع، لِأَنَّهُ زَاد: والراوي قد يُفْتِي بالشَّيْء ثمَّ يرويهِ مرّة أُخْرَى، وَيجْعَل الْمَوْقُوف فَتْوَى فَلَا يُعَارض الْمَرْفُوع، وَصَححهُ ابْن حزم مَرْفُوعا من حَدِيث عبد الْعَزِيز بن الْمُخْتَار الَّذِي فِي مُسْنده، والشيخان أخرجَا لَهُ، وَوَثَّقَهُ ابْن معِين وَأَبُو حَاتِم وَأَبُو زرْعَة، فَلَا يضرّهُ وقف من وَقفه. وَتوقف ابْن الْقطَّان فِي تَصْحِيحه لِأَنَّهُ لم يره إلَاّ فِي كتاب الدَّارَقُطْنِيّ، وَشَيخ الدَّارَقُطْنِيّ فِيهِ لَا يعرف حَاله. قلت: شَيْخه فِيهِ عبد الله بن مُحَمَّد بن سعد المَقْبُري، وَلَو رَآهُ عِنْد ابْن مَاجَه أَو عِنْد الطَّحَاوِيّ لما توقف، لَان ابْن مَاجَه رَوَاهُ عَن مُحَمَّد بن يحيى عَن المعلي بن أَسد، والطَّحَاوِي رَوَاهُ مُحَمَّد بن خُزَيْمَة، وهما مشهوران. وَأما حَدِيث الحكم الْغِفَارِيّ، فَقَالَت جمَاعَة من أهل الحَدِيث، إِن هَذَا الحَدِيث لَا يَصح، وَأَشَارَ الْخطابِيّ أَيْضا إِلَى عدم صِحَّته، وَقَالَ ابْن مَنْدَه: لَا يثبت من جِهَة السَّنَد. قلت: لما أخرجه التِّرْمِذِيّ قَالَ: هَذَا حَدِيث حسن، وَرجحه ابْن مَاجَه على حَدِيث عبد الله بن سرجس، وَصَححهُ ابْن حبَان وَأَبُو مُحَمَّد الْفَارِسِي، وَالْقَوْل قَول من صَححهُ لَا من ضعفه، لِأَنَّهُ مُسْند ظَاهره السَّلامَة من تضعف وَانْقِطَاع، وَقَالَ ابْن قدامَة: الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد وَاحْتج بِهِ، وتضعيف البُخَارِيّ لَهُ بعد ذَلِك لَا يقبل لاحْتِمَال أَن يكون وَقع لَهُ من غير طَرِيق صَحِيح، وَيرد بِهَذَا أَيْضا قَول النَّوَوِيّ: اتّفق الْحفاظ على تَضْعِيفه.
الثَّالِث من الْأَحْكَام أَن ظَاهر الحَدِيث يدل على جَوَاز تنَاول الرِّجَال وَالنِّسَاء المَاء فِي حَالَة وَاحِدَة، وَحكى ابْن التِّين عَن قوم: أَن الرِّجَال وَالنِّسَاء كَانُوا يتوضؤون جَمِيعًا من إِنَاء وَاحِد، هَؤُلَاءِ على حِدة وَهَؤُلَاء على حِدة. قلت: الزِّيَادَة فِي الحَدِيث وَهُوَ قَوْله: (من إِنَاء وَاحِد) يرد عَلَيْهِم، وَكَأَنَّهُم استبعدوا إجتماع الرِّجَال وَالنِّسَاء الأجنبيات، وَأجَاب ابْن التِّين عَن ذَلِك بِمَا حَكَاهُ عَن سَحْنُون أَن مَعْنَاهُ كَانَ الرِّجَال يتوضؤون ويذهبون، ثمَّ تَأتي النِّسَاء فيتوضأن. قلت: هَذَا خلاف الَّذِي يدل عَلَيْهِ جَمِيعًا، وَمَعَ هَذَا جَاءَ صَرِيحًا وحدة الْإِنَاء فِي (صَحِيح ابْن خُزَيْمَة) فِي هَذَا الحَدِيث من طَرِيق مُعْتَمر عَن عبيد الله بن عمر عَن نَافِع عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: (أَنه أبْصر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَصْحَابه يتطهرون، وَالنِّسَاء مَعَهم، من إِنَاء وَاحِد كلهم يتطهرون مِنْهُ) . قيل: وَلنَا أَن نقُول: مَا كَانَ مَانع من ذَلِك قبل نزُول آيَة الْحجاب، وَأما بعده فَيخْتَص بالزوجات والمحارم، وَفِيه نظر، وَالله تَعَالَى أعلم.
٤٤ - (بابُ صَبِّ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَضوءَهُ علَى المُغْمَى عَلَيهِ)
أَي: هَذَا فِي بَيَان صب النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وضوء، بِفَتْح الْوَاو: وَهُوَ المَاء الَّذِي تَوَضَّأ بِهِ على من أُغمي عَلَيْهِ، يُقَال: أُغمي عَلَيْهِ، بِضَم الْهمزَة، فَهُوَ مغمى عَلَيْهِ، وغمي بِضَم الْغَيْن وَتَخْفِيف الْمِيم فَهُوَ مغمى عَلَيْهِ، بِصِيغَة الْمَفْعُول، لِأَن أَصله مغموي على وزن: مفعول، اجْتمعت الْوَاو وَالْيَاء وسبقت إِحْدَاهمَا بِالسُّكُونِ فقلبت يَاء، ثمَّ أدغمت الْيَاء فِي الْيَاء، فَصَارَ: مغمى، بِضَم الْمِيم الثَّانِيَة وَتَشْديد الْيَاء، ثمَّ أبدلت من ضمة الْمِيم كسرة لأجل الْيَاء، فَصَارَ مغمى، وَالْإِغْمَاء والغشي بِمَعْنى وَاحِد. قَالَه الْكرْمَانِي: وَلَيْسَ كَذَلِك، فَإِن الغشي مرض يحصل من طول التَّعَب، وَهُوَ أخف من الْإِغْمَاء، وَالْفرق بَينه وَبَين الْجُنُون وَالنَّوْم أَن الْعقل يكون فِي الْإِغْمَاء مَغْلُوبًا، وَفِي الْجُنُون يكون مسلوباً، وَفِي النّوم يكون مَسْتُورا.
والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن فِي كل وَاحِد مِنْهُمَا نوعا من الْوضُوء.