«مَا صَامَ النَّبِيُّ ﷺ شَهْرًا كَامِلًا قَطُّ غَيْرَ رَمَضَانَ، وَيَصُومُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٩٧١

الحديث رقم ١٩٧١ من كتاب «كتاب الصوم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ما يذكر من صوم النبي ﷺ وإفطاره.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٩٧١ في صحيح البخاري

«مَا صَامَ النَّبِيُّ شَهْرًا كَامِلًا قَطُّ غَيْرَ رَمَضَانَ، وَيَصُومُ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: لَا وَاللهِ لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: لَا وَاللهِ لَا يَصُومُ.»

إسناد حديث رقم ١٩٧١ من صحيح البخاري

١٩٧١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٩٧١: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَكْسُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْحِكْمَةِ فِي كَوْنِهِنَّ كُنَّ يُؤَخِّرْنَ قَضَاءَ رَمَضَانَ إِلَى شَعْبَانَ؛ لِأَنَّهُ وَرَدَ فِيهِ أَنَّ ذَلِكَ لِكَوْنِهِنَّ كُنَّ يَشْتَغِلْنَ مَعَهُ عَنِ الصَّوْمِ، وَقِيلَ: الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ يَعْقُبُهُ رَمَضَانُ وَصَوْمُهُ مُفْتَرَضٌ، وَكَانَ يُكْثِرُ مِنَ الصَّوْمِ فِي شَعْبَانَ قَدْرَ مَا يَصُومُ فِي شَهْرَيْنِ غَيْرِهِ لِمَا يَفُوتُهُ مِنَ التَّطَوُّعِ بِذَلِكَ فِي أَيَّامِ رَمَضَانَ، وَالْأَوْلَى فِي ذَلِكَ مَا جَاءَ فِي حَدِيثٍ أَصَحَّ مِمَّا مَضَى أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ أَرَكَ تَصُومُ مِنْ شَهْرٍ مِنَ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ، قَالَ: ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ وَنَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ أَبِي يَعْلَى لَكِنْ قَالَ فِيهِ: إِنَّ اللَّهَ يَكْتُبُ كُلَّ نَفْسٍ مَيِّتَةٍ تِلْكَ السَّنَةَ، فَأُحِبُّ أَنْ يَأْتِيَنِي أَجَلِي وَأَنَا صَائِمٌ وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَحَادِيثِ فِي النَّهْيِ عَنْ تَقَدُّمِ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، وَكَذَا مَا جَاءَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ صَوْمِ نِصْفِ شَعْبَانَ الثَّانِي، فَإِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ بِأَنْ يُحْمَلَ النَّهْيُ عَلَى مَنْ لَمْ يُدْخِلْ تِلْكَ الْأَيَّامَ فِي صِيَامٍ اعْتَادَهُ.

وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى فَضْلِ الصَّوْمِ فِي شَعْبَانَ، وَأَجَابَ النَّوَوِيُّ عَنْ كَوْنِهِ لَمْ يُكْثِرْ مِنَ الصَّوْمِ فِي الْمُحَرَّمِ مَعَ قَوْلِهِ: إِنَّ أَفْضَلَ الصِّيَامِ مَا يَقَعُ فِيهِ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَا عَلِمَ ذَلِكَ إِلَّا فِي آخِرِ عُمُرِهِ فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ كَثْرَةِ الصَّوْمِ فِي الْمُحَرَّمِ، أَوِ اتَّفَقَ لَهُ فِيهِ مِنَ الْأَعْذَارِ بِالسَّفَرِ وَالْمَرَضِ مَثَلًا مَا مَنَعَهُ مِنْ كَثْرَةِ الصَّوْمِ فِيهِ.

وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ: لَا يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا وَعَلَى بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ فِي بَابِ أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ أَدُومُهُ وَهُوَ فِي آخِرِ كِتَابِ الْإِيمَانِ، وَمُنَاسَبَةُ ذَلِكَ لِلْحَدِيثِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ صِيَامَهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَأَسَّى بِهِ فِيهِ إِلَّا مَنْ أَطَاقَ مَا كَانَ يُطِيقُ، وَأَنَّ مَنْ أَجْهَدَ نَفْسَهُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْعِبَادَةِ خُشِيَ عَلَيْهِ أَنْ يَمَلَّ فَيُفْضِي إِلَى تَرْكِهِ، وَالْمُدَاوَمَةُ عَلَى الْعِبَادَةِ - وَإِنْ قَلَّتْ - أَوْلَى مِنْ جَهْدِ النَّفْسِ فِي كَثْرَتِهَا إِذَا انْقَطَعَتْ، فَالْقَلِيلُ الدَّائِمُ أَفْضَلُ مِنَ الْكَثِيرِ الْمُنْقَطِعِ غَالِبًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى مُدَاوَمَتِهِ عَلَى صَلَاةِ التَّطَوُّعِ فِي بَابِهَا.

٥٣ - بَاب مَا يُذْكَرُ مِنْ صَوْمِ النَّبِيِّ وَإِفْطَارِهِ

١٩٧١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا صَامَ النَّبِيُّ شَهْرًا كَامِلًا قَطُّ غَيْرَ رَمَضَانَ، وَيَصُومُ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: لَا وَاللَّهِ لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: لَا وَاللَّهِ لَا يَصُومُ.

١٩٧٢ - حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ حُمَيْدٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا يَقُولُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُفْطِرُ مِنْ الشَّهْرِ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يَصُومَ مِنْهُ وَيَصُومُ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يُفْطِرَ مِنْهُ شَيْئًا وَكَانَ لَا تَشَاءُ تَرَاهُ مِنْ اللَّيْلِ مُصَلِّيًا إِلاَّ رَأَيْتَهُ وَلَا نَائِمًا إِلاَّ رَأَيْتَهُ وَقَالَ سُلَيْمَانُ عَنْ حُمَيْدٍ أَنَّهُ سَأَلَ أَنَسًا فِي الصَّوْمِ"ح

١٩٧٣ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سَلَامٍ أَخْبَرَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ قَالَ سَأَلْتُ أَنَسًا عَنْ صِيَامِ النَّبِيِّ فَقَالَ مَا كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَرَاهُ مِنْ الشَّهْرِ صَائِمًا إِلاَّ رَأَيْتُهُ وَلَا مُفْطِرًا إِلاَّ رَأَيْتُهُ وَلَا مِنْ اللَّيْلِ

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يُذْكَرُ مِنْ صَوْمِ النَّبِيِّ أَيِ: التَّطَوُّعُ (وَإِفْطَارِهِ) أَيْ: فِي خَلَلِ صِيَامِهِ. قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: لَمْ يُضِفِ الْمُصَنِّفُ التَّرْجَمَةَ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ لِلنَّبِيِّ وَأَطْلَقَهَا لِيُفْهَمَ التَّرْغِيبُ لِلْأُمَّةِ فِي الِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي إِكْثَارِ الصَّوْمِ فِي شَعْبَانَ، وَقَصَدَ بِهَذِهِ شَرْحَ حَالِ النَّبِيِّ فِي ذَلِكَ. ثُمَّ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي الْبَابِ حَدِيثَيْنِ: الْأَوَّلُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) هُوَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي وَحْشِيَّةَ.

قَوْلُهُ: (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْهُ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنْ صِيَامِ رَجَبٍ فَقَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ.

قَوْلُهُ: (مَا صَامَ النَّبِيُّ شَهْرًا كَامِلًا قَطُّ غَيْرَ رَمَضَانَ) فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: مَا صَامَ شَهْرًا مُتَتَابِعًا وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ شَهْرًا تَامًّا مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ غَيْرَ رَمَضَانَ.

قَوْلُهُ: (وَيَصُومُ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنَ الطَّرِيقِ الَّتِي أَخْرَجَهَا الْبُخَارِيُّ: وَكَانَ يَصُومُ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: لَا وَاللَّهِ لَا يُفْطِرُ) فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ: حَتَّى يَقُولُوا: مَا يُرِيدُ أَنْ يُفْطِرَ. الْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ أَنَسٍ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) أَيِ: ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ الْمَدَنِيُّ، وَحُمَيْدٌ هُوَ الطَّوِيلُ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى نظَنَّ) بِنُونِ الْجَمْعِ وَبِالتَّحْتَانِيَّةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَيَجُوزُ بِالْمُثَنَّاةِ عَلَى الْمُخَاطَبَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا رَأَيْتَهُ فَإِنَّهُ رُوِيَ بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ مَعًا.

قَوْلُهُ: (أَنْ لَا يَصُومَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَيَجُوزُ فِي يَصُومَ النَّصْبُ وَالرَّفْعُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِأَبِي ذَرٍّ هُوَ ابْنُ سَلَّامٍ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ سُلَيْمَانُ، عَنْ حُمَيْدٍ أَنَّهُ سَأَلَ أَنَسًا فِي الصَّوْمِ) كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ سُلَيْمَانَ هَذَا هُوَ ابْنُ بِلَالٍ، لَكِنْ لَمْ أَرَهُ بَعْدَ التَّتَبُّعِ التَّامِّ مِنْ حَدِيثِهِ فَظَهَرَ لِي أَنَّهُ سُلَيْمَانُ بْنُ حَيَّانَ أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، وَقَدْ وَصَلَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَهُ عَقِبَ هَذَا، وَفِيهِ: سَأَلْتُ أَنَسًا عَنْ صِيَامِ النَّبِيِّ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ أَتَمَّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، لَكِنْ تَقَدَّمَ بَعْضُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الصَّلَاةِ، وَقَالَ فِيهِ تَابَعَهُ سُلَيْمَانُ، وَأَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى التَّعَدُّدِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ مَزِيدَةً كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (مَا كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَرَاهُ مِنَ الشَّهْرِ صَائِمًا إِلَّا رَأَيْتُهُ) يَعْنِي: أَنَّ حَالَهُ فِي التَّطَوُّعِ بِالصِّيَامِ وَالْقِيَامِ كَانَ يَخْتَلِفُ، فَكَانَ تَارَةً يَقُومُ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَتَارَةً فِي وَسَطِهِ وَتَارَةً مِنْ آخِرِهِ، كَمَا كَانَ يَصُومُ تَارَةً مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ وَتَارَةً مِنْ وَسَطِهِ وَتَارَةً مِنْ آخِرِهِ، فَكَانَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَرَاهُ فِي وَقْتٍ مِنْ أَوْقَاتِ اللَّيْلِ قَائِمًا أَوْ فِي وَقْتٍ مِنْ أَوْقَاتِ الشَّهْرِ صَائِمًا فَرَاقَبَهُ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ فَلَا بُدَّ أَنْ يُصَادِفَهُ قَامَ أَوْ صَامَ عَلَى وَفْقِ مَا أَرَادَ أَنْ يَرَاهُ، هَذَا مَعْنَى الْخَبَرِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ كَانَ يَسْرُدُ الصَّوْمَ وَلَا أَنَّهُ كَانَ يَسْتَوْعِبُ اللَّيْلَ قِيَامًا. وَلَا يُشْكِلُ عَلَى هَذَا قَوْلُ عَائِشَةَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ وَكَانَ إِذَا صَلَّى صَلَاةً دَاوَمَ عَلَيْهَا وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى الْآتِيَةِ بَعْدَ أَبْوَابٍ: كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ مَا اتَّخَذَهُ رَاتِبًا لَا مُطْلَقَ النَّافِلَةِ، فَهَذَا وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، وَإِلَّا فَظَاهِرُهُمَا التَّعَارُضُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَلَا مَسِسْتُ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ الْأُولَى عَلَى الْأَفْصَحِ، وَكَذَا شَمِمْتُ بِكَسْرِ الْمِيمِ الْأُولَى وَفَتْحُهَا لُغَةٌ حَكَاهَا الْفَرَّاءُ، وَيُقَالُ فِي مُضَارِعِهِ أَشَمُّهُ وَأَمَسُّهُ بِالْفَتْحِ فِيهِمَا عَلَى الْأَفْصَحِ، وَبِالضَّمِّ عَلَى اللُّغَةِ الْمَذْكُورَةِ.

قَوْلُهُ: (مِنْ رَائِحَةِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ولِلْكُشْمِيهَنِيِّ مِنْ رِيحِ رَسُولِ اللَّهِ . وَفِيهِ أَنَّهُ كَانَ عَلَى أَكْمَلِ الصِّفَاتِ خَلْقًا وَخُلُقًا، فَهُوَ كُلُّ الْكَمَالِ وَجُلُّ الْجَلَالِ وَجُمْلَةُ الْجَمَالِ - عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ -، وَسَيَأْتِي شَرْحُ مَا تَضَمَّنَهُ هَذَا الْحَدِيثُ فِي بَابِ صِفَةِ النَّبِيِّ فِي أَوَائِلِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

والمواظبة فوائدُ؛ منها: تخلُّق النَّفس واعتيادها، ولله درُّ القائل:

هي النَّفس ما عوَّدتها تتعوَّدُ .......................

والمواظب يتعرَّض لنفحات الرَّحمة، قال : «إنَّ لربِّكم في أيَّام دهركم نفحاتٍ، ألا فتعرَّضوا لها».

(٥٣) (بابُ مَا يُذْكَرُ مِنْ صَوْمِ النَّبِيِّ ) التَّطوُّع (وَإِفْطَارِهِ) في خلال صومه.

١٩٧١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي الوقت: «حدَّثني» بالإفراد (مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح بن عبد الله اليشكريُّ (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) جعفر بن أبي وحشيَّة إياس اليشكريِّ (عَنْ (١) سَعِيدٍ) ولأبي الوقت: «سعيد بن جبيرٍ» (٢) (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ) ولـ «مسلمٍ» من طريق عثمان بن حكيمٍ: قال سألت سعيد بن جبيرٍ عن صيام رجبٍ فقال: سمعت ابن عبَّاس (قَالَ: مَا صَامَ النَّبِيُّ شَهْرًا كَامِلًا قَطُّ غَيْرَ رَمَضَانَ) هو كقول عائشة [خ¦١٩٦٩]: «لم يستكمل صيام شهرٍ إلَّا رمضان»، ويعارضه ظاهر قولها [خ¦١٩٧٠] «كان يصوم شعبان كلَّه»، فإمَّا أن يُحمَل على الأكثريَّة أو على أنَّه لم يره يستكمل إلَّا رمضان، فأخبر على حسب اعتقاده (وَيَصُومُ) ولـ «مسلم»: وكان يصوم (حَتَّى يَقُولَ القَائِلُ: لَا وَاللهِ لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى يَقُولَ القَائِلُ: لَا وَاللهِ لَا يَصُومُ) ومطابقته للتَّرجمة ظاهرةٌ.

وأخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ وابن ماجه في «الصَّوم».

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَكْسُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْحِكْمَةِ فِي كَوْنِهِنَّ كُنَّ يُؤَخِّرْنَ قَضَاءَ رَمَضَانَ إِلَى شَعْبَانَ؛ لِأَنَّهُ وَرَدَ فِيهِ أَنَّ ذَلِكَ لِكَوْنِهِنَّ كُنَّ يَشْتَغِلْنَ مَعَهُ عَنِ الصَّوْمِ، وَقِيلَ: الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ يَعْقُبُهُ رَمَضَانُ وَصَوْمُهُ مُفْتَرَضٌ، وَكَانَ يُكْثِرُ مِنَ الصَّوْمِ فِي شَعْبَانَ قَدْرَ مَا يَصُومُ فِي شَهْرَيْنِ غَيْرِهِ لِمَا يَفُوتُهُ مِنَ التَّطَوُّعِ بِذَلِكَ فِي أَيَّامِ رَمَضَانَ، وَالْأَوْلَى فِي ذَلِكَ مَا جَاءَ فِي حَدِيثٍ أَصَحَّ مِمَّا مَضَى أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ أَرَكَ تَصُومُ مِنْ شَهْرٍ مِنَ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ، قَالَ: ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ وَنَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ أَبِي يَعْلَى لَكِنْ قَالَ فِيهِ: إِنَّ اللَّهَ يَكْتُبُ كُلَّ نَفْسٍ مَيِّتَةٍ تِلْكَ السَّنَةَ، فَأُحِبُّ أَنْ يَأْتِيَنِي أَجَلِي وَأَنَا صَائِمٌ وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَحَادِيثِ فِي النَّهْيِ عَنْ تَقَدُّمِ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، وَكَذَا مَا جَاءَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ صَوْمِ نِصْفِ شَعْبَانَ الثَّانِي، فَإِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ بِأَنْ يُحْمَلَ النَّهْيُ عَلَى مَنْ لَمْ يُدْخِلْ تِلْكَ الْأَيَّامَ فِي صِيَامٍ اعْتَادَهُ.

وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى فَضْلِ الصَّوْمِ فِي شَعْبَانَ، وَأَجَابَ النَّوَوِيُّ عَنْ كَوْنِهِ لَمْ يُكْثِرْ مِنَ الصَّوْمِ فِي الْمُحَرَّمِ مَعَ قَوْلِهِ: إِنَّ أَفْضَلَ الصِّيَامِ مَا يَقَعُ فِيهِ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَا عَلِمَ ذَلِكَ إِلَّا فِي آخِرِ عُمُرِهِ فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ كَثْرَةِ الصَّوْمِ فِي الْمُحَرَّمِ، أَوِ اتَّفَقَ لَهُ فِيهِ مِنَ الْأَعْذَارِ بِالسَّفَرِ وَالْمَرَضِ مَثَلًا مَا مَنَعَهُ مِنْ كَثْرَةِ الصَّوْمِ فِيهِ.

وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ: لَا يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا وَعَلَى بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ فِي بَابِ أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ أَدُومُهُ وَهُوَ فِي آخِرِ كِتَابِ الْإِيمَانِ، وَمُنَاسَبَةُ ذَلِكَ لِلْحَدِيثِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ صِيَامَهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَأَسَّى بِهِ فِيهِ إِلَّا مَنْ أَطَاقَ مَا كَانَ يُطِيقُ، وَأَنَّ مَنْ أَجْهَدَ نَفْسَهُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْعِبَادَةِ خُشِيَ عَلَيْهِ أَنْ يَمَلَّ فَيُفْضِي إِلَى تَرْكِهِ، وَالْمُدَاوَمَةُ عَلَى الْعِبَادَةِ - وَإِنْ قَلَّتْ - أَوْلَى مِنْ جَهْدِ النَّفْسِ فِي كَثْرَتِهَا إِذَا انْقَطَعَتْ، فَالْقَلِيلُ الدَّائِمُ أَفْضَلُ مِنَ الْكَثِيرِ الْمُنْقَطِعِ غَالِبًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى مُدَاوَمَتِهِ عَلَى صَلَاةِ التَّطَوُّعِ فِي بَابِهَا.

٥٣ - بَاب مَا يُذْكَرُ مِنْ صَوْمِ النَّبِيِّ وَإِفْطَارِهِ

١٩٧١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا صَامَ النَّبِيُّ شَهْرًا كَامِلًا قَطُّ غَيْرَ رَمَضَانَ، وَيَصُومُ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: لَا وَاللَّهِ لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: لَا وَاللَّهِ لَا يَصُومُ.

١٩٧٢ - حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ حُمَيْدٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا يَقُولُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُفْطِرُ مِنْ الشَّهْرِ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يَصُومَ مِنْهُ وَيَصُومُ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يُفْطِرَ مِنْهُ شَيْئًا وَكَانَ لَا تَشَاءُ تَرَاهُ مِنْ اللَّيْلِ مُصَلِّيًا إِلاَّ رَأَيْتَهُ وَلَا نَائِمًا إِلاَّ رَأَيْتَهُ وَقَالَ سُلَيْمَانُ عَنْ حُمَيْدٍ أَنَّهُ سَأَلَ أَنَسًا فِي الصَّوْمِ"ح

١٩٧٣ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سَلَامٍ أَخْبَرَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ قَالَ سَأَلْتُ أَنَسًا عَنْ صِيَامِ النَّبِيِّ فَقَالَ مَا كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَرَاهُ مِنْ الشَّهْرِ صَائِمًا إِلاَّ رَأَيْتُهُ وَلَا مُفْطِرًا إِلاَّ رَأَيْتُهُ وَلَا مِنْ اللَّيْلِ

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يُذْكَرُ مِنْ صَوْمِ النَّبِيِّ أَيِ: التَّطَوُّعُ (وَإِفْطَارِهِ) أَيْ: فِي خَلَلِ صِيَامِهِ. قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: لَمْ يُضِفِ الْمُصَنِّفُ التَّرْجَمَةَ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ لِلنَّبِيِّ وَأَطْلَقَهَا لِيُفْهَمَ التَّرْغِيبُ لِلْأُمَّةِ فِي الِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي إِكْثَارِ الصَّوْمِ فِي شَعْبَانَ، وَقَصَدَ بِهَذِهِ شَرْحَ حَالِ النَّبِيِّ فِي ذَلِكَ. ثُمَّ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي الْبَابِ حَدِيثَيْنِ: الْأَوَّلُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) هُوَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي وَحْشِيَّةَ.

قَوْلُهُ: (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْهُ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنْ صِيَامِ رَجَبٍ فَقَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ.

قَوْلُهُ: (مَا صَامَ النَّبِيُّ شَهْرًا كَامِلًا قَطُّ غَيْرَ رَمَضَانَ) فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: مَا صَامَ شَهْرًا مُتَتَابِعًا وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ شَهْرًا تَامًّا مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ غَيْرَ رَمَضَانَ.

قَوْلُهُ: (وَيَصُومُ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنَ الطَّرِيقِ الَّتِي أَخْرَجَهَا الْبُخَارِيُّ: وَكَانَ يَصُومُ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: لَا وَاللَّهِ لَا يُفْطِرُ) فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ: حَتَّى يَقُولُوا: مَا يُرِيدُ أَنْ يُفْطِرَ. الْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ أَنَسٍ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) أَيِ: ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ الْمَدَنِيُّ، وَحُمَيْدٌ هُوَ الطَّوِيلُ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى نظَنَّ) بِنُونِ الْجَمْعِ وَبِالتَّحْتَانِيَّةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَيَجُوزُ بِالْمُثَنَّاةِ عَلَى الْمُخَاطَبَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا رَأَيْتَهُ فَإِنَّهُ رُوِيَ بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ مَعًا.

قَوْلُهُ: (أَنْ لَا يَصُومَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَيَجُوزُ فِي يَصُومَ النَّصْبُ وَالرَّفْعُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِأَبِي ذَرٍّ هُوَ ابْنُ سَلَّامٍ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ سُلَيْمَانُ، عَنْ حُمَيْدٍ أَنَّهُ سَأَلَ أَنَسًا فِي الصَّوْمِ) كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ سُلَيْمَانَ هَذَا هُوَ ابْنُ بِلَالٍ، لَكِنْ لَمْ أَرَهُ بَعْدَ التَّتَبُّعِ التَّامِّ مِنْ حَدِيثِهِ فَظَهَرَ لِي أَنَّهُ سُلَيْمَانُ بْنُ حَيَّانَ أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، وَقَدْ وَصَلَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَهُ عَقِبَ هَذَا، وَفِيهِ: سَأَلْتُ أَنَسًا عَنْ صِيَامِ النَّبِيِّ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ أَتَمَّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، لَكِنْ تَقَدَّمَ بَعْضُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الصَّلَاةِ، وَقَالَ فِيهِ تَابَعَهُ سُلَيْمَانُ، وَأَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى التَّعَدُّدِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ مَزِيدَةً كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (مَا كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَرَاهُ مِنَ الشَّهْرِ صَائِمًا إِلَّا رَأَيْتُهُ) يَعْنِي: أَنَّ حَالَهُ فِي التَّطَوُّعِ بِالصِّيَامِ وَالْقِيَامِ كَانَ يَخْتَلِفُ، فَكَانَ تَارَةً يَقُومُ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَتَارَةً فِي وَسَطِهِ وَتَارَةً مِنْ آخِرِهِ، كَمَا كَانَ يَصُومُ تَارَةً مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ وَتَارَةً مِنْ وَسَطِهِ وَتَارَةً مِنْ آخِرِهِ، فَكَانَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَرَاهُ فِي وَقْتٍ مِنْ أَوْقَاتِ اللَّيْلِ قَائِمًا أَوْ فِي وَقْتٍ مِنْ أَوْقَاتِ الشَّهْرِ صَائِمًا فَرَاقَبَهُ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ فَلَا بُدَّ أَنْ يُصَادِفَهُ قَامَ أَوْ صَامَ عَلَى وَفْقِ مَا أَرَادَ أَنْ يَرَاهُ، هَذَا مَعْنَى الْخَبَرِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ كَانَ يَسْرُدُ الصَّوْمَ وَلَا أَنَّهُ كَانَ يَسْتَوْعِبُ اللَّيْلَ قِيَامًا. وَلَا يُشْكِلُ عَلَى هَذَا قَوْلُ عَائِشَةَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ وَكَانَ إِذَا صَلَّى صَلَاةً دَاوَمَ عَلَيْهَا وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى الْآتِيَةِ بَعْدَ أَبْوَابٍ: كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ مَا اتَّخَذَهُ رَاتِبًا لَا مُطْلَقَ النَّافِلَةِ، فَهَذَا وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، وَإِلَّا فَظَاهِرُهُمَا التَّعَارُضُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَلَا مَسِسْتُ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ الْأُولَى عَلَى الْأَفْصَحِ، وَكَذَا شَمِمْتُ بِكَسْرِ الْمِيمِ الْأُولَى وَفَتْحُهَا لُغَةٌ حَكَاهَا الْفَرَّاءُ، وَيُقَالُ فِي مُضَارِعِهِ أَشَمُّهُ وَأَمَسُّهُ بِالْفَتْحِ فِيهِمَا عَلَى الْأَفْصَحِ، وَبِالضَّمِّ عَلَى اللُّغَةِ الْمَذْكُورَةِ.

قَوْلُهُ: (مِنْ رَائِحَةِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ولِلْكُشْمِيهَنِيِّ مِنْ رِيحِ رَسُولِ اللَّهِ . وَفِيهِ أَنَّهُ كَانَ عَلَى أَكْمَلِ الصِّفَاتِ خَلْقًا وَخُلُقًا، فَهُوَ كُلُّ الْكَمَالِ وَجُلُّ الْجَلَالِ وَجُمْلَةُ الْجَمَالِ - عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ -، وَسَيَأْتِي شَرْحُ مَا تَضَمَّنَهُ هَذَا الْحَدِيثُ فِي بَابِ صِفَةِ النَّبِيِّ فِي أَوَائِلِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

والمواظبة فوائدُ؛ منها: تخلُّق النَّفس واعتيادها، ولله درُّ القائل:

هي النَّفس ما عوَّدتها تتعوَّدُ .......................

والمواظب يتعرَّض لنفحات الرَّحمة، قال : «إنَّ لربِّكم في أيَّام دهركم نفحاتٍ، ألا فتعرَّضوا لها».

(٥٣) (بابُ مَا يُذْكَرُ مِنْ صَوْمِ النَّبِيِّ ) التَّطوُّع (وَإِفْطَارِهِ) في خلال صومه.

١٩٧١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي الوقت: «حدَّثني» بالإفراد (مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح بن عبد الله اليشكريُّ (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) جعفر بن أبي وحشيَّة إياس اليشكريِّ (عَنْ (١) سَعِيدٍ) ولأبي الوقت: «سعيد بن جبيرٍ» (٢) (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ) ولـ «مسلمٍ» من طريق عثمان بن حكيمٍ: قال سألت سعيد بن جبيرٍ عن صيام رجبٍ فقال: سمعت ابن عبَّاس (قَالَ: مَا صَامَ النَّبِيُّ شَهْرًا كَامِلًا قَطُّ غَيْرَ رَمَضَانَ) هو كقول عائشة [خ¦١٩٦٩]: «لم يستكمل صيام شهرٍ إلَّا رمضان»، ويعارضه ظاهر قولها [خ¦١٩٧٠] «كان يصوم شعبان كلَّه»، فإمَّا أن يُحمَل على الأكثريَّة أو على أنَّه لم يره يستكمل إلَّا رمضان، فأخبر على حسب اعتقاده (وَيَصُومُ) ولـ «مسلم»: وكان يصوم (حَتَّى يَقُولَ القَائِلُ: لَا وَاللهِ لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى يَقُولَ القَائِلُ: لَا وَاللهِ لَا يَصُومُ) ومطابقته للتَّرجمة ظاهرةٌ.

وأخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ وابن ماجه في «الصَّوم».

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله وبحمده