الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٩٧٦
الحديث رقم ١٩٧٦ من كتاب «كتاب الصوم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب صوم الدهر.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ حَقِّ الْأَهْلِ فِي الصَّوْمِ رَوَاهُ أَبُو جُحَيْفَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
١٩٧٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ : أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ : أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
كُلِّ ثَمَانِيَّةِ أَيَّامٍ يَوْمًا وَلَكَ أَجْرُ السَّبْعَةِ قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى قَالَ: صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ جَدِّهِ بِلَفْظِ: صُمْ يَوْمًا وَلَكَ أَجْرُ عَشْرَةٍ. قُلْتُ: زِدْنِي، قَالَ: صُمْ يَوْمَيْنِ وَلَكَ أَجْرُ تِسْعَةٍ، قُلْتُ: زِدْنِي. قَالَ: صُمْ ثَلَاثَةً، وَلَكَ أَجْرُ ثَمَانِيَّةٍ فَهَذَا يَدْفَعُ فِي صَدْرِ ذَلِكَ التَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (وَلَا تَزِدْ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى صَوْمِ دَاوُدَ، زَادَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ قُلْتُ: قَدْ قَبِلْتُ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو يَقُولُ بَعْدَ مَا كَبِرَ: يَا لَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَبِرَ وَعَجَزَ عَنِ الْمُحَافَظَةِ عَلَى مَا الْتَزَمَهُ وَوَظَّفَهُ عَلَى نَفْسِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَشَقَّ عَلَيْهِ فِعْلُهُ لِعَجْزِهِ، وَلَمْ يُعْجِبْهُ أَنْ يَتْرُكَهُ لِالْتِزَامِهِ لَهُ، فَتَمَنَّى أَنْ لَوْ قَبِلَ الرُّخْصَةَ فَأَخَذَ بِالْأَخَفِّ. قُلْتُ: وَمَعَ عَجْزِهِ وَتَمَنِّيهِ الْأَخْذَ بِالرُّخْصَةِ لَمْ يَتْرُكِ الْعَمَلَ بِمَا الْتَزَمَهُ، بَلْ صَارَ يَتَعَاطَى فِيهِ نَوْعَ تَخْفِيفٍ كَمَا فِي رِوَايَةِ حُصَيْنٍ الْمَذْكُورَةِ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ حِينَ ضَعُفَ وَكَبِرَ يَصُومُ تِلْكَ الْأَيَّامَ كَذَلِكَ، يَصِلُ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ، ثُمَّ يُفْطِرُ بِعَدَدِ تِلْكَ الْأَيَّامِ فَيَقْوَى بِذَلِكَ، وَكَانَ يَقُولُ: لَأَنْ أَكُونَ قَبِلْتُ الرُّخْصَةَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا عَدَلَ بِهِ، لَكِنّني فَارَقْتُهُ عَلَى أَمْرٍ أَكْرَهُ أَنْ أُخَالِفَهُ إِلَى غَيْرِهِ.
٥٦ - بَاب صَوْمِ الدَّهْرِ
١٩٧٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو قَالَ: أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَقُولُ: وَاللَّهِ لَأَصُومَنَّ النَّهَارَ وَلَأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ. فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ قُلْتُهُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي. قَالَ: فَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، وَصُمْ مِنْ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؛ فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ. قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ. قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا. فَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ ﵇، وَهُوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ. فَقُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ صَوْمِ الدَّهْرِ) أَيْ: هَلْ يُشْرَعُ أَوْ لَا؟ قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: لَمْ يَنُصَّ عَلَى الْحُكْمِ لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ وَاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو خُصَّ بِالْمَنْعِ لَمَّا اطَّلَعَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِ مِنْ مُسْتَقْبَلِ حَالِهِ، فَيُلْتَحَقُ بِهِ مَنْ فِي مَعْنَاهُ مِمَّنْ يَتَضَرَّرُ بِسَرْدِ الصَّوْمِ، وَيَبْقَى غَيْرُهُ عَلَى حُكْمِ الْجَوَازِ لِعُمُومِ التَّرْغِيبِ فِي مُطْلَقِ الصَّوْمِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي الْجِهَادِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَاعَدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ) يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْحَالَةَ الرَّاهِنَةَ لِمَا عَلِمَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَنَّهُ يَتَكَلَّفُ ذَلِكَ وَيُدْخِلُ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ الْمَشَقَّةَ وَيُفَوِّتُ بِهِ مَا هُوَ أَهَمُّ مِنْ ذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ مَا سَيَأْتِي بَعْدُ إِذَا كَبِرَ وَعَجَزَ كَمَا اتَّفَقَ لَهُ سَوَاءٌ، وَكَرِهَ أَنْ يُوَظِّفَ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا مِنَ الْعِبَادَةِ ثُمَّ يَعْجِزَ عَنْهُ فَيَتْرُكَهُ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ ذَمِّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) بَعْدَ قَوْلِهِ: فَصُمْ وَأَفْطِرْ بَيَانٌ لِمَا أُجْمِلَ مِنْ ذَلِكَ وَتَقْرِيرٌ لَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، إِذِ الْإِطْلَاقُ يَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ.
قَوْلُهُ: (مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ) يَقْتَضِي أَنَّ الْمِثْلِيَّةَ لَا تَسْتَلْزِمُ التَّسَاوِي مِنْ كُلِّ جِهَةٍ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ هُنَا أَصْلُ التَّضْعِيفِ دُونَ التَّضْعِيفِ الْحَاصِلِ مِنَ الْفِعْلِ، وَلَكِنْ يَصْدُقُ عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ أَنَّهُ صَامَ الدَّهْرَ مَجَازًا. قَوْلُهُ بَعْدَ ذِكْرِ صِيَامِ دَاوُدَ (لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ) لَيْسَ فِيهِ نَفْيُ الْمُسَاوَاةِ صَرِيحًا، لَكِنَّ قَوْلَهُ فِي الرِّوَايَةِ الْمَاضِيَةِ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
يومًا (١) (وَكَانَ (٢) عَبْدُ اللهِ) بن عمرو بن العاص (يَقُولُ بَعْدَ مَا كَبِرَ) بكسر المُوحَّدة، أي: وعجز عن المحافظة على ما التزمه ووظفَّه على نفسه وشقَّ عليه: (يَا لَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ النَّبِيِّ ﷺ) وأخذت بالأخفِّ.
(٥٦) (بابُ) بيان حكم (صَوْمِ الدَّهْرِ) هل هو مشروعٌ أم لا؟ ومذهب الشَّافعيَّة: استحبابه لإطلاق الأدلَّة، ولأنَّه ﷺ قال: «من صام الدَّهر ضُيِّقت عليه جهَّنم هكذا، وعقد بيده» أخرجه أحمد والنَّسائيُّ وابنا خزيمة وحبَّان والبيهقيُّ، أي: عنه، فلم يدخلها، قال الغزاليُّ: لأنَّه لمَّا ضيَّق على نفسه مسالك الشَّهوات بالصَّوم ضيَّق الله عليه النَّار، فلا يبقى له فيها مكانٌ لأنَّه ضيَّق طرقها بالعبادة، فإن خاف ضررًا أو فوت حقٍّ كُرِه صومه، وهل المرادُ الحقُّ (٣) الواجب أو المندوب؟ قال السُّبكيُّ: ويتَّجه أن يُقال: إنَّه إن علم أنَّه يفوِّت حقًّا واجبًا حرُم (٤)، وإن علم أنَّه يفوِّت حقًّا مندوبًا أَولى من الصِّيام كُرِه، وإن كان يقوم مقامه فلا.
١٩٧٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ
وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرحمن: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو) أي: ابن العاص (قَالَ: أُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ) بضمِّ الهمزة وسكون المعجمة وكسر المُوحَّدة مبنيًّا للمفعول، و «رسولُ الله» (١): رفع (٢) نائب عن الفاعل (أَنِّي أَقُولُ: وَاللهِ لأَصُومَنَّ النَّهَارَ وَلأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ) أي: مدَّة حياتي (فَقُلْتُ لَهُ) ﵊، فيه كلامٌ مطويٌّ تقديره: فقال لي (٣) ﵊: أنت الذي تقول: والله لأصومنَّ النَّهار ولأقومنَّ اللَّيل ما عشت؟ ولـ «مسلمٍ»: أنت الذي تقول ذلك؟ فقلت له: (قَدْ) ولأبي الوقت: «فقد» (قُلْتُهُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي) أي: أفديك بهما (قَالَ) ﵊: (فإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ) الذي قلته من صيام النَّهار وقيام اللَّيل لحصول المشقَّة وإن لم يتعذَّر الفعل، أو بأن تبلغ (٤) من العمر ما يتعذَّر معه ذلك، وعلمه ﵊ بطريقٍ ما، أو المراد: لا تستطيع ذلك مع القيام ببقيَّة المصالح المرعيَّة شرعًا (فَصُمْ وَأَفْطِرْ) بهمزة قطعٍ (وَقُمْ وَنَمْ) ثمَّ بيَّن ما أجمل، فقال: (وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) لم يعيِّنها، ثمَّ علَّل وجه كونها ثلاثةً بقوله: (فَإِنَّ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ) استُشكِل هذا من جهة أنَّ القواعد تقتضي أنَّ المُقدَّر لا يكون كالمُحقَّق، وأنَّ الأجور تتفاوت بحسب تفاوت المصالح أو المشقَّة في الفعل، فكيف يوازي من له حسنةٌ واحدةٌ في كلِّ يوم جميع السَّنة من له عشرٌ فيه؟ وكيف يتساوى العامل وغيره في الأجر؟ وأُجيب بأنَّ المراد هنا أصل التَّضعيف دون التَّضعيف الحاصل من الفعل، فالمثليَّة لا تقتضي المساواة من كلِّ وجهٍ، نعم يصدق على فاعل ذلك أنَّه صام الدَّهر مجازًا، قال عبد الله: (قُلْتُ): يا رسول الله (إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ) أكثر من صيام (٥) ثلاثة أيَّامٍ من كلِّ شهرٍ (قَالَ) ﵊: (فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ) بالإفراد في الأوَّل، والتَّثنية في الآخر، وفي رواية حُسَينٍ المعلِّم في «الأدب» [خ¦٦١٣٤] «فصم من كلِّ جمعةٍ ثلاثةَ أيَّامٍ»، وفي رواية أبي
المَلِيح الآتية -إن شاء الله تعالى- في «باب صوم داود» [خ¦١٩٨٠] «أما يكفيك من كلِّ شهرٍ ثلاثة أيَّامٍ؟» قال: قلت: يا رسول الله! قال: «خمسًا»، قلت: يا رسول الله! قال: «سبعًا»، قلت: يا رسول الله! قال: «تسعًا»، قلت: يا رسول الله! قال: «إحدى عشرة» (قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ) أي (١): أكثر (مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا، فَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ ﵇ وَهْوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ) وفي «قيام اللَّيل» [خ¦١١٣١] من طريق عمرو بن أوسٍ عن عبد الله بن عمرٍو: «أَحَبُّ الصِّيام إلى الله صيامُ داود»، وهذا يقتضي ثبوت الأفضليَّة مطلقًا، ومقتضاه: أن تكون الزِّيادة على ذلك من الصَّوم مفضولةً (٢) (فَقُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ) أكثر (مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَا) صوم (أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ) (٣)، فهو أفضل من صوم الدَّهر كما قاله المتولِّي وغيره، ويترجَّح من حيث المعنى: بأنَّ صيام الدَّهر قد يفوِّت بعض الحقوق، وبأنَّ من اعتاده فإنَّه (٤) لا يكاد يشقُّ عليه، بل تضعف شهوته عن الأكل، وتقلُّ حاجته إلى الطَّعام والشَّراب نهارًا، ويألف تناوله في اللَّيل بحيث يتجدَّد له طبعٌ زائدٌ، بخلاف من يصوم يومًا ويفطر يومًا فإنَّه ينتقل من فطرٍ إلى صومٍ، ومن صومٍ إلى فطرٍ، وقد نقل التِّرمذيُّ عن بعض أهل العلم: أنَّه أشقُّ الصَّوم، ويأمن مع ذلك من تفويت الحقوق، وعند سعيدِ بن منصورٍ بإسنادٍ صحيحٍ عن ابن مسعودٍ أنَّه قيل له: إنَّك لتقلُّ (٥) الصِّيام، فقال: «إنِّي أخاف أن يضعفني (٦) عن القراءة، والقراءة أحبُّ إليَّ من الصِّيام» لكن في «فتاوى ابن عبد السَّلام»: أنَّ صوم الدَّهر أفضل لأنَّه أكثر عملًا، فيكون أكثر أجرًا، وما كان أكثر أجرًا كان أكثر ثوابًا، وبذلك جزم الغزاليُّ أوَّلًا، وقيَّده بشرط ألَّا يصوم
الأيَّام المنهيَّ عنها، وألَّا يرغب عن السُّنَّة بأن يجعل الصَّوم حجرًا على نفسه، فإذا أمن من ذلك فالصَّوم من (١) أفضل الأعمال، فالاستكثار منه زيادةٌ في الفضل، وقوله في الحديث: «لا أفضل من ذلك» أي: لك؛ وذلك لما علم من حاله ومنتهى قوَّته، وأنَّ ما هو أكثر من ذلك يضعفه عن الفرائض ويقعد (٢) به عن الحقوق والمصالح، ويلتحق (٣) به من في معناه، لكن تعقَّبه ابن دقيق العيد بأنَّ الأفعال متعارضة المصالح والمفاسد، وليس كلُّ ذلك معلومًا لنا ولا مستحضرًا، وإذا تعارضت المصالح والمفاسد فمقدار تأثير (٤) كلِّ واحدة منها في الحثِّ أو المنع غير مُحقَّقٍ (٥) لنا، فالطَّريق حينئذٍ أن نفوِّض الأمر إلى صاحب الشَّرع، ونجري على ما دلَّ عليه ظاهر الشَّرع من (٦) قوَّة الظَّاهر ههنا (٧)، وأمَّا زيادة العمل واقتضاء العادة لزيادة الأجر بسببه فيعارضه اقتضاء العادة والجبلَّة (٨) للتَّقصير في حقوقٍ يعارضها الصَّوم الدَّائم ومقادير (٩) ذلك الفائت، مع أنَّ مقادير الحاصل من الصَّوم غير معلومةٍ لنا.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «وذلك مثل صيام الدَّهر».
(٥٧) (بابُ حَقِّ الأَهْلِ) الأولاد والقرابة (فِي الصَّومِ، رَوَاهُ) أي: حقَّ الأهل (أَبُو جُحَيْفَةَ) وهب بن عبد الله السُّوائيُّ، فيما سبق في قصَّة سلمان وأبي الدَّرداء [خ¦١٩٦٨] (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) حيث قال سلمان لأبي الدَّرداء: «وإنَّ لأهلك عليك حقًّا»، وأقرَّه ﷺ عليه (١٠).
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
كُلِّ ثَمَانِيَّةِ أَيَّامٍ يَوْمًا وَلَكَ أَجْرُ السَّبْعَةِ قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى قَالَ: صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ جَدِّهِ بِلَفْظِ: صُمْ يَوْمًا وَلَكَ أَجْرُ عَشْرَةٍ. قُلْتُ: زِدْنِي، قَالَ: صُمْ يَوْمَيْنِ وَلَكَ أَجْرُ تِسْعَةٍ، قُلْتُ: زِدْنِي. قَالَ: صُمْ ثَلَاثَةً، وَلَكَ أَجْرُ ثَمَانِيَّةٍ فَهَذَا يَدْفَعُ فِي صَدْرِ ذَلِكَ التَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (وَلَا تَزِدْ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى صَوْمِ دَاوُدَ، زَادَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ قُلْتُ: قَدْ قَبِلْتُ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو يَقُولُ بَعْدَ مَا كَبِرَ: يَا لَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَبِرَ وَعَجَزَ عَنِ الْمُحَافَظَةِ عَلَى مَا الْتَزَمَهُ وَوَظَّفَهُ عَلَى نَفْسِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَشَقَّ عَلَيْهِ فِعْلُهُ لِعَجْزِهِ، وَلَمْ يُعْجِبْهُ أَنْ يَتْرُكَهُ لِالْتِزَامِهِ لَهُ، فَتَمَنَّى أَنْ لَوْ قَبِلَ الرُّخْصَةَ فَأَخَذَ بِالْأَخَفِّ. قُلْتُ: وَمَعَ عَجْزِهِ وَتَمَنِّيهِ الْأَخْذَ بِالرُّخْصَةِ لَمْ يَتْرُكِ الْعَمَلَ بِمَا الْتَزَمَهُ، بَلْ صَارَ يَتَعَاطَى فِيهِ نَوْعَ تَخْفِيفٍ كَمَا فِي رِوَايَةِ حُصَيْنٍ الْمَذْكُورَةِ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ حِينَ ضَعُفَ وَكَبِرَ يَصُومُ تِلْكَ الْأَيَّامَ كَذَلِكَ، يَصِلُ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ، ثُمَّ يُفْطِرُ بِعَدَدِ تِلْكَ الْأَيَّامِ فَيَقْوَى بِذَلِكَ، وَكَانَ يَقُولُ: لَأَنْ أَكُونَ قَبِلْتُ الرُّخْصَةَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا عَدَلَ بِهِ، لَكِنّني فَارَقْتُهُ عَلَى أَمْرٍ أَكْرَهُ أَنْ أُخَالِفَهُ إِلَى غَيْرِهِ.
٥٦ - بَاب صَوْمِ الدَّهْرِ
١٩٧٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو قَالَ: أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَقُولُ: وَاللَّهِ لَأَصُومَنَّ النَّهَارَ وَلَأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ. فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ قُلْتُهُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي. قَالَ: فَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، وَصُمْ مِنْ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؛ فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ. قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ. قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا. فَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ ﵇، وَهُوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ. فَقُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ صَوْمِ الدَّهْرِ) أَيْ: هَلْ يُشْرَعُ أَوْ لَا؟ قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: لَمْ يَنُصَّ عَلَى الْحُكْمِ لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ وَاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو خُصَّ بِالْمَنْعِ لَمَّا اطَّلَعَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِ مِنْ مُسْتَقْبَلِ حَالِهِ، فَيُلْتَحَقُ بِهِ مَنْ فِي مَعْنَاهُ مِمَّنْ يَتَضَرَّرُ بِسَرْدِ الصَّوْمِ، وَيَبْقَى غَيْرُهُ عَلَى حُكْمِ الْجَوَازِ لِعُمُومِ التَّرْغِيبِ فِي مُطْلَقِ الصَّوْمِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي الْجِهَادِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَاعَدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ) يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْحَالَةَ الرَّاهِنَةَ لِمَا عَلِمَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَنَّهُ يَتَكَلَّفُ ذَلِكَ وَيُدْخِلُ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ الْمَشَقَّةَ وَيُفَوِّتُ بِهِ مَا هُوَ أَهَمُّ مِنْ ذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ مَا سَيَأْتِي بَعْدُ إِذَا كَبِرَ وَعَجَزَ كَمَا اتَّفَقَ لَهُ سَوَاءٌ، وَكَرِهَ أَنْ يُوَظِّفَ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا مِنَ الْعِبَادَةِ ثُمَّ يَعْجِزَ عَنْهُ فَيَتْرُكَهُ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ ذَمِّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) بَعْدَ قَوْلِهِ: فَصُمْ وَأَفْطِرْ بَيَانٌ لِمَا أُجْمِلَ مِنْ ذَلِكَ وَتَقْرِيرٌ لَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، إِذِ الْإِطْلَاقُ يَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ.
قَوْلُهُ: (مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ) يَقْتَضِي أَنَّ الْمِثْلِيَّةَ لَا تَسْتَلْزِمُ التَّسَاوِي مِنْ كُلِّ جِهَةٍ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ هُنَا أَصْلُ التَّضْعِيفِ دُونَ التَّضْعِيفِ الْحَاصِلِ مِنَ الْفِعْلِ، وَلَكِنْ يَصْدُقُ عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ أَنَّهُ صَامَ الدَّهْرَ مَجَازًا. قَوْلُهُ بَعْدَ ذِكْرِ صِيَامِ دَاوُدَ (لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ) لَيْسَ فِيهِ نَفْيُ الْمُسَاوَاةِ صَرِيحًا، لَكِنَّ قَوْلَهُ فِي الرِّوَايَةِ الْمَاضِيَةِ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
يومًا (١) (وَكَانَ (٢) عَبْدُ اللهِ) بن عمرو بن العاص (يَقُولُ بَعْدَ مَا كَبِرَ) بكسر المُوحَّدة، أي: وعجز عن المحافظة على ما التزمه ووظفَّه على نفسه وشقَّ عليه: (يَا لَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ النَّبِيِّ ﷺ) وأخذت بالأخفِّ.
(٥٦) (بابُ) بيان حكم (صَوْمِ الدَّهْرِ) هل هو مشروعٌ أم لا؟ ومذهب الشَّافعيَّة: استحبابه لإطلاق الأدلَّة، ولأنَّه ﷺ قال: «من صام الدَّهر ضُيِّقت عليه جهَّنم هكذا، وعقد بيده» أخرجه أحمد والنَّسائيُّ وابنا خزيمة وحبَّان والبيهقيُّ، أي: عنه، فلم يدخلها، قال الغزاليُّ: لأنَّه لمَّا ضيَّق على نفسه مسالك الشَّهوات بالصَّوم ضيَّق الله عليه النَّار، فلا يبقى له فيها مكانٌ لأنَّه ضيَّق طرقها بالعبادة، فإن خاف ضررًا أو فوت حقٍّ كُرِه صومه، وهل المرادُ الحقُّ (٣) الواجب أو المندوب؟ قال السُّبكيُّ: ويتَّجه أن يُقال: إنَّه إن علم أنَّه يفوِّت حقًّا واجبًا حرُم (٤)، وإن علم أنَّه يفوِّت حقًّا مندوبًا أَولى من الصِّيام كُرِه، وإن كان يقوم مقامه فلا.
١٩٧٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ
وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرحمن: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو) أي: ابن العاص (قَالَ: أُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ) بضمِّ الهمزة وسكون المعجمة وكسر المُوحَّدة مبنيًّا للمفعول، و «رسولُ الله» (١): رفع (٢) نائب عن الفاعل (أَنِّي أَقُولُ: وَاللهِ لأَصُومَنَّ النَّهَارَ وَلأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ) أي: مدَّة حياتي (فَقُلْتُ لَهُ) ﵊، فيه كلامٌ مطويٌّ تقديره: فقال لي (٣) ﵊: أنت الذي تقول: والله لأصومنَّ النَّهار ولأقومنَّ اللَّيل ما عشت؟ ولـ «مسلمٍ»: أنت الذي تقول ذلك؟ فقلت له: (قَدْ) ولأبي الوقت: «فقد» (قُلْتُهُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي) أي: أفديك بهما (قَالَ) ﵊: (فإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ) الذي قلته من صيام النَّهار وقيام اللَّيل لحصول المشقَّة وإن لم يتعذَّر الفعل، أو بأن تبلغ (٤) من العمر ما يتعذَّر معه ذلك، وعلمه ﵊ بطريقٍ ما، أو المراد: لا تستطيع ذلك مع القيام ببقيَّة المصالح المرعيَّة شرعًا (فَصُمْ وَأَفْطِرْ) بهمزة قطعٍ (وَقُمْ وَنَمْ) ثمَّ بيَّن ما أجمل، فقال: (وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) لم يعيِّنها، ثمَّ علَّل وجه كونها ثلاثةً بقوله: (فَإِنَّ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ) استُشكِل هذا من جهة أنَّ القواعد تقتضي أنَّ المُقدَّر لا يكون كالمُحقَّق، وأنَّ الأجور تتفاوت بحسب تفاوت المصالح أو المشقَّة في الفعل، فكيف يوازي من له حسنةٌ واحدةٌ في كلِّ يوم جميع السَّنة من له عشرٌ فيه؟ وكيف يتساوى العامل وغيره في الأجر؟ وأُجيب بأنَّ المراد هنا أصل التَّضعيف دون التَّضعيف الحاصل من الفعل، فالمثليَّة لا تقتضي المساواة من كلِّ وجهٍ، نعم يصدق على فاعل ذلك أنَّه صام الدَّهر مجازًا، قال عبد الله: (قُلْتُ): يا رسول الله (إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ) أكثر من صيام (٥) ثلاثة أيَّامٍ من كلِّ شهرٍ (قَالَ) ﵊: (فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ) بالإفراد في الأوَّل، والتَّثنية في الآخر، وفي رواية حُسَينٍ المعلِّم في «الأدب» [خ¦٦١٣٤] «فصم من كلِّ جمعةٍ ثلاثةَ أيَّامٍ»، وفي رواية أبي
المَلِيح الآتية -إن شاء الله تعالى- في «باب صوم داود» [خ¦١٩٨٠] «أما يكفيك من كلِّ شهرٍ ثلاثة أيَّامٍ؟» قال: قلت: يا رسول الله! قال: «خمسًا»، قلت: يا رسول الله! قال: «سبعًا»، قلت: يا رسول الله! قال: «تسعًا»، قلت: يا رسول الله! قال: «إحدى عشرة» (قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ) أي (١): أكثر (مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا، فَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ ﵇ وَهْوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ) وفي «قيام اللَّيل» [خ¦١١٣١] من طريق عمرو بن أوسٍ عن عبد الله بن عمرٍو: «أَحَبُّ الصِّيام إلى الله صيامُ داود»، وهذا يقتضي ثبوت الأفضليَّة مطلقًا، ومقتضاه: أن تكون الزِّيادة على ذلك من الصَّوم مفضولةً (٢) (فَقُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ) أكثر (مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَا) صوم (أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ) (٣)، فهو أفضل من صوم الدَّهر كما قاله المتولِّي وغيره، ويترجَّح من حيث المعنى: بأنَّ صيام الدَّهر قد يفوِّت بعض الحقوق، وبأنَّ من اعتاده فإنَّه (٤) لا يكاد يشقُّ عليه، بل تضعف شهوته عن الأكل، وتقلُّ حاجته إلى الطَّعام والشَّراب نهارًا، ويألف تناوله في اللَّيل بحيث يتجدَّد له طبعٌ زائدٌ، بخلاف من يصوم يومًا ويفطر يومًا فإنَّه ينتقل من فطرٍ إلى صومٍ، ومن صومٍ إلى فطرٍ، وقد نقل التِّرمذيُّ عن بعض أهل العلم: أنَّه أشقُّ الصَّوم، ويأمن مع ذلك من تفويت الحقوق، وعند سعيدِ بن منصورٍ بإسنادٍ صحيحٍ عن ابن مسعودٍ أنَّه قيل له: إنَّك لتقلُّ (٥) الصِّيام، فقال: «إنِّي أخاف أن يضعفني (٦) عن القراءة، والقراءة أحبُّ إليَّ من الصِّيام» لكن في «فتاوى ابن عبد السَّلام»: أنَّ صوم الدَّهر أفضل لأنَّه أكثر عملًا، فيكون أكثر أجرًا، وما كان أكثر أجرًا كان أكثر ثوابًا، وبذلك جزم الغزاليُّ أوَّلًا، وقيَّده بشرط ألَّا يصوم
الأيَّام المنهيَّ عنها، وألَّا يرغب عن السُّنَّة بأن يجعل الصَّوم حجرًا على نفسه، فإذا أمن من ذلك فالصَّوم من (١) أفضل الأعمال، فالاستكثار منه زيادةٌ في الفضل، وقوله في الحديث: «لا أفضل من ذلك» أي: لك؛ وذلك لما علم من حاله ومنتهى قوَّته، وأنَّ ما هو أكثر من ذلك يضعفه عن الفرائض ويقعد (٢) به عن الحقوق والمصالح، ويلتحق (٣) به من في معناه، لكن تعقَّبه ابن دقيق العيد بأنَّ الأفعال متعارضة المصالح والمفاسد، وليس كلُّ ذلك معلومًا لنا ولا مستحضرًا، وإذا تعارضت المصالح والمفاسد فمقدار تأثير (٤) كلِّ واحدة منها في الحثِّ أو المنع غير مُحقَّقٍ (٥) لنا، فالطَّريق حينئذٍ أن نفوِّض الأمر إلى صاحب الشَّرع، ونجري على ما دلَّ عليه ظاهر الشَّرع من (٦) قوَّة الظَّاهر ههنا (٧)، وأمَّا زيادة العمل واقتضاء العادة لزيادة الأجر بسببه فيعارضه اقتضاء العادة والجبلَّة (٨) للتَّقصير في حقوقٍ يعارضها الصَّوم الدَّائم ومقادير (٩) ذلك الفائت، مع أنَّ مقادير الحاصل من الصَّوم غير معلومةٍ لنا.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «وذلك مثل صيام الدَّهر».
(٥٧) (بابُ حَقِّ الأَهْلِ) الأولاد والقرابة (فِي الصَّومِ، رَوَاهُ) أي: حقَّ الأهل (أَبُو جُحَيْفَةَ) وهب بن عبد الله السُّوائيُّ، فيما سبق في قصَّة سلمان وأبي الدَّرداء [خ¦١٩٦٨] (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) حيث قال سلمان لأبي الدَّرداء: «وإنَّ لأهلك عليك حقًّا»، وأقرَّه ﷺ عليه (١٠).