«كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَأَهْوَيْتُ لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٠٦

الحديث رقم ٢٠٦ من كتاب «كتاب الوضوء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إذا أدخل رجليه وهما طاهرتان.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَأَهْوَيْتُ…

«كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ فِي سَفَرٍ، فَأَهْوَيْتُ لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ فَقَالَ: دَعْهُمَا فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ. فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا».

بَابُ مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ مِنْ لَحْمِ الشَّاةِ وَالسَّوِيقِ وَأَكَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ فَلَمْ يَتَوَضَّئُوا

إسناد حديث: «كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَأَهْوَيْتُ…

٢٠٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ:

رواة الحديث: «كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ…

شرح حديث: «كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَأَهْوَيْتُ…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

يَسْأَلُهُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَأَخْبَرَهُ بِهِ، فَلَا مَانِعَ أَنْ يَكُونَ أَبُو سَلَمَةَ اجْتَمَعَ بِعَمْرٍو بَعْدُ فَسَمِعَهُ مِنْهُ، وَيُقَوِّيهِ تَوَفُّرُ دَوَاعِيهِمْ عَلَى الِاجْتِمَاعِ فِي الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ ابْنَ مَنْدَهْ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ بِإِثْبَاتِ ذِكْرِ الْعِمَامَةِ فِيهِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ تَفَرُّدِ الْأَوْزَاعِيِّ بِذِكْرِهَا لَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ تَخْطِئَتُهُ، لِأَنَّهَا تَكُونُ زِيَادَةً مِنْ ثِقَةٍ حَافِظٍ غَيْرَ مُنَافِيَةٍ لِرِوَايَةِ رُفْقَتِهِ فَتُقْبَلُ، وَلَا تَكُونُ شَاذَّةً، وَلَا مَعْنَى لِرَدِّ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ بِهَذِهِ التَّعْلِيلَاتِ الْوَاهِيَةِ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي مَعْنَى الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ فَقِيلَ: إِنَّهُ كَمَّلَ عَلَيْهَا بَعْدَ مَسْحِ النَّاصِيَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ بِمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَإِلَى عَدَمِ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْمَسْحِ عَلَيْهَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: فَرَضَ اللَّهُ مَسْحَ الرَّأْسِ، وَالْحَدِيثُ فِي مَسْحِ الْعِمَامَةِ مُحْتَمِلٌ لِلتَّأْوِيلِ، فَلَا يُتْرَكُ الْمُتَيَقَّنُ لِلْمُحْتَمَلِ. قال: وَقِيَاسُهُ عَلَى مَسْحِ الْخُفِّ بَعِيدٌ، لِأَنَّهُ يَشُقُّ نَزْعُهُ بِخِلَافِهَا، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الَّذِينَ أَجَازُوا الِاقْتِصَارَ عَلَى مَسْحِ الْعِمَامَةِ شَرَطُوا فِيهِ الْمَشَقَّةَ فِي نَزْعِهَا كَمَا فِي الْخُفِّ، وَطَرِيقُةُ أَنْ تَكُونَ مُحَنَّكَةً كَعَمَائِمِ الْعَرَبِ، وَقَالُوا عُضْوٌ يَسْقُطُ فَرْضُهُ فِي التَّيَمُّمِ فَجَازَ الْمَسْحُ عَلَى حَائِلِهِ كَالْقَدَمَيْنِ، وَقَالُوا: الْآيَةُ لَا تَنْفِي ذَلِكَ، وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ مَنْ يَحْمِلُ الْمُشْتَرَكَ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ؛ لِأَنَّ مَنْ قال: قَبَّلْتُ رَأْسَ فُلَانٍ يَصْدُقُ وَلَوْ كَانَ عَلَى حَائِلٍ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَالطَّبَرِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُمْ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ قال: إِنْ يُطِعِ النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ يَرْشُدُوا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٤٩ - بَاب إِذَا أَدْخَلَ رِجْلَيْهِ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ

٢٠٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قال: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ أَبِيهِ، قال: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ فِي سَفَرٍ، فَأَهْوَيْتُ لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ، فَقَالَ: دَعْهُمَا؛ فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ. فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا

قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا أَدْخَلَ رِجْلَيْهِ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ) هَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ أَبي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَسَنُبَيِّنُ مَا بَيْنَهُا وَبَيْنَ لَفْظِ حَدِيثِ الْبَابِ مِنَ التَّفَاوُتِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا) هُوَ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ. (عَنْ عَامِرٍ) هُوَ الشَّعْبِيُّ، وَزَكَرِيَّا مُدَلِّسٌ وَلَمْ أَرَهُ مِنْ حَدِيثِهِ إِلَّا بِالْعَنْعَنَةِ، لَكِنْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنْ زَكَرِيَّا، وَالْقَطَّانُ لَا يَحْمِلُ مِنْ حَدِيثِ شُيُوخِهِ الْمُدَلِّسِينَ إِلَّا مَا كَانَ مَسْمُوعًا لَهُمْ، صَرَّحَ بِذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ.

قَوْلُهُ: (فَأَهْوَيْتُ)؛ أَيْ: مَدَدْتُ يَدِيَ، قال الْأَصْمَعِيُّ: أَهْوَيْتُ بِالشَّيْءِ إِذَا أَوْمَأْتُ بِهِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: أَهْوَيْتُ؛ قَصَدْتُ الْهَوَاءَ مِنَ الْقِيَامِ إِلَى الْقُعُودِ. وَقِيلَ الْإِهْوَاءُ الْإِمَالَةُ، قال ابْنُ بَطَّالٍ: فِيهِ خِدْمَةُ الْعَالِمِ، وَأَنَّ لِلْخَادِمِ أَنْ يَقْصِدَ إِلَى مَا يَعْرِفُ مِنْ عَادَةِ مَخْدُومِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ، وَفِيهِ الْفَهْمُ عَنِ الْإِشَارَةِ، وَرَدُّ الْجَوَابِ عَمَّا يُفْهَمُ عَنْهَا لِقَوْلِهِ فَقَالَ دَعْهُمَا

قَوْلُهُ: (فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا) أَيِ: الْقَدَمَيْنِ (طَاهِرَتَيْنِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ وَلِأَبِي دَاوُدَ فَإِنِّي أَدْخَلْتُ الْقَدَمَيْنِ الْخُفَّيْنِ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ، وَلِلْحُمَيْدِيِّ فِي مُسْنَدِهِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَمْسَحُ أَحَدُنَا عَلَى خُفَّيْهِ؟ قال: نَعَمْ؛ إِذَا أَدْخَلَهُمَا وَهُمَا طَاهِرَتَانِ وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ أَنْ نَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ إِذَا نَحْنُ أَدْخَلْنَاهُمَا عَلَى طُهْرٍ ثَلَاثًا إِذَا سَافَرْنَا، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً إِذَا أَقَمْنَا، قال ابْنُ خُزَيْمَةَ: ذَكَرْتُهُ لِلْمُزَنِيِّ فَقَالَ لِي: حَدِّثْ بِهِ أَصْحَابَنَا، فَإِنَّهُ أَقْوَى حُجَّةً لِلشَّافِعِيِّ، انْتَهَى.

وَحَدِيثُ صَفْوَانَ وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا لَكِنَّهُ لَيْسَ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، لَكِنَّ حَدِيثَ الْبَابِ مُوَافِقٌ لَهُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى اشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ عِنْدَ اللُّبْسِ، وَأَشَارَ الْمُزَنِيُّ بِمَا قال إِلَى الْخِلَافِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٤٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا أَدْخَلَ رِجْلَيْهِ) في الخفَّين (١) (وَهُمَا طَاهِرَتَانِ) عن (٢) الحدث.

٢٠٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكينٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ (٣)) ابن أبي زائدة الكوفيُّ (عَنْ عَامِرٍ) هو ابن شراحيل الشَّعبيُّ التَّابعيُّ، قال الحافظ ابن حجرٍ: وزكريَّا مدلِّسٌ، ولم أرَه من حديثه إلَّا بالعنعنة، لكن أخرجه الإمام أحمد عن يحيى (٤) القطَّان عن زكريَّا، والقطَّان لا يحمل عن شيوخه (٥) المدلِّسين إلَّا ما كان مسموعًا لهم، صرَّح بذلك الإسماعيليُّ. انتهى. (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ المُغِيرَةِ عَنْ أَبِيهِ) المغيرة بن شعبة (قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ فِي سَفَرٍ) في رجب سنة تسعٍ في غزوة تبوك (فَأَهْوَيْتُ) أي: مددت يدي، أو قصدت، أو أشرت، أو أومأت (لأَنْزِعَ خُفَّيْهِ) (فَقَالَ: دَعْهُمَا) أي: الخفَّين (فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا) أي: الرِّجلين حال كونهما (طَاهِرَتَيْنِ) من الحدثين، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «وهما طاهرتان» جملةٌ اسميَّةٌ حاليَّةٌ، ولأبي داود: «فإنِّي أدخلت

القدمين الخفَّين وهما طاهرتان (١) … » الحديثَ، ثمَّ أحدث (فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا) ولابنَي خزيمة وحبَّان: «أنَّه أرخص (٢) للمسافر ثلاثة أيَّامٍ ولياليهنَّ، وللمقيم يومًا وليلةً إذا تطهَّر فلبس خفَّيه أن يمسح عليهما» أي: من الحدث بعد اللُّبس لأنَّ وقت المسح يدخل بانتهاء (٣) الحدث على الرَّاجح (٤) فاعتبرت مدَّته منه (٥)، واختار في «المجموع» قول أبي ثورٍ وابن المنذر أنَّ (٦) ابتداء المدَّة من المسح لأنَّ قوَّة الأحاديث تعطيه، وحديث ابني خزيمة وحبَّان هذا (٧) موافقٌ لحديث الباب في الدَّلالة على اشتراط الطَّهارة الكاملة عند اللُّبس، فلو لبس قبل غسل (٨) رجليه وغسلهما فيه لم يجز المسح إلَّا أن ينزعهما من مقرِّهما ثمَّ يدخلهما فيه، ولو أدخل إحداهما بعد غسلها ثمَّ غسل الأخرى وأدخلها لم يجز المسح (٩) إلَّا أن ينزع الأولى من (١٠) مقرِّها ثمَّ يدخلها (١١) فيه؛ لأنَّ الحكم المُترتِّب (١٢) على التَّثنية غير الحكم المُترتِّب (١٣) على الوحدة، واستضعفه ابن

دقيق العيد لأنَّ الاحتمال باقٍ، قال: لكن إن ضُمَّ إليه دليلٌ يدلُّ على أنَّ الطَّهارة لا تتبعَّض اتَّجه، ولوِ ابتدأ اللُّبس بعد غسلهما ثمَّ أحدث قبل وصولهما إلى موضع القدم لم يجزِ المسح، ولو غسلهما بنيَّة الوضوء ثمَّ لبسهما ثمَّ أكمل باقي أعضاء الوضوء لم يجزْ له المسح عند الشَّافعيِّ ومن وافقه على إيجاب التَّرتيب وجاز (١) عند أبي حنيفة ومن وافقه على عدم وجوب التَّرتيب، بناءً على أنَّ الطَّهارة لا تتبعَّض، ولم يخرج المصنِّف في هذا الكتاب ما يدلُّ على توقيت المسح، وقد قال به الجمهور للحديث الذي قدَّمتُه (٢) وحديث مسلمٍ وغيره، وخالف المالكيَّة في المشهور عندهم، فلم يجعلوا للمسح تأقيتًا بأيَّامٍ مُطلقًا، بل يمسح عليه ما لم يخلعه أو يجب على الماسح غُسْلٌ، نعم، روى أشهبُ: أنَّ المسافر يمسح ثلاثة أيَّامٍ، ولم يذكر للمقيم وقتًا، وروى ابن نافعٍ: أنَّ المقيم يمسح من الجمعة إلى الجمعة، قال القاضي أبو محمَّدٍ: هذا يحتمل الاستحباب، ثمَّ قال: بل هو مقصودٌ، ووجهه: أنَّه يغتسل للجمعة، وعُزِيَ إلى مالكٍ في «الرِّسالة» المنسوبة إليه: أنَّه حدَّ للمسافر ثلاثة أيَّامٍ، وللمقيم يومًا وليلة، وأُنكِرتِ الرِّسالة المنسوبة لمالكٍ.

ورواة هذا الحديث كلُّهم كوفيُّون، وفيه: رواية التَّابعيِّ الكبير عن التَّابعيِّ، والعنعنة والتَّحديث.

(٥٠) هذا (٣) (بابُ مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ مِنْ) أكل (لَحْمِ الشَّاةِ) ونحوها ممَّا هو مثلها وما دونها (وَ) من أكل (السَّوِيقِ) وهو ما اتُّخِذَ من شعيرٍ أو قمحٍ مقلوٍّ، يُدَقُّ فيكون (٤) كالدَّقيق، إذا احتيج

إلى أكله خُلِطَ بماءٍ أو لبنٍ أو رُبٍّ ونحوه (وَأَكَلَ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (وَعُمَرُ) الفاروق (وَعُثْمَانُ) ذو النُّورين ( فَلَمْ يَتَوَضَّؤُوا) كذا في رواية أبي ذَرٍّ إلَّا (١) عن الكُشْمِيْهَنِيِّ بحذف المفعول، وهو يعمُّ كلَّ ما مسَّته (٢) النَّار وغيره، وفي رواية أبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ والحَمُّويي والأَصيليِّ: «وأكل أبو بكرٍ وعمر (٣) وعثمان لحمًا (٤)» بإثباته، وعند ابن أبي شيبة عن محمَّد بن المنكدر قال: أكلت مع رسول الله ومع أبي بكرٍ وعمر وعثمان خبزًا ولحمًا، فصلَّوا ولم يتوضَّؤوا، وكذا رواه التِّرمذيُّ، وفي «الطَّبرانيِّ» في «مُسنَد الشَّاميِّين» بإسنادٍ حسنٍ من طريق سُلَيم بن عامرٍ قال: رأيت أبا بكرٍ وعمر وعثمان أكلوا ممَّا (٥) مسَّتِ النَّار ولم يتوضَّؤوا.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

بَيَان الْمَعْنى قَوْله: (على عمَامَته وخفيه) ، وَهَكَذَا رَوَاهُ الْأَوْزَاعِيّ وَهُوَ مَشْهُور عَنهُ، وَأسْقط بعض الروَاة عَنهُ جعفراً من الْإِسْنَاد هُوَ خطأ، قَالَه أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ، وَقَالَ الْأصيلِيّ: ذكر الْعِمَامَة فِي هَذَا الحَدِيث من خطأ الْأَوْزَاعِيّ، لِأَن شَيبَان رَوَاهُ عَن يحيى وَلم يذكرهَا، وَتَابعه حَرْب وَأَبَان، وَالثَّلَاثَة خالفوا الْأَوْزَاعِيّ، لِأَن شَيبَان رَوَاهُ عَن يحيى، فَوَجَبَ تَغْلِيب الْجَمَاعَة على الْوَاحِد. أَقُول: على تَقْدِير تفرد الْأَوْزَاعِيّ بِذكر الْعِمَامَة لَا يسْتَلْزم ذَلِك تخطئته، لِأَنَّهُ زِيَادَة من ثِقَة غير مُنَافِيَة لرِوَايَة غَيره فَتقبل.

بَيَان الحكم وَهُوَ شَيْئَانِ: أَحدهمَا: الْمسْح على الْعِمَامَة. وَالْآخر: على الْخُفَّيْنِ. أما الأول: فَاخْتلف الْعلمَاء فِيهِ، فَذهب الإِمَام أَحْمد إِلَى جَوَاز الِاقْتِصَار على الْعِمَامَة بِشَرْط الاعمام بعد كَمَال الطَّهَارَة، كَمَا فِي الْمسْح على الْخُفَّيْنِ، وَاحْتج المانعون بقوله تَعَالَى: {وامسحوا برؤوسكم} (الْمَائِدَة: ٦) وَمن مسح على الْعِمَامَة لم يمسح على رَأسه، وَأَجْمعُوا على أَنه لَا يجوز مسح الْوَجْه فِي التَّيَمُّم على حَائِل دونه، فَكَذَلِك الرَّأْس. وَقَالَ الْخطابِيّ: فرض الله مسح الرَّأْس، والْحَدِيث فِي مسح الْعِمَامَة مُحْتَمل للتأويل، فَلَا يتْرك الْمُتَيَقن للمحتمل. قَالَ ابْن الْمُنْذر: وَمِمَّنْ مسح على الْعِمَامَة: أَبُو بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَبِه قَالَ عمر وَأنس وَأَبُو أُمَامَة، وَرُوِيَ عَن سعد بن مَالك وَأبي الدارداء. وَبِه قَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز وَالْحسن وَقَتَادَة وَمَكْحُول وَالْأَوْزَاعِيّ وابو ثَوْر. وَقَالَ عُرْوَة وَالنَّخَعِيّ وَالشعْبِيّ وَالقَاسِم وَمَالك وَالشَّافِعِيّ واصحاب الرَّأْي: لَا يجوز الْمسْح عَلَيْهَا؛ وَفِي (المغنى) : وَمن شَرَائِط جَوَاز الْمسْح على الْعِمَامَة شَيْئَانِ: أَحدهمَا: أَن تكون تَحت الحنك، سَوَاء أرْخى لَهَا ذؤابة أم لَا، قَالَه القَاضِي، وَلَا فرق بَين الصَّغِيرَة والكبيرة إِذا وَقع عَلَيْهَا الِاسْم. وَقيل: إِنَّمَا لم يجز الْمسْح على الْعِمَامَة الَّتِي لَيْسَ لَهَا حنك، لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمر بالتلحي وَنهى عَن الاقتعاط. قَالَ أَبُو عبيد: الاقتعاط: أَن لَا يكون تَحت الحنك مِنْهَا شَيْء. وَرُوِيَ أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رأى رجلا لَيْسَ تَحت حنكه من عمَامَته شَيْء، فحنكه بكور مِنْهَا، وَقَالَ: مَا هَذِه الفاسقية؟ الشَّرْط الثَّانِي: أَن تكون ساترة لجَمِيع الرَّأْس إلَاّ مَا جرت الْعَادة بكشفه، كمقدم الرَّأْس والأذنين، وَيسْتَحب أَن يمسح على مَا ظهر من الرَّأْس مَعَ الْمسْح على الْعِمَامَة، نَص عَلَيْهِ أَحْمد، وَلَا يجوز الْمسْح على القلنسوة. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: لَا نعلم أحدا قَالَ بِالْمَسْحِ على القلنسوة إلَاّ أنسا مسح على قلنسوته. وَفِي جَوَاز الْمسْح للْمَرْأَة على الْخمار رِوَايَتَانِ: احداهما: يجوز، وَالثَّانيَِة: لَا يجوز. قَالَ نَافِع وَحَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان وَالْأَوْزَاعِيّ وَسَعِيد بن عبد الْعَزِيز، وَلَا يجوز الْمسْح على الْوِقَايَة قولا وَاحِدًا، وَلَا نعلم فِيهِ خلافًا لِأَنَّهُ لَا يشق نَزعهَا. وَأما الحكم الثَّانِي: للْحَدِيث فقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى.

وتابَعَهُ مَعْمَرٌ عَنْ يَحْيىَ عَنْ أبي سَلَمَة عَنْ عَمْرٍ وَقَالَ رَأَيْتُ النَّبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَمْسَحُ عَلَى عِمَامَتِه وخُفَّيْهِ.

أَي: تَابع الْأَوْزَاعِيّ معمر بن رَاشد. فَقَوله: (معمر) بِالرَّفْع فَاعل لقَوْله: (تَابعه) ، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ للأوزاعي، وَهَذِه الْمُتَابَعَة مُرْسلَة وَلَيْسَ فِيهَا ذكر الْعِمَامَة، لما روى عَنهُ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن يحيى عَن أبي سَلمَة عَن عمر، وَقَالَ: (رَأَيْت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يمسح على خفيه) ، هَكَذَا وَقع فِي مُصَنف عبد الرَّزَّاق، وَلم يذكر الْعِمَامَة. وَأَبُو سَلمَة لم يسمع من عَمْرو، وَإِنَّمَا سمع من أَبِيه جَعْفَر، فَلَا حجَّة فِيهَا. قَالَه الْكرْمَانِي، قلت: وَقع فِي كتاب الطَّهَارَة لِابْنِ مُنْذر من طَرِيق معمر: وَفِيه إِثْبَات ذكر الْعِمَامَة، وَقَالَ بَعضهم: سَماع أبي سَلمَة من عَمْرو مُمكن، فَإِنَّهُ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سنة سِتِّينَ، وَأَبُو سَلمَة مدنِي، وَقد سمع من خلق مَاتُوا قبل عمر. وَقلت: كَونه مدنياً وسماعه من خلق مَاتُوا قبله لَا يسْتَلْزم سَمَاعه من عَمْرو، وبالاحتمال لَا يثبت ذَلِك.

٤٩ - (بابٌ إِذا أدْخَلَ رِجْلَيْهِ وهُمَا طَاهِرَتانِ)

قَوْله: (بَاب) إِذا قطع عَمَّا بعده لَا يكون معرباً، لِأَن الْإِعْرَاب لَا يكون إلَاّ فِي جُزْء الْمركب، وَإِذا أضيف إِلَى مَا بعده بِتَأْوِيل: بَاب فِي بَيَان إِدْخَال الرجل رجلَيْهِ فِي خفيه وهما طاهرتان، أَي: وَالْحَال أَن رجلَيْهِ طاهرتان، عَن الْحَدث بِأَن يكون الْبَاب معرباً على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِدْخَال الرجل ... إِلَى آخِره.

والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة، لِأَن كلاًّ مِنْهُمَا فِي حكم الْمسْح على الْخُفَّيْنِ.

٢٠٦ - حدّثنا أبُو نُعَيْمٍ قالَ حدّثنا زَكَرِيَّاءُ عَنْ عامِرٍ عَنْ عُرْوَةَ بن المُغِيرَةِ عَنْ أبِيهِ قَالَ كُنْتُ مَعَ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي سَفَرٍ فأهْوَيْتُ لَانْزِعَ خُفَّيْهِ فقالَ دَعْهُمَا فَانِّي أدْخَلْتُهُمَا طَاهرَتَيْنِ فَمَسَحَ عَلَيْهمَا..

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن. الثَّانِي: ذكريا بن أبي زَائِدَة الْكُوفِي. الثَّالِث: عَامر بن شرَاحِيل الشّعبِيّ التَّابِعِيّ، قَالَ: ادركت خَمْسمِائَة صَحَابِيّ أَو أَكثر يَقُولُونَ: عَليّ وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر فِي الْجنَّة، تقدم هُوَ وزَكَرِيا فِي بَاب فضل من اسْتَبْرَأَ لدينِهِ. الرَّابِع: عُرْوَة بن الْمُغيرَة. الْخَامِس: الْمُغيرَة بن شُعْبَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

بَيَان لطائف اسناده مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم كوفيون. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة التَّابِعِيّ.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره قد مر عَن قريب.

بَيَان اللُّغَات وَالْإِعْرَاب قَوْله: (فِي سفر) : هُوَ سفرة غَزْوَة تَبُوك كَمَا ورد مُبينًا فِي رِوَايَة أُخْرَى فِي (الصَّحِيح) وَكَانَت فِي رَجَب سنة تسع. قَوْله: (فَأَهْوَيْت) أَي: مددت يَدي، وَيُقَال: أَي أَشرت إِلَيْهِ. قَالَ الْجَوْهَرِي: يُقَال أَهْوى إِلَيْهِ بيدَيْهِ ليأخذه. قَالَ الْأَصْمَعِي: اهويت الشَّيْء إِذا أَوْمَأت بِهِ. وَقَالَ التَّيْمِيّ: أهويت أَي: قصدت الْهوى من الْقيام إِلَى الْقعُود. وَقيل: الإهواء: الإمالة. قَوْله: (لأنزع) ، بِكَسْر الزَّاي من بَاب: ضرب يضْرب، فَإِن قلت: فِيهِ حرف الْحلق، وَمَا فِيهِ حرف من حُرُوف الْحلق، يكون من بَاب: فعل يفعل بِالْفَتْح، فيهمَا. قلت: لَيْسَ الْأَمر كَذَلِك، وَإِنَّمَا إِذا وجد فعل يفعل بِالْفَتْح فيهمَا، فَالشَّرْط فِيهِ أَن يكون فِيهِ حرف من حُرُوف الْحلق، وَأما إِذا كَانَت كلمة فِيهَا حرف حلق لَا يلْزم أَن تكون من بَاب فعل يفعل بِالْفَتْح فيهمَا. قَوْله: (خُفْيَة) أَي: خَفِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (دعهما) اي: دع الْخُفَّيْنِ. فَقَوله: (دع) أَمر مَعْنَاهُ: أترك، وَهُوَ من الْأَفْعَال الَّتِي أماتوا ماضيها. قَوْله: (فَإِنِّي أدخلتهما) أَي: الرجلَيْن. قَوْله: (طاهرتين) أَي من الْحَدث، وَهُوَ مَنْصُوب على الْحَال، وَهَذَا رِوَايَة الْأَكْثَرين. وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (وهما طاهرتان) ، وَهِي جملَة أسمية حَالية. وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (فَإِنِّي أدخلت الْقَدَمَيْنِ الْخُفَّيْنِ وهما طاهرتان) . وللحميدي فِي (مُسْنده) : (قلت يَا رَسُول الله: أيمسح أَحَدنَا على خفيه؟ قَالَ: نعم، إِذا أدخلهما وهما طاهرتان) . وَلابْن خُزَيْمَة من حَدِيث صَفْوَان بن غَسَّان: (أمرنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن نمسح على الْخُفَّيْنِ إِذا نَحن أدخلناهما على طهر ثَلَاثًا إِذا سافرنا، وَيَوْما وَلَيْلَة إِذا أَقَمْنَا) . قَوْله: (فَمسح عَلَيْهِمَا) أَي: على الْخُفَّيْنِ، وَفِيه إِضْمَار تَقْدِيره: فأحدث فَمسح عَلَيْهِمَا، لِأَن وَقت جَوَاز الْمسْح بعد الْحَدث. وَالْوُضُوء، وَلَا يجوز قبله، لِأَنَّهُ على طَهَارَة.

بَيَان استنباط الْأَحْكَام الأول: فِيهِ جَوَاز الْمسْح على الْخُفَّيْنِ وَبَيَان مشروعيته. الثَّانِي: احتجت بِهِ الشَّافِعِيَّة على أَن شَرط جَوَاز الْمسْح لبسهما على طَهَارَة كَامِلَة قبل لبس الْخُف، لِأَن الحَدِيث جعل الطَّهَارَة قبل لبس الْخُف شرطا لجَوَاز الْمسْح، وَالْمُعَلّق بِشَرْط لَا يَصح إلَاّ بِوُجُود ذَلِك الشَّرْط. وَقَالَ بَعضهم: قَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) من الْحَنَفِيَّة: شَرط إِبَاحَة الْمسْح لبسهما على طَهَارَة كَامِلَة. قَالَ وَالْمرَاد بالكاملة وَقت الْحَدث لَا وَقت اللّبْس. انْتهى. فَقَالَ: والْحَدِيث حجَّة عَلَيْهِ، وَذكر مَا ذَكرْنَاهُ الْآن عَن الشَّافِعِيَّة. قلت: نقُول أَولا مَا قَالَه صَاحب (الْهِدَايَة) ، ثمَّ نرد على هَذَا الْقَائِل مَا قَالَه. أما عبارَة صَاحب الْهِدَايَة فَهِيَ قَوْله: إِذا لبسهما على طَهَارَة كَامِلَة، لَا يُفِيد اشْتِرَاط الْكَمَال وَقت اللّبْس، بل وَقت الْحَدث، وَهُوَ الْمَذْهَب عندنَا حَتَّى لَو غسل رجلَيْهِ وَلبس خفيه ثمَّ أكمل الطَّهَارَة ثمَّ أحدث يجْزِيه الْمسْح، وَهَذَا لِأَن الْخُف مَانع حُلُول الْحَدث بالقدم، فيراعى كَمَال الطَّهَارَة وَقت الْمَنْع وَهُوَ وَقت الْحَدث، حَتَّى لَو كَانَت نَاقِصَة عِنْد ذَلِك كَانَ الْخُف رَافعا. وَأما بَيَان الرَّد على هَذَا الْقَائِل: بِأَن الحَدِيث الْمَذْكُور لَيْسَ بِحجَّة على صَاحب (الْهِدَايَة) ، فَهُوَ إِنَّا نقُول أَولا: إِن اشْتِرَاط اللّبْس على طَهَارَة كَامِلَة لَا خلاف فِيهِ لأحد، وَإِنَّمَا الْخلاف فِي أَنه هَل يشْتَرط الْكَمَال عِنْد اللّبْس أَو عِنْد الْحَدث؟ فعندنا عِنْد الْحَدث، وَعند الشَّافِعِي عِنْد اللّبْس. وَتظهر ثَمَرَته فِيمَا إِذا غسل رجلَيْهِ أَولا وَلبس خفيه، ثمَّ أتم الْوضُوء قبل أَن يحدث، ثمَّ أحدث جَازَ لَهُ الْمسْح عندنَا، خلافًا لَهُ. وَكَذَا لَو تَوَضَّأ فرتب. لَكِن غسل إِحْدَى رجلَيْهِ وَلبس الْخُف، ثمَّ غسل الْأُخْرَى وَلبس الْخُف الآخر يجوز عندنَا خلافًا لَهُ، ثمَّ قَوْله: الْمُعَلق بِشَرْط لَا يَصح إلَاّ بِوُجُود ذَلِك الشَّرْط، سلمناه، وَلَكِن لَا نسلم أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شَرط كَمَال الطَّهَارَة وَقت اللّبْس، لِأَنَّهُ لَا يفهم من نَص الحَدِيث غَايَة مَا فِي الْبَاب أَنه أخبر أَنه لبسهما وَقَدمَاهُ كَانَتَا طاهرتين، فأخذنا من هَذَا اشْتِرَاط الطَّهَارَة لأجل جَوَاز الْمسْح، سَوَاء كَانَت الطَّهَارَة حَاصِلَة وَقت اللّبْس أَو وَقت

الْحَدث، وتقييده بِوَقْت اللّبْس أَمر زَائِد لَا يفهم من الْعبارَة. فَإِذا تقرر هَذَا على هَذَا لم يكن الحَدِيث حجَّة على صَاحب (الْهِدَايَة) ، بل هُوَ حجَّة لَهُ، حَيْثُ اشْترط الطَّهَارَة لأجل جَوَاز الْمسْح، وَحجَّة عَلَيْهِ حَيْثُ يَأْخُذ مِنْهُ مَا لَيْسَ يدل على مدعاه. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: معنى قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أدخلتهما طاهرتين، يجوز أَن يُقَال: غسلتهما، وَإِن لم يكمل الطَّهَارَة صلى رَكْعَتَيْنِ قبل أَن يتم صلَاته، وَيحْتَمل أَن يُرِيد: طاهرتان من جَنَابَة أَو خبث. وَلَو قلت: دَخَلنَا الْبَلَد وَنحن ركبان، يشْتَرط أَن يكون كل وَاحِد رَاكِبًا عِنْد دُخُوله، وَلَا يشْتَرط افترانهم فِي الدُّخُول، فَتكون كل وَاحِدَة من رجلَيْهِ عِنْد إدخالها الْخُف طَاهِرَة إِذا لم يدخلهما الْخُفَّيْنِ مَعًا، وهما طاهرتان، لِأَن إدخالهما مَعًا غير مُتَصَوّر عَادَة، وَإِن أَرَادَ إِدْخَال كل وَاحِدَة الْخُف وَهِي طَاهِرَة بعد الْأُخْرَى فقد وجد الْمُدَّعِي، وَمَعَ هَذَا فَإِن هَذِه الْمَسْأَلَة مَبْنِيَّة على أَن التَّرْتِيب شَرط عِنْد الشَّافِعِي وَلَيْسَ بِشَرْط عندنَا، وَقَالَ: هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وَلابْن خُزَيْمَة، من حَدِيث صَفْوَان بن عَسَّال: (أمرنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن نمسح على الْخُفَّيْنِ إِذا نَحن أدخلناهما على طهر ثَلَاثًا إِذا سافرنا، وَيَوْما وَلَيْلَة إِذا أَقَمْنَا) . قَالَ ابْن خُزَيْمَة: ذكرته للمزني فَقَالَ لي: حدث بِهِ أَصْحَابنَا، فَإِنَّهُ أقوى حجَّة للشَّافِعِيّ. قلت: فَإِن كَانَ مُرَاده من قَوْله: فَإِنَّهُ من أقوى حجَّة، كَون مُدَّة الْمسْح للْمُسَافِر ثَلَاثَة أَيَّام وللمقيم يَوْمًا وَلَيْلَة، فَمُسلم. وَنحن نقُول بِهِ، وَإِن كَانَ مُرَاده اشْتِرَاط الطَّهَارَة وَقت اللّبْس فَلَا نسلم ذَلِك، لِأَنَّهُ لَا يفهم ذَلِك من نَص الحَدِيث على مَا ذَكرْنَاهُ الْآن. وَقَالَ أَيْضا: وَحَدِيث صَفْوَان، وَإِن كَانَ صَحِيحا، لكنه لَيْسَ على شَرط البُخَارِيّ، لَكِن حَدِيث الْبَاب مُوَافق لَهُ فِي الدّلَالَة على اشْتِرَاط الطَّهَارَة عِنْد اللّبْس. قلت: بعد أَن صَحَّ حَدِيث صَفْوَان عِنْد جمَاعَة من الْمُحدثين لَا يلْزم أَن يكون على شَرط البُخَارِيّ. وَقَوله: مُوَافق لَهُ فِي الدّلَالَة. إِلَى آخِره، غير مُسلم فِي كَون الطَّهَارَة عِنْد اللّبْس. نعم، مُوَافق لَهُ فِي مُطلق اشْتِرَاط الطَّهَارَة لَا غير، فَإِن ادّعى هَذَا الْقَائِل أَنه يدل على كَونهَا عِنْد اللّبْس، فَعَلَيهِ الْبَيَان بِأَيّ نوع من أَنْوَاع الدّلَالَة. الثَّالِث: من الْأَحْكَام، فِيهِ: خدمَة الْعَالم، وللخادم أَن يقْصد إِلَى مَا يعرف من خدمته دون أَن يَأْمر بهَا. الرَّابِع: فِيهِ إِمْكَان الْفَهم عَن الْإِشَارَة ورد الْجَواب بِالْعلمِ على مَا يفهم من الْإِشَارَة، لِأَن الْمُغيرَة أَهْوى لينزع الْخُفَّيْنِ، ففهم عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا أَرَادَ، فَأجَاب بِأَنَّهُ يجْزِيه الْمسْح. الْخَامِس: فِيهِ: أَن من لبس خفيه على غير طَهَارَة انه لَا يمسح عَلَيْهِمَا بِلَا خلاف.

٥٠ - (بابُ مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ مِنْ لَحْمِ الشَّاةِ والسَّوِيقِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي حكم من لم يتَوَضَّأ من أكل لحم الشَّاة، قيد بِلَحْم الشَّاة ليندرج مَا هُوَ مثلهَا وَمَا هُوَ دونهَا فِي حكمهَا. قَوْله: (والسويق) بِالسِّين وَالصَّاد، لُغَة فِيهِ لمَكَان المضارعة، وَالْجمع: أسوقة. وَسمي بذلك لانسياقه فِي الْخلق، والقطعة من السويق سويقة، وَعَن أبي حنيفَة: الجذيذة السويق، لِأَن الْحِنْطَة جذت لَهُ. يُقَال: جذذت الْحِنْطَة للسويق. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: إِذا أَرَادوا أَن يعملوا الفريصة، وَهِي ضرب من السويق، ضربوا من الزَّرْع مَا يُرِيدُونَ حِين يستفرك، ثمَّ يسهمونه، وتسهيمه أَن يسخن على المقلى حَتَّى ييبس، وَإِن شاؤا جعلُوا مَعَه على المقلى الفودنج، وَهُوَ أطيب الْأَطْعِمَة. وَعَابَ رجل السويق بِحَضْرَة أَعْرَابِي فَقَالَ: لَا تَعبه، فَإِنَّهُ عدَّة الْمُسَافِر، وَطَعَام العجلان، وغذاء المبتكر، وبلغة الْمَرِيض، وَهُوَ يسر فؤاد الحزين، وَيرد من نفس المحرور، وجيد فِي التسمين، ومنعوت فِي الطِّبّ، وفقارة لحلق البلغم، وملتوته يصفي الدَّم؛ وَإِن شِئْت كَانَ شرابًا، وَإِن شِئْت كَانَ طَعَاما، وَإِن شِئْت ثريداً وَإِن شِئْت خبيصاً. وثريت السويق: صببت عَلَيْهِ مَاء ثمَّ لتيته، وَفِي (مجمع الغرائب) : ثرى يثري ثرية: إِذا بل التُّرَاب، وَإِنَّمَا بل السويق لما كَانَ لحقه من اليبس والقدم، وَهُوَ شَيْء يتَّخذ من الشّعير أَو الْقَمْح، يدق فَيكون شبه الدَّقِيق إِذا احْتِيجَ إِلَى أكله خلط بِمَاء، أَو لبن أَو رب أَو نَحوه. وَقَالَ قوم: الكعك. قَالَ السفاقسي: قَالَ بَعضهم: كَانَ ملتوتاً بِسمن. وَقَالَ الدَّاودِيّ: هُوَ دَقِيق الشّعير والسلت المقلو، وَيرد قَول من قَالَ: إِن السويق هُوَ الكعك قَول الشَّاعِر:

(يَا حبذا الكعك بِلَحْم مثرود ... وخشكنان مَعَ سويق مقنود.)

وَقَالَ ابْن التِّين لَيْسَ فِي حَدِيثي الْبَاب ذكر السويق، وَقَالَ بَعضهم: أُجِيب بِأَنَّهُ دخل من بَاب أولى، لِأَنَّهُ إِذا لم يتَوَضَّأ من اللَّحْم مَعَ دسومته، فعدمه من السويق أولى، وَلَعَلَّه أَشَارَ بذلك إِلَى الحَدِيث فِي الْبَاب الَّذِي بعد. قلت: وَإِن سلمنَا مَا قَالَه،

فتخصيص السويق بِالذكر لماذا؟ وَقَوله: وَلَعَلَّه ... إِلَى آخِره، أبعد من الْجَواب الأول، لِأَنَّهُ عقد على السويق بَابا، فَلَا يذكر إلَاّ فِي بَابه، وَذكره إِيَّاه هَهُنَا لَا طائل تَحْتَهُ. لِأَنَّهُ لَا يُفِيد شَيْئا زَائِدا.

وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهر، لِأَن أَكثر هَذِه الْأَبْوَاب فِي أَحْكَام الْوضُوء.

وأكَلَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعُثْمانُ رَضِي الله عَنْهُم فَلَمْ يَتَوَضَّؤوُا

لَيْسَ فِي رِوَايَة أبي ذَر لَحْمًا، وَإِنَّمَا روى: أكل أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان فَلم يتوضؤوا، وَوجد ذَلِك فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَالْأولَى أَعم، لِأَن فِيهَا حذف الْمَفْعُول، وَهُوَ يتَنَاوَل أكل كل مَا مسته النَّار لَحْمًا أَو غَيره، وَكَذَا وصل هَذَا التَّعْلِيق الطَّبَرَانِيّ فِي (مُسْند الشاميين) بِإِسْنَاد حسن من طَرِيق سُلَيْمَان بن عَامر، قَالَ: (رَأَيْت أَبَا بكر وَعمر وَعُثْمَان أكلُوا مِمَّا مست النَّار وَلم يتوضؤوا) وروى ابْن أبي شيبَة عَن هَيْثَم: أخبرنَا عَليّ بن زيد حَدثنَا مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر، قَالَ: (أكلت مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمَعَ أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان خبْزًا وَلَحْمًا فصلوا وَلم يتوضؤوا) وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن ابْن أبي عمر عَن ابْن عُيَيْنَة حَدثنَا ابْن عقيل فَذكره مطولا، وَرَوَاهُ ابْن حبَان عَن عبد الله بن مُحَمَّد حَدثنَا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم حَدثنَا أَبُو عَلْقَمَة عبد الله بن مُحَمَّد بن أبي فَرْوَة حَدثنِي مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَنهُ، وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة حَدثنَا مُوسَى بن سهل حَدثنَا عَليّ بن عَبَّاس حَدثنَا شُعَيْب بن أبي حَمْزَة عَن ابْن الْمُنْكَدر، وروى الطَّحَاوِيّ عَن أبي بكرَة، قَالَ: حَدثنَا أَبُو دَاوُد، قَالَ: حَدثنَا رَبَاح بن أبي مَعْرُوف عَن عَطاء عَن جَابر، قَالَ: (أكلنَا مَعَ ابي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، خبْزًا وَلَحْمًا ثمَّ صلى وَلم يتَوَضَّأ) . وَأخرجه الطَّحَاوِيّ من عشر طرق، وروى أَيْضا عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، نَحوه. قَوْله: (فَلم يتوضؤوا) : غَرَضه مِنْهُ بَيَان الْإِجْمَاع السكوتي.

٧٠ - (حَدثنَا عبد الله بن يُوسُف قَالَ أخبرنَا مَالك عَن زيد بن أسلم عَن عَطاء بن يسَار عَن عبد الله بن عَبَّاس أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أكل كتف شَاة ثمَّ صلى وَلم يتَوَضَّأ) مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. (بَيَان رِجَاله) وهم خَمْسَة. كلهم ذكرُوا. وَمن لطائف إِسْنَاده التحديث بِصِيغَة الْجمع والإخبار بِصِيغَة الْجمع والعنعنة. (بَيَان من أخرجه غَيره) أخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد جَمِيعًا فِي الطَّهَارَة عَن القعْنبِي عَن مَالك. (بَيَان الْمَعْنى) قَوْله " أكل كتف شَاة " أَي أكل لَحْمه وَفِي لفظ للْبُخَارِيّ فِي الْأَطْعِمَة " تعرق " أَي أكل مَا على الْعرق بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الرَّاء وَهُوَ الْعظم وَيُقَال لَهُ الْعرَاق بِالضَّمِّ أَيْضا وَفِي لفظ " انتشل عرقا من قدر " وَعند مُسلم " أَنه أكل عرقا أَو لَحْمًا ثمَّ صلى وَلم يتَوَضَّأ وَلم يمس مَاء " وَرَوَاهُ أَبُو إِسْحَاق السراج فِي مُسْنده بِزِيَادَة " وَلم يمضمض " وَفِي مُسْند أَحْمد " انتهش من كتف " وَعند ابْن ماجة " ثمَّ مسح يَده بمسح كَانَ تَحْتَهُ " وَفِي الْمنصف " أكل من عظم أَو تعرق من ضلع " وَفِي سنَن أبي دَاوُد " فرأيته يسيل على لحيته أمشاج من دم دَمًا ثمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاة " وَفِي مُسْند القَاضِي إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق كَانَ ذَلِك فِي بَيت ضباعة بنت الْحَارِث بن عبد الْمطلب وَهِي بنت عَم النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. (بَيَان الحكم) وَهُوَ أكل مَا مسته النَّار لَا يُوجب الْوضُوء وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَأبي حنيفَة وَمَالك وَأحمد واسحق وَأبي ثَوْر وَأهل الشَّام وَأهل الْكُوفَة وَالْحسن بن الْحسن وَاللَّيْث بن سعد وَأَبُو عبيد وَدَاوُد بن عَليّ وَابْن جرير الطَّبَرِيّ إِلَّا أَن أَحْمد يرى الْوضُوء من لحم الْجَزُور فَقَط وَقَالَ ابْن الْمُنْذر وَكَانَ أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي وَابْن مَسْعُود وعامر بن ربيعَة وَأَبُو أُمَامَة وَأبي بن كَعْب وَأَبُو الدَّرْدَاء لَا يرَوْنَ الْوضُوء مِمَّا مست النَّار وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ وَالزهْرِيّ وَأَبُو قلَابَة وَأَبُو مجلز وَعمر بن عبد الْعَزِيز يجب الْوضُوء مِمَّا غيرت النَّار وَهُوَ قَول زيد بن ثَابت وَأبي طَلْحَة وَأبي مُوسَى وَأبي هُرَيْرَة وَأنس وَعَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ وَأم حَبِيبَة أم الْمُؤمنِينَ وَأبي أَيُّوب وَاحْتَجُّوا بِأَحَادِيث كَثِيرَة مِنْهَا حَدِيث أبي طَلْحَة صَاحب رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " عَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنه أكل ثَوْر أقط فَتَوَضَّأ مِنْهُ قَالَ عمر والثور الْقطعَة " رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَمِنْهَا حَدِيث زيد بن ثَابت رَضِي الله عَنهُ عَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ " توضؤا مِمَّا غيرت النَّار " رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ وَالنَّسَائِيّ وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَمِنْهَا حَدِيث أم حَبِيبَة قَالَت " أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

يَسْأَلُهُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَأَخْبَرَهُ بِهِ، فَلَا مَانِعَ أَنْ يَكُونَ أَبُو سَلَمَةَ اجْتَمَعَ بِعَمْرٍو بَعْدُ فَسَمِعَهُ مِنْهُ، وَيُقَوِّيهِ تَوَفُّرُ دَوَاعِيهِمْ عَلَى الِاجْتِمَاعِ فِي الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ ابْنَ مَنْدَهْ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ بِإِثْبَاتِ ذِكْرِ الْعِمَامَةِ فِيهِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ تَفَرُّدِ الْأَوْزَاعِيِّ بِذِكْرِهَا لَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ تَخْطِئَتُهُ، لِأَنَّهَا تَكُونُ زِيَادَةً مِنْ ثِقَةٍ حَافِظٍ غَيْرَ مُنَافِيَةٍ لِرِوَايَةِ رُفْقَتِهِ فَتُقْبَلُ، وَلَا تَكُونُ شَاذَّةً، وَلَا مَعْنَى لِرَدِّ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ بِهَذِهِ التَّعْلِيلَاتِ الْوَاهِيَةِ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي مَعْنَى الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ فَقِيلَ: إِنَّهُ كَمَّلَ عَلَيْهَا بَعْدَ مَسْحِ النَّاصِيَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ بِمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَإِلَى عَدَمِ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْمَسْحِ عَلَيْهَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: فَرَضَ اللَّهُ مَسْحَ الرَّأْسِ، وَالْحَدِيثُ فِي مَسْحِ الْعِمَامَةِ مُحْتَمِلٌ لِلتَّأْوِيلِ، فَلَا يُتْرَكُ الْمُتَيَقَّنُ لِلْمُحْتَمَلِ. قال: وَقِيَاسُهُ عَلَى مَسْحِ الْخُفِّ بَعِيدٌ، لِأَنَّهُ يَشُقُّ نَزْعُهُ بِخِلَافِهَا، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الَّذِينَ أَجَازُوا الِاقْتِصَارَ عَلَى مَسْحِ الْعِمَامَةِ شَرَطُوا فِيهِ الْمَشَقَّةَ فِي نَزْعِهَا كَمَا فِي الْخُفِّ، وَطَرِيقُةُ أَنْ تَكُونَ مُحَنَّكَةً كَعَمَائِمِ الْعَرَبِ، وَقَالُوا عُضْوٌ يَسْقُطُ فَرْضُهُ فِي التَّيَمُّمِ فَجَازَ الْمَسْحُ عَلَى حَائِلِهِ كَالْقَدَمَيْنِ، وَقَالُوا: الْآيَةُ لَا تَنْفِي ذَلِكَ، وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ مَنْ يَحْمِلُ الْمُشْتَرَكَ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ؛ لِأَنَّ مَنْ قال: قَبَّلْتُ رَأْسَ فُلَانٍ يَصْدُقُ وَلَوْ كَانَ عَلَى حَائِلٍ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَالطَّبَرِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُمْ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ قال: إِنْ يُطِعِ النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ يَرْشُدُوا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٤٩ - بَاب إِذَا أَدْخَلَ رِجْلَيْهِ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ

٢٠٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قال: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ أَبِيهِ، قال: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ فِي سَفَرٍ، فَأَهْوَيْتُ لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ، فَقَالَ: دَعْهُمَا؛ فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ. فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا

قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا أَدْخَلَ رِجْلَيْهِ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ) هَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ أَبي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَسَنُبَيِّنُ مَا بَيْنَهُا وَبَيْنَ لَفْظِ حَدِيثِ الْبَابِ مِنَ التَّفَاوُتِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا) هُوَ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ. (عَنْ عَامِرٍ) هُوَ الشَّعْبِيُّ، وَزَكَرِيَّا مُدَلِّسٌ وَلَمْ أَرَهُ مِنْ حَدِيثِهِ إِلَّا بِالْعَنْعَنَةِ، لَكِنْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنْ زَكَرِيَّا، وَالْقَطَّانُ لَا يَحْمِلُ مِنْ حَدِيثِ شُيُوخِهِ الْمُدَلِّسِينَ إِلَّا مَا كَانَ مَسْمُوعًا لَهُمْ، صَرَّحَ بِذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ.

قَوْلُهُ: (فَأَهْوَيْتُ)؛ أَيْ: مَدَدْتُ يَدِيَ، قال الْأَصْمَعِيُّ: أَهْوَيْتُ بِالشَّيْءِ إِذَا أَوْمَأْتُ بِهِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: أَهْوَيْتُ؛ قَصَدْتُ الْهَوَاءَ مِنَ الْقِيَامِ إِلَى الْقُعُودِ. وَقِيلَ الْإِهْوَاءُ الْإِمَالَةُ، قال ابْنُ بَطَّالٍ: فِيهِ خِدْمَةُ الْعَالِمِ، وَأَنَّ لِلْخَادِمِ أَنْ يَقْصِدَ إِلَى مَا يَعْرِفُ مِنْ عَادَةِ مَخْدُومِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ، وَفِيهِ الْفَهْمُ عَنِ الْإِشَارَةِ، وَرَدُّ الْجَوَابِ عَمَّا يُفْهَمُ عَنْهَا لِقَوْلِهِ فَقَالَ دَعْهُمَا

قَوْلُهُ: (فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا) أَيِ: الْقَدَمَيْنِ (طَاهِرَتَيْنِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ وَلِأَبِي دَاوُدَ فَإِنِّي أَدْخَلْتُ الْقَدَمَيْنِ الْخُفَّيْنِ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ، وَلِلْحُمَيْدِيِّ فِي مُسْنَدِهِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَمْسَحُ أَحَدُنَا عَلَى خُفَّيْهِ؟ قال: نَعَمْ؛ إِذَا أَدْخَلَهُمَا وَهُمَا طَاهِرَتَانِ وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ أَنْ نَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ إِذَا نَحْنُ أَدْخَلْنَاهُمَا عَلَى طُهْرٍ ثَلَاثًا إِذَا سَافَرْنَا، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً إِذَا أَقَمْنَا، قال ابْنُ خُزَيْمَةَ: ذَكَرْتُهُ لِلْمُزَنِيِّ فَقَالَ لِي: حَدِّثْ بِهِ أَصْحَابَنَا، فَإِنَّهُ أَقْوَى حُجَّةً لِلشَّافِعِيِّ، انْتَهَى.

وَحَدِيثُ صَفْوَانَ وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا لَكِنَّهُ لَيْسَ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، لَكِنَّ حَدِيثَ الْبَابِ مُوَافِقٌ لَهُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى اشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ عِنْدَ اللُّبْسِ، وَأَشَارَ الْمُزَنِيُّ بِمَا قال إِلَى الْخِلَافِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٤٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا أَدْخَلَ رِجْلَيْهِ) في الخفَّين (١) (وَهُمَا طَاهِرَتَانِ) عن (٢) الحدث.

٢٠٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكينٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ (٣)) ابن أبي زائدة الكوفيُّ (عَنْ عَامِرٍ) هو ابن شراحيل الشَّعبيُّ التَّابعيُّ، قال الحافظ ابن حجرٍ: وزكريَّا مدلِّسٌ، ولم أرَه من حديثه إلَّا بالعنعنة، لكن أخرجه الإمام أحمد عن يحيى (٤) القطَّان عن زكريَّا، والقطَّان لا يحمل عن شيوخه (٥) المدلِّسين إلَّا ما كان مسموعًا لهم، صرَّح بذلك الإسماعيليُّ. انتهى. (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ المُغِيرَةِ عَنْ أَبِيهِ) المغيرة بن شعبة (قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ فِي سَفَرٍ) في رجب سنة تسعٍ في غزوة تبوك (فَأَهْوَيْتُ) أي: مددت يدي، أو قصدت، أو أشرت، أو أومأت (لأَنْزِعَ خُفَّيْهِ) (فَقَالَ: دَعْهُمَا) أي: الخفَّين (فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا) أي: الرِّجلين حال كونهما (طَاهِرَتَيْنِ) من الحدثين، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «وهما طاهرتان» جملةٌ اسميَّةٌ حاليَّةٌ، ولأبي داود: «فإنِّي أدخلت

القدمين الخفَّين وهما طاهرتان (١) … » الحديثَ، ثمَّ أحدث (فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا) ولابنَي خزيمة وحبَّان: «أنَّه أرخص (٢) للمسافر ثلاثة أيَّامٍ ولياليهنَّ، وللمقيم يومًا وليلةً إذا تطهَّر فلبس خفَّيه أن يمسح عليهما» أي: من الحدث بعد اللُّبس لأنَّ وقت المسح يدخل بانتهاء (٣) الحدث على الرَّاجح (٤) فاعتبرت مدَّته منه (٥)، واختار في «المجموع» قول أبي ثورٍ وابن المنذر أنَّ (٦) ابتداء المدَّة من المسح لأنَّ قوَّة الأحاديث تعطيه، وحديث ابني خزيمة وحبَّان هذا (٧) موافقٌ لحديث الباب في الدَّلالة على اشتراط الطَّهارة الكاملة عند اللُّبس، فلو لبس قبل غسل (٨) رجليه وغسلهما فيه لم يجز المسح إلَّا أن ينزعهما من مقرِّهما ثمَّ يدخلهما فيه، ولو أدخل إحداهما بعد غسلها ثمَّ غسل الأخرى وأدخلها لم يجز المسح (٩) إلَّا أن ينزع الأولى من (١٠) مقرِّها ثمَّ يدخلها (١١) فيه؛ لأنَّ الحكم المُترتِّب (١٢) على التَّثنية غير الحكم المُترتِّب (١٣) على الوحدة، واستضعفه ابن

دقيق العيد لأنَّ الاحتمال باقٍ، قال: لكن إن ضُمَّ إليه دليلٌ يدلُّ على أنَّ الطَّهارة لا تتبعَّض اتَّجه، ولوِ ابتدأ اللُّبس بعد غسلهما ثمَّ أحدث قبل وصولهما إلى موضع القدم لم يجزِ المسح، ولو غسلهما بنيَّة الوضوء ثمَّ لبسهما ثمَّ أكمل باقي أعضاء الوضوء لم يجزْ له المسح عند الشَّافعيِّ ومن وافقه على إيجاب التَّرتيب وجاز (١) عند أبي حنيفة ومن وافقه على عدم وجوب التَّرتيب، بناءً على أنَّ الطَّهارة لا تتبعَّض، ولم يخرج المصنِّف في هذا الكتاب ما يدلُّ على توقيت المسح، وقد قال به الجمهور للحديث الذي قدَّمتُه (٢) وحديث مسلمٍ وغيره، وخالف المالكيَّة في المشهور عندهم، فلم يجعلوا للمسح تأقيتًا بأيَّامٍ مُطلقًا، بل يمسح عليه ما لم يخلعه أو يجب على الماسح غُسْلٌ، نعم، روى أشهبُ: أنَّ المسافر يمسح ثلاثة أيَّامٍ، ولم يذكر للمقيم وقتًا، وروى ابن نافعٍ: أنَّ المقيم يمسح من الجمعة إلى الجمعة، قال القاضي أبو محمَّدٍ: هذا يحتمل الاستحباب، ثمَّ قال: بل هو مقصودٌ، ووجهه: أنَّه يغتسل للجمعة، وعُزِيَ إلى مالكٍ في «الرِّسالة» المنسوبة إليه: أنَّه حدَّ للمسافر ثلاثة أيَّامٍ، وللمقيم يومًا وليلة، وأُنكِرتِ الرِّسالة المنسوبة لمالكٍ.

ورواة هذا الحديث كلُّهم كوفيُّون، وفيه: رواية التَّابعيِّ الكبير عن التَّابعيِّ، والعنعنة والتَّحديث.

(٥٠) هذا (٣) (بابُ مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ مِنْ) أكل (لَحْمِ الشَّاةِ) ونحوها ممَّا هو مثلها وما دونها (وَ) من أكل (السَّوِيقِ) وهو ما اتُّخِذَ من شعيرٍ أو قمحٍ مقلوٍّ، يُدَقُّ فيكون (٤) كالدَّقيق، إذا احتيج

إلى أكله خُلِطَ بماءٍ أو لبنٍ أو رُبٍّ ونحوه (وَأَكَلَ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (وَعُمَرُ) الفاروق (وَعُثْمَانُ) ذو النُّورين ( فَلَمْ يَتَوَضَّؤُوا) كذا في رواية أبي ذَرٍّ إلَّا (١) عن الكُشْمِيْهَنِيِّ بحذف المفعول، وهو يعمُّ كلَّ ما مسَّته (٢) النَّار وغيره، وفي رواية أبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ والحَمُّويي والأَصيليِّ: «وأكل أبو بكرٍ وعمر (٣) وعثمان لحمًا (٤)» بإثباته، وعند ابن أبي شيبة عن محمَّد بن المنكدر قال: أكلت مع رسول الله ومع أبي بكرٍ وعمر وعثمان خبزًا ولحمًا، فصلَّوا ولم يتوضَّؤوا، وكذا رواه التِّرمذيُّ، وفي «الطَّبرانيِّ» في «مُسنَد الشَّاميِّين» بإسنادٍ حسنٍ من طريق سُلَيم بن عامرٍ قال: رأيت أبا بكرٍ وعمر وعثمان أكلوا ممَّا (٥) مسَّتِ النَّار ولم يتوضَّؤوا.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

بَيَان الْمَعْنى قَوْله: (على عمَامَته وخفيه) ، وَهَكَذَا رَوَاهُ الْأَوْزَاعِيّ وَهُوَ مَشْهُور عَنهُ، وَأسْقط بعض الروَاة عَنهُ جعفراً من الْإِسْنَاد هُوَ خطأ، قَالَه أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ، وَقَالَ الْأصيلِيّ: ذكر الْعِمَامَة فِي هَذَا الحَدِيث من خطأ الْأَوْزَاعِيّ، لِأَن شَيبَان رَوَاهُ عَن يحيى وَلم يذكرهَا، وَتَابعه حَرْب وَأَبَان، وَالثَّلَاثَة خالفوا الْأَوْزَاعِيّ، لِأَن شَيبَان رَوَاهُ عَن يحيى، فَوَجَبَ تَغْلِيب الْجَمَاعَة على الْوَاحِد. أَقُول: على تَقْدِير تفرد الْأَوْزَاعِيّ بِذكر الْعِمَامَة لَا يسْتَلْزم ذَلِك تخطئته، لِأَنَّهُ زِيَادَة من ثِقَة غير مُنَافِيَة لرِوَايَة غَيره فَتقبل.

بَيَان الحكم وَهُوَ شَيْئَانِ: أَحدهمَا: الْمسْح على الْعِمَامَة. وَالْآخر: على الْخُفَّيْنِ. أما الأول: فَاخْتلف الْعلمَاء فِيهِ، فَذهب الإِمَام أَحْمد إِلَى جَوَاز الِاقْتِصَار على الْعِمَامَة بِشَرْط الاعمام بعد كَمَال الطَّهَارَة، كَمَا فِي الْمسْح على الْخُفَّيْنِ، وَاحْتج المانعون بقوله تَعَالَى: {وامسحوا برؤوسكم} (الْمَائِدَة: ٦) وَمن مسح على الْعِمَامَة لم يمسح على رَأسه، وَأَجْمعُوا على أَنه لَا يجوز مسح الْوَجْه فِي التَّيَمُّم على حَائِل دونه، فَكَذَلِك الرَّأْس. وَقَالَ الْخطابِيّ: فرض الله مسح الرَّأْس، والْحَدِيث فِي مسح الْعِمَامَة مُحْتَمل للتأويل، فَلَا يتْرك الْمُتَيَقن للمحتمل. قَالَ ابْن الْمُنْذر: وَمِمَّنْ مسح على الْعِمَامَة: أَبُو بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَبِه قَالَ عمر وَأنس وَأَبُو أُمَامَة، وَرُوِيَ عَن سعد بن مَالك وَأبي الدارداء. وَبِه قَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز وَالْحسن وَقَتَادَة وَمَكْحُول وَالْأَوْزَاعِيّ وابو ثَوْر. وَقَالَ عُرْوَة وَالنَّخَعِيّ وَالشعْبِيّ وَالقَاسِم وَمَالك وَالشَّافِعِيّ واصحاب الرَّأْي: لَا يجوز الْمسْح عَلَيْهَا؛ وَفِي (المغنى) : وَمن شَرَائِط جَوَاز الْمسْح على الْعِمَامَة شَيْئَانِ: أَحدهمَا: أَن تكون تَحت الحنك، سَوَاء أرْخى لَهَا ذؤابة أم لَا، قَالَه القَاضِي، وَلَا فرق بَين الصَّغِيرَة والكبيرة إِذا وَقع عَلَيْهَا الِاسْم. وَقيل: إِنَّمَا لم يجز الْمسْح على الْعِمَامَة الَّتِي لَيْسَ لَهَا حنك، لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمر بالتلحي وَنهى عَن الاقتعاط. قَالَ أَبُو عبيد: الاقتعاط: أَن لَا يكون تَحت الحنك مِنْهَا شَيْء. وَرُوِيَ أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رأى رجلا لَيْسَ تَحت حنكه من عمَامَته شَيْء، فحنكه بكور مِنْهَا، وَقَالَ: مَا هَذِه الفاسقية؟ الشَّرْط الثَّانِي: أَن تكون ساترة لجَمِيع الرَّأْس إلَاّ مَا جرت الْعَادة بكشفه، كمقدم الرَّأْس والأذنين، وَيسْتَحب أَن يمسح على مَا ظهر من الرَّأْس مَعَ الْمسْح على الْعِمَامَة، نَص عَلَيْهِ أَحْمد، وَلَا يجوز الْمسْح على القلنسوة. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: لَا نعلم أحدا قَالَ بِالْمَسْحِ على القلنسوة إلَاّ أنسا مسح على قلنسوته. وَفِي جَوَاز الْمسْح للْمَرْأَة على الْخمار رِوَايَتَانِ: احداهما: يجوز، وَالثَّانيَِة: لَا يجوز. قَالَ نَافِع وَحَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان وَالْأَوْزَاعِيّ وَسَعِيد بن عبد الْعَزِيز، وَلَا يجوز الْمسْح على الْوِقَايَة قولا وَاحِدًا، وَلَا نعلم فِيهِ خلافًا لِأَنَّهُ لَا يشق نَزعهَا. وَأما الحكم الثَّانِي: للْحَدِيث فقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى.

وتابَعَهُ مَعْمَرٌ عَنْ يَحْيىَ عَنْ أبي سَلَمَة عَنْ عَمْرٍ وَقَالَ رَأَيْتُ النَّبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَمْسَحُ عَلَى عِمَامَتِه وخُفَّيْهِ.

أَي: تَابع الْأَوْزَاعِيّ معمر بن رَاشد. فَقَوله: (معمر) بِالرَّفْع فَاعل لقَوْله: (تَابعه) ، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ للأوزاعي، وَهَذِه الْمُتَابَعَة مُرْسلَة وَلَيْسَ فِيهَا ذكر الْعِمَامَة، لما روى عَنهُ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن يحيى عَن أبي سَلمَة عَن عمر، وَقَالَ: (رَأَيْت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يمسح على خفيه) ، هَكَذَا وَقع فِي مُصَنف عبد الرَّزَّاق، وَلم يذكر الْعِمَامَة. وَأَبُو سَلمَة لم يسمع من عَمْرو، وَإِنَّمَا سمع من أَبِيه جَعْفَر، فَلَا حجَّة فِيهَا. قَالَه الْكرْمَانِي، قلت: وَقع فِي كتاب الطَّهَارَة لِابْنِ مُنْذر من طَرِيق معمر: وَفِيه إِثْبَات ذكر الْعِمَامَة، وَقَالَ بَعضهم: سَماع أبي سَلمَة من عَمْرو مُمكن، فَإِنَّهُ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سنة سِتِّينَ، وَأَبُو سَلمَة مدنِي، وَقد سمع من خلق مَاتُوا قبل عمر. وَقلت: كَونه مدنياً وسماعه من خلق مَاتُوا قبله لَا يسْتَلْزم سَمَاعه من عَمْرو، وبالاحتمال لَا يثبت ذَلِك.

٤٩ - (بابٌ إِذا أدْخَلَ رِجْلَيْهِ وهُمَا طَاهِرَتانِ)

قَوْله: (بَاب) إِذا قطع عَمَّا بعده لَا يكون معرباً، لِأَن الْإِعْرَاب لَا يكون إلَاّ فِي جُزْء الْمركب، وَإِذا أضيف إِلَى مَا بعده بِتَأْوِيل: بَاب فِي بَيَان إِدْخَال الرجل رجلَيْهِ فِي خفيه وهما طاهرتان، أَي: وَالْحَال أَن رجلَيْهِ طاهرتان، عَن الْحَدث بِأَن يكون الْبَاب معرباً على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِدْخَال الرجل ... إِلَى آخِره.

والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة، لِأَن كلاًّ مِنْهُمَا فِي حكم الْمسْح على الْخُفَّيْنِ.

٢٠٦ - حدّثنا أبُو نُعَيْمٍ قالَ حدّثنا زَكَرِيَّاءُ عَنْ عامِرٍ عَنْ عُرْوَةَ بن المُغِيرَةِ عَنْ أبِيهِ قَالَ كُنْتُ مَعَ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي سَفَرٍ فأهْوَيْتُ لَانْزِعَ خُفَّيْهِ فقالَ دَعْهُمَا فَانِّي أدْخَلْتُهُمَا طَاهرَتَيْنِ فَمَسَحَ عَلَيْهمَا..

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن. الثَّانِي: ذكريا بن أبي زَائِدَة الْكُوفِي. الثَّالِث: عَامر بن شرَاحِيل الشّعبِيّ التَّابِعِيّ، قَالَ: ادركت خَمْسمِائَة صَحَابِيّ أَو أَكثر يَقُولُونَ: عَليّ وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر فِي الْجنَّة، تقدم هُوَ وزَكَرِيا فِي بَاب فضل من اسْتَبْرَأَ لدينِهِ. الرَّابِع: عُرْوَة بن الْمُغيرَة. الْخَامِس: الْمُغيرَة بن شُعْبَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

بَيَان لطائف اسناده مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم كوفيون. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة التَّابِعِيّ.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره قد مر عَن قريب.

بَيَان اللُّغَات وَالْإِعْرَاب قَوْله: (فِي سفر) : هُوَ سفرة غَزْوَة تَبُوك كَمَا ورد مُبينًا فِي رِوَايَة أُخْرَى فِي (الصَّحِيح) وَكَانَت فِي رَجَب سنة تسع. قَوْله: (فَأَهْوَيْت) أَي: مددت يَدي، وَيُقَال: أَي أَشرت إِلَيْهِ. قَالَ الْجَوْهَرِي: يُقَال أَهْوى إِلَيْهِ بيدَيْهِ ليأخذه. قَالَ الْأَصْمَعِي: اهويت الشَّيْء إِذا أَوْمَأت بِهِ. وَقَالَ التَّيْمِيّ: أهويت أَي: قصدت الْهوى من الْقيام إِلَى الْقعُود. وَقيل: الإهواء: الإمالة. قَوْله: (لأنزع) ، بِكَسْر الزَّاي من بَاب: ضرب يضْرب، فَإِن قلت: فِيهِ حرف الْحلق، وَمَا فِيهِ حرف من حُرُوف الْحلق، يكون من بَاب: فعل يفعل بِالْفَتْح، فيهمَا. قلت: لَيْسَ الْأَمر كَذَلِك، وَإِنَّمَا إِذا وجد فعل يفعل بِالْفَتْح فيهمَا، فَالشَّرْط فِيهِ أَن يكون فِيهِ حرف من حُرُوف الْحلق، وَأما إِذا كَانَت كلمة فِيهَا حرف حلق لَا يلْزم أَن تكون من بَاب فعل يفعل بِالْفَتْح فيهمَا. قَوْله: (خُفْيَة) أَي: خَفِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (دعهما) اي: دع الْخُفَّيْنِ. فَقَوله: (دع) أَمر مَعْنَاهُ: أترك، وَهُوَ من الْأَفْعَال الَّتِي أماتوا ماضيها. قَوْله: (فَإِنِّي أدخلتهما) أَي: الرجلَيْن. قَوْله: (طاهرتين) أَي من الْحَدث، وَهُوَ مَنْصُوب على الْحَال، وَهَذَا رِوَايَة الْأَكْثَرين. وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (وهما طاهرتان) ، وَهِي جملَة أسمية حَالية. وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (فَإِنِّي أدخلت الْقَدَمَيْنِ الْخُفَّيْنِ وهما طاهرتان) . وللحميدي فِي (مُسْنده) : (قلت يَا رَسُول الله: أيمسح أَحَدنَا على خفيه؟ قَالَ: نعم، إِذا أدخلهما وهما طاهرتان) . وَلابْن خُزَيْمَة من حَدِيث صَفْوَان بن غَسَّان: (أمرنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن نمسح على الْخُفَّيْنِ إِذا نَحن أدخلناهما على طهر ثَلَاثًا إِذا سافرنا، وَيَوْما وَلَيْلَة إِذا أَقَمْنَا) . قَوْله: (فَمسح عَلَيْهِمَا) أَي: على الْخُفَّيْنِ، وَفِيه إِضْمَار تَقْدِيره: فأحدث فَمسح عَلَيْهِمَا، لِأَن وَقت جَوَاز الْمسْح بعد الْحَدث. وَالْوُضُوء، وَلَا يجوز قبله، لِأَنَّهُ على طَهَارَة.

بَيَان استنباط الْأَحْكَام الأول: فِيهِ جَوَاز الْمسْح على الْخُفَّيْنِ وَبَيَان مشروعيته. الثَّانِي: احتجت بِهِ الشَّافِعِيَّة على أَن شَرط جَوَاز الْمسْح لبسهما على طَهَارَة كَامِلَة قبل لبس الْخُف، لِأَن الحَدِيث جعل الطَّهَارَة قبل لبس الْخُف شرطا لجَوَاز الْمسْح، وَالْمُعَلّق بِشَرْط لَا يَصح إلَاّ بِوُجُود ذَلِك الشَّرْط. وَقَالَ بَعضهم: قَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) من الْحَنَفِيَّة: شَرط إِبَاحَة الْمسْح لبسهما على طَهَارَة كَامِلَة. قَالَ وَالْمرَاد بالكاملة وَقت الْحَدث لَا وَقت اللّبْس. انْتهى. فَقَالَ: والْحَدِيث حجَّة عَلَيْهِ، وَذكر مَا ذَكرْنَاهُ الْآن عَن الشَّافِعِيَّة. قلت: نقُول أَولا مَا قَالَه صَاحب (الْهِدَايَة) ، ثمَّ نرد على هَذَا الْقَائِل مَا قَالَه. أما عبارَة صَاحب الْهِدَايَة فَهِيَ قَوْله: إِذا لبسهما على طَهَارَة كَامِلَة، لَا يُفِيد اشْتِرَاط الْكَمَال وَقت اللّبْس، بل وَقت الْحَدث، وَهُوَ الْمَذْهَب عندنَا حَتَّى لَو غسل رجلَيْهِ وَلبس خفيه ثمَّ أكمل الطَّهَارَة ثمَّ أحدث يجْزِيه الْمسْح، وَهَذَا لِأَن الْخُف مَانع حُلُول الْحَدث بالقدم، فيراعى كَمَال الطَّهَارَة وَقت الْمَنْع وَهُوَ وَقت الْحَدث، حَتَّى لَو كَانَت نَاقِصَة عِنْد ذَلِك كَانَ الْخُف رَافعا. وَأما بَيَان الرَّد على هَذَا الْقَائِل: بِأَن الحَدِيث الْمَذْكُور لَيْسَ بِحجَّة على صَاحب (الْهِدَايَة) ، فَهُوَ إِنَّا نقُول أَولا: إِن اشْتِرَاط اللّبْس على طَهَارَة كَامِلَة لَا خلاف فِيهِ لأحد، وَإِنَّمَا الْخلاف فِي أَنه هَل يشْتَرط الْكَمَال عِنْد اللّبْس أَو عِنْد الْحَدث؟ فعندنا عِنْد الْحَدث، وَعند الشَّافِعِي عِنْد اللّبْس. وَتظهر ثَمَرَته فِيمَا إِذا غسل رجلَيْهِ أَولا وَلبس خفيه، ثمَّ أتم الْوضُوء قبل أَن يحدث، ثمَّ أحدث جَازَ لَهُ الْمسْح عندنَا، خلافًا لَهُ. وَكَذَا لَو تَوَضَّأ فرتب. لَكِن غسل إِحْدَى رجلَيْهِ وَلبس الْخُف، ثمَّ غسل الْأُخْرَى وَلبس الْخُف الآخر يجوز عندنَا خلافًا لَهُ، ثمَّ قَوْله: الْمُعَلق بِشَرْط لَا يَصح إلَاّ بِوُجُود ذَلِك الشَّرْط، سلمناه، وَلَكِن لَا نسلم أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شَرط كَمَال الطَّهَارَة وَقت اللّبْس، لِأَنَّهُ لَا يفهم من نَص الحَدِيث غَايَة مَا فِي الْبَاب أَنه أخبر أَنه لبسهما وَقَدمَاهُ كَانَتَا طاهرتين، فأخذنا من هَذَا اشْتِرَاط الطَّهَارَة لأجل جَوَاز الْمسْح، سَوَاء كَانَت الطَّهَارَة حَاصِلَة وَقت اللّبْس أَو وَقت

الْحَدث، وتقييده بِوَقْت اللّبْس أَمر زَائِد لَا يفهم من الْعبارَة. فَإِذا تقرر هَذَا على هَذَا لم يكن الحَدِيث حجَّة على صَاحب (الْهِدَايَة) ، بل هُوَ حجَّة لَهُ، حَيْثُ اشْترط الطَّهَارَة لأجل جَوَاز الْمسْح، وَحجَّة عَلَيْهِ حَيْثُ يَأْخُذ مِنْهُ مَا لَيْسَ يدل على مدعاه. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: معنى قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أدخلتهما طاهرتين، يجوز أَن يُقَال: غسلتهما، وَإِن لم يكمل الطَّهَارَة صلى رَكْعَتَيْنِ قبل أَن يتم صلَاته، وَيحْتَمل أَن يُرِيد: طاهرتان من جَنَابَة أَو خبث. وَلَو قلت: دَخَلنَا الْبَلَد وَنحن ركبان، يشْتَرط أَن يكون كل وَاحِد رَاكِبًا عِنْد دُخُوله، وَلَا يشْتَرط افترانهم فِي الدُّخُول، فَتكون كل وَاحِدَة من رجلَيْهِ عِنْد إدخالها الْخُف طَاهِرَة إِذا لم يدخلهما الْخُفَّيْنِ مَعًا، وهما طاهرتان، لِأَن إدخالهما مَعًا غير مُتَصَوّر عَادَة، وَإِن أَرَادَ إِدْخَال كل وَاحِدَة الْخُف وَهِي طَاهِرَة بعد الْأُخْرَى فقد وجد الْمُدَّعِي، وَمَعَ هَذَا فَإِن هَذِه الْمَسْأَلَة مَبْنِيَّة على أَن التَّرْتِيب شَرط عِنْد الشَّافِعِي وَلَيْسَ بِشَرْط عندنَا، وَقَالَ: هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وَلابْن خُزَيْمَة، من حَدِيث صَفْوَان بن عَسَّال: (أمرنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن نمسح على الْخُفَّيْنِ إِذا نَحن أدخلناهما على طهر ثَلَاثًا إِذا سافرنا، وَيَوْما وَلَيْلَة إِذا أَقَمْنَا) . قَالَ ابْن خُزَيْمَة: ذكرته للمزني فَقَالَ لي: حدث بِهِ أَصْحَابنَا، فَإِنَّهُ أقوى حجَّة للشَّافِعِيّ. قلت: فَإِن كَانَ مُرَاده من قَوْله: فَإِنَّهُ من أقوى حجَّة، كَون مُدَّة الْمسْح للْمُسَافِر ثَلَاثَة أَيَّام وللمقيم يَوْمًا وَلَيْلَة، فَمُسلم. وَنحن نقُول بِهِ، وَإِن كَانَ مُرَاده اشْتِرَاط الطَّهَارَة وَقت اللّبْس فَلَا نسلم ذَلِك، لِأَنَّهُ لَا يفهم ذَلِك من نَص الحَدِيث على مَا ذَكرْنَاهُ الْآن. وَقَالَ أَيْضا: وَحَدِيث صَفْوَان، وَإِن كَانَ صَحِيحا، لكنه لَيْسَ على شَرط البُخَارِيّ، لَكِن حَدِيث الْبَاب مُوَافق لَهُ فِي الدّلَالَة على اشْتِرَاط الطَّهَارَة عِنْد اللّبْس. قلت: بعد أَن صَحَّ حَدِيث صَفْوَان عِنْد جمَاعَة من الْمُحدثين لَا يلْزم أَن يكون على شَرط البُخَارِيّ. وَقَوله: مُوَافق لَهُ فِي الدّلَالَة. إِلَى آخِره، غير مُسلم فِي كَون الطَّهَارَة عِنْد اللّبْس. نعم، مُوَافق لَهُ فِي مُطلق اشْتِرَاط الطَّهَارَة لَا غير، فَإِن ادّعى هَذَا الْقَائِل أَنه يدل على كَونهَا عِنْد اللّبْس، فَعَلَيهِ الْبَيَان بِأَيّ نوع من أَنْوَاع الدّلَالَة. الثَّالِث: من الْأَحْكَام، فِيهِ: خدمَة الْعَالم، وللخادم أَن يقْصد إِلَى مَا يعرف من خدمته دون أَن يَأْمر بهَا. الرَّابِع: فِيهِ إِمْكَان الْفَهم عَن الْإِشَارَة ورد الْجَواب بِالْعلمِ على مَا يفهم من الْإِشَارَة، لِأَن الْمُغيرَة أَهْوى لينزع الْخُفَّيْنِ، ففهم عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا أَرَادَ، فَأجَاب بِأَنَّهُ يجْزِيه الْمسْح. الْخَامِس: فِيهِ: أَن من لبس خفيه على غير طَهَارَة انه لَا يمسح عَلَيْهِمَا بِلَا خلاف.

٥٠ - (بابُ مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ مِنْ لَحْمِ الشَّاةِ والسَّوِيقِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي حكم من لم يتَوَضَّأ من أكل لحم الشَّاة، قيد بِلَحْم الشَّاة ليندرج مَا هُوَ مثلهَا وَمَا هُوَ دونهَا فِي حكمهَا. قَوْله: (والسويق) بِالسِّين وَالصَّاد، لُغَة فِيهِ لمَكَان المضارعة، وَالْجمع: أسوقة. وَسمي بذلك لانسياقه فِي الْخلق، والقطعة من السويق سويقة، وَعَن أبي حنيفَة: الجذيذة السويق، لِأَن الْحِنْطَة جذت لَهُ. يُقَال: جذذت الْحِنْطَة للسويق. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: إِذا أَرَادوا أَن يعملوا الفريصة، وَهِي ضرب من السويق، ضربوا من الزَّرْع مَا يُرِيدُونَ حِين يستفرك، ثمَّ يسهمونه، وتسهيمه أَن يسخن على المقلى حَتَّى ييبس، وَإِن شاؤا جعلُوا مَعَه على المقلى الفودنج، وَهُوَ أطيب الْأَطْعِمَة. وَعَابَ رجل السويق بِحَضْرَة أَعْرَابِي فَقَالَ: لَا تَعبه، فَإِنَّهُ عدَّة الْمُسَافِر، وَطَعَام العجلان، وغذاء المبتكر، وبلغة الْمَرِيض، وَهُوَ يسر فؤاد الحزين، وَيرد من نفس المحرور، وجيد فِي التسمين، ومنعوت فِي الطِّبّ، وفقارة لحلق البلغم، وملتوته يصفي الدَّم؛ وَإِن شِئْت كَانَ شرابًا، وَإِن شِئْت كَانَ طَعَاما، وَإِن شِئْت ثريداً وَإِن شِئْت خبيصاً. وثريت السويق: صببت عَلَيْهِ مَاء ثمَّ لتيته، وَفِي (مجمع الغرائب) : ثرى يثري ثرية: إِذا بل التُّرَاب، وَإِنَّمَا بل السويق لما كَانَ لحقه من اليبس والقدم، وَهُوَ شَيْء يتَّخذ من الشّعير أَو الْقَمْح، يدق فَيكون شبه الدَّقِيق إِذا احْتِيجَ إِلَى أكله خلط بِمَاء، أَو لبن أَو رب أَو نَحوه. وَقَالَ قوم: الكعك. قَالَ السفاقسي: قَالَ بَعضهم: كَانَ ملتوتاً بِسمن. وَقَالَ الدَّاودِيّ: هُوَ دَقِيق الشّعير والسلت المقلو، وَيرد قَول من قَالَ: إِن السويق هُوَ الكعك قَول الشَّاعِر:

(يَا حبذا الكعك بِلَحْم مثرود ... وخشكنان مَعَ سويق مقنود.)

وَقَالَ ابْن التِّين لَيْسَ فِي حَدِيثي الْبَاب ذكر السويق، وَقَالَ بَعضهم: أُجِيب بِأَنَّهُ دخل من بَاب أولى، لِأَنَّهُ إِذا لم يتَوَضَّأ من اللَّحْم مَعَ دسومته، فعدمه من السويق أولى، وَلَعَلَّه أَشَارَ بذلك إِلَى الحَدِيث فِي الْبَاب الَّذِي بعد. قلت: وَإِن سلمنَا مَا قَالَه،

فتخصيص السويق بِالذكر لماذا؟ وَقَوله: وَلَعَلَّه ... إِلَى آخِره، أبعد من الْجَواب الأول، لِأَنَّهُ عقد على السويق بَابا، فَلَا يذكر إلَاّ فِي بَابه، وَذكره إِيَّاه هَهُنَا لَا طائل تَحْتَهُ. لِأَنَّهُ لَا يُفِيد شَيْئا زَائِدا.

وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهر، لِأَن أَكثر هَذِه الْأَبْوَاب فِي أَحْكَام الْوضُوء.

وأكَلَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعُثْمانُ رَضِي الله عَنْهُم فَلَمْ يَتَوَضَّؤوُا

لَيْسَ فِي رِوَايَة أبي ذَر لَحْمًا، وَإِنَّمَا روى: أكل أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان فَلم يتوضؤوا، وَوجد ذَلِك فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَالْأولَى أَعم، لِأَن فِيهَا حذف الْمَفْعُول، وَهُوَ يتَنَاوَل أكل كل مَا مسته النَّار لَحْمًا أَو غَيره، وَكَذَا وصل هَذَا التَّعْلِيق الطَّبَرَانِيّ فِي (مُسْند الشاميين) بِإِسْنَاد حسن من طَرِيق سُلَيْمَان بن عَامر، قَالَ: (رَأَيْت أَبَا بكر وَعمر وَعُثْمَان أكلُوا مِمَّا مست النَّار وَلم يتوضؤوا) وروى ابْن أبي شيبَة عَن هَيْثَم: أخبرنَا عَليّ بن زيد حَدثنَا مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر، قَالَ: (أكلت مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمَعَ أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان خبْزًا وَلَحْمًا فصلوا وَلم يتوضؤوا) وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن ابْن أبي عمر عَن ابْن عُيَيْنَة حَدثنَا ابْن عقيل فَذكره مطولا، وَرَوَاهُ ابْن حبَان عَن عبد الله بن مُحَمَّد حَدثنَا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم حَدثنَا أَبُو عَلْقَمَة عبد الله بن مُحَمَّد بن أبي فَرْوَة حَدثنِي مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَنهُ، وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة حَدثنَا مُوسَى بن سهل حَدثنَا عَليّ بن عَبَّاس حَدثنَا شُعَيْب بن أبي حَمْزَة عَن ابْن الْمُنْكَدر، وروى الطَّحَاوِيّ عَن أبي بكرَة، قَالَ: حَدثنَا أَبُو دَاوُد، قَالَ: حَدثنَا رَبَاح بن أبي مَعْرُوف عَن عَطاء عَن جَابر، قَالَ: (أكلنَا مَعَ ابي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، خبْزًا وَلَحْمًا ثمَّ صلى وَلم يتَوَضَّأ) . وَأخرجه الطَّحَاوِيّ من عشر طرق، وروى أَيْضا عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، نَحوه. قَوْله: (فَلم يتوضؤوا) : غَرَضه مِنْهُ بَيَان الْإِجْمَاع السكوتي.

٧٠ - (حَدثنَا عبد الله بن يُوسُف قَالَ أخبرنَا مَالك عَن زيد بن أسلم عَن عَطاء بن يسَار عَن عبد الله بن عَبَّاس أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أكل كتف شَاة ثمَّ صلى وَلم يتَوَضَّأ) مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. (بَيَان رِجَاله) وهم خَمْسَة. كلهم ذكرُوا. وَمن لطائف إِسْنَاده التحديث بِصِيغَة الْجمع والإخبار بِصِيغَة الْجمع والعنعنة. (بَيَان من أخرجه غَيره) أخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد جَمِيعًا فِي الطَّهَارَة عَن القعْنبِي عَن مَالك. (بَيَان الْمَعْنى) قَوْله " أكل كتف شَاة " أَي أكل لَحْمه وَفِي لفظ للْبُخَارِيّ فِي الْأَطْعِمَة " تعرق " أَي أكل مَا على الْعرق بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الرَّاء وَهُوَ الْعظم وَيُقَال لَهُ الْعرَاق بِالضَّمِّ أَيْضا وَفِي لفظ " انتشل عرقا من قدر " وَعند مُسلم " أَنه أكل عرقا أَو لَحْمًا ثمَّ صلى وَلم يتَوَضَّأ وَلم يمس مَاء " وَرَوَاهُ أَبُو إِسْحَاق السراج فِي مُسْنده بِزِيَادَة " وَلم يمضمض " وَفِي مُسْند أَحْمد " انتهش من كتف " وَعند ابْن ماجة " ثمَّ مسح يَده بمسح كَانَ تَحْتَهُ " وَفِي الْمنصف " أكل من عظم أَو تعرق من ضلع " وَفِي سنَن أبي دَاوُد " فرأيته يسيل على لحيته أمشاج من دم دَمًا ثمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاة " وَفِي مُسْند القَاضِي إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق كَانَ ذَلِك فِي بَيت ضباعة بنت الْحَارِث بن عبد الْمطلب وَهِي بنت عَم النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. (بَيَان الحكم) وَهُوَ أكل مَا مسته النَّار لَا يُوجب الْوضُوء وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَأبي حنيفَة وَمَالك وَأحمد واسحق وَأبي ثَوْر وَأهل الشَّام وَأهل الْكُوفَة وَالْحسن بن الْحسن وَاللَّيْث بن سعد وَأَبُو عبيد وَدَاوُد بن عَليّ وَابْن جرير الطَّبَرِيّ إِلَّا أَن أَحْمد يرى الْوضُوء من لحم الْجَزُور فَقَط وَقَالَ ابْن الْمُنْذر وَكَانَ أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي وَابْن مَسْعُود وعامر بن ربيعَة وَأَبُو أُمَامَة وَأبي بن كَعْب وَأَبُو الدَّرْدَاء لَا يرَوْنَ الْوضُوء مِمَّا مست النَّار وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ وَالزهْرِيّ وَأَبُو قلَابَة وَأَبُو مجلز وَعمر بن عبد الْعَزِيز يجب الْوضُوء مِمَّا غيرت النَّار وَهُوَ قَول زيد بن ثَابت وَأبي طَلْحَة وَأبي مُوسَى وَأبي هُرَيْرَة وَأنس وَعَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ وَأم حَبِيبَة أم الْمُؤمنِينَ وَأبي أَيُّوب وَاحْتَجُّوا بِأَحَادِيث كَثِيرَة مِنْهَا حَدِيث أبي طَلْحَة صَاحب رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " عَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنه أكل ثَوْر أقط فَتَوَضَّأ مِنْهُ قَالَ عمر والثور الْقطعَة " رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَمِنْهَا حَدِيث زيد بن ثَابت رَضِي الله عَنهُ عَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ " توضؤا مِمَّا غيرت النَّار " رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ وَالنَّسَائِيّ وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَمِنْهَا حَدِيث أم حَبِيبَة قَالَت " أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 4 / 29.5
الإضاءة 17%
البدر بعد 11 يوم
الله أكبر