«أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ ﷺ يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ، فَدُعِيَ إِلَى…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٠٨

الحديث رقم ٢٠٨ من كتاب «كتاب الوضوء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من لم يتوضأ من لحم الشاة والسويق.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢٠٨ في صحيح البخاري

«أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ، فَدُعِيَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَأَلْقَى السِّكِّينَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ».

بَابُ مَنْ مَضْمَضَ مِنَ السَّوِيقِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ

إسناد حديث رقم ٢٠٨ من صحيح البخاري

٢٠٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ : أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٢٠٨: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قال ابْنُ التِّينِ: لَيْسَ فِي أَحَادِيثِ الْبَابِ ذِكْرُ السَّوِيقِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ دَخَلَ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَتَوَضَّأْ مِنَ اللَّحْمِ مَعَ دُسُومَتِهِ فَعَدَمُهُ مِنَ السَّوِيقِ أَوْلَى، وَلَعَلَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى حَدِيثِ الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ.

قَوْلُهُ: (وَأَكَلَ أَبُو بَكْرٍ. . . إِلَخْ) سَقَطَ قَوْلُهُ لَحْمًا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ إِلَّا عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَقَدْ وَصَلَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ، قال: رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ أَكَلُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ وَلَمْ يَتَوَضَّئُوا وَرُوِّينَاهُ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا عَلَى الثَّلَاثَةِ مُفَرَّقًا وَمَجْمُوعًا.

قَوْلُهُ: (أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ)؛ أَيْ: لَحْمَهُ. وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْأَطْعِمَةِ تَعَرَّقَ؛ أَيْ: أَكَلَ مَا عَلَى الْعَرْقِ - بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ - وَهُوَ الْعَظْمُ، وَيُقَالُ لَهُ الْعُرَاقُ بِالضَّمِّ أَيْضًا. وَأَفَادَ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي بَيْتِ ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَهِيَ بِنْتُ عَمِّ النَّبِيِّ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ كَمَا سَيَأْتِي مِنْ حَدِيثِهَا وَهِيَ خَالَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ، كَمَا أَنَّ ضُبَاعَةَ بِنْتُ عَمِّهِ. وَبَيَّنَ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ الَّذِيَ دَعَاهُ إِلَى الصَّلَاةِ هُوَ بِلَالٌ.

٢٠٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قال: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قال: أَخْبَرَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ، فَدُعِيَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَلْقَى السِّكِّينَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ.

[الحديث ٢٠٨ - أطرافه في: ٥٤٦٢، ٥٤٢٢، ٥٤٠٨، ٢٩٢٣، ٦٧٥]

قَوْلُهُ: (يَحْتَزُّ) بِالْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ؛ أَيْ: يَقْطَعُ، زَادَ فِي الْأَطْعِمَةِ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ يَأْكُلُ مِنْهَا وَفِي الصلاة مِنْ طَرِيقِ صَالِحٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ يَأْكُلُ ذِرَاعًا يَحْتَزُّ مِنْهَا.

قَوْلُهُ: (فَأَلْقَى السِّكِّينَ) زَادَ فِي الْأَطْعِمَةِ عَنْ أَبِي الْيَمَانِ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَأَلْقَاهَا وَالسِّكِّينَ، وَزَادَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: قال الزُّهْرِيُّ: فَذَهَبَتْ تِلْكَ - أَيِ: الْقِصَّةُ - فِي النَّاسِ، ثُمَّ أَخْبَرَ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَنِسَاءٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ، قال: تَوَضَّؤُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ، قال: فَكَانَ الزُّهْرِيُّ يَرَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ نَاسِخٌ لِأَحَادِيثِ الإباحة؛ لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ سَابِقَةٌ. وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ جَابِرٍ، قال: كَانَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ تَرْكَ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُمَا، لَكِنْ قال: أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْرِ هُنَا الشَّأْنُ وَالْقِصَّةُ لَا مُقَابِلُ النَّهْيِ، وَأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ مُخْتَصَرٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ الْمَشْهُورِ فِي قِصَّةِ الْمَرْأَةِ الَّتِي صَنَعَتْ لِلنَّبِيِّ شَاةً، فَأَكَلَ مِنْهَا ثُمَّ تَوَضَّأَ وَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَكَلَ مِنْهَا وَصَلَّى الْعَصْرَ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْقِصَّةُ وَقَعَتْ قَبْلَ الْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارِ، وَأَنَّ وُضُوءَهُ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ كَانَ عَنْ حَدَثٍ لَا بِسَبَبِ الْأَكْلِ مِنَ الشَّاةِ.

وَحَكَى الْبَيْهَقِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ الدَّارِمِيِّ أَنَّهُ قال: لَمَّا اخْتَلَفَتْ أَحَادِيثُ الْبَابِ وَلَمْ يَتَبَيَّنِ الرَّاجِحُ مِنْهَا نَظَرْنَا إِلَى مَا عَمِلَ بِهِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ بَعْدَ النَّبِيِّ فَرَجَّحْنَا بِهِ أَحَدَ الْجَانِبَيْنِ، وَارْتَضَى النَّوَوِيُّ هَذَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ. وَبِهَذَا تَظْهَرُ حِكْمَةُ تَصْدِيرِ الْبُخَارِيِّ حَدِيثَ الْبَابِ بِالْأَثَرِ الْمَنْقُولِ عَنِ الْخُلَفَاءِ الثَّلَاثَةِ، قال النَّوَوِيُّ: كَانَ الْخِلَافُ فِيهِ مَعْرُوفًا بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، ثُمَّ اسْتَقَرَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لَا وُضُوءَ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ إِلَّا مَا تَقَدَّمَ اسْتِثْنَاؤُهُ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ. وَجَمَعَ الْخَطَّابِيُّ بِوَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ أَحَادِيثَ الْأَمْرِ مَحْمُولَةٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ لَا عَلَى الْوُجُوبِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَاسْتَدَلَّ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّلَاةِ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِتَقْدِيمِ الْعَشَاءِ عَلَى الصَّلَاةِ خَاصٌّ بِغَيْرِ الْإِمَامِ الرَّاتِبِ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

النَّوويُّ هذا في «شرح المُهذَّب»، وعبارته: وأقرب ما يُستروَح إليه قول الخلفاء الرَّاشدين وجماهير الصَّحابة ، وما دلَّ عليه الخبر هو القول القديم، وهو وإن كان شاذًّا في المذهب فهو قويٌّ في الدَّليل، وقد اختاره جماعةٌ من محقِّقي أصحابنا المحدِّثين، وأنا ممَّنِ اعتقد رجحانه. انتهى. وقد فرَّق الإمام أحمد بين لحم الجزور وغيره (١).

وهذا الحديث من الخماسيَّات، وفيه: التحديث (٢) والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الأطعمة» [خ¦٥٤٠٤] [خ¦٥٤٠٥]، ومسلمٌ (٣) وأبو داود في «الطَّهارة».

٢٠٨ - وبه قال: (حدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) المصريُّ، نسبةً إلى جدِّه لشهرته به، وأبوه عبد الله (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ المصريُّ (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين، ابن خالدٍ الأيليِّ المصريِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالتَّوحيد (جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ) بفتح العين (أَنَّ أَبَاهُ) عمرًا (أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ) وفي رواية أبوَي ذَرٍّ والوقت: «النَّبيَّ (٤)» ( يَحْتَزُّ) بالحاء المُهمَلة وبالزَّايِ المُشدَّدة، أي: يقطع (مِنْ كَِتِْفِ شَاةٍ) بفتح الكاف وكسر التَّاء (٥)، وبكسر الكاف وسكون التَّاء، زاد المؤلِّف في «الأطعمة» [خ¦٥٤٢٢] من طريق مَعْمَرٍ عنِ

الزَّهريِّ: «يأكل منها» (فَدُعِيَ) بضمِّ الدَّال (إِلَى الصَّلَاةِ) وفي حديث النَّسائيِّ عن أُمِّ سلمة : أنَّ الذي دعاه إلى الصَّلاة (١) بلالٌ (فَأَلْقَى) النَّبيُّ (السِّكِّينَ) زاد في «الأطعمة» عن أبي اليمان عن شعيبٍ عنِ الزُّهريِّ: «فألقاها والسِّكِّين» [خ¦٥٤٢٢] (فَصَلَّى) ولابن عساكر (٢): «وصلَّى» (وَلَمْ يَتَوَضَّأْ) زاد البيهقيُّ من طريق عبد الكريم بن الهيثم عن أبي اليمان في آخر الحديث: قال الزُّهريُّ: فذهبت تلك -أي: القصَّة- في النَّاس، ثمَّ أُخبِر رجالٌ من أصحابه ونساءٌ من أزواجه: أنَّه قال: «توضَّؤوا (٣) ممَّا مسَّتِ النَّار»، قال: فكان الزَّهريُّ يرى أنَّ الأمر بالوضوء ممَّا مسَّتِ النَّار ناسخٌ لأحاديث الإباحة لأنَّ الإباحة سابقةٌ، واعتُرِض عليه بحديث جابرٍ السَّابق قريبًا قال: كان آخِرَ الأمرين من رسول الله تَرْكُ الوضوء ممَّا مسَّتِ النَّار، لكن قال أبو داود وغيره: إنَّ المراد بالأمر هنا الشَّأن والقصَّة، لا ما قابل (٤) النَّهيَ، وإنَّ (٥) هذا اللَّفظ مُختصَرٌ من حديث جابرٍ المشهور: في قصَّة المرأة التي صنعت للنَّبيِّ شاةً فأكل منها، ثمَّ توضَّأ وصلَّى الظُّهر، ثمَّ أكل منها وصلَّى العصر ولم يتوضَّأ، فيحتمل أن تكون هذه القصَّة وقعت قبل الأمر بالوضوء ممَّا مسَّتِ النَّار، وأنَّ وضوءه لصلاة الظُّهر كان عن حدثٍ، لا بسبب الأكل مِنَ الشَّاة، قال الأستاذ النَّوويُّ: كان الخلاف فيه معروفًا بين الصَّحابة والتَّابعين، ثمَّ استقرَّ الإجماع على (٦) أنَّه لا وضوء ممَّا مسَّتِ النَّار إلَّا ما ذُكِرَ من لحم الإبل، قاله في «الفتح»، وقال (٧) المُهلَّب: كانوا في الجاهليَّة قد ألِفوا قلَّة التَّنظيف، فأُمِروا بالوضوء ممَّا مسَّتِ النَّار، فلمَّا تقرَّرتِ النَّظافة في الإسلام وشاعت نُسِخَ الوضوء تيسيرًا على المسلمين.

واستُنبِط من هذا الحديث: جواز قطع اللَّحم بالسِّكِّين، ورواته السِّتَّة: ثلاثةٌ مصريُّون،

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قال ابْنُ التِّينِ: لَيْسَ فِي أَحَادِيثِ الْبَابِ ذِكْرُ السَّوِيقِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ دَخَلَ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَتَوَضَّأْ مِنَ اللَّحْمِ مَعَ دُسُومَتِهِ فَعَدَمُهُ مِنَ السَّوِيقِ أَوْلَى، وَلَعَلَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى حَدِيثِ الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ.

قَوْلُهُ: (وَأَكَلَ أَبُو بَكْرٍ. . . إِلَخْ) سَقَطَ قَوْلُهُ لَحْمًا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ إِلَّا عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَقَدْ وَصَلَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ، قال: رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ أَكَلُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ وَلَمْ يَتَوَضَّئُوا وَرُوِّينَاهُ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا عَلَى الثَّلَاثَةِ مُفَرَّقًا وَمَجْمُوعًا.

قَوْلُهُ: (أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ)؛ أَيْ: لَحْمَهُ. وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْأَطْعِمَةِ تَعَرَّقَ؛ أَيْ: أَكَلَ مَا عَلَى الْعَرْقِ - بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ - وَهُوَ الْعَظْمُ، وَيُقَالُ لَهُ الْعُرَاقُ بِالضَّمِّ أَيْضًا. وَأَفَادَ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي بَيْتِ ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَهِيَ بِنْتُ عَمِّ النَّبِيِّ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ كَمَا سَيَأْتِي مِنْ حَدِيثِهَا وَهِيَ خَالَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ، كَمَا أَنَّ ضُبَاعَةَ بِنْتُ عَمِّهِ. وَبَيَّنَ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ الَّذِيَ دَعَاهُ إِلَى الصَّلَاةِ هُوَ بِلَالٌ.

٢٠٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قال: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قال: أَخْبَرَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ، فَدُعِيَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَلْقَى السِّكِّينَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ.

[الحديث ٢٠٨ - أطرافه في: ٥٤٦٢، ٥٤٢٢، ٥٤٠٨، ٢٩٢٣، ٦٧٥]

قَوْلُهُ: (يَحْتَزُّ) بِالْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ؛ أَيْ: يَقْطَعُ، زَادَ فِي الْأَطْعِمَةِ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ يَأْكُلُ مِنْهَا وَفِي الصلاة مِنْ طَرِيقِ صَالِحٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ يَأْكُلُ ذِرَاعًا يَحْتَزُّ مِنْهَا.

قَوْلُهُ: (فَأَلْقَى السِّكِّينَ) زَادَ فِي الْأَطْعِمَةِ عَنْ أَبِي الْيَمَانِ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَأَلْقَاهَا وَالسِّكِّينَ، وَزَادَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: قال الزُّهْرِيُّ: فَذَهَبَتْ تِلْكَ - أَيِ: الْقِصَّةُ - فِي النَّاسِ، ثُمَّ أَخْبَرَ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَنِسَاءٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ، قال: تَوَضَّؤُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ، قال: فَكَانَ الزُّهْرِيُّ يَرَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ نَاسِخٌ لِأَحَادِيثِ الإباحة؛ لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ سَابِقَةٌ. وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ جَابِرٍ، قال: كَانَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ تَرْكَ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُمَا، لَكِنْ قال: أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْرِ هُنَا الشَّأْنُ وَالْقِصَّةُ لَا مُقَابِلُ النَّهْيِ، وَأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ مُخْتَصَرٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ الْمَشْهُورِ فِي قِصَّةِ الْمَرْأَةِ الَّتِي صَنَعَتْ لِلنَّبِيِّ شَاةً، فَأَكَلَ مِنْهَا ثُمَّ تَوَضَّأَ وَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَكَلَ مِنْهَا وَصَلَّى الْعَصْرَ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْقِصَّةُ وَقَعَتْ قَبْلَ الْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارِ، وَأَنَّ وُضُوءَهُ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ كَانَ عَنْ حَدَثٍ لَا بِسَبَبِ الْأَكْلِ مِنَ الشَّاةِ.

وَحَكَى الْبَيْهَقِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ الدَّارِمِيِّ أَنَّهُ قال: لَمَّا اخْتَلَفَتْ أَحَادِيثُ الْبَابِ وَلَمْ يَتَبَيَّنِ الرَّاجِحُ مِنْهَا نَظَرْنَا إِلَى مَا عَمِلَ بِهِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ بَعْدَ النَّبِيِّ فَرَجَّحْنَا بِهِ أَحَدَ الْجَانِبَيْنِ، وَارْتَضَى النَّوَوِيُّ هَذَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ. وَبِهَذَا تَظْهَرُ حِكْمَةُ تَصْدِيرِ الْبُخَارِيِّ حَدِيثَ الْبَابِ بِالْأَثَرِ الْمَنْقُولِ عَنِ الْخُلَفَاءِ الثَّلَاثَةِ، قال النَّوَوِيُّ: كَانَ الْخِلَافُ فِيهِ مَعْرُوفًا بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، ثُمَّ اسْتَقَرَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لَا وُضُوءَ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ إِلَّا مَا تَقَدَّمَ اسْتِثْنَاؤُهُ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ. وَجَمَعَ الْخَطَّابِيُّ بِوَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ أَحَادِيثَ الْأَمْرِ مَحْمُولَةٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ لَا عَلَى الْوُجُوبِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَاسْتَدَلَّ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّلَاةِ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِتَقْدِيمِ الْعَشَاءِ عَلَى الصَّلَاةِ خَاصٌّ بِغَيْرِ الْإِمَامِ الرَّاتِبِ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

النَّوويُّ هذا في «شرح المُهذَّب»، وعبارته: وأقرب ما يُستروَح إليه قول الخلفاء الرَّاشدين وجماهير الصَّحابة ، وما دلَّ عليه الخبر هو القول القديم، وهو وإن كان شاذًّا في المذهب فهو قويٌّ في الدَّليل، وقد اختاره جماعةٌ من محقِّقي أصحابنا المحدِّثين، وأنا ممَّنِ اعتقد رجحانه. انتهى. وقد فرَّق الإمام أحمد بين لحم الجزور وغيره (١).

وهذا الحديث من الخماسيَّات، وفيه: التحديث (٢) والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الأطعمة» [خ¦٥٤٠٤] [خ¦٥٤٠٥]، ومسلمٌ (٣) وأبو داود في «الطَّهارة».

٢٠٨ - وبه قال: (حدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) المصريُّ، نسبةً إلى جدِّه لشهرته به، وأبوه عبد الله (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ المصريُّ (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين، ابن خالدٍ الأيليِّ المصريِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالتَّوحيد (جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ) بفتح العين (أَنَّ أَبَاهُ) عمرًا (أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ) وفي رواية أبوَي ذَرٍّ والوقت: «النَّبيَّ (٤)» ( يَحْتَزُّ) بالحاء المُهمَلة وبالزَّايِ المُشدَّدة، أي: يقطع (مِنْ كَِتِْفِ شَاةٍ) بفتح الكاف وكسر التَّاء (٥)، وبكسر الكاف وسكون التَّاء، زاد المؤلِّف في «الأطعمة» [خ¦٥٤٢٢] من طريق مَعْمَرٍ عنِ

الزَّهريِّ: «يأكل منها» (فَدُعِيَ) بضمِّ الدَّال (إِلَى الصَّلَاةِ) وفي حديث النَّسائيِّ عن أُمِّ سلمة : أنَّ الذي دعاه إلى الصَّلاة (١) بلالٌ (فَأَلْقَى) النَّبيُّ (السِّكِّينَ) زاد في «الأطعمة» عن أبي اليمان عن شعيبٍ عنِ الزُّهريِّ: «فألقاها والسِّكِّين» [خ¦٥٤٢٢] (فَصَلَّى) ولابن عساكر (٢): «وصلَّى» (وَلَمْ يَتَوَضَّأْ) زاد البيهقيُّ من طريق عبد الكريم بن الهيثم عن أبي اليمان في آخر الحديث: قال الزُّهريُّ: فذهبت تلك -أي: القصَّة- في النَّاس، ثمَّ أُخبِر رجالٌ من أصحابه ونساءٌ من أزواجه: أنَّه قال: «توضَّؤوا (٣) ممَّا مسَّتِ النَّار»، قال: فكان الزَّهريُّ يرى أنَّ الأمر بالوضوء ممَّا مسَّتِ النَّار ناسخٌ لأحاديث الإباحة لأنَّ الإباحة سابقةٌ، واعتُرِض عليه بحديث جابرٍ السَّابق قريبًا قال: كان آخِرَ الأمرين من رسول الله تَرْكُ الوضوء ممَّا مسَّتِ النَّار، لكن قال أبو داود وغيره: إنَّ المراد بالأمر هنا الشَّأن والقصَّة، لا ما قابل (٤) النَّهيَ، وإنَّ (٥) هذا اللَّفظ مُختصَرٌ من حديث جابرٍ المشهور: في قصَّة المرأة التي صنعت للنَّبيِّ شاةً فأكل منها، ثمَّ توضَّأ وصلَّى الظُّهر، ثمَّ أكل منها وصلَّى العصر ولم يتوضَّأ، فيحتمل أن تكون هذه القصَّة وقعت قبل الأمر بالوضوء ممَّا مسَّتِ النَّار، وأنَّ وضوءه لصلاة الظُّهر كان عن حدثٍ، لا بسبب الأكل مِنَ الشَّاة، قال الأستاذ النَّوويُّ: كان الخلاف فيه معروفًا بين الصَّحابة والتَّابعين، ثمَّ استقرَّ الإجماع على (٦) أنَّه لا وضوء ممَّا مسَّتِ النَّار إلَّا ما ذُكِرَ من لحم الإبل، قاله في «الفتح»، وقال (٧) المُهلَّب: كانوا في الجاهليَّة قد ألِفوا قلَّة التَّنظيف، فأُمِروا بالوضوء ممَّا مسَّتِ النَّار، فلمَّا تقرَّرتِ النَّظافة في الإسلام وشاعت نُسِخَ الوضوء تيسيرًا على المسلمين.

واستُنبِط من هذا الحديث: جواز قطع اللَّحم بالسِّكِّين، ورواته السِّتَّة: ثلاثةٌ مصريُّون،

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل