«إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢١١٢

الحديث رقم ٢١١٢ من كتاب «كتاب البيوع» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إذا خير أحدهما صاحبه بعد البيع فقد وجب البيع.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢١١٢ في صحيح البخاري

«إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، وَكَانَا جَمِيعًا، أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ، وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ يَتَبَايَعَا وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الْبَيْعَ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ.»

بَابٌ: إِذَا كَانَ الْبَائِعُ بِالْخِيَارِ هَلْ يَجُوزُ الْبَيْعُ

إسناد حديث رقم ٢١١٢ من صحيح البخاري

٢١١٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ رَسُولِ اللهِ أَنَّهُ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٢١١٢: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الِاسْتِقَالَةِ لَمْ تَمْنَعْهُ مِنَ الْمُفَارَقَةِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَخْتَصُّ بِمَجْلِسِ الْعَقْدِ، وَقَدْ أَثْبَتَ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ الْخِيَارَ وَمَدَّهُ إِلَى غَايَةِ التَّفَرُّقِ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى الِاسْتِقَالَةِ فَتَعَيَّنَ حَمْلُهَا عَلَى الْفَسْخِ، وَعَلَى ذَلِكَ حَمَلَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ فَقَالُوا: مَعْنَاهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَهُ بَعْدَ الْبَيْعِ خَشْيَةَ أَنْ يَخْتَارَ فَسْخَ الْبَيْعِ لِأَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: اسْتَقَلْتُ مَا فَاتَ عَنِّي إِذَا اسْتَدْرَكَهُ، فَالْمُرَادُ بِالِاسْتِقَالَةِ فَسْخُ النَّادِمِ مِنْهُمَا لِلْبَيْعِ.

وَحَمَلُوا نَفْيَ الْحِلِّ عَلَى الْكَرَاهَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلِيقُ بِالْمُرُوءَةِ وَحُسْنِ مُعَاشَرَةِ الْمُسْلِمِ، إِلَّا أَنَّ اخْتِيَارَ الْفَسْخِ حَرَامٌ، قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: احْتِجَاجُهُمْ بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَلَى التَّفَرُّقِ بِالْكَلَامِ لِقَوْلِهِ فِيهِ: خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ لِكَوْنِ الِاسْتِقَالَةِ لَا تَكُونُ إِلَّا بَعْدَ تَمَامِ الْبَيْعِ، وَصِحَّةُ انْتِقَالِ الْمِلْكِ تَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونُ الْخَبَرُ الْمَذْكُورُ لَا فَائِدَةَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ حَمْلِ التَّفَرُّقِ عَلَى الْقَوْلِ إِبَاحَةُ الْمُفَارَقَةِ، خَشِيَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ أَوْ لَمْ يَخْشَ.

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: التَّفَرُّقُ بِالْأَبْدَانِ فِي الصَّرْفِ قَبْلَ الْقَبْضِ يُبْطِلُ الْعَقْدَ، فَكَيْفَ يُثْبِتُ الْعَقْدُ مَا يُبْطِلُهُ؟ وَتُعُقِّبَ بِاخْتِلَافِ الْجِهَةِ وَبِالْمُعَارَضَةِ بِنَظِيرِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّقْدَ وَتَرْكَ الْأَجَلِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّرْفِ، وَهُوَ يُفْسِدُ السَّلَمَ عِنْدَهُمْ.

وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْآتِي بَعْدَ بَابَيْنِ فِي قِصَّةِ الْبَكْرِ الصَّعْبِ، وَسَيَأْتِي تَوَجُّهُهُ وَجَوَابُهُ. وَاحْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: مَا أَدْرَكْتَ الصَّفْقَةَ حَيًّا مَجْمُوعًا فَهُوَ مِنْ مَالِ الْمُبْتَاعِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُمْ يُخَالِفُونَهُ، أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَالُوا: هُوَ مِنْ مَالِ الْبَائِعِ مَا لَمْ يَرَهُ الْمُبْتَاعُ أَوْ يَنْقُلْهُ.

وَالْمَالِكِيَّةُ قَالُوا: إِنْ كَانَ غَائِبًا غِيبَةً بَعِيدَةً فَهُوَ مِنَ الْبَائِعِ وَأَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ فِيهِ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْبَيْعِ الَّذِي انْبَرَمَ لَا عَلَى مَا لَمْ يَنْبَرِمْ جَمْعًا بَيْنَ كَلَامَيْهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى قَوْلِهِ: حَتَّى يَتَفَرَّقَا أَيْ: حَتَّى يَتَوَافَقَا يُقَالُ لِلْقَوْمِ: عَلَى مَاذَا تَفَارَقْتُمْ؟ أَيْ: عَلَى مَاذَا اتَّفَقْتُمْ؟ وَتُعُقِّبَ بِمَا وَرَدَ فِي بَقِيَّةِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي جَمِيعِ طُرُقِهِ، وَلَا سِيَّمَا فِي طَرِيقِ اللَّيْثِ الْآتِيَةِ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا.

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: حَدِيثُ: الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ جَاءَ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ فَهُوَ مُضْطَرِبٌ لَا يُحْتَجُّ بِهِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ مَا اخْتَلَفَ مِنْ أَلْفَاظِهِ مُمْكِنٌ بِغَيْرِ تَكَلُّفٍ وَلَا تَعَسُّفٍ فَلَا يَضُرُّهُ الِاخْتِلَافُ، وَشَرْطُ الْمُضْطَرِبِ أَنْ يَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ بَيْنَ مُخْتَلِفِ أَلْفَاظِهِ وَلَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ ذَلِكَ.

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَتَعَيَّنُ حَمْلُ الْخِيَارِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى خِيَارِ الْفَسْخِ، فَلَعَلَّهُ أُرِيدَ بِهِ خِيَارُ الشِّرَاءِ أَوْ خِيَارُ الزِّيَادَةِ فِي الثَّمَنِ أَوِ الْمُثَمَّنِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَعْهُودَ فِي كَلَامِهِ حَيْثُ يُطْلِقُ الْخِيَارَ إِرَادَةَ خِيَارِ الْفَسْخِ كَمَا فِي حَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ، وَكَمَا فِي حَدِيثِ الَّذِي يُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ.

وَأَيْضًا فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُتَبَايِعَيْنِ الْمُتَعَاقِدَانِ فَبَعْدَ صُدُورِ الْعَقْدِ لَا خِيَارَ فِي الشِّرَاءِ وَلَا فِي الثَّمَنِ.

وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: قَدْ أَكْثَرَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ مِنَ الِاحْتِجَاجِ لِرَدِّ هَذَا الْحَدِيثِ بِمَا يَطُولُ ذِكْرُهُ، وَأَكْثَرُهُ لَا يَحْصُلُ مِنْهُ شَيْءٌ. وَحَكَى ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي الِاصْطِلَامِ عَنْ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ: الْبَيْعُ عَقْدٌ مَشْرُوعٌ بِوَصْفٍ وَحُكْمٍ، فَوَصْفُهُ اللُّزُومُ وَحُكْمُهُ الْمِلْكُ، وَقَدْ تَمَّ الْبَيْعُ بِالْعَقْدِ فَوَجَبَ أَنْ يَتِمَّ بِوَصْفِهِ وَحُكْمِهِ، فَأَمَّا تَأْخِيرُ ذَلِكَ إِلَى أَنْ يَفْتَرِقَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ إِذَا تَمَّ يُفِيدُ حُكْمَهُ، وَلَا يَنْتَفِي إِلَّا بِعَارِضٍ وَمَنِ ادَّعَاهُ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ.

وَأَجَابَ أَنَّ الْبَيْعَ سَبَبٌ لِلْإِيقَاعِ فِي النَّدَمِ، وَالنَّدَمُ يُحْوِجُ إِلَى النَّظَرِ فَأَثْبَتَ الشَّارِعُ خِيَارَ الْمَجْلِسِ نَظَرًا لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ لِيَسْلَمَا مِنَ النَّدَمِ، وَدَلِيلُهُ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ عِنْدَهُمْ وَخِيَارُ الشَّرْطِ عِنْدَنَا. قَالَ: وَلَوْ لَزِمَ الْعَقْدُ بِوَصْفِهِ وَحُكْمِهِ لَمَا شُرِعَتِ الْإِقَالَةُ، لَكِنَّهَا شُرِعَتْ نَظَرًا لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ، إِلَّا أَنَّهَا شُرِعَتْ لِاسْتِدْرَاكِ نَدَمٍ يَنْفَرِدُ بِهِ أَحَدُهُمَا فَلَمْ تَجِبْ، وَخِيَارُ الْمَجْلِسِ شُرِعَ لِاسْتِدْرَاكِ نَدَمٍ يَشْتَرِكَانِ فِيهِ فَوَجَبَ.

٤٥ - بَاب إِذَا خَيَّرَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بَعْدَ الْبَيْعِ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ

٢١١٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أَنَّهُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

أي: إلَّا في بيع إسقاط الخيار، فإنَّ العقد يلزم وإن لم يتفرَّقا بعدُ، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، وقد ذكر النَّوويُّ اتِّفاق الأصحاب على ترجيح هذا التَّأويل، وأنَّ كثيرًا منهم أبطل ما سواه وغلَّطوا قائله. انتهى. وهو قول الجمهور وبه جزم الشَّافعيُّ، وممَّن رجَّحه من المحدِّثين البيهقيُّ والتِّرمذيُّ، وعبارته: معناه: أن (١) يخيِّر البائعُ المشتريَ بعد إيجاب البيع، فإذا خيَّره فاختار البيع فليس له بعد ذلك خيارٌ في فسخ البيع وإن لم يتفرَّقا. انتهى. وقيل: الاستثناء من مفهوم الغاية، أي: إلَّا بيعًا شرط فيه خيار مدَّةٍ، فإنَّ الخيار بعد التَّفرُّق يبقى إلى مضيِّ المدَّة المشروطة، ورُجِّح الأوَّل: بأنَّه أقلُّ في الإضمار، وقيل: هو استثناءٌ من إثبات خيار المجلس، أي: إلَّا البيع الذي فيه أَنْ لا خيار لهما في المجلس، فيلزم البيع بنفس العقد، ولا يكون فيه خيارٌ أصلًا، وهذا أضعف هذه الاحتمالات.

(٤٥) هذا (٢) (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا خَيَّرَ أَحَدُهُمَا) أي: أحدُ المتبايعين (صَاحِبَهُ بَعْدَ البَيْعِ) وقبل التَّفرُّقِ (فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ) أي: لزم وإن لم يتفرَّقا.

٢١١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ رَسُولِ اللهِ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) محكومٌ له

(بِالخِيَارِ) في المجلس (مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا) فإذا تفرَّقا انقطع الخيار (وَكَانَا جَمِيعًا) تأكيد لسابقه، والجملة حاليَّةٌ من الضَّمير في «يتفرَّقا» أي: وقد كانا جميعًا، وهذا كما قال الخطَّابيُّ: أوضح شيءٍ في ثبوت خيار المجلس، وهو (١) مبطلٌ لكلِّ تأويلٍ مخالفٍ لظاهر الحديث، وكذلك (٢) قوله في آخره: «وإن تفرَّقا بعد أن يتبايعا» فيه البيان الواضح أنَّ التَّفرُّق بالبدن هو القاطع للخيار، ولو كان معناه التَّفرُّق بالقول لخلا الحديث عن فائدةٍ. انتهى. وقد حمله ابن عمر راوي الحديث على التَّفرُّق بالأبدان -كما مرَّ [خ¦٢١٠٧]-، وكذا أبو برزة الأسلميُّ، ولا يُعرَف لهما مخالفٌ بين الصَّحابة، نعم خالف في ذلك إبراهيم النَّخعيُّ، فروى سعيد بن منصورٍ عنه: إذا وجبت الصَّفقة فلا خيار، وبذلك قال المالكيَّة إلَّا ابن حبيبٍ، والحنفيَّة كلّهم. (أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ) فينقطع الخيار أيضًا، وقوله: «أو يُخيِّر» بكسر ما قبل آخره مرفوعٌ كما في الفرع وغيره، وقال في «الفتح» و «جمع العدَّة»: بالجزم عطفًا على المجزوم السَّابق، وهو «ما لم يتفرَّقا»، وتُعقِّب: بأنَّ «أو» فيه ليست للعطف، بل بمعنى: «إلَّا» أي: إلَّا أن، أو بمعنى: «إلى» أي: إلى أن يخيِّر، فهو نصبٌ بـ «أن» مضمرةً، وفي بعض الأصول: «وخيَّر» بإسقاط الألف والفعل بلفظ الماضي (فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ) قيل: إنَّه من عطف المجمل على المُفصَّل، فلا تغاير بينه وبين ما قبله إلَّا بالإجمال والتَّفصيل (فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ) الفاء للسَّببيَّة والتَّرتيب على سابقه، أي: فإذا كان التَّبايع على ذلك فقد لزم البيع وانبرم وبطل الخيار (وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ يَتَبَايَعَا) بلفظ المضارع (وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا البَيْعَ) أي: لم يفسخه (فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ) بعد التَّفرُّق، وهو ظاهرٌ جدًّا في انفساخ البيع بفسخ أحدهما.

وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «البيوع»، والنَّسائيُّ فيه وفي «الشُّروط»، وأخرجه ابن ماجه في «التِّجارات».

(٤٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا كَانَ البَائِعُ بِالخِيَارِ هَلْ يَجُوزُ البَيْعُ؟) أي: هل يكون العقد جائزًا

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الِاسْتِقَالَةِ لَمْ تَمْنَعْهُ مِنَ الْمُفَارَقَةِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَخْتَصُّ بِمَجْلِسِ الْعَقْدِ، وَقَدْ أَثْبَتَ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ الْخِيَارَ وَمَدَّهُ إِلَى غَايَةِ التَّفَرُّقِ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى الِاسْتِقَالَةِ فَتَعَيَّنَ حَمْلُهَا عَلَى الْفَسْخِ، وَعَلَى ذَلِكَ حَمَلَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ فَقَالُوا: مَعْنَاهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَهُ بَعْدَ الْبَيْعِ خَشْيَةَ أَنْ يَخْتَارَ فَسْخَ الْبَيْعِ لِأَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: اسْتَقَلْتُ مَا فَاتَ عَنِّي إِذَا اسْتَدْرَكَهُ، فَالْمُرَادُ بِالِاسْتِقَالَةِ فَسْخُ النَّادِمِ مِنْهُمَا لِلْبَيْعِ.

وَحَمَلُوا نَفْيَ الْحِلِّ عَلَى الْكَرَاهَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلِيقُ بِالْمُرُوءَةِ وَحُسْنِ مُعَاشَرَةِ الْمُسْلِمِ، إِلَّا أَنَّ اخْتِيَارَ الْفَسْخِ حَرَامٌ، قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: احْتِجَاجُهُمْ بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَلَى التَّفَرُّقِ بِالْكَلَامِ لِقَوْلِهِ فِيهِ: خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ لِكَوْنِ الِاسْتِقَالَةِ لَا تَكُونُ إِلَّا بَعْدَ تَمَامِ الْبَيْعِ، وَصِحَّةُ انْتِقَالِ الْمِلْكِ تَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونُ الْخَبَرُ الْمَذْكُورُ لَا فَائِدَةَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ حَمْلِ التَّفَرُّقِ عَلَى الْقَوْلِ إِبَاحَةُ الْمُفَارَقَةِ، خَشِيَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ أَوْ لَمْ يَخْشَ.

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: التَّفَرُّقُ بِالْأَبْدَانِ فِي الصَّرْفِ قَبْلَ الْقَبْضِ يُبْطِلُ الْعَقْدَ، فَكَيْفَ يُثْبِتُ الْعَقْدُ مَا يُبْطِلُهُ؟ وَتُعُقِّبَ بِاخْتِلَافِ الْجِهَةِ وَبِالْمُعَارَضَةِ بِنَظِيرِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّقْدَ وَتَرْكَ الْأَجَلِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّرْفِ، وَهُوَ يُفْسِدُ السَّلَمَ عِنْدَهُمْ.

وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْآتِي بَعْدَ بَابَيْنِ فِي قِصَّةِ الْبَكْرِ الصَّعْبِ، وَسَيَأْتِي تَوَجُّهُهُ وَجَوَابُهُ. وَاحْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: مَا أَدْرَكْتَ الصَّفْقَةَ حَيًّا مَجْمُوعًا فَهُوَ مِنْ مَالِ الْمُبْتَاعِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُمْ يُخَالِفُونَهُ، أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَالُوا: هُوَ مِنْ مَالِ الْبَائِعِ مَا لَمْ يَرَهُ الْمُبْتَاعُ أَوْ يَنْقُلْهُ.

وَالْمَالِكِيَّةُ قَالُوا: إِنْ كَانَ غَائِبًا غِيبَةً بَعِيدَةً فَهُوَ مِنَ الْبَائِعِ وَأَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ فِيهِ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْبَيْعِ الَّذِي انْبَرَمَ لَا عَلَى مَا لَمْ يَنْبَرِمْ جَمْعًا بَيْنَ كَلَامَيْهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى قَوْلِهِ: حَتَّى يَتَفَرَّقَا أَيْ: حَتَّى يَتَوَافَقَا يُقَالُ لِلْقَوْمِ: عَلَى مَاذَا تَفَارَقْتُمْ؟ أَيْ: عَلَى مَاذَا اتَّفَقْتُمْ؟ وَتُعُقِّبَ بِمَا وَرَدَ فِي بَقِيَّةِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي جَمِيعِ طُرُقِهِ، وَلَا سِيَّمَا فِي طَرِيقِ اللَّيْثِ الْآتِيَةِ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا.

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: حَدِيثُ: الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ جَاءَ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ فَهُوَ مُضْطَرِبٌ لَا يُحْتَجُّ بِهِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ مَا اخْتَلَفَ مِنْ أَلْفَاظِهِ مُمْكِنٌ بِغَيْرِ تَكَلُّفٍ وَلَا تَعَسُّفٍ فَلَا يَضُرُّهُ الِاخْتِلَافُ، وَشَرْطُ الْمُضْطَرِبِ أَنْ يَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ بَيْنَ مُخْتَلِفِ أَلْفَاظِهِ وَلَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ ذَلِكَ.

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَتَعَيَّنُ حَمْلُ الْخِيَارِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى خِيَارِ الْفَسْخِ، فَلَعَلَّهُ أُرِيدَ بِهِ خِيَارُ الشِّرَاءِ أَوْ خِيَارُ الزِّيَادَةِ فِي الثَّمَنِ أَوِ الْمُثَمَّنِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَعْهُودَ فِي كَلَامِهِ حَيْثُ يُطْلِقُ الْخِيَارَ إِرَادَةَ خِيَارِ الْفَسْخِ كَمَا فِي حَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ، وَكَمَا فِي حَدِيثِ الَّذِي يُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ.

وَأَيْضًا فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُتَبَايِعَيْنِ الْمُتَعَاقِدَانِ فَبَعْدَ صُدُورِ الْعَقْدِ لَا خِيَارَ فِي الشِّرَاءِ وَلَا فِي الثَّمَنِ.

وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: قَدْ أَكْثَرَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ مِنَ الِاحْتِجَاجِ لِرَدِّ هَذَا الْحَدِيثِ بِمَا يَطُولُ ذِكْرُهُ، وَأَكْثَرُهُ لَا يَحْصُلُ مِنْهُ شَيْءٌ. وَحَكَى ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي الِاصْطِلَامِ عَنْ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ: الْبَيْعُ عَقْدٌ مَشْرُوعٌ بِوَصْفٍ وَحُكْمٍ، فَوَصْفُهُ اللُّزُومُ وَحُكْمُهُ الْمِلْكُ، وَقَدْ تَمَّ الْبَيْعُ بِالْعَقْدِ فَوَجَبَ أَنْ يَتِمَّ بِوَصْفِهِ وَحُكْمِهِ، فَأَمَّا تَأْخِيرُ ذَلِكَ إِلَى أَنْ يَفْتَرِقَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ إِذَا تَمَّ يُفِيدُ حُكْمَهُ، وَلَا يَنْتَفِي إِلَّا بِعَارِضٍ وَمَنِ ادَّعَاهُ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ.

وَأَجَابَ أَنَّ الْبَيْعَ سَبَبٌ لِلْإِيقَاعِ فِي النَّدَمِ، وَالنَّدَمُ يُحْوِجُ إِلَى النَّظَرِ فَأَثْبَتَ الشَّارِعُ خِيَارَ الْمَجْلِسِ نَظَرًا لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ لِيَسْلَمَا مِنَ النَّدَمِ، وَدَلِيلُهُ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ عِنْدَهُمْ وَخِيَارُ الشَّرْطِ عِنْدَنَا. قَالَ: وَلَوْ لَزِمَ الْعَقْدُ بِوَصْفِهِ وَحُكْمِهِ لَمَا شُرِعَتِ الْإِقَالَةُ، لَكِنَّهَا شُرِعَتْ نَظَرًا لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ، إِلَّا أَنَّهَا شُرِعَتْ لِاسْتِدْرَاكِ نَدَمٍ يَنْفَرِدُ بِهِ أَحَدُهُمَا فَلَمْ تَجِبْ، وَخِيَارُ الْمَجْلِسِ شُرِعَ لِاسْتِدْرَاكِ نَدَمٍ يَشْتَرِكَانِ فِيهِ فَوَجَبَ.

٤٥ - بَاب إِذَا خَيَّرَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بَعْدَ الْبَيْعِ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ

٢١١٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أَنَّهُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

أي: إلَّا في بيع إسقاط الخيار، فإنَّ العقد يلزم وإن لم يتفرَّقا بعدُ، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، وقد ذكر النَّوويُّ اتِّفاق الأصحاب على ترجيح هذا التَّأويل، وأنَّ كثيرًا منهم أبطل ما سواه وغلَّطوا قائله. انتهى. وهو قول الجمهور وبه جزم الشَّافعيُّ، وممَّن رجَّحه من المحدِّثين البيهقيُّ والتِّرمذيُّ، وعبارته: معناه: أن (١) يخيِّر البائعُ المشتريَ بعد إيجاب البيع، فإذا خيَّره فاختار البيع فليس له بعد ذلك خيارٌ في فسخ البيع وإن لم يتفرَّقا. انتهى. وقيل: الاستثناء من مفهوم الغاية، أي: إلَّا بيعًا شرط فيه خيار مدَّةٍ، فإنَّ الخيار بعد التَّفرُّق يبقى إلى مضيِّ المدَّة المشروطة، ورُجِّح الأوَّل: بأنَّه أقلُّ في الإضمار، وقيل: هو استثناءٌ من إثبات خيار المجلس، أي: إلَّا البيع الذي فيه أَنْ لا خيار لهما في المجلس، فيلزم البيع بنفس العقد، ولا يكون فيه خيارٌ أصلًا، وهذا أضعف هذه الاحتمالات.

(٤٥) هذا (٢) (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا خَيَّرَ أَحَدُهُمَا) أي: أحدُ المتبايعين (صَاحِبَهُ بَعْدَ البَيْعِ) وقبل التَّفرُّقِ (فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ) أي: لزم وإن لم يتفرَّقا.

٢١١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ رَسُولِ اللهِ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) محكومٌ له

(بِالخِيَارِ) في المجلس (مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا) فإذا تفرَّقا انقطع الخيار (وَكَانَا جَمِيعًا) تأكيد لسابقه، والجملة حاليَّةٌ من الضَّمير في «يتفرَّقا» أي: وقد كانا جميعًا، وهذا كما قال الخطَّابيُّ: أوضح شيءٍ في ثبوت خيار المجلس، وهو (١) مبطلٌ لكلِّ تأويلٍ مخالفٍ لظاهر الحديث، وكذلك (٢) قوله في آخره: «وإن تفرَّقا بعد أن يتبايعا» فيه البيان الواضح أنَّ التَّفرُّق بالبدن هو القاطع للخيار، ولو كان معناه التَّفرُّق بالقول لخلا الحديث عن فائدةٍ. انتهى. وقد حمله ابن عمر راوي الحديث على التَّفرُّق بالأبدان -كما مرَّ [خ¦٢١٠٧]-، وكذا أبو برزة الأسلميُّ، ولا يُعرَف لهما مخالفٌ بين الصَّحابة، نعم خالف في ذلك إبراهيم النَّخعيُّ، فروى سعيد بن منصورٍ عنه: إذا وجبت الصَّفقة فلا خيار، وبذلك قال المالكيَّة إلَّا ابن حبيبٍ، والحنفيَّة كلّهم. (أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ) فينقطع الخيار أيضًا، وقوله: «أو يُخيِّر» بكسر ما قبل آخره مرفوعٌ كما في الفرع وغيره، وقال في «الفتح» و «جمع العدَّة»: بالجزم عطفًا على المجزوم السَّابق، وهو «ما لم يتفرَّقا»، وتُعقِّب: بأنَّ «أو» فيه ليست للعطف، بل بمعنى: «إلَّا» أي: إلَّا أن، أو بمعنى: «إلى» أي: إلى أن يخيِّر، فهو نصبٌ بـ «أن» مضمرةً، وفي بعض الأصول: «وخيَّر» بإسقاط الألف والفعل بلفظ الماضي (فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ) قيل: إنَّه من عطف المجمل على المُفصَّل، فلا تغاير بينه وبين ما قبله إلَّا بالإجمال والتَّفصيل (فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ) الفاء للسَّببيَّة والتَّرتيب على سابقه، أي: فإذا كان التَّبايع على ذلك فقد لزم البيع وانبرم وبطل الخيار (وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ يَتَبَايَعَا) بلفظ المضارع (وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا البَيْعَ) أي: لم يفسخه (فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ) بعد التَّفرُّق، وهو ظاهرٌ جدًّا في انفساخ البيع بفسخ أحدهما.

وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «البيوع»، والنَّسائيُّ فيه وفي «الشُّروط»، وأخرجه ابن ماجه في «التِّجارات».

(٤٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا كَانَ البَائِعُ بِالخِيَارِ هَلْ يَجُوزُ البَيْعُ؟) أي: هل يكون العقد جائزًا

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.1 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله وبحمده