الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢١١٧
الحديث رقم ٢١١٧ من كتاب «كتاب البيوع» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ما يكره من الخداع في البيع.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
بَابُ مَا ذُكِرَ فِي الْأَسْوَاقِ وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ لَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ قُلْتُ هَلْ مِنْ سُوقٍ فِيهِ تِجَارَةٌ قَالَ سُوقُ قَيْنُقَاعَ وَقَالَ أَنَسٌ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ وَقَالَ عُمَرُ أَلْهَانِي الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ
٢١١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄:
معنى هذا الحديث: أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه كان في يوم من الأيام صائمًا، ولما حان وقت الإفطار جيء له بالطعام، والصائم يشتهي الطعام عادة، ولكنه رضي الله عنه تذكر ما كان عليه الصحابة الأولون، وهو رضي الله عنه من الصحابة الأولين من المهاجرين رضي الله عنهم، لكنه قال احتقارًا لنفسه قال: إن مصعب بن عمير رضي الله عنه كان خيرا ًمني تواضعاً وهضما لنفسه، أو من حيثية اختيار الفقر والصبر، وإلا فقد صرح العلماء بأن العشرة المبشرة أفضل من بقية الصحابة.
ومصعب رضي الله عنه كان قبل الإسلام عند والديه بمكة وكان والداه أغنياء، وأمه وأبوه يلبسانه من خير اللباس: لباس الشباب والفتيان، وقد دللاه دلالاً عظيماً، فلما أسلم هجراه وأبعداه، وهاجر مع النبي صلى الله عليه وسلم، فكان مع المهاجرين، وكان عليه ثوب مرقع بعدما كان في مكة عند أبويه يلبس أحسن الثياب، لكنه ترك ذلك كله مهاجراً إلى الله ورسوله.
وأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم الراية يوم أحد، فاستشهد رضي الله عنه، وكان معه بردة- أي ثوب- إذا غطوا به رأسه بدت رجلاه- وذلك لقصر الثوب- وإن غطوا رجليه بدا رأسه، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يستر به رأسه وأن تستر رجلاه بالإذخر؛ نبات معروف.
فكان عبد الرحمن بن عوف يذكر حال هذا الرجل، ثم يقول: إنهم قد مضوا وسلموا مما فتح الله به من الدنيا على من بعدهم من المغانم الكثيرة، كما قال تعالى: ( ومغانم كثيرة يأخذونها ).
ثم قال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: "قد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا" أي: خفنا أن ندخل في زمرة من قيل فيه: (من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذمومًا مدحورًا) أو قوله تعالى: (أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها). كما جاء عن عمر رضي الله عنه، وهذا لما كان الخوف غالباً عليهم فخشي رضي الله عنه أن تكون حسناتهم قد عجلت لهم في هذه الدنيا، فبكى خوفاً وخشية أن لا يلحق بمن تقدمه من الصالحين، ثم ترك الطعام رضي الله عنه.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الصَّحَابَةِ قَدْ نُقِلَ عَنْهُمُ الْقَوْلُ بِأَنَّ الِافْتِرَاقَ بِالْأَبْدَانِ.
قَوْلُهُ: (سُقْتُهُ إِلَى أَرْضِ ثَمُودَ بِثَلَاثِ لَيَالٍ) أَيْ: زِدْتُ الْمَسَافَةَ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَرْضِهِ الَّتِي صَارَتْ إِلَيْهِ عَلَى الْمَسَافَةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَرْضِهِ الَّتِي بَاعَهَا بِثَلَاثِ لَيَالٍ.
قَوْلُهُ: (وَسَاقَنِي إِلَى الْمَدِينَةِ بِثَلَاثِ لَيَالٍ) يَعْنِي: أَنَّهُ نَقَصَ الْمَسَافَةَ الَّتِي بَيْنِي وَبَيْنَ أَرْضِي الَّتِي أَخَذَ بِهَا عَنِ الْمَسَافَةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَرْضِي الَّتِي بِعْتُهَا بِثَلَاثِ لَيَالٍ، وَإِنَّمَا قَالَ: إِلَى الْمَدِينَةِ؛ لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا كَانَا بِهَا فَرَأَى ابْنُ عُمَرَ الْغِبْطَةَ فِي الْقُرْبِ مِنَ الْمَدِينَةِ فَلِذَلِكَ قَالَ: رَأَيْتُ أَنِّي قَدْ غَبَنْتُهُ وَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ جَوَازُ بَيْعِ الْعَيْنِ الْغَائِبَةِ عَلَى الصِّفَةِ، وَسَيَأْتِي نَقْلُ الْخِلَافِ فِيهَا فِي بَابِ بَيْعِ الْمُلَامَسَةِ، وَجَوَازُ التَّحَيُّلِ فِي إِبْطَالِ الْخِيَارِ، وَتَقْدِيمُ الْمَرْءِ مَصْلَحَةَ نَفْسِهِ عَلَى مَصْلَحَةِ غَيْرِهِ، وَفِيهِ جَوَازُ بَيْعِ الْأَرْضِ بِالْأَرْضِ، وَفِيهِ أَنَّ الْغَبْنَ لَا يُرَدُّ بِهِ الْبَيْعُ.
٤٨ - بَاب مَا يُكْرَهُ مِنْ الْخِدَاعِ فِي الْبَيْعِ
٢١١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَجُلًا ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ يُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ، فَقَالَ: إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ لَا خِلَابَةَ.
[الحديث ٢١١٧ - أطرافه في: ٢٤٠٧، ٢٤١٤، ٦٩٦]
قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ الْخِدَاعِ فِي الْبَيْعِ) كَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى أَنَّ الْخِدَاعَ فِي الْبَيْعِ مَكْرُوهٌ، وَلَكِنَّهُ لَا يَفْسَخُ الْبَيْعَ، إِلَّا إِنْ شَرَطَ الْمُشْتَرِي الْخِيَارَ عَلَى مَا تُشْعِرُ بِهِ الْقِصَّةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْحَدِيثِ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ رَجُلًا) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ زَادَ ابْنُ الْجَارُودِ فِي الْمُنْتَقَى مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ حَبَّانُ بْنُ مُنْقِذٍ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ الثَّقِيلَةِ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْأَعْلَى، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ بِهِ، وَزَادَ فِيهِ: قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ قَالَ: هُوَ جَدِّي مُنْقِذُ بْنُ عَمْرٍو وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ مَنْدَهْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ.
قَوْلُهُ: (ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ: فَشَكَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مَا يَلْقَى مِنَ الْغَبْنِ.
قَوْلُهُ: (أَنَّهُ يُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ) بَيَّنَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي رِوَايَتِهِ الْمَذْكُورَةِ سَبَبَ شَكْوَاهُ وَهُوَ مَا يَلْقَى مِنَ الْغَبْنِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ بِلَفْظِ: إِنَّ رَجُلًا كَانَ يُبَايِعُ، وَكَانَ فِي عُقْدَتِهِ ضَعْفٌ.
قَوْلُهُ: (لَا خِلَابَةَ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ أَيْ: لَا خَد يعَةَ وَلَا لِنَفْيِ الْجِنْسِ أَيْ: لَا خَدِيعَةَ فِي الدِّينِ؛ لِأَنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ، زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ، وَعَبْدِ الْأَعْلَى عَنْهُ ثُمَّ أَنْتَ بِالْخِيَارِ فِي كُلِّ سِلْعَةٍ ابْتَعْتَهَا ثَلَاثَ لَيَالٍ، فَإِنْ رَضِيتَ فَأَمْسِكْ، وَإِنْ سَخِطْتَ فَارْدُدْ فَبَقِيَ حَتَّى أَدْرَكَ زَمَانَ عُثْمَانَ وَهُوَ ابْنُ مِائَةٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، فَكَثُرَ النَّاسُ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ، وَكَانَ إِذَا اشْتَرَى شَيْئًا فَقِيلَ لَهُ: إِنَّكَ غُبِنْتَ فِيهِ. رَجَعَ بِهِ، فَيَشْهَدُ لَهُ الرَّجُلُ مِنَ الصَّحَابَةِ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ جَعَلَهُ بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا، فَيَرُدُّ لَهُ دَرَاهِمَهُ.
قَالَ الْعُلَمَاءُ: لَقَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا الْقَوْلَ لِيُتَلَفَّظَ بِهِ عِنْدَ الْبَيْعِ، فَيُطْلِعُ بِهِ صَاحِبَهُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ ذَوِي الْبَصَائِرِ فِي مَعْرِفَةِ السِّلَعِ وَمَقَادِيرِ الْقِيمَةِ، فَيَرَى لَهُ كَمَا يَرَى لِنَفْسِهِ، لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ حَضِّ الْمُتَبَايِعَيْنِ عَلَى أَدَاءِ النَّصِيحَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ: فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بِوَرِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا الْحَدِيثَ.
وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِأَحْمَدَ وَأَحَدُ قَوْلَيْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُرَدُّ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ لِمَنْ لَمْ يَعْرِفْ قِيمَةَ السِّلْعَةِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ ﷺ إِنَّمَا جَعَلَ لَهُ الْخِيَارَ لِضَعْفِ عَقْلِهِ، وَلَوْ كَانَ الْغَبْنُ يُمْلَكُ بِهِ الْفَسْخُ لَمَا احْتَاجَ إِلَى شَرْطِ الْخِيَارِ.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: يُحْتَمَلُ أَنَّ الْخَدِيعَةَ فِي قِصَّةِ هَذَا الرَّجُلِ كَانَتْ فِي الْعَيْبِ، أَوْ فِي
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٤٨) (باب مَا يُكْرَهُ مِنَ الخِدَاعِ فِي البَيْعِ).
٢١١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمام دار الهجرة، ابن أنسٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَجُلًا) هو حَبَّان بن منقِذٍ كما رواه ابن الجارود والحاكم وغيرهما، وجزم به النَّوويُّ في «شرح مسلمٍ»، وهو بفتح الحاء المهملة وتشديد المُوحَّدة، و «منقِذٍ» بالمعجمة وكسر القاف قبلها، الصَّحابيُّ ابن الصَّحابيِّ، الأنصاريُّ، وقيل: هو منقذ بن عمرٍو؛ كما وقع في «ابن ماجه» و «تاريخ البخاريِّ»، وصحَّحه النَّوويُّ في «مبهماته»، وكان حبَّان قد شهد أحدًا وما بعدها، وتُوفِّي في زمن عثمان رضي الله تعالى عنه (ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ يُخْدَعُ فِي البُيُوعِ) بضمِّ التَّحتيَّة وسكون الخاء المعجمة وفتح الدَّال المهملة، وعند الشَّافعيِّ وأحمد وابن خزيمة والدَّارقُطنيِّ: أنَّ حَبَّان بن منقذٍ كان ضعيفًا، وكان قد شُجَّ في رأسه مأمومةً، وقد ثَقُلَ لسانه، وزاد الدَّارقُطنيُّ من طريق ابن إسحاق فقال: حدَّثني محمَّد بن يحيى بن حبَّان قال: هو جدِّي منقذُ بن عمرٍو، وكانت في رأسه آمَّةٌ (١) (فَقَالَ) له النَّبيُّ (٢) ﷺ: (إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ) بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللَّام، أي: لا خديعة في الدِّين؛ لأنَّ الدِّينَ النَّصيحةُ، فـ «لا» لنفي الجنس، وخبرها (٣) محذوفٌ، وقال التُّوربشتيُّ: لقَّنه النَّبيُّ ﷺ هذا القول؛ ليتلفَّظ به عند البيع؛ ليطَّلع (٤) به صاحبه على أنَّه ليس من ذوي البصائر من معرفة السِّلع ومقادير القيمة فيها، ليرى له كما يرى لنفسه، وكان النَّاس في ذلك أحقَّاءَ لا يغبنون (٥) أخاهم (٦) المسلم،
وكانوا (١) ينظرون له كما ينظرون (٢) لأنفسهم. انتهى. واستعماله في الشَّرع عبارةٌ عن اشتراط خيار الثَّلاث، وقد زاد البيهقيُّ في هذا الحديث بإسنادٍ حسنٍ: «ثمَّ أنت بالخيار في كلِّ سلعةٍ ابتعتها ثلاث ليالٍ»، وفي رواية الدَّارقُطنيِّ عن عمر: فجعل له رسول الله ﷺ عهدةَ ثلاثةِ أيَّامٍ، زاد ابن إسحاق في رواية يونس بن بكيرٍ: «فإن رضيت (٣) فأمسك، وإن سخطت (٤) فاردد»، فبقي حتَّى أدرك زمن (٥) عثمان وهو ابن مئةٍ وثلاثين سنةً، فكثر النَّاس في زمن عثمان، فكان إذا اشترى شيئًا، فقيل له: إنَّك (٦) غُبِنت فيه، رجع به فيشهد له الرَّجل من الصَّحابة بأنَّ النَّبيَّ ﷺ قد جعله بالخيار ثلاثًا، فردَّ له دراهمه، واستدلَّ به أحمد (٧)؛ لأنَّه يردُّ بالغبن الفاحش لمن لم يعرف قيمة السِّلعة، وحدَّه بعض الحنابلة: بثلث القيمة، وقيل: بسدسها، وأجاب الشَّافعيَّة والحنفيَّة والجمهور: بأنَّها واقعةُ عينٍ وحكاية حالٍ، فلا يصحُّ دعوى العموم فيها عند أحدٍ (٨)، وقال البيضاويُّ: حديث ابن عمر هذا يدلُّ على أنَّ الغبن لا يفسد البيع ولا يثبت الخيار؛ لأنَّه لو أفسد البيع أو أثبت الخيار؛ لَبيَّنه رسول الله (٩) ﷺ، ولم يأمره بالشَّرط. انتهى.
وفيه: اشتراط الخيار من المشتري فقط وقِيسَ به البائعُ، ويصدق ذلك باشتراطهما معًا، وخرج بالثَّلاثة ما فوقها وشرط (١٠) الخيار مطلقًا؛ لأنَّ ثبوت الخيار على خلاف القياس؛ لأنَّه غررٌ، فيقتصر فيه على مورد النَّصِّ، وجاز أقلُّ منها بالأَولى.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «ترك الحيل» [خ¦٦٩٦٤]، وأبو داود والنَّسائيُّ في «البيوع».
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الصَّحَابَةِ قَدْ نُقِلَ عَنْهُمُ الْقَوْلُ بِأَنَّ الِافْتِرَاقَ بِالْأَبْدَانِ.
قَوْلُهُ: (سُقْتُهُ إِلَى أَرْضِ ثَمُودَ بِثَلَاثِ لَيَالٍ) أَيْ: زِدْتُ الْمَسَافَةَ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَرْضِهِ الَّتِي صَارَتْ إِلَيْهِ عَلَى الْمَسَافَةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَرْضِهِ الَّتِي بَاعَهَا بِثَلَاثِ لَيَالٍ.
قَوْلُهُ: (وَسَاقَنِي إِلَى الْمَدِينَةِ بِثَلَاثِ لَيَالٍ) يَعْنِي: أَنَّهُ نَقَصَ الْمَسَافَةَ الَّتِي بَيْنِي وَبَيْنَ أَرْضِي الَّتِي أَخَذَ بِهَا عَنِ الْمَسَافَةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَرْضِي الَّتِي بِعْتُهَا بِثَلَاثِ لَيَالٍ، وَإِنَّمَا قَالَ: إِلَى الْمَدِينَةِ؛ لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا كَانَا بِهَا فَرَأَى ابْنُ عُمَرَ الْغِبْطَةَ فِي الْقُرْبِ مِنَ الْمَدِينَةِ فَلِذَلِكَ قَالَ: رَأَيْتُ أَنِّي قَدْ غَبَنْتُهُ وَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ جَوَازُ بَيْعِ الْعَيْنِ الْغَائِبَةِ عَلَى الصِّفَةِ، وَسَيَأْتِي نَقْلُ الْخِلَافِ فِيهَا فِي بَابِ بَيْعِ الْمُلَامَسَةِ، وَجَوَازُ التَّحَيُّلِ فِي إِبْطَالِ الْخِيَارِ، وَتَقْدِيمُ الْمَرْءِ مَصْلَحَةَ نَفْسِهِ عَلَى مَصْلَحَةِ غَيْرِهِ، وَفِيهِ جَوَازُ بَيْعِ الْأَرْضِ بِالْأَرْضِ، وَفِيهِ أَنَّ الْغَبْنَ لَا يُرَدُّ بِهِ الْبَيْعُ.
٤٨ - بَاب مَا يُكْرَهُ مِنْ الْخِدَاعِ فِي الْبَيْعِ
٢١١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَجُلًا ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ يُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ، فَقَالَ: إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ لَا خِلَابَةَ.
[الحديث ٢١١٧ - أطرافه في: ٢٤٠٧، ٢٤١٤، ٦٩٦]
قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ الْخِدَاعِ فِي الْبَيْعِ) كَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى أَنَّ الْخِدَاعَ فِي الْبَيْعِ مَكْرُوهٌ، وَلَكِنَّهُ لَا يَفْسَخُ الْبَيْعَ، إِلَّا إِنْ شَرَطَ الْمُشْتَرِي الْخِيَارَ عَلَى مَا تُشْعِرُ بِهِ الْقِصَّةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْحَدِيثِ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ رَجُلًا) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ زَادَ ابْنُ الْجَارُودِ فِي الْمُنْتَقَى مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ حَبَّانُ بْنُ مُنْقِذٍ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ الثَّقِيلَةِ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْأَعْلَى، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ بِهِ، وَزَادَ فِيهِ: قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ قَالَ: هُوَ جَدِّي مُنْقِذُ بْنُ عَمْرٍو وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ مَنْدَهْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ.
قَوْلُهُ: (ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ: فَشَكَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مَا يَلْقَى مِنَ الْغَبْنِ.
قَوْلُهُ: (أَنَّهُ يُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ) بَيَّنَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي رِوَايَتِهِ الْمَذْكُورَةِ سَبَبَ شَكْوَاهُ وَهُوَ مَا يَلْقَى مِنَ الْغَبْنِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ بِلَفْظِ: إِنَّ رَجُلًا كَانَ يُبَايِعُ، وَكَانَ فِي عُقْدَتِهِ ضَعْفٌ.
قَوْلُهُ: (لَا خِلَابَةَ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ أَيْ: لَا خَد يعَةَ وَلَا لِنَفْيِ الْجِنْسِ أَيْ: لَا خَدِيعَةَ فِي الدِّينِ؛ لِأَنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ، زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ، وَعَبْدِ الْأَعْلَى عَنْهُ ثُمَّ أَنْتَ بِالْخِيَارِ فِي كُلِّ سِلْعَةٍ ابْتَعْتَهَا ثَلَاثَ لَيَالٍ، فَإِنْ رَضِيتَ فَأَمْسِكْ، وَإِنْ سَخِطْتَ فَارْدُدْ فَبَقِيَ حَتَّى أَدْرَكَ زَمَانَ عُثْمَانَ وَهُوَ ابْنُ مِائَةٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، فَكَثُرَ النَّاسُ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ، وَكَانَ إِذَا اشْتَرَى شَيْئًا فَقِيلَ لَهُ: إِنَّكَ غُبِنْتَ فِيهِ. رَجَعَ بِهِ، فَيَشْهَدُ لَهُ الرَّجُلُ مِنَ الصَّحَابَةِ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ جَعَلَهُ بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا، فَيَرُدُّ لَهُ دَرَاهِمَهُ.
قَالَ الْعُلَمَاءُ: لَقَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا الْقَوْلَ لِيُتَلَفَّظَ بِهِ عِنْدَ الْبَيْعِ، فَيُطْلِعُ بِهِ صَاحِبَهُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ ذَوِي الْبَصَائِرِ فِي مَعْرِفَةِ السِّلَعِ وَمَقَادِيرِ الْقِيمَةِ، فَيَرَى لَهُ كَمَا يَرَى لِنَفْسِهِ، لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ حَضِّ الْمُتَبَايِعَيْنِ عَلَى أَدَاءِ النَّصِيحَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ: فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بِوَرِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا الْحَدِيثَ.
وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِأَحْمَدَ وَأَحَدُ قَوْلَيْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُرَدُّ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ لِمَنْ لَمْ يَعْرِفْ قِيمَةَ السِّلْعَةِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ ﷺ إِنَّمَا جَعَلَ لَهُ الْخِيَارَ لِضَعْفِ عَقْلِهِ، وَلَوْ كَانَ الْغَبْنُ يُمْلَكُ بِهِ الْفَسْخُ لَمَا احْتَاجَ إِلَى شَرْطِ الْخِيَارِ.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: يُحْتَمَلُ أَنَّ الْخَدِيعَةَ فِي قِصَّةِ هَذَا الرَّجُلِ كَانَتْ فِي الْعَيْبِ، أَوْ فِي
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٤٨) (باب مَا يُكْرَهُ مِنَ الخِدَاعِ فِي البَيْعِ).
٢١١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمام دار الهجرة، ابن أنسٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَجُلًا) هو حَبَّان بن منقِذٍ كما رواه ابن الجارود والحاكم وغيرهما، وجزم به النَّوويُّ في «شرح مسلمٍ»، وهو بفتح الحاء المهملة وتشديد المُوحَّدة، و «منقِذٍ» بالمعجمة وكسر القاف قبلها، الصَّحابيُّ ابن الصَّحابيِّ، الأنصاريُّ، وقيل: هو منقذ بن عمرٍو؛ كما وقع في «ابن ماجه» و «تاريخ البخاريِّ»، وصحَّحه النَّوويُّ في «مبهماته»، وكان حبَّان قد شهد أحدًا وما بعدها، وتُوفِّي في زمن عثمان رضي الله تعالى عنه (ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ يُخْدَعُ فِي البُيُوعِ) بضمِّ التَّحتيَّة وسكون الخاء المعجمة وفتح الدَّال المهملة، وعند الشَّافعيِّ وأحمد وابن خزيمة والدَّارقُطنيِّ: أنَّ حَبَّان بن منقذٍ كان ضعيفًا، وكان قد شُجَّ في رأسه مأمومةً، وقد ثَقُلَ لسانه، وزاد الدَّارقُطنيُّ من طريق ابن إسحاق فقال: حدَّثني محمَّد بن يحيى بن حبَّان قال: هو جدِّي منقذُ بن عمرٍو، وكانت في رأسه آمَّةٌ (١) (فَقَالَ) له النَّبيُّ (٢) ﷺ: (إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ) بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللَّام، أي: لا خديعة في الدِّين؛ لأنَّ الدِّينَ النَّصيحةُ، فـ «لا» لنفي الجنس، وخبرها (٣) محذوفٌ، وقال التُّوربشتيُّ: لقَّنه النَّبيُّ ﷺ هذا القول؛ ليتلفَّظ به عند البيع؛ ليطَّلع (٤) به صاحبه على أنَّه ليس من ذوي البصائر من معرفة السِّلع ومقادير القيمة فيها، ليرى له كما يرى لنفسه، وكان النَّاس في ذلك أحقَّاءَ لا يغبنون (٥) أخاهم (٦) المسلم،
وكانوا (١) ينظرون له كما ينظرون (٢) لأنفسهم. انتهى. واستعماله في الشَّرع عبارةٌ عن اشتراط خيار الثَّلاث، وقد زاد البيهقيُّ في هذا الحديث بإسنادٍ حسنٍ: «ثمَّ أنت بالخيار في كلِّ سلعةٍ ابتعتها ثلاث ليالٍ»، وفي رواية الدَّارقُطنيِّ عن عمر: فجعل له رسول الله ﷺ عهدةَ ثلاثةِ أيَّامٍ، زاد ابن إسحاق في رواية يونس بن بكيرٍ: «فإن رضيت (٣) فأمسك، وإن سخطت (٤) فاردد»، فبقي حتَّى أدرك زمن (٥) عثمان وهو ابن مئةٍ وثلاثين سنةً، فكثر النَّاس في زمن عثمان، فكان إذا اشترى شيئًا، فقيل له: إنَّك (٦) غُبِنت فيه، رجع به فيشهد له الرَّجل من الصَّحابة بأنَّ النَّبيَّ ﷺ قد جعله بالخيار ثلاثًا، فردَّ له دراهمه، واستدلَّ به أحمد (٧)؛ لأنَّه يردُّ بالغبن الفاحش لمن لم يعرف قيمة السِّلعة، وحدَّه بعض الحنابلة: بثلث القيمة، وقيل: بسدسها، وأجاب الشَّافعيَّة والحنفيَّة والجمهور: بأنَّها واقعةُ عينٍ وحكاية حالٍ، فلا يصحُّ دعوى العموم فيها عند أحدٍ (٨)، وقال البيضاويُّ: حديث ابن عمر هذا يدلُّ على أنَّ الغبن لا يفسد البيع ولا يثبت الخيار؛ لأنَّه لو أفسد البيع أو أثبت الخيار؛ لَبيَّنه رسول الله (٩) ﷺ، ولم يأمره بالشَّرط. انتهى.
وفيه: اشتراط الخيار من المشتري فقط وقِيسَ به البائعُ، ويصدق ذلك باشتراطهما معًا، وخرج بالثَّلاثة ما فوقها وشرط (١٠) الخيار مطلقًا؛ لأنَّ ثبوت الخيار على خلاف القياس؛ لأنَّه غررٌ، فيقتصر فيه على مورد النَّصِّ، وجاز أقلُّ منها بالأَولى.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «ترك الحيل» [خ¦٦٩٦٤]، وأبو داود والنَّسائيُّ في «البيوع».