«لَا يَبِيعُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ.»

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢١٣٩

الحديث رقم ٢١٣٩ من كتاب «كتاب البيوع» في صحيح البخاري، تحت باب: باب لا يبيع على بيع أخيه.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢١٣٩ في صحيح البخاري

«لَا يَبِيعُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ.»

إسناد حديث رقم ٢١٣٩ من صحيح البخاري

٢١٣٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٢١٣٩: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْمُشْتَرِي بِنَفْسِ الْعَقْدِ، فَاسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ قَدْ أَخَذْتُهَا بِالثَّمَنِ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْهَا بَلْ أَبْقَاهَا عِنْدَ أَبَى بَكْرٍ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ مَا كَانَ لِيُبْقِيَهَا فِي ضَمَانِ أَبِي بَكْرٍ لِمَا يَقْتَضِيهِ مَكَارِمُ أَخْلَاقِهِ حَتَّى يَكُونَ الْمِلْكُ لَهُ وَالضَّمَانُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ مِنْ غَيْرِ قَبْضِ ثَمَنٍ، وَلَا سِيَّمَا وَفِي الْقِصَّةِ مَا يَدُلُّ عَلَى إِيثَارِهِ لِمَنْفَعَةِ أَبِي بَكْرٍ حَيْثُ أَبَى أَنْ يَأْخُذَهَا إِلَّا بِالثَّمَنِ.

قُلْتُ: وَلَقَدْ تَعَسَّفَ فِي هَذَا كَمَا تَعَسَّفَ مَنْ قَبْلَهُ، وَلَيْسَ فِي التَّرْجَمَةِ مَا يُلْجِئُ إِلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ دَلَالَةَ الْحَدِيثِ عَلَى قَوْلِهِ: فَوَضَعَهُ عِنْدَ الْبَائِعِ ظَاهِرَةٌ جِدًّا وَقَدْ قَدَّمْتُ أَنَّهُ لَا يَسْتَلْزِمُ صِحَّةَ الْمَبِيعِ بِغَيْرِ قَبْضٍ، وَأَمَّا دَلَالَتُهُ عَلَى قَوْلِهِ: أَوْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ فَهُوَ وَارِدٌ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِفْهَامِ، وَلَمْ يُجْزَمْ بِالْحُكْمِ فِي ذَلِكَ بَلْ هُوَ عَلَى الِاحْتِمَالِ فَلَا حَاجَةَ لِتَحْمِيلِهِ مَا لَمْ يَتَحَمَّلْ، نَعَمْ ذِكْرُهُ لِأَثَرِ ابْنِ عُمَرَ فِي صَدْرِ التَّرْجَمَةِ مُشْعِرٌ بِاخْتِيَارِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ فَلِذَلِكَ احْتِيجَ إِلَى إِبْدَاءِ الْمُنَاسَبَةِ، واللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ مَا أَدْرَكَتِ الصَّفْقَةُ) أَيِ: الْعَقْدُ (حَيًّا) أَيْ: بِمُهْمَلَةٍ وَتَحْتَانِيَّةٍ مُثَقَّلَةٍ (مَجْمُوعًا) أَيْ: لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ حَالَتِهِ (فَهُوَ مِنَ الْمُبْتَاعِ) أَيْ: مِنَ الْمُشْتَرِي، وَهَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ الطَّحَاوِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ وَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ: فَهُوَ مِنْ مَالِ الْمُبْتَاعِ وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مِثْلَهُ لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ مَجْمُوعًا وَإِسْنَادُ الْإِدْرَاكِ إِلَى الْعَقْدِ مَجَازٌ، أَيْ: مَا كَانَ عِنْدَ الْعَقْدِ مَوْجُودًا وَغَيْرَ مُنْفَصِلٍ، قَالَ الطَّحَاوِيُّ: ذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى أَنَّ الصَّفْقَةَ إِذَا أَدْرَكَتْ شَيْئًا حَيًّا فَهَلَكَ بَعْدَ ذَلِكَ عِنْدَ الْبَائِعِ فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّ الْبَيْعَ يَتِمُّ بِالْأَقْوَالِ قَبْلَ الْفُرْقَةِ بِالْأَبْدَانِ اهـ.

وَمَا قَالَهُ لَيْسَ بِلَازِمٍ، وَكَيْفَ يَحْتَجُّ بِأَمْرٍ مُحْتَمَلٍ فِي مُعَارَضَةِ أَمْرٍ مُصَرَّحٍ بِهِ، فَابْنُ عُمَرَ قَدْ تَقَدَّمَ عَنْهُ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ كَانَ يَرَى الْفُرْقَةَ بِالْأَبْدَانِ، وَالْمَنْقُولُ عَنْهُ هُنَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ التَّفَرُّقِ بِالْأَبْدَانِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَهُ فَحَمْلُهُ عَلَى مَا بَعْدَهُ أَوْلَى جَمْعًا بَيْنَ حَدِيثَيْهِ.

وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ بَاعَ عَبْدًا وَاحْتَبَسَهُ بِالثَّمَنِ فَهَلَكَ فِي يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ، فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَرَبِيعَةُ: هُوَ عَلَى الْبَائِعِ، وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ هُوَ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَرَجَعَ إِلَيْهِ مَالِكٌ بَعْدَ أَنْ كَانَ أَخَذَ بِالْأَوَّلِ، وَتَابَعَهُ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَقَالَ بِالْأَوَّلِ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ اشْتِرَاطُ الْقَبْضِ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ، فَمَنِ اشْتَرَطَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ جَعَلَهُ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ، وَمَنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ جَعَلَهُ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ طَاوُسٍ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلًا قَالَ: إِنْ قَالَ الْبَائِعُ: لَا أُعْطِيكَهُ حَتَّى تَنْقُدَنِي الثَّمَنَ فَهَلَكَ، فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ، وَإِلَّا فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي. وَقَدْ فَسَّرَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ الْمُبْتَاعَ فِي أَثَرِ ابْنِ عُمَرَ بِالْعَيْنِ الْمَبِيعَةِ وَهُوَ جَيِّدٌ، وَقَدْ سُئِلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَمَّنِ اشْتَرَى طَعَامًا فَطَلَبَ مَنْ يَحْمِلُهُ فَرَجَعَ فَوَجَدَهُ قَدِ احْتَرَقَ، فَقَالَ: هُوَ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي، وَأَوْرَدَ أَثَرَ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورَ بِلَفْظِ: فَهُوَ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي.

وَفَرَّعَ بَعْضُهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْمَبِيعَ إِذَا كَانَ مُعَيَّنًا دَخَلَ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ وَلَوْ لَمْ يُقْبَضْ، بِخِلَافِ مَا يَكُونُ فِي الذِّمَّةِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي إِلَّا بَعْدَ الْقَبْضِ كَمَا لَوِ اشْتَرَى قَفِيزًا مِنْ صُبْرَةٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي أَوَّلِ الْهِجْرَةِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَقَدْ أَوْرَدَهُ هُنَاكَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عُرْوَةَ أَتَمَّ مِنَ السِّيَاقِ الَّذِي هُنَا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

٥٨ - بَاب لَا يَبِيعُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا يَسُومُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ، حَتَّى يَأْذَنَ لَهُ أَوْ يَتْرُكَ

٢١٣٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: لَا يَبِيعُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ.

[الحديث ٢١٣٩ - طرفاه في: ٢١٦٥، ٥١٤٢]

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢١٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) ابن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: لَا يَبِيعُ) بإثبات الياء على أنَّ «لا» نافيةٌ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «لا يَبِعْ» بصيغة النَّهي (١) (بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ) زاد في «الشُّروط» [خ¦٢٧٢٧] من حديث أبي هريرة: «وأن يستام الرَّجل على سوم أخيه»، وبذلك تحصل المطابقة بين الحديث والتَّرجمة، ولعلَّه أشار إلى ذلك كما هو عادته، وظاهر التَّقييد بأخيه تخصيصُ الحكم بالمسلم، وبه قال الأوزاعيُّ وغيره. ولـ «مسلمٍ» عن أبي هريرة: «لا يسوم المسلم على المسلم»، وقال الجمهور: لا فرق بين المسلم وغيره، وذِكْرُ المسلم ليس للتَّقييد، بل لأنَّه أسرع امتثالًا، فذكرُ الأخِ أو المسلم لا مفهومَ له.

وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «البيوع» [خ¦٢١٦٠]، وكذا مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ، وأخرجه ابن ماجه في «التِّجارات».

٢١٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة قال: (حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ) بفتح الياء المُشدَّدة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) أنَّه (قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ) نهيَ تحريمٍ (أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ) متاعًا يقدم به من البادية ليبيعه بسعر يومه بأن يقول له، أي: الحاضر: اتركه عندي لأبيعه لك على التَّدريج بأغلى (وَ) قال: (لَا تَنَاجَشُوا) مضارعٌ حُذِفت إحدى تاءيه، والأصل: تتناجشوا، من النَّجْش -بنونٍ مفتوحةٍ وجيمٍ ساكنةٍ وشينٍ معجمةٍ- وهو أن يزيد في الثَّمن بلا رغبةٍ، بل ليغرَّ غيره، والجملة معمولٌ لـ «قال» مُقدَّرة، أي: نهى وقال: لا تناجشوا (وَلَا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ،

وَلَا يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ) بكسر الخاء، وصورته: أن يخطب الرَّجل المرأة فتركن هي (١) إليه، ويتَّفقا على صداقٍ معلومٍ ويتراضيا ولم يبق إلَّا العقد، فيجيء آخر ويخطب ويزيد في الصَّداق، والمعنى في ذلك: الإيذاء، وهو خبرٌ بمعنى النَّهي (وَلَا تَسْأَلُِ المَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا) «تسأل» رفع خبرٍ بمعنى: النَّهي، وبالكسر على النَّهي حقيقةً، أي: لا تسأل امرأةٌ زوج امرأةٍ أن يطلِّق زوجته ويتزوَّج بها ويكون لها من النَّفقة والمعاشرة ما كان لها، وهو معنى قوله: (لِتَكْفَأَ) بفتح الفوقيَّة والفاء وبينهما كافٌ ساكنةٌ آخره همزةٌ، أي: تقلب (مَا فِي إِنَائِهَا) ولأبي ذرٍّ: «لتكفِيَ» بكسر الفاء ثمَّ المُثنَّاة التَّحتيَّة، قال: وصوابه: بالفتح والهمز (٢).

وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الأحكام» [خ¦٢٧٢٣]، ومسلمٌ في «النِّكاح» و «البيوع»، وأخرجه أبو داود في «البيوع» ببعضه: «لا تناجشوا»، وفي «النِّكاح» ببعضه: «لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه»، والتِّرمذيُّ في «البيوع» ببعضه: «لا يبع حاضرٌ لبادٍ»، وفي موضعٍ آخر منه ببعضه: «لا تناجشوا»، وفي «النِّكاح» ببعضه: «لا يخطب الرَّجل على خطبة أخيه، ولا يبيع الرَّجل على بيع أخيه»، والنَّسائيُّ في «النِّكاح» بتمامه ولم يذكر: السَّوم، وابن ماجه في «النِّكاح» ببعضه: «لا يخطب الرَّجل على خطبة أخيه»، وفي «التِّجارات» ببعضه: «ولا تناجشوا»، ورواه فيه أيضًا ببعضه: «لا يبيع الرَّجل على بيع أخيه، ولا يسوم على سوم أخيه»، ورواه فيه (٣) أيضًا ببعضه: «لا يبيع (٤) حاضرٌ لبادٍ».

(٥٩) (باب بَيْعِ المُزَايَدَةِ، وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ، ممَّا وصله أبو بكر بن أبي شيبة: (أَدْرَكْتُ النَّاسَ لَا يَرَوْنَ بَأْسًا بِبَيْعِ المَغَانِمِ فِيمَنْ يَزِيدُ) ويلتحق بها غيرها للاشتراك في

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْمُشْتَرِي بِنَفْسِ الْعَقْدِ، فَاسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ قَدْ أَخَذْتُهَا بِالثَّمَنِ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْهَا بَلْ أَبْقَاهَا عِنْدَ أَبَى بَكْرٍ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ مَا كَانَ لِيُبْقِيَهَا فِي ضَمَانِ أَبِي بَكْرٍ لِمَا يَقْتَضِيهِ مَكَارِمُ أَخْلَاقِهِ حَتَّى يَكُونَ الْمِلْكُ لَهُ وَالضَّمَانُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ مِنْ غَيْرِ قَبْضِ ثَمَنٍ، وَلَا سِيَّمَا وَفِي الْقِصَّةِ مَا يَدُلُّ عَلَى إِيثَارِهِ لِمَنْفَعَةِ أَبِي بَكْرٍ حَيْثُ أَبَى أَنْ يَأْخُذَهَا إِلَّا بِالثَّمَنِ.

قُلْتُ: وَلَقَدْ تَعَسَّفَ فِي هَذَا كَمَا تَعَسَّفَ مَنْ قَبْلَهُ، وَلَيْسَ فِي التَّرْجَمَةِ مَا يُلْجِئُ إِلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ دَلَالَةَ الْحَدِيثِ عَلَى قَوْلِهِ: فَوَضَعَهُ عِنْدَ الْبَائِعِ ظَاهِرَةٌ جِدًّا وَقَدْ قَدَّمْتُ أَنَّهُ لَا يَسْتَلْزِمُ صِحَّةَ الْمَبِيعِ بِغَيْرِ قَبْضٍ، وَأَمَّا دَلَالَتُهُ عَلَى قَوْلِهِ: أَوْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ فَهُوَ وَارِدٌ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِفْهَامِ، وَلَمْ يُجْزَمْ بِالْحُكْمِ فِي ذَلِكَ بَلْ هُوَ عَلَى الِاحْتِمَالِ فَلَا حَاجَةَ لِتَحْمِيلِهِ مَا لَمْ يَتَحَمَّلْ، نَعَمْ ذِكْرُهُ لِأَثَرِ ابْنِ عُمَرَ فِي صَدْرِ التَّرْجَمَةِ مُشْعِرٌ بِاخْتِيَارِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ فَلِذَلِكَ احْتِيجَ إِلَى إِبْدَاءِ الْمُنَاسَبَةِ، واللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ مَا أَدْرَكَتِ الصَّفْقَةُ) أَيِ: الْعَقْدُ (حَيًّا) أَيْ: بِمُهْمَلَةٍ وَتَحْتَانِيَّةٍ مُثَقَّلَةٍ (مَجْمُوعًا) أَيْ: لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ حَالَتِهِ (فَهُوَ مِنَ الْمُبْتَاعِ) أَيْ: مِنَ الْمُشْتَرِي، وَهَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ الطَّحَاوِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ وَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ: فَهُوَ مِنْ مَالِ الْمُبْتَاعِ وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مِثْلَهُ لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ مَجْمُوعًا وَإِسْنَادُ الْإِدْرَاكِ إِلَى الْعَقْدِ مَجَازٌ، أَيْ: مَا كَانَ عِنْدَ الْعَقْدِ مَوْجُودًا وَغَيْرَ مُنْفَصِلٍ، قَالَ الطَّحَاوِيُّ: ذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى أَنَّ الصَّفْقَةَ إِذَا أَدْرَكَتْ شَيْئًا حَيًّا فَهَلَكَ بَعْدَ ذَلِكَ عِنْدَ الْبَائِعِ فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّ الْبَيْعَ يَتِمُّ بِالْأَقْوَالِ قَبْلَ الْفُرْقَةِ بِالْأَبْدَانِ اهـ.

وَمَا قَالَهُ لَيْسَ بِلَازِمٍ، وَكَيْفَ يَحْتَجُّ بِأَمْرٍ مُحْتَمَلٍ فِي مُعَارَضَةِ أَمْرٍ مُصَرَّحٍ بِهِ، فَابْنُ عُمَرَ قَدْ تَقَدَّمَ عَنْهُ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ كَانَ يَرَى الْفُرْقَةَ بِالْأَبْدَانِ، وَالْمَنْقُولُ عَنْهُ هُنَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ التَّفَرُّقِ بِالْأَبْدَانِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَهُ فَحَمْلُهُ عَلَى مَا بَعْدَهُ أَوْلَى جَمْعًا بَيْنَ حَدِيثَيْهِ.

وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ بَاعَ عَبْدًا وَاحْتَبَسَهُ بِالثَّمَنِ فَهَلَكَ فِي يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ، فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَرَبِيعَةُ: هُوَ عَلَى الْبَائِعِ، وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ هُوَ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَرَجَعَ إِلَيْهِ مَالِكٌ بَعْدَ أَنْ كَانَ أَخَذَ بِالْأَوَّلِ، وَتَابَعَهُ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَقَالَ بِالْأَوَّلِ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ اشْتِرَاطُ الْقَبْضِ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ، فَمَنِ اشْتَرَطَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ جَعَلَهُ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ، وَمَنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ جَعَلَهُ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ طَاوُسٍ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلًا قَالَ: إِنْ قَالَ الْبَائِعُ: لَا أُعْطِيكَهُ حَتَّى تَنْقُدَنِي الثَّمَنَ فَهَلَكَ، فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ، وَإِلَّا فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي. وَقَدْ فَسَّرَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ الْمُبْتَاعَ فِي أَثَرِ ابْنِ عُمَرَ بِالْعَيْنِ الْمَبِيعَةِ وَهُوَ جَيِّدٌ، وَقَدْ سُئِلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَمَّنِ اشْتَرَى طَعَامًا فَطَلَبَ مَنْ يَحْمِلُهُ فَرَجَعَ فَوَجَدَهُ قَدِ احْتَرَقَ، فَقَالَ: هُوَ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي، وَأَوْرَدَ أَثَرَ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورَ بِلَفْظِ: فَهُوَ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي.

وَفَرَّعَ بَعْضُهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْمَبِيعَ إِذَا كَانَ مُعَيَّنًا دَخَلَ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ وَلَوْ لَمْ يُقْبَضْ، بِخِلَافِ مَا يَكُونُ فِي الذِّمَّةِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي إِلَّا بَعْدَ الْقَبْضِ كَمَا لَوِ اشْتَرَى قَفِيزًا مِنْ صُبْرَةٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي أَوَّلِ الْهِجْرَةِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَقَدْ أَوْرَدَهُ هُنَاكَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عُرْوَةَ أَتَمَّ مِنَ السِّيَاقِ الَّذِي هُنَا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

٥٨ - بَاب لَا يَبِيعُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا يَسُومُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ، حَتَّى يَأْذَنَ لَهُ أَوْ يَتْرُكَ

٢١٣٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: لَا يَبِيعُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ.

[الحديث ٢١٣٩ - طرفاه في: ٢١٦٥، ٥١٤٢]

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢١٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) ابن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: لَا يَبِيعُ) بإثبات الياء على أنَّ «لا» نافيةٌ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «لا يَبِعْ» بصيغة النَّهي (١) (بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ) زاد في «الشُّروط» [خ¦٢٧٢٧] من حديث أبي هريرة: «وأن يستام الرَّجل على سوم أخيه»، وبذلك تحصل المطابقة بين الحديث والتَّرجمة، ولعلَّه أشار إلى ذلك كما هو عادته، وظاهر التَّقييد بأخيه تخصيصُ الحكم بالمسلم، وبه قال الأوزاعيُّ وغيره. ولـ «مسلمٍ» عن أبي هريرة: «لا يسوم المسلم على المسلم»، وقال الجمهور: لا فرق بين المسلم وغيره، وذِكْرُ المسلم ليس للتَّقييد، بل لأنَّه أسرع امتثالًا، فذكرُ الأخِ أو المسلم لا مفهومَ له.

وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «البيوع» [خ¦٢١٦٠]، وكذا مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ، وأخرجه ابن ماجه في «التِّجارات».

٢١٤٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة قال: (حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ) بفتح الياء المُشدَّدة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) أنَّه (قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ) نهيَ تحريمٍ (أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ) متاعًا يقدم به من البادية ليبيعه بسعر يومه بأن يقول له، أي: الحاضر: اتركه عندي لأبيعه لك على التَّدريج بأغلى (وَ) قال: (لَا تَنَاجَشُوا) مضارعٌ حُذِفت إحدى تاءيه، والأصل: تتناجشوا، من النَّجْش -بنونٍ مفتوحةٍ وجيمٍ ساكنةٍ وشينٍ معجمةٍ- وهو أن يزيد في الثَّمن بلا رغبةٍ، بل ليغرَّ غيره، والجملة معمولٌ لـ «قال» مُقدَّرة، أي: نهى وقال: لا تناجشوا (وَلَا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ،

وَلَا يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ) بكسر الخاء، وصورته: أن يخطب الرَّجل المرأة فتركن هي (١) إليه، ويتَّفقا على صداقٍ معلومٍ ويتراضيا ولم يبق إلَّا العقد، فيجيء آخر ويخطب ويزيد في الصَّداق، والمعنى في ذلك: الإيذاء، وهو خبرٌ بمعنى النَّهي (وَلَا تَسْأَلُِ المَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا) «تسأل» رفع خبرٍ بمعنى: النَّهي، وبالكسر على النَّهي حقيقةً، أي: لا تسأل امرأةٌ زوج امرأةٍ أن يطلِّق زوجته ويتزوَّج بها ويكون لها من النَّفقة والمعاشرة ما كان لها، وهو معنى قوله: (لِتَكْفَأَ) بفتح الفوقيَّة والفاء وبينهما كافٌ ساكنةٌ آخره همزةٌ، أي: تقلب (مَا فِي إِنَائِهَا) ولأبي ذرٍّ: «لتكفِيَ» بكسر الفاء ثمَّ المُثنَّاة التَّحتيَّة، قال: وصوابه: بالفتح والهمز (٢).

وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الأحكام» [خ¦٢٧٢٣]، ومسلمٌ في «النِّكاح» و «البيوع»، وأخرجه أبو داود في «البيوع» ببعضه: «لا تناجشوا»، وفي «النِّكاح» ببعضه: «لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه»، والتِّرمذيُّ في «البيوع» ببعضه: «لا يبع حاضرٌ لبادٍ»، وفي موضعٍ آخر منه ببعضه: «لا تناجشوا»، وفي «النِّكاح» ببعضه: «لا يخطب الرَّجل على خطبة أخيه، ولا يبيع الرَّجل على بيع أخيه»، والنَّسائيُّ في «النِّكاح» بتمامه ولم يذكر: السَّوم، وابن ماجه في «النِّكاح» ببعضه: «لا يخطب الرَّجل على خطبة أخيه»، وفي «التِّجارات» ببعضه: «ولا تناجشوا»، ورواه فيه أيضًا ببعضه: «لا يبيع الرَّجل على بيع أخيه، ولا يسوم على سوم أخيه»، ورواه فيه (٣) أيضًا ببعضه: «لا يبيع (٤) حاضرٌ لبادٍ».

(٥٩) (باب بَيْعِ المُزَايَدَةِ، وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ، ممَّا وصله أبو بكر بن أبي شيبة: (أَدْرَكْتُ النَّاسَ لَا يَرَوْنَ بَأْسًا بِبَيْعِ المَغَانِمِ فِيمَنْ يَزِيدُ) ويلتحق بها غيرها للاشتراك في

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
أستغفر الله