«نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ»، وَبِهِ قَالَ ابْنُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢١٥٩

الحديث رقم ٢١٥٩ من كتاب «كتاب البيوع» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من كره أن يبيع حاضر لباد بأجر.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢١٥٩ في صحيح البخاري

«نَهَى رَسُولُ اللهِ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ»، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ.

بَابٌ: لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ بِالسَّمْسَرَةِ وَكَرِهَهُ ابْنُ سِيرِينَ وَإِبْرَاهِيمُ لِلْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: بِعْ لِي ثَوْبًا وَهْيَ تَعْنِي الشِّرَاءَ

إسناد حديث رقم ٢١٥٩ من صحيح البخاري

٢١٥٩ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ صَبَّاحٍ: حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٢١٥٩: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

النَّصُّ أَوْ يُعَمَّمُ، وَحَيْثُ يَخْفَى فَاتِّبَاعُ اللَّفْظِ أَوْلَى، فَأَمَّا اشْتِرَاطُ أَنْ يَلْتَمِسَ الْبَلَدِيُّ ذَلِكَ فَلَا يَقْوَى لِعَدَمِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ وَعَدَمِ ظُهُورِ الْمَعْنَى فِيهِ، فَإِنَّ الضَّرَرَ الَّذِي عُلِّلَ بِهِ النَّهْيُ لَا يَفْتَرِقُ الْحَالُ فِيهِ بَيْنَ سُؤَالِ الْبَلَدِيِّ وَعَدَمِهِ.

وَأَمَّا اشْتِرَاطُ أَنْ يَكُونَ الطَّعَامُ مِمَّا تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَيْهِ فَمُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الظُّهُورِ وَعَدَمِهِ، وَأَمَّا اشْتِرَاطُ ظُهُورِ السَّعَةِ فَكَذَلِكَ أَيْضًا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ مُجَرَّدَ تَفْوِيتِ الرِّبْحِ وَالرِّزْقِ عَلَى أَهْلِ الْبَلَدِ، وَأَمَّا اشْتِرَاطُ الْعِلْمِ بِالنَّهْيِ فَلَا إِشْكَالَ فِيهِ.

وَقَالَ السُّبْكِيُّ: شَرْطُ حَاجَةِ النَّاسِ إِلَيْهِ مُعْتَبَرٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ جَمَاعَةٌ عُمُومَهَا، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ تَبَعًا لِلْبَغَوِيِّ وَيَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ. وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِيمَا إِذَا وَقَعَ الْبَيْعُ مَعَ وُجُودِ الشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ هَلْ يَصِحُّ مَعَ التَّحْرِيمِ أَوْ لَا يَصِحُّ؟ عَلَى الْقَاعِدَةِ الْمَشْهُورَةِ.

٦٩ - بَاب مَنْ كَرِهَ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ بِأَجْرٍ

٢١٥٩ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَبَّاحٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ. وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ كَرِهَ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ بِأَجْرٍ) وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، أَيْ: حَيْثُ فَسَّرَ ذَلِكَ بِالسِّمْسَارِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ.

قَوْلُهُ: (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ) كَذَا أَوْرَدَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ لَيْسَ فِيهِ التَّقْيِيدُ بِالْأَجْرِ كَمَا فِي التَّرْجَمَةِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَرَادَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ بَيْعَ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي لَا يَجُوزُ بِأَجْرٍ وَيَجُوزُ بِغَيْرِ أَجْرٍ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَكَأَنَّهُ قَيَّدَ بِهِ مُطْلَقَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: وَقَدْ أَجَازَ الْأَوْزَاعِيُّ أَنْ يُشِيرَ الْحَاضِرُ عَلَى الْبَادِي وَقَالَ: لَيْسَتِ الْإِشَارَةُ بَيْعًا. وَعَنِ اللَّيْثِ، وَأَبِي حَنِيفَةَ لَا يُشِيرُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا أَشَارَ عَلَيْهِ فَقَدْ بَاعَهُ.

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي ذَلِكَ وَجْهَانِ، وَالرَّاجِحُ مِنْهُمَا الْجَوَازُ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا نَهَى عَنِ الْبَيْعِ لَهُ وَلَيْسَتِ الْإِشَارَةُ بَيْعًا، وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِنُصْحِهِ فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ الْإِشَارَةِ.

(تَنْبِيهٌ): حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَرْدٌ غَرِيبٌ لَمْ أَرَهُ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عَلِيٍّ الْحَنَفِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، وَقَدْ ضَاقَ مَخْرَجُهُ عَلَى الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَعَلَى أَبِي نُعَيْمٍ فَلَمْ يُخَرِّجَاهُ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ، وَلَهُ أَصْلٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَلَيْسَ هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: عَدُّوهُ فِي أَفْرَادِ الشَّافِعِيِّ، وَقَدْ تَابَعَهُ الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، ثُمَّ سَاقَهُ بِإِسْنَادَيْنِ إِلَى الْقَعْنَبِيِّ.

٧٠ - بَاب لَا يَشْتَرِي حَاضِرٌ لِبَادٍ بِالسَّمْسَرَةِ، وَكَرِهَهُ ابْنُ سِيرِينَ وَإِبْرَاهِيمُ لِلْبَائِعِ وَلِلْمُشْتَرِي وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: بِعْ لِي ثَوْبًا، وَهِيَ تَعْنِي الشِّرَاءَ

٢١٦٠ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : لَا يَبْتَعِ الْمَرْءُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ.

٢١٦١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ :

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وهذا الحديث أخرجه البخاريُّ أيضًا (١) في «الإجارة» [خ¦٢٢٧٤]، ومسلمٌ وأبو داود في «البيوع»، والنَّسائيُّ وابن ماجه في «التِّجارات».

(٦٩) (باب مَنْ كَرِهَ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ بِأَجْرٍ).

٢١٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ صَبَّاحٍ) بفتح الصَّاد المهملة والمُوحَّدة المُشدَّدة، وبعد الألف حاءٌ مُهمَلةٌ، وفي نسخةٍ: «ابن الصَّبَّاح» بزيادة الألف واللَّام، العطَّار (٢) البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ) عبيد الله -بالتَّصغير- ابن عبد المجيد (٣) (الحَنَفِيُّ) نسبةً إلى بني حنيفة (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ) صدوقٌ في حديثه ضعفٌ، لكن حدَّث عنه يحيى (٤) القطَّان وتكفيه رواية يحيى عنه، واحتجَّ به (٥) البخاريُّ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) عبد الله بن دينارٍ العدويُّ، مولاهم المدنيُّ مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ) أنَّه (قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَبِهِ) أي: بقول (٦) من كره بيع الحاضر للبادي (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) حيث فسَّر ذلك بالسِّمسار كما في حديثه السَّابق [خ¦٢١٥٨] فهو مقيِّدٌ لإطلاق حديث ابن عمر.

(٧٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ بِالسَّمْسَرَةِ) بمهملتين -وجمعه سماسرة- وهو القيِّم

بالأمر الحافظ له، ثمَّ غلب استعماله فيمن يدخل بين البائع والمشتري في ذلك، ولكنَّ المراد به هنا أخصُّ من ذلك، وهو أن يدخل بين البائع البادي والمشتري الحاضر أو عكسه، والسَّمسرة: البيع والشِّراء، ولأبوي ذرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «لا يشتري» بدل قوله: «لا يبيع»، فيكون قياسًا على البيع، أو استعمالًا للفظ البيع في البيع والشِّراء (وَكَرِهَهُ) أي: كره البيعَ والشِّراء المذكورين (ابْنُ سِيرِينَ) محمَّدٌ، فيما وصله أبو عَوانة (وَإِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ (لِلْبَائِعِ وَالمُشْتَرِي) ولأبي ذرٍّ -كما في الفرع-: «وللمشتري»، ورواه أبو داود (١) من طريق أبي بلالٍ (٢) عن ابن سيرين عن أنسٍ كان يُقال: لا يبيع حاضرٌ لبادٍ، وهي كلمةٌ جامعةٌ، لا يبيع له شيئًا ولا يبتاع له شيئًا، قال الحافظ ابن حجرٍ: ولم أقف لإبراهيم النَّخعيِّ على ذلك صريحًا، لكن (قَالَ إِبْرَاهِيمُ) مستدلًّا لِما ذهب إليه من التَّسوية في الكراهة بين بيع الحاضر للبادي وبين شرائه له: (إِنَّ العَرَبَ تَقُولُ: بِعْ لِي ثَوْبًا، وَهْيَ تَعْنِي) أي: تقصد وتريد: (الشِّرَاءَ) وللحَمُّويي والمُستملي: «وهو يعني»، قال الكِرمانيُّ: وهو صحيحٌ على مذهب من جوَّز استعمال اللَّفظ المشترك في معنييه، اللَّهمَّ إلَّا أن يُقال: إنَّ (٣) البيع والشِّراء ضدَّان، فلا تصحُّ إرادتهما معًا، فإن قلت: فما وجهه (٤)؟ قلت: وجهه أن يُحمَل على عموم المجاز. انتهى. قال البرماويُّ (٥): ولا تضادَّ في استعمالهما، كالقرء للطُّهر والحيض. انتهى. قال ابن حبيبٍ من المالكيَّة: الشِّراء للبادي مثل البيع؛ لقوله [خ¦٢١٥٠]: «لا يبيع بعضكم على بيع بعضٍ»، فإنَّ معناه الشِّراءُ، وعن مالكٍ في ذلك روايتان، وقال أصحابنا الشَّافعيَّة: ولو قدم البادي يريد الشِّراء فتعرَّض له حاضرٌ يريد أن يشتري له (٦) رخيصًا -وهو المُسمَّى بالسِّمسار- فهل يحرم عليه كما في البيع؟ تردَّد فيه في «المَطْلَبِ»، واختار البخاريُّ المنعَ، وقال الأذرعيُّ: ينبغي الجزم به.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

النَّصُّ أَوْ يُعَمَّمُ، وَحَيْثُ يَخْفَى فَاتِّبَاعُ اللَّفْظِ أَوْلَى، فَأَمَّا اشْتِرَاطُ أَنْ يَلْتَمِسَ الْبَلَدِيُّ ذَلِكَ فَلَا يَقْوَى لِعَدَمِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ وَعَدَمِ ظُهُورِ الْمَعْنَى فِيهِ، فَإِنَّ الضَّرَرَ الَّذِي عُلِّلَ بِهِ النَّهْيُ لَا يَفْتَرِقُ الْحَالُ فِيهِ بَيْنَ سُؤَالِ الْبَلَدِيِّ وَعَدَمِهِ.

وَأَمَّا اشْتِرَاطُ أَنْ يَكُونَ الطَّعَامُ مِمَّا تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَيْهِ فَمُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الظُّهُورِ وَعَدَمِهِ، وَأَمَّا اشْتِرَاطُ ظُهُورِ السَّعَةِ فَكَذَلِكَ أَيْضًا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ مُجَرَّدَ تَفْوِيتِ الرِّبْحِ وَالرِّزْقِ عَلَى أَهْلِ الْبَلَدِ، وَأَمَّا اشْتِرَاطُ الْعِلْمِ بِالنَّهْيِ فَلَا إِشْكَالَ فِيهِ.

وَقَالَ السُّبْكِيُّ: شَرْطُ حَاجَةِ النَّاسِ إِلَيْهِ مُعْتَبَرٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ جَمَاعَةٌ عُمُومَهَا، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ تَبَعًا لِلْبَغَوِيِّ وَيَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ. وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِيمَا إِذَا وَقَعَ الْبَيْعُ مَعَ وُجُودِ الشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ هَلْ يَصِحُّ مَعَ التَّحْرِيمِ أَوْ لَا يَصِحُّ؟ عَلَى الْقَاعِدَةِ الْمَشْهُورَةِ.

٦٩ - بَاب مَنْ كَرِهَ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ بِأَجْرٍ

٢١٥٩ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَبَّاحٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ. وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ كَرِهَ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ بِأَجْرٍ) وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، أَيْ: حَيْثُ فَسَّرَ ذَلِكَ بِالسِّمْسَارِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ.

قَوْلُهُ: (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ) كَذَا أَوْرَدَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ لَيْسَ فِيهِ التَّقْيِيدُ بِالْأَجْرِ كَمَا فِي التَّرْجَمَةِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَرَادَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ بَيْعَ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي لَا يَجُوزُ بِأَجْرٍ وَيَجُوزُ بِغَيْرِ أَجْرٍ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَكَأَنَّهُ قَيَّدَ بِهِ مُطْلَقَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: وَقَدْ أَجَازَ الْأَوْزَاعِيُّ أَنْ يُشِيرَ الْحَاضِرُ عَلَى الْبَادِي وَقَالَ: لَيْسَتِ الْإِشَارَةُ بَيْعًا. وَعَنِ اللَّيْثِ، وَأَبِي حَنِيفَةَ لَا يُشِيرُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا أَشَارَ عَلَيْهِ فَقَدْ بَاعَهُ.

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي ذَلِكَ وَجْهَانِ، وَالرَّاجِحُ مِنْهُمَا الْجَوَازُ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا نَهَى عَنِ الْبَيْعِ لَهُ وَلَيْسَتِ الْإِشَارَةُ بَيْعًا، وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِنُصْحِهِ فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ الْإِشَارَةِ.

(تَنْبِيهٌ): حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَرْدٌ غَرِيبٌ لَمْ أَرَهُ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عَلِيٍّ الْحَنَفِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، وَقَدْ ضَاقَ مَخْرَجُهُ عَلَى الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَعَلَى أَبِي نُعَيْمٍ فَلَمْ يُخَرِّجَاهُ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ، وَلَهُ أَصْلٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَلَيْسَ هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: عَدُّوهُ فِي أَفْرَادِ الشَّافِعِيِّ، وَقَدْ تَابَعَهُ الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، ثُمَّ سَاقَهُ بِإِسْنَادَيْنِ إِلَى الْقَعْنَبِيِّ.

٧٠ - بَاب لَا يَشْتَرِي حَاضِرٌ لِبَادٍ بِالسَّمْسَرَةِ، وَكَرِهَهُ ابْنُ سِيرِينَ وَإِبْرَاهِيمُ لِلْبَائِعِ وَلِلْمُشْتَرِي وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: بِعْ لِي ثَوْبًا، وَهِيَ تَعْنِي الشِّرَاءَ

٢١٦٠ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : لَا يَبْتَعِ الْمَرْءُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ.

٢١٦١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ :

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وهذا الحديث أخرجه البخاريُّ أيضًا (١) في «الإجارة» [خ¦٢٢٧٤]، ومسلمٌ وأبو داود في «البيوع»، والنَّسائيُّ وابن ماجه في «التِّجارات».

(٦٩) (باب مَنْ كَرِهَ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ بِأَجْرٍ).

٢١٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ صَبَّاحٍ) بفتح الصَّاد المهملة والمُوحَّدة المُشدَّدة، وبعد الألف حاءٌ مُهمَلةٌ، وفي نسخةٍ: «ابن الصَّبَّاح» بزيادة الألف واللَّام، العطَّار (٢) البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ) عبيد الله -بالتَّصغير- ابن عبد المجيد (٣) (الحَنَفِيُّ) نسبةً إلى بني حنيفة (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ) صدوقٌ في حديثه ضعفٌ، لكن حدَّث عنه يحيى (٤) القطَّان وتكفيه رواية يحيى عنه، واحتجَّ به (٥) البخاريُّ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) عبد الله بن دينارٍ العدويُّ، مولاهم المدنيُّ مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ) أنَّه (قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَبِهِ) أي: بقول (٦) من كره بيع الحاضر للبادي (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) حيث فسَّر ذلك بالسِّمسار كما في حديثه السَّابق [خ¦٢١٥٨] فهو مقيِّدٌ لإطلاق حديث ابن عمر.

(٧٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ بِالسَّمْسَرَةِ) بمهملتين -وجمعه سماسرة- وهو القيِّم

بالأمر الحافظ له، ثمَّ غلب استعماله فيمن يدخل بين البائع والمشتري في ذلك، ولكنَّ المراد به هنا أخصُّ من ذلك، وهو أن يدخل بين البائع البادي والمشتري الحاضر أو عكسه، والسَّمسرة: البيع والشِّراء، ولأبوي ذرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «لا يشتري» بدل قوله: «لا يبيع»، فيكون قياسًا على البيع، أو استعمالًا للفظ البيع في البيع والشِّراء (وَكَرِهَهُ) أي: كره البيعَ والشِّراء المذكورين (ابْنُ سِيرِينَ) محمَّدٌ، فيما وصله أبو عَوانة (وَإِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ (لِلْبَائِعِ وَالمُشْتَرِي) ولأبي ذرٍّ -كما في الفرع-: «وللمشتري»، ورواه أبو داود (١) من طريق أبي بلالٍ (٢) عن ابن سيرين عن أنسٍ كان يُقال: لا يبيع حاضرٌ لبادٍ، وهي كلمةٌ جامعةٌ، لا يبيع له شيئًا ولا يبتاع له شيئًا، قال الحافظ ابن حجرٍ: ولم أقف لإبراهيم النَّخعيِّ على ذلك صريحًا، لكن (قَالَ إِبْرَاهِيمُ) مستدلًّا لِما ذهب إليه من التَّسوية في الكراهة بين بيع الحاضر للبادي وبين شرائه له: (إِنَّ العَرَبَ تَقُولُ: بِعْ لِي ثَوْبًا، وَهْيَ تَعْنِي) أي: تقصد وتريد: (الشِّرَاءَ) وللحَمُّويي والمُستملي: «وهو يعني»، قال الكِرمانيُّ: وهو صحيحٌ على مذهب من جوَّز استعمال اللَّفظ المشترك في معنييه، اللَّهمَّ إلَّا أن يُقال: إنَّ (٣) البيع والشِّراء ضدَّان، فلا تصحُّ إرادتهما معًا، فإن قلت: فما وجهه (٤)؟ قلت: وجهه أن يُحمَل على عموم المجاز. انتهى. قال البرماويُّ (٥): ولا تضادَّ في استعمالهما، كالقرء للطُّهر والحيض. انتهى. قال ابن حبيبٍ من المالكيَّة: الشِّراء للبادي مثل البيع؛ لقوله [خ¦٢١٥٠]: «لا يبيع بعضكم على بيع بعضٍ»، فإنَّ معناه الشِّراءُ، وعن مالكٍ في ذلك روايتان، وقال أصحابنا الشَّافعيَّة: ولو قدم البادي يريد الشِّراء فتعرَّض له حاضرٌ يريد أن يشتري له (٦) رخيصًا -وهو المُسمَّى بالسِّمسار- فهل يحرم عليه كما في البيع؟ تردَّد فيه في «المَطْلَبِ»، واختار البخاريُّ المنعَ، وقال الأذرعيُّ: ينبغي الجزم به.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
الله أكبر