«جَاءَتْنِي بَرِيرَةُ فَقَالَتْ: كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ، فِي…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢١٦٨

الحديث رقم ٢١٦٨ من كتاب «كتاب البيوع» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إذا اشترط شروطا في البيع لا تحل.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢١٦٨ في صحيح البخاري

«جَاءَتْنِي بَرِيرَةُ فَقَالَتْ: كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ، فِي كُلِّ عَامٍ وَقِيَّةٌ، فَأَعِينِينِي، فَقُلْتُ: إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ، وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ. فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إِلَى أَهْلِهَا، فَقَالَتْ لَهُمْ فَأَبَوْا عَلَيْهَا، فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ وَرَسُولُ اللهِ جَالِسٌ، فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ عَرَضْتُ ذَلِكِ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ ، فَأَخْبَرَتْ عَائِشَةُ النَّبِيَّ ، فَقَالَ: خُذِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ، مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهْوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللهِ أَوْثَقُ، وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ.»

إسناد حديث رقم ٢١٦٨ من صحيح البخاري

٢١٦٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٢١٦٨: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

كَرَاهَةَ التَّلَقِّي وَلَوْ فِي الطَّرِيقِ، وَلَوْ عَلَى بَابِ الْبَيْتِ حَتَّى تَدْخُلَ السِّلْعَةُ السُّوقَ.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ الْمُصَنِّفُ.

قَوْلُهُ: (هَذَا فِي أَعْلَى السُّوقِ) أَيْ: حَدِيثُ جُوَيْرِيَةَ عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ: كُنَّا نَتَلَقَّى الرُّكْبَانَ فَنَشْتَرِي مِنْهُمُ الطَّعَامَ الْحَدِيثَ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَبَيَّنَهُ حَدِيثُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ يَعْنِي: عَنْ نَافِعٍ أَيْ: حَيْثُ قَالَ: كَانُوا يَتَبَايَعُونَ الطَّعَامَ فِي أَعْلَى السُّوقِ الْحَدِيثُ مِثْلُهُ، وَأَرَادَ الْبُخَارِيُّ بِذَلِكَ الرَّدِّ عَلَى مَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ تَلَقِّي الرُّكْبَانِ لِإِطْلَاقِ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: كُنَّا نَتَلَقَّى الرُّكْبَانَ وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَلَقَّوْنَهُمْ فِي أَعْلَى السُّوقِ كَمَا فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، وَقَدْ صَرَّحَ مَالِكٌ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ نَافِعٍ بِقَوْلِهِ: وَلَا تَلَقَّوُا السِّلَعَ حَتَّى يُهْبَطَ بِهَا السُّوقَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ التَّلَقِّيَ الَّذِي لَمْ يُنْهَ عَنْهُ إِنَّمَا هُوَ مَا بَلَغَ السُّوقَ، وَالْحَدِيثُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا. وَادَّعَى الطَّحَاوِيُّ التَّعَارُضَ فِي هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا بِوُقُوعِ الضَّرَرِ لِأَصْحَابِ السِّلَعِ وَعَدَمِهِ، قَالَ: فَيُحْمَلُ حَدِيثُ النَّهْيِ عَلَى مَا إِذَا حَصَلَ الضَّرَرُ، وَحَدِيثُ الْإِبَاحَةِ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَحْصُلْ، وَلَا يَخْفَى رُجْحَانُ الْجَمْعِ الَّذِي جَمَعَ بِهِ الْبُخَارِيُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ قَوْلُ الْبُخَارِيِّ هَذَا فِي أَعْلَى السُّوقِ عَقِبَ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ عَقِبَ حَدِيثِ جُوَيْرِيَةَ وَهُوَ الصَّوَابُ.

٧٣ - بَاب إِذَا اشْتَرَطَ شُرُوطًا فِي الْبَيْعِ لَا تَحِلُّ

٢١٦٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَتْنِي بَرِيرَةُ فَقَالَتْ: كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ فِي كُلِّ عَامٍ وَقِيَّةٌ، فَأَعِينِينِي فَقُلْتُ: إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ. فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إِلَى أَهْلِهَا فَقَالَتْ لَهُمْ، فَأَبَوْا ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ وَرَسُولُ اللَّهِ جَالِسٌ فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ عَرَضْتُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ فَأَخْبَرَتْ عَائِشَةُ النَّبِيَّ فَقَالَ: خُذِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلَاءَ، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ. فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ، وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ.

٢١٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ جَارِيَةً فَتُعْتِقَهَا، فَقَالَ أَهْلُهَا: نَبِيعُكِهَا عَلَى أَنَّ وَلَاءَهَا لَنَا فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ: لَا يَمْنَعُكِ ذَلِكَ، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ.

قَوْلُهُ: (بَابٌ: إِذَا اشْتَرَطَ فِي الْبَيْعِ شُرُوطًا لَا تَحِلُّ) أَيْ: هَلْ يَفْسُدُ الْبَيْعُ بِذَلِكَ أَمْ لَا؟ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَيْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ، وَكَأَنَّ غَرَضَهُ بِذَلِكَ أَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الْفَسَادَ فَيَصِحُّ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنْ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ تَلَقِّي الرُّكْبَانِ يُرَدُّ بِهِ الْبَيْعُ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الشُّرُوطِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

ولأبي الوقت: «يتبايعون» بتأخيرها عنها وزيادة تحتيَّة قبل العين (الطَّعَامَ فِي أَعْلَى السُّوقِ فَيَبِيعُونَهُ فِي مَكَانِهِمْ) ولأبي ذرٍّ (١): «في مكانه» الَّذي اشتروه فيه (فَنَهَاهُمْ رَسُولُ اللهِ أَنْ يَبِيعُوهُ فِي مَكَانِهِ حَتَّى يَنْقُلُوهُ) أي: يقبضوه، ومفهومه: أنَّ التَّلقِّي خارج البلد هو المنهيُّ عنه لا غير، وقد صرَّح مالكٌ في روايته في الباب السَّابق عن نافعٍ بقوله: «ولا تلَّقوا السِّلع حتى يُهْبَطَ بها إلى السُّوق»، فدلَّ على أنَّ التَّلقِّي الجائز إنَّما هو ما يبلغ به السُّوق (٢)، والحديث يُفَسِّر بعضُه بعضًا.

(٧٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا اشْتَرَطَ) الشَّخص (شُرُوطًا فِي البَيْعِ لَا تَحِلُّ) هل يفسد البيع أم لا؟ و «تحلُّ» صفة لقوله: «شروطًا»، ولأبي ذَرٍّ: «في البيع شروطًا» بالتَّقديم والتَّأخير.

٢١٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ) أنَّها (قَالَتْ: جَاءَتْنِي بَرِيرَةُ) بفتح الموحَّدة وكسر الرَّاء الأولى، مولاة قومٍ من الأنصار كما عند أبي نُعيمٍ، وقيل: لآل أبي أحمد بن جحشٍ، وفيه نظرٌ، فإنَّ زوجها مغيثًا هو الذي كان مولى أبي أحمد بن جحشٍ، وقيل: لآل عتبة (٣)، وفيه نظرٌ

أيضًا؛ لأنَّ مولى عتبة سأل عائشة عن (١) حكم هذه المسألة، فذكرت له قصَّة بَرِيْرَة، أخرجه ابن سعدٍ (فَقَالَتْ: كَاتَبْتُ أَهْلِي) تعني: مواليها (عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ) بفتح الهمزة بوزن: جَوَارٍ، والأصل: أواقيَّ بتشديد الياء، فحُذِفَتْ إحدى الياءين تخفيفًا، والثَّانية على طريق «قاضٍ» (فِي كُلِّ عَامٍ وَقِيَّةٌ) بفتح الواو من غير همزٍ وتشديد الياء، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «أُوقيَّة» بهمزة مَضْمُومَة، وهي على الأصحِّ: أربعون درهمًا، أي: إذا أدَّتها فهي حرَّةٌ، ويُؤْخَذ منه (٢) أنَّ معنى الكتابة: عِتْقُ رَقِيْقٍ بِعِوَضٍ مُؤَجَّلٍ بوقتين فأكثر (فَأَعِينِينِي) بصيغة الأمر للمؤنَّث من الإعانة، وفي رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ في «باب استعانة المكاتب في الكتابة» [خ¦٢٥٦٣]: «فأَعْيَتْني» بصيغة الخبر من (٣) الماضي من الإعياء، والضَّمير للأواقي، وهو مُتَّجه المعنى، أي: أعجزتني عن تحصيلها، قالت عائشة: (فَقُلْتُ) لها: (إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ) بكسر الكاف، أي: مواليك (أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ) أي: تسع الأواقي ثمنًا عنك وأعتقك (وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ) الَّذي هو سبب الإرث (لِي فَعَلْتُ) ذلك (فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ) أي (٤): من عند عائشة (إِلَى أَهْلِهَا، فَقَالَتْ لَهُمْ) مقالةَ عائشةَ لها (فَأَبَوْا عَلَيْهَا) أي: امتنعوا، ولأبي ذرٍّ في نسخةٍ: «فأبوا ذلك عليها (٥)» (فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ) ولأبي ذر عن الحَمُّويي (٦) والمُستملي: «من عندها» إلى عائشةَ (وَرَسُولُ اللهِ جَالِسٌ) عندها (فَقَالَتْ) لعائشة: (إِنِّي عَرَضْتُ) ولغير أبي ذرٍّ: «إنِّي قد عرضت» (ذَلِكَ) الَّذي قلته (٧)، وكاف «ذلكَ» بالفتح في الفرع. وقال في «المصابيح»: بكسرها؛ لأنَّ الخطاب لعائشة (عَلَيْهِمْ) (٨)، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «من ذلك عليهم» (فَأَبَوْا) فامتنعوا منه (إِلَّا أَنْ يَكُونَ الوَلَاءُ لَهُمْ) استثناءٌ مفرَّغٌ؛ لأنَّ في «أبى» معنى النَّفي، قال الزَّمخشريُّ في قوله

تعالى في سورة التوبة: ﴿وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ﴾ (١) [التوبة: ٣٢]: فإن قلت: كيف جاز: أبى الله إلَّا كذا، ولا يُقال: كرهت أو أبغضت إلَّا زيدًا؟ قلت: قد أُجري «أبى» مجرى «لم يُرِد»، ألا ترى كيف قوبل ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ بقوله: ﴿وَيَأْبَى اللّهُ﴾؟ وكيف أوقع موقع: ولا يريد الله إلَّا أن يُتِمَّ نورَه؟ (فَسَمِعَ النَّبِيُّ ) ذلك من بَرِيْرة على سبيل الإجمال (فَأَخْبَرَتْ عَائِشَةُ) (النَّبِيَّ ) به على سبيل التَّفصيل، زاد في «الشُّروط» [خ¦٢٧٢٦]: فقال: «ما شأنُ بَرِيْرَة؟» ولمسلمٍ من رواية أبي أسامة، ولابن خُزَيْمةَ من رواية حمَّادِ بن سلمةَ وأحمدَ كلاهما عن هشامٍ: فجاءتني بريرة والنَّبيُّ جالسٌ، فقالت لي فيما بيني وبينها ما ردُّ أهلِها، فقلت: لاها اللهِ إذًا، ورفعتُ صوتي وانتهرتها، فسمع ذلك النَّبيُّ ، فسألني، فأخبرته (فَقَالَ) لعائشةَ: (خُذِيهَا) أي: اشتريها منهم (وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الوَلَاءَ، فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ، فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ) ما أمرها به من شرائِها، وهذا صريحٌ في أنَّ كِتَابَتَها كانت موجودةً قبل البيع، فيكون دليلًا لقول الشَّافعيِّ في (٢) القديم بصحَّة بيع رقبةِ المُكَاتَبِ، ويملكه المشتري مكاتبًا، ويعتق بأداء النجومِ إليه والولاء له، وأمَّا على القول (٣) الجديد: إنَّه لا يصحُّ بيع رقبته؛ فاستُشكِل الحديث، وأجيب بأنَّها عجَزَّت نفسَها، ففسخ مواليها كتابتَها، واستُشكِل الحديث أيضًا من حيث إنَّ اشتراط البائع الولاء لنفسه (٤) مفسدٌ للعقد؛ لمخالفته ما تقرَّر في الشَّرع من أنَّ الولاء لمن أعتق، ولأنَّه شرطٌ زائدٌ على مُقْتَضَى العقد لا مصلحة فيه للمشتري، فهو كاستثناء منفعته، ومن حيث إنَّها خدعت البائعين وشرطت لهم ما لا يصحُّ، وكيف أذن لها النَّبيُّ في ذلك؟ وأجيب بأنَّ راويَه هشامًا تفرَّد بقوله: «واشترطي لهم الولاء» فيحمل على وَهَمٍ وقعَ له؛ لأنَّه لا يأذن فيما لا يجوز، وهذا منقولٌ عن الشَّافعيِّ في «الأمِّ»، ورأيته عنه في «المعرفة» للبيهقيِّ، وأثبت الرِّواية آخرون، وقالوا: هشامٌ ثقةٌ حافظٌ، والحديث مُتَّفقٌ على صحَّته، فلا وجه لردِّه، وأجاب آخرون: بأنَّ «لهم» بمعنى: عليهم؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] وهذا مشهورٌ عن

المزنيِّ، وجزم به عنه الخطابيُّ، وأسنده البيهقيُّ في «المعرفة» من طريق أبي حاتم الرَّازيِّ عن حرملةَ عن الشَّافعيِّ، لكن قال النوويُّ: تأويلُ اللَّامِ بمعنى: «على» هنا ضعيفٌ؛ لأنَّه أنكرَ الاشتراطَ، ولو كانت بمعنى: «على» لم ينكره، وأجاب آخرون: بأنَّه خاصٌّ بقصَّة عائشةَ لمصلحة قطع عادتهم، كما خُصَّ فسخُ الحجِّ إلى العمرةِ بالصَّحابةِ (١) لمصلحةِ بيانِ جوازِها في أشهُره، قال النوويُّ: وهذا أقوى الأجوبة، وتعقَّبه ابنُ دقيق العيد بأنَّ التَّخصيص لا يثبت إلَّا بدليلٍ، وأجاب آخرون: بأنَّ الأمر فيه للإباحة، وهو على وجه التَّنبيه على أنَّ ذلك لا ينفعهم، فوجوده كعدمه، فكأنَّه قال: اشترطي أو لا تشترطي فذلك لا يفيدُهم، ويؤيِّد هذا قوله في رواية أيمن الآتية -إن شاء الله تعالى- في محلِّه في آخر أبواب «المكاتب»: [خ¦٢٥٦٥] «اشتريها ودعيهم يشترطون ما شاؤوا»، وقيل غير ذلك مما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في محالِّه، واختُلف هل يجوز بيع الكتابة (٢)؟ فقال المالكيَّة: يجوز بيع جميعها أو جزءٍ منها، فإن وفَّى المكاتب ما عليه من نجوم الكتابة للمشتري عَتَقَ، والولاء للأوَّل؛ لأنَّه قد انعقد له أوَّلًا، وإلَّا بأن عجز أو هلك قبل ذلك فهو رقيقٌ للمشتري، وقال الشَّافعيَّة: لا يصحُّ (ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ) أي: بعد الحمد والثَّناء (مَا بَالُ رِجَالٍ)؟ ما حالهم؟ وحذف الفاء في جواب «أمَّا» دليلٌ على جوازه، ومثله ما سبق في «الحجِّ» في «باب طواف القارن» [خ¦١٥٥٦] حيث قال: «وأمَّا الَّذين جمعوا بين الحجِّ والعمرة طافوا» بغير فاءٍ، لكنَّه نادرٌ (يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ؟! مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ) جواب «ما» الموصولة المتضمِّنة لمعنى الشَّرطِ (وَإِنْ كَانَ) المشروط (مِئَةَ شَرْطٍ) مبالغةٌ وتأكيدٌ (قَضَاءُ اللهِ أَحَقُّ) بالاتِّباع من الشُّروط المخالفة له (وَشَرْطُ اللهِ أَوْثَقُ) باتِّباع حدوده التي حدَّها، وليس أفعل التَّفضيل هنا على بابه؛ إذ لا مشاركة بين الحقِّ والباطل (وَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) وكلمة: «إنَّما» للحصر، فيستفاد منه إثبات الحكم للمذكور ونفيه عمَّا عداه، ولولا ذلك لما لزم من إثبات الولاء لمن أعتق نفيه عن غيره.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

كَرَاهَةَ التَّلَقِّي وَلَوْ فِي الطَّرِيقِ، وَلَوْ عَلَى بَابِ الْبَيْتِ حَتَّى تَدْخُلَ السِّلْعَةُ السُّوقَ.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ الْمُصَنِّفُ.

قَوْلُهُ: (هَذَا فِي أَعْلَى السُّوقِ) أَيْ: حَدِيثُ جُوَيْرِيَةَ عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ: كُنَّا نَتَلَقَّى الرُّكْبَانَ فَنَشْتَرِي مِنْهُمُ الطَّعَامَ الْحَدِيثَ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَبَيَّنَهُ حَدِيثُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ يَعْنِي: عَنْ نَافِعٍ أَيْ: حَيْثُ قَالَ: كَانُوا يَتَبَايَعُونَ الطَّعَامَ فِي أَعْلَى السُّوقِ الْحَدِيثُ مِثْلُهُ، وَأَرَادَ الْبُخَارِيُّ بِذَلِكَ الرَّدِّ عَلَى مَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ تَلَقِّي الرُّكْبَانِ لِإِطْلَاقِ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: كُنَّا نَتَلَقَّى الرُّكْبَانَ وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَلَقَّوْنَهُمْ فِي أَعْلَى السُّوقِ كَمَا فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، وَقَدْ صَرَّحَ مَالِكٌ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ نَافِعٍ بِقَوْلِهِ: وَلَا تَلَقَّوُا السِّلَعَ حَتَّى يُهْبَطَ بِهَا السُّوقَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ التَّلَقِّيَ الَّذِي لَمْ يُنْهَ عَنْهُ إِنَّمَا هُوَ مَا بَلَغَ السُّوقَ، وَالْحَدِيثُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا. وَادَّعَى الطَّحَاوِيُّ التَّعَارُضَ فِي هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا بِوُقُوعِ الضَّرَرِ لِأَصْحَابِ السِّلَعِ وَعَدَمِهِ، قَالَ: فَيُحْمَلُ حَدِيثُ النَّهْيِ عَلَى مَا إِذَا حَصَلَ الضَّرَرُ، وَحَدِيثُ الْإِبَاحَةِ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَحْصُلْ، وَلَا يَخْفَى رُجْحَانُ الْجَمْعِ الَّذِي جَمَعَ بِهِ الْبُخَارِيُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ قَوْلُ الْبُخَارِيِّ هَذَا فِي أَعْلَى السُّوقِ عَقِبَ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ عَقِبَ حَدِيثِ جُوَيْرِيَةَ وَهُوَ الصَّوَابُ.

٧٣ - بَاب إِذَا اشْتَرَطَ شُرُوطًا فِي الْبَيْعِ لَا تَحِلُّ

٢١٦٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَتْنِي بَرِيرَةُ فَقَالَتْ: كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ فِي كُلِّ عَامٍ وَقِيَّةٌ، فَأَعِينِينِي فَقُلْتُ: إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ. فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إِلَى أَهْلِهَا فَقَالَتْ لَهُمْ، فَأَبَوْا ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ وَرَسُولُ اللَّهِ جَالِسٌ فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ عَرَضْتُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ فَأَخْبَرَتْ عَائِشَةُ النَّبِيَّ فَقَالَ: خُذِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلَاءَ، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ. فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ، وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ.

٢١٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ جَارِيَةً فَتُعْتِقَهَا، فَقَالَ أَهْلُهَا: نَبِيعُكِهَا عَلَى أَنَّ وَلَاءَهَا لَنَا فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ: لَا يَمْنَعُكِ ذَلِكَ، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ.

قَوْلُهُ: (بَابٌ: إِذَا اشْتَرَطَ فِي الْبَيْعِ شُرُوطًا لَا تَحِلُّ) أَيْ: هَلْ يَفْسُدُ الْبَيْعُ بِذَلِكَ أَمْ لَا؟ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَيْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ، وَكَأَنَّ غَرَضَهُ بِذَلِكَ أَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الْفَسَادَ فَيَصِحُّ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنْ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ تَلَقِّي الرُّكْبَانِ يُرَدُّ بِهِ الْبَيْعُ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الشُّرُوطِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

ولأبي الوقت: «يتبايعون» بتأخيرها عنها وزيادة تحتيَّة قبل العين (الطَّعَامَ فِي أَعْلَى السُّوقِ فَيَبِيعُونَهُ فِي مَكَانِهِمْ) ولأبي ذرٍّ (١): «في مكانه» الَّذي اشتروه فيه (فَنَهَاهُمْ رَسُولُ اللهِ أَنْ يَبِيعُوهُ فِي مَكَانِهِ حَتَّى يَنْقُلُوهُ) أي: يقبضوه، ومفهومه: أنَّ التَّلقِّي خارج البلد هو المنهيُّ عنه لا غير، وقد صرَّح مالكٌ في روايته في الباب السَّابق عن نافعٍ بقوله: «ولا تلَّقوا السِّلع حتى يُهْبَطَ بها إلى السُّوق»، فدلَّ على أنَّ التَّلقِّي الجائز إنَّما هو ما يبلغ به السُّوق (٢)، والحديث يُفَسِّر بعضُه بعضًا.

(٧٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا اشْتَرَطَ) الشَّخص (شُرُوطًا فِي البَيْعِ لَا تَحِلُّ) هل يفسد البيع أم لا؟ و «تحلُّ» صفة لقوله: «شروطًا»، ولأبي ذَرٍّ: «في البيع شروطًا» بالتَّقديم والتَّأخير.

٢١٦٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ) أنَّها (قَالَتْ: جَاءَتْنِي بَرِيرَةُ) بفتح الموحَّدة وكسر الرَّاء الأولى، مولاة قومٍ من الأنصار كما عند أبي نُعيمٍ، وقيل: لآل أبي أحمد بن جحشٍ، وفيه نظرٌ، فإنَّ زوجها مغيثًا هو الذي كان مولى أبي أحمد بن جحشٍ، وقيل: لآل عتبة (٣)، وفيه نظرٌ

أيضًا؛ لأنَّ مولى عتبة سأل عائشة عن (١) حكم هذه المسألة، فذكرت له قصَّة بَرِيْرَة، أخرجه ابن سعدٍ (فَقَالَتْ: كَاتَبْتُ أَهْلِي) تعني: مواليها (عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ) بفتح الهمزة بوزن: جَوَارٍ، والأصل: أواقيَّ بتشديد الياء، فحُذِفَتْ إحدى الياءين تخفيفًا، والثَّانية على طريق «قاضٍ» (فِي كُلِّ عَامٍ وَقِيَّةٌ) بفتح الواو من غير همزٍ وتشديد الياء، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «أُوقيَّة» بهمزة مَضْمُومَة، وهي على الأصحِّ: أربعون درهمًا، أي: إذا أدَّتها فهي حرَّةٌ، ويُؤْخَذ منه (٢) أنَّ معنى الكتابة: عِتْقُ رَقِيْقٍ بِعِوَضٍ مُؤَجَّلٍ بوقتين فأكثر (فَأَعِينِينِي) بصيغة الأمر للمؤنَّث من الإعانة، وفي رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ في «باب استعانة المكاتب في الكتابة» [خ¦٢٥٦٣]: «فأَعْيَتْني» بصيغة الخبر من (٣) الماضي من الإعياء، والضَّمير للأواقي، وهو مُتَّجه المعنى، أي: أعجزتني عن تحصيلها، قالت عائشة: (فَقُلْتُ) لها: (إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ) بكسر الكاف، أي: مواليك (أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ) أي: تسع الأواقي ثمنًا عنك وأعتقك (وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ) الَّذي هو سبب الإرث (لِي فَعَلْتُ) ذلك (فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ) أي (٤): من عند عائشة (إِلَى أَهْلِهَا، فَقَالَتْ لَهُمْ) مقالةَ عائشةَ لها (فَأَبَوْا عَلَيْهَا) أي: امتنعوا، ولأبي ذرٍّ في نسخةٍ: «فأبوا ذلك عليها (٥)» (فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ) ولأبي ذر عن الحَمُّويي (٦) والمُستملي: «من عندها» إلى عائشةَ (وَرَسُولُ اللهِ جَالِسٌ) عندها (فَقَالَتْ) لعائشة: (إِنِّي عَرَضْتُ) ولغير أبي ذرٍّ: «إنِّي قد عرضت» (ذَلِكَ) الَّذي قلته (٧)، وكاف «ذلكَ» بالفتح في الفرع. وقال في «المصابيح»: بكسرها؛ لأنَّ الخطاب لعائشة (عَلَيْهِمْ) (٨)، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «من ذلك عليهم» (فَأَبَوْا) فامتنعوا منه (إِلَّا أَنْ يَكُونَ الوَلَاءُ لَهُمْ) استثناءٌ مفرَّغٌ؛ لأنَّ في «أبى» معنى النَّفي، قال الزَّمخشريُّ في قوله

تعالى في سورة التوبة: ﴿وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ﴾ (١) [التوبة: ٣٢]: فإن قلت: كيف جاز: أبى الله إلَّا كذا، ولا يُقال: كرهت أو أبغضت إلَّا زيدًا؟ قلت: قد أُجري «أبى» مجرى «لم يُرِد»، ألا ترى كيف قوبل ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ بقوله: ﴿وَيَأْبَى اللّهُ﴾؟ وكيف أوقع موقع: ولا يريد الله إلَّا أن يُتِمَّ نورَه؟ (فَسَمِعَ النَّبِيُّ ) ذلك من بَرِيْرة على سبيل الإجمال (فَأَخْبَرَتْ عَائِشَةُ) (النَّبِيَّ ) به على سبيل التَّفصيل، زاد في «الشُّروط» [خ¦٢٧٢٦]: فقال: «ما شأنُ بَرِيْرَة؟» ولمسلمٍ من رواية أبي أسامة، ولابن خُزَيْمةَ من رواية حمَّادِ بن سلمةَ وأحمدَ كلاهما عن هشامٍ: فجاءتني بريرة والنَّبيُّ جالسٌ، فقالت لي فيما بيني وبينها ما ردُّ أهلِها، فقلت: لاها اللهِ إذًا، ورفعتُ صوتي وانتهرتها، فسمع ذلك النَّبيُّ ، فسألني، فأخبرته (فَقَالَ) لعائشةَ: (خُذِيهَا) أي: اشتريها منهم (وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الوَلَاءَ، فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ، فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ) ما أمرها به من شرائِها، وهذا صريحٌ في أنَّ كِتَابَتَها كانت موجودةً قبل البيع، فيكون دليلًا لقول الشَّافعيِّ في (٢) القديم بصحَّة بيع رقبةِ المُكَاتَبِ، ويملكه المشتري مكاتبًا، ويعتق بأداء النجومِ إليه والولاء له، وأمَّا على القول (٣) الجديد: إنَّه لا يصحُّ بيع رقبته؛ فاستُشكِل الحديث، وأجيب بأنَّها عجَزَّت نفسَها، ففسخ مواليها كتابتَها، واستُشكِل الحديث أيضًا من حيث إنَّ اشتراط البائع الولاء لنفسه (٤) مفسدٌ للعقد؛ لمخالفته ما تقرَّر في الشَّرع من أنَّ الولاء لمن أعتق، ولأنَّه شرطٌ زائدٌ على مُقْتَضَى العقد لا مصلحة فيه للمشتري، فهو كاستثناء منفعته، ومن حيث إنَّها خدعت البائعين وشرطت لهم ما لا يصحُّ، وكيف أذن لها النَّبيُّ في ذلك؟ وأجيب بأنَّ راويَه هشامًا تفرَّد بقوله: «واشترطي لهم الولاء» فيحمل على وَهَمٍ وقعَ له؛ لأنَّه لا يأذن فيما لا يجوز، وهذا منقولٌ عن الشَّافعيِّ في «الأمِّ»، ورأيته عنه في «المعرفة» للبيهقيِّ، وأثبت الرِّواية آخرون، وقالوا: هشامٌ ثقةٌ حافظٌ، والحديث مُتَّفقٌ على صحَّته، فلا وجه لردِّه، وأجاب آخرون: بأنَّ «لهم» بمعنى: عليهم؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] وهذا مشهورٌ عن

المزنيِّ، وجزم به عنه الخطابيُّ، وأسنده البيهقيُّ في «المعرفة» من طريق أبي حاتم الرَّازيِّ عن حرملةَ عن الشَّافعيِّ، لكن قال النوويُّ: تأويلُ اللَّامِ بمعنى: «على» هنا ضعيفٌ؛ لأنَّه أنكرَ الاشتراطَ، ولو كانت بمعنى: «على» لم ينكره، وأجاب آخرون: بأنَّه خاصٌّ بقصَّة عائشةَ لمصلحة قطع عادتهم، كما خُصَّ فسخُ الحجِّ إلى العمرةِ بالصَّحابةِ (١) لمصلحةِ بيانِ جوازِها في أشهُره، قال النوويُّ: وهذا أقوى الأجوبة، وتعقَّبه ابنُ دقيق العيد بأنَّ التَّخصيص لا يثبت إلَّا بدليلٍ، وأجاب آخرون: بأنَّ الأمر فيه للإباحة، وهو على وجه التَّنبيه على أنَّ ذلك لا ينفعهم، فوجوده كعدمه، فكأنَّه قال: اشترطي أو لا تشترطي فذلك لا يفيدُهم، ويؤيِّد هذا قوله في رواية أيمن الآتية -إن شاء الله تعالى- في محلِّه في آخر أبواب «المكاتب»: [خ¦٢٥٦٥] «اشتريها ودعيهم يشترطون ما شاؤوا»، وقيل غير ذلك مما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في محالِّه، واختُلف هل يجوز بيع الكتابة (٢)؟ فقال المالكيَّة: يجوز بيع جميعها أو جزءٍ منها، فإن وفَّى المكاتب ما عليه من نجوم الكتابة للمشتري عَتَقَ، والولاء للأوَّل؛ لأنَّه قد انعقد له أوَّلًا، وإلَّا بأن عجز أو هلك قبل ذلك فهو رقيقٌ للمشتري، وقال الشَّافعيَّة: لا يصحُّ (ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ) أي: بعد الحمد والثَّناء (مَا بَالُ رِجَالٍ)؟ ما حالهم؟ وحذف الفاء في جواب «أمَّا» دليلٌ على جوازه، ومثله ما سبق في «الحجِّ» في «باب طواف القارن» [خ¦١٥٥٦] حيث قال: «وأمَّا الَّذين جمعوا بين الحجِّ والعمرة طافوا» بغير فاءٍ، لكنَّه نادرٌ (يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ؟! مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ) جواب «ما» الموصولة المتضمِّنة لمعنى الشَّرطِ (وَإِنْ كَانَ) المشروط (مِئَةَ شَرْطٍ) مبالغةٌ وتأكيدٌ (قَضَاءُ اللهِ أَحَقُّ) بالاتِّباع من الشُّروط المخالفة له (وَشَرْطُ اللهِ أَوْثَقُ) باتِّباع حدوده التي حدَّها، وليس أفعل التَّفضيل هنا على بابه؛ إذ لا مشاركة بين الحقِّ والباطل (وَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) وكلمة: «إنَّما» للحصر، فيستفاد منه إثبات الحكم للمذكور ونفيه عمَّا عداه، ولولا ذلك لما لزم من إثبات الولاء لمن أعتق نفيه عن غيره.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.1 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله وبحمده