«أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ، وَرَخَّصَ فِي…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢١٩١

الحديث رقم ٢١٩١ من كتاب «كتاب البيوع» في صحيح البخاري، تحت باب: باب بيع الثمر على رؤوس النخل بالذهب أو الفضة.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢١٩١ في صحيح البخاري

«أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ، وَرَخَّصَ فِي الْعَرِيَّةِ أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا، يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رُطَبًا». وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً أُخْرَى: إِلَّا أَنَّهُ رَخَّصَ فِي الْعَرِيَّةِ يَبِيعُهَا أَهْلُهَا بِخَرْصِهَا يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا، قَالَ: هُوَ سَوَاءٌ، قَالَ سُفْيَانُ: فَقُلْتُ لِيَحْيَى وَأَنَا غُلَامٌ: إِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ يَقُولُونَ: إِنَّ النَّبِيَّ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا، فَقَالَ: وَمَا يُدْرِي أَهْلَ مَكَّةَ؟ قُلْتُ: إِنَّهُمْ يَرْوُونَهُ عَنْ جَابِرٍ، فَسَكَتَ. قَالَ سُفْيَانُ: إِنَّمَا أَرَدْتُ أَنَّ جَابِرًا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ قِيلَ لِسُفْيَانَ: وَلَيْسَ فِيهِ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ؟ قَالَ: لَا.

بَابُ تَفْسِيرِ الْعَرَايَا

وَقَالَ مَالِكٌ: الْعَرِيَّةُ أَنْ يُعْرِيَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ النَّخْلَةَ ثُمَّ يَتَأَذَّى بِدُخُولِهِ عَلَيْهِ فَرُخِّصَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْهُ بِتَمْرٍ وَقَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ: الْعَرِيَّةُ لَا تَكُونُ إِلَّا بِالْكَيْلِ مِنَ التَّمْرِ يَدًا بِيَدٍ لَا يَكُونُ بِالْجِزَافِ وَمِمَّا يُقَوِّيهِ قَوْلُ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ بِالْأَوْسُقِ الْمُوَسَّقَةِ وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي حَدِيثِهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ : كَانَتِ الْعَرَايَا أَنْ يُعْرِيَ الرَّجُلُ فِي مَالِهِ النَّخْلَةَ وَالنَّخْلَتَيْنِ وَقَالَ يَزِيدُ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ الْعَرَايَا نَخْلٌ كَانَتْ تُوهَبُ لِلْمَسَاكِينِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَنْتَظِرُوا بِهَا رُخِّصَ لَهُمْ أَنْ يَبِيعُوهَا بِمَا شَاؤُوا مِنَ التَّمْرِ

إسناد حديث رقم ٢١٩١ من صحيح البخاري

٢١٩١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: سَمِعْتُ بُشَيْرًا قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٢١٩١: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ (١) رَخَّصَ) بتشديد الخاء المعجمة من التَّرخيص، وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «أرخص» بهمزةٍ مفتوحةٍ قبل الرَّاء، من الإرخاص (فِي بَيْعِ) تمر (العَرَايَا) والعرايا: النَّخل (فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ) جمع وَسْق -بفتح الواو على الأفصح- وهو ستُّون صاعًا، والصَّاع: خمسة أرطالٍ وثلث، بتقدير الجفاف بمثله (أَوْ دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ؟ قَالَ) مالكٌ: (نَعَمْ) حدَّثني داود (٢)، ووقع في «مسلمٍ» أنَّ الشَّك من داود بن الحصين، وللمؤلِّف في آخر «الشُّرب» [خ¦٢٣٨٢] من وجهٍ آخر عن مالكٍ مثله، وقد أخذ الشَّافعيُّ بالأقلِّ؛ لأنَّ الأصل التَّحريم، وبيع العرايا رخصةٌ، فيُؤخَذ بما يُتحقَّق منه الجواز، ويُلغَى ما وقع فيه الشَّكُّ، وهو قول الحنابلة، فلا يجوز في الخمسة في صفقةٍ، ولا يُخرَّج على تفريق الصَّفقة؛ لأنَّه صار بالزِّيادة مزابنةً، فبطل في الجميع، والرَّاجح عند المالكيَّة الجواز في الخمسة فما دونها، وسبب الخلاف: أنَّ النَّهي عن المزابنة وقع مقرونًا بالرُّخصة في بيع العرايا، فعلى الأوَّل لا يجوز في الخمسة للشَّكِّ في رفع التَّحريم، وعلى الثاني يجوز للشَّكِّ في قدر التَّحريم (٣).

٢١٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (قَالَ: قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريُّ: (سَمِعْتُ بُشَيْرًا) بضمِّ الموحَّدة وفتح المعجمة، ابن يسارٍ -ضدَّ اليمين- الأنصاريَّ المدنيَّ (قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ) بفتح الحاء المهملة وسكون

المثلَّثة، وهو سهل بن عبد الله بن أبي حثمة، واسمه: عامر بن ساعدة الأنصاريُّ : (أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ) الرَّطب (بِالتَّمْرِ) اليابس (وَرَخَّصَ فِي العَرِيَّةِ) بتشديد التحتيَّة (أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا) المشترون الَّذين (١) صاروا ملَّاك الثَّمرة (رُطَبًا) بضمِّ الرَّاء وفتح الطَّاء، وليس التقييد بالأكل قيدًا بل لبيان الواقع. قال عليُّ بن المدينيِّ: (وَقَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة (مَرَّةً أُخْرَى: إِلَّا أَنَّهُ رَخَّصَ فِي العَرِيَّةِ يَبِيعُهَا أَهْلُهَا) البائعون (بِخَرْصِهَا يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا (٢)) بضمِّ الرَّاء وفتح الطَّاء، و (قَالَ: هُوَ سَوَاءٌ) أي: مساوٍ للقول الأوَّل وإن اختلفا لفظًا؛ لأنَّهما في المعنى واحد. (قَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة بالإسناد المذكور: (فَقُلْتُ لِيَحْيَى) بن سعيدٍ الأنصاريِّ لمَّا حدَّث به (وَأَنَا غُلَامٌ) جملةٌ حاليةٌ، والمراد: الإشارة إلى قِدَم طلبه، وأنَّه كان في زمن الصِّبا يناظر شيوخه ويباحثهم: (إِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ يَقُولُونَ: إِنَّ النَّبِيَّ رَخَّصَ (٣) فِي بَيْعِ العَرَايَا) أي: من غير قيدٍ (فَقَالَ) يحيى: (وَمَا يُدْرِي) بضمِّ أوله (أَهْلَ مَكَّةَ؟) نُصِبَ بـ «يدري». قال سفيان: (قُلْتُ: إِنَّهُمْ) أي: أهل مكَّة (يَرْوُونَهُ) أي: هذا الحديث (عَنْ جَابِرٍ) هو ابن عبد الله الأنصاريُّ (فَسَكَتَ) يحيى. (قَالَ سُفْيَانُ) بالإسناد المذكور: (إِنَّمَا أَرَدْتُ) أي: إنَّما كان الحامل لي على قولي ليحيى بن سعيدٍ: إنَّهم يَرْوونه عن جابرٍ: (أَنَّ جَابِرًا مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ) فرجع الحديث إلى أهل المدينة، ومحلُّ الخلاف بين رواية يحيى بن سعيدٍ ورواية أهل مكَّة: أنَّ يحيى بن سعيدٍ قيَّد الرُّخصة في بيع العرايا بالخَرْص، وأن يأكلها أهلها (٤) رُطَبًا، وأمَّا ابن عيينة في روايته عن أهل مكَّة فأطلق الرُّخصة في بيع العرايا ولم يقيِّدها بشيءٍ ممَّا ذكر أنَّهم يروونه عن جابرٍ، وكان ليحيى أن يقول لسفيان: وأهل المدينة روَوا فيه التقييد، فيحمل المطلق على المقيَّد، والتَّقييد بالخرص زيادةُ حافظٍ، فتعيَّن المصير إليها،

وأما التَّقييد بالأكل فالَّذي يظهر أنَّه لبيان الواقع، لا أنَّه قيد. قال ابن المديني: (قِيلَ لِسُفْيَانَ) بن عيينةَ، قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على تسمية القائل: (ولَيْسَ فِيهِ) أي: في هذا الحديث (نَهْيٌ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ) بالمثلَّثة (حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ؟ قَالَ) سفيان: (لَا) أي: وإن كان هو صحيحًا من رواية غيره.

وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الشُّرب» [خ¦٢٣٨٠]، ومسلمٌ في «البيوع»، وكذا أبو داود والترمذيُّ والنَّسائيُّ.

(٨٤) (بابُ تَفْسِيرِ العَرَايَا) جمع عرَّية، وهي لغةً: النَّخلة، ووزنها: فَعِيْلة، قال الجمهور: بمعنى: فاعلة؛ لأنَّها عريت بإعراء مالكها، أي: إفراده لها من باقي النَّخل، فهي عارية، وقال آخرون: بمعنى: مفعولة، من عراه يعروه؛ إذا أتاه؛ لأنَّ مالكها يعروها، أي: يأتيها، فهي معروَّة، وأصلها: عريوة، فقُلِبت الواو ياءً وأُدغِمت، فتسمية العقد بذلك على القولين مجازٌ عن أصل ما عُقِدَ عليه. (وَقَالَ مَالِكٌ) الإمام الأعظم ابن أنس الأصبحيُّ ممَّا وصله ابن عبد البرِّ: (العَرِيَّةُ) بتشديد التَّحتيَّة: (أَنْ يُعْرِيَ) بضمِّ الياء، من الإعراء، أي: يهب (الرَّجُلُ الرَّجُلَ نَخْلَةً (١)) من نخلات بستانه فيملكها؛ لأنَّ عند الإمام مالك أن الهبة تلزم بنفس العقد، أي: يهبه ثمرها (ثُمَّ يَتَأَذَّى) الواهب (بِدُخُولِهِ) أي: بدخول الموهوب له (عَلَيْهِ) أي (٢): البستان؛ لأجل الثَّمرة الموهوبة والتقاطها (فَرُخِّصَ) بضمِّ الرَّاء مبنيًّا للمفعول (لَهُ) أي: للواهب (أَنْ

يَشْتَرِيَهَا مِنْهُ) أي: يشتري رُطَبها من الموهوب له (بِتَمْرٍ) يابسٍ، ولا يجوز لغيره ذلك، ومثله قول أبي حنيفة : العريَّة: أن يهبه نخلةً، ويشقَّ عليه تردُّد الموهوب له إلى بستانه، ويكره أن يرجع في هبته، وهذا بناءً على مذهبه في أنَّ الواهب الأجنبيَّ يرجع في هبته متى شاء، لكن يُكرَه، فيدفع إليه بدلها تمرًا، ويكون هذا في معنى البيع، لا أنَّه بيعٌ حقيقةً، وكلا القولين بعيدٌ عن لفظ الحديث؛ لأنَّ لفظ إرخاص العريَّة فيها عامٌّ، وهما يقيِّدانها بصورةٍ، وأيضًا فقد صرَّح بلفظ «البيع»، فنفيُ كونها (١) بيعًا مخالفٌ لظاهر اللَّفظ، وأيضًا الرُّخصة قُيِّدَت بخمسة أوسقٍ أو ما دونها، والهبة لا تتقيَّد. (وَقَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ) الإمام أبو عبد الله محمَّد الشافعيُّ، وجزم به المِزِّيُّ (٢) في «التَّهذيب»، أو هو عبد الله بن إدريس الأوديُّ، ورجَّحه السَّفاقسيُّ، وتردَّد ابن بطَّالٍ ثمَّ السُّبكيُّ في «شرح المهذَّب»: (العَرِيَّةُ) بالتَّشديد (لَا تَكُونُ إِلَّا بِالكَيْلِ) أي: فيما دون خمسة أوسقٍ (مِنَ التَّمْرِ) لتُعلَم المساواة (يَدًا بِيَدٍ) قبل التَّفرُّق، لكن قبض الرُّطب على النَّخل بالتَّخلية، وقبض التَّمر بالنَّقل كغيره (لَا يَكُونُ بِالجِزَافِ) بكسر الجيم في الفرع وأصله (٣)، فيسلِّم المشتري التَّمر اليابس بالكيل، ويُخلِّي بينه وبين النَّخل، وعبارةُ الشَّافعيِّ في «الأمِّ» ونقلها عنه البيهقيُّ في «المعرفة» من طريق الرَّبيع عنه: العرايا أن يشتري الرَّجل ثمر النَّخلة وأكثر بخرصه من التَّمر بأن يَخْرِصَ الرُّطبَ، ثمَّ يُقدِّر كم ينقص إذا يبس؟ ثم يشتري

بخرصه تمرًا، فإن تفرَّقا قبل أن يتقابضا فسد البيع. انتهى. قال في «الفتح»: وهذا وإن غاير ما علَّقه البخاريُّ لفظًا فهو يوافقه في المعنى؛ لأنَّ محصِّلهما ألَّا يكون جِزافًا ولا نسيئةً (وَمِمَّا يُقَوِّيهِ) أي: القول السَّابق بألَّا يكون جِزافًا: (قَوْلُ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ) عند الطبريِّ من طريق اللَّيث عن جعفر بن ربيعة عن الأعرج عن سهل موقوفًا: (بِالأَوْسُقِ المُوَسَّقَةِ) وفائدة قوله: «الموسَّقة» التَّأكيد؛ كما في قوله: ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤] وهو يعطي أنَّها المكيلة عند البيع. (وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ) هو محمَّد بن إسحاق بن يسار صاحب «المغازي»، ممَّا وصله الترمذيُّ (فِي حَدِيثِهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ) أنَّه قال: (كَانَتِ العَرَايَا أَنْ يُعْرِيَ الرَّجُلُ) الرَّجُلَ (فِي مَالِهِ النَّخْلَةَ وَالنَّخْلَتَيْنِ) وصله الترمذيُّ بدون تفسيرٍ، وأما التَّفسير فوصله أبو داود عنه بلفظ: «النَّخلات»، وزاد فيه: فيشقُّ عليه، فيبيعها بمثل خرصها. (وَقَالَ يَزِيدُ) هو (١) ابن هارون الواسطيُّ (عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ) الواسطيِّ من أتباع التابعين، ممَّا وصله من حديثه (٢) الإمام أحمد عن الزُّهريِّ عن سالمٍ عن أبيه عن زيد بن ثابتٍ مرفوعًا في العرايا: قال سفيان بن حسينٍ: (العَرَايَا: نَخْلٌ كَانَتْ تُوهَبُ لِلْمَسَاكِينِ، فَلَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَنْتَظِرُوا بِهَا) أي: إلى (٣) أن يصير رُطَبها تمرًا، ولا يحبُّون أكلها رُطَبًا لاحتياجهم إلى التَّمر، فـ (رُخِّصَ لَهُمْ) بضمِّ الرَّاء مبنيًّا للمفعول (أَنْ يَبِيعُوهَا) بعد خرصها (بِمَا شَاؤُوْا مِنَ التَّمْرِ) من الواهب أو من غيره يأخذونه (٤) معجَّلًا، وهذه إحدى صور العريَّة، وهي صحيحةٌ عند الشَّافعيَّة كغيرها، وقد حُكِيَ عن (٥) الشَّافعيِّ تقييدها بالمساكين على ما في هذا الحديث، وهو اختيار المُزَنيِّ، والصَّحيح أنَّه لا يختَصُّ بالفقراء (٦)، بل يجري في الأغنياء لإطلاق الأحاديث فيه، وما رواه الشَّافعيُّ عن زيد بن ثابتٍ: أنَّ رجالًا محتاجين من الأنصار شكَوا إلى رسول الله أنَّ الرُّطب يأتي ولا نقد بأيديهم يبتاعون به رُطَبًا يأكلونه مع النَّاس، وعندهم فضلُ قوتهم من التَّمر، فرخَّص

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ (١) رَخَّصَ) بتشديد الخاء المعجمة من التَّرخيص، وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «أرخص» بهمزةٍ مفتوحةٍ قبل الرَّاء، من الإرخاص (فِي بَيْعِ) تمر (العَرَايَا) والعرايا: النَّخل (فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ) جمع وَسْق -بفتح الواو على الأفصح- وهو ستُّون صاعًا، والصَّاع: خمسة أرطالٍ وثلث، بتقدير الجفاف بمثله (أَوْ دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ؟ قَالَ) مالكٌ: (نَعَمْ) حدَّثني داود (٢)، ووقع في «مسلمٍ» أنَّ الشَّك من داود بن الحصين، وللمؤلِّف في آخر «الشُّرب» [خ¦٢٣٨٢] من وجهٍ آخر عن مالكٍ مثله، وقد أخذ الشَّافعيُّ بالأقلِّ؛ لأنَّ الأصل التَّحريم، وبيع العرايا رخصةٌ، فيُؤخَذ بما يُتحقَّق منه الجواز، ويُلغَى ما وقع فيه الشَّكُّ، وهو قول الحنابلة، فلا يجوز في الخمسة في صفقةٍ، ولا يُخرَّج على تفريق الصَّفقة؛ لأنَّه صار بالزِّيادة مزابنةً، فبطل في الجميع، والرَّاجح عند المالكيَّة الجواز في الخمسة فما دونها، وسبب الخلاف: أنَّ النَّهي عن المزابنة وقع مقرونًا بالرُّخصة في بيع العرايا، فعلى الأوَّل لا يجوز في الخمسة للشَّكِّ في رفع التَّحريم، وعلى الثاني يجوز للشَّكِّ في قدر التَّحريم (٣).

٢١٩١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (قَالَ: قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريُّ: (سَمِعْتُ بُشَيْرًا) بضمِّ الموحَّدة وفتح المعجمة، ابن يسارٍ -ضدَّ اليمين- الأنصاريَّ المدنيَّ (قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ) بفتح الحاء المهملة وسكون

المثلَّثة، وهو سهل بن عبد الله بن أبي حثمة، واسمه: عامر بن ساعدة الأنصاريُّ : (أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ) الرَّطب (بِالتَّمْرِ) اليابس (وَرَخَّصَ فِي العَرِيَّةِ) بتشديد التحتيَّة (أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا) المشترون الَّذين (١) صاروا ملَّاك الثَّمرة (رُطَبًا) بضمِّ الرَّاء وفتح الطَّاء، وليس التقييد بالأكل قيدًا بل لبيان الواقع. قال عليُّ بن المدينيِّ: (وَقَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة (مَرَّةً أُخْرَى: إِلَّا أَنَّهُ رَخَّصَ فِي العَرِيَّةِ يَبِيعُهَا أَهْلُهَا) البائعون (بِخَرْصِهَا يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا (٢)) بضمِّ الرَّاء وفتح الطَّاء، و (قَالَ: هُوَ سَوَاءٌ) أي: مساوٍ للقول الأوَّل وإن اختلفا لفظًا؛ لأنَّهما في المعنى واحد. (قَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة بالإسناد المذكور: (فَقُلْتُ لِيَحْيَى) بن سعيدٍ الأنصاريِّ لمَّا حدَّث به (وَأَنَا غُلَامٌ) جملةٌ حاليةٌ، والمراد: الإشارة إلى قِدَم طلبه، وأنَّه كان في زمن الصِّبا يناظر شيوخه ويباحثهم: (إِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ يَقُولُونَ: إِنَّ النَّبِيَّ رَخَّصَ (٣) فِي بَيْعِ العَرَايَا) أي: من غير قيدٍ (فَقَالَ) يحيى: (وَمَا يُدْرِي) بضمِّ أوله (أَهْلَ مَكَّةَ؟) نُصِبَ بـ «يدري». قال سفيان: (قُلْتُ: إِنَّهُمْ) أي: أهل مكَّة (يَرْوُونَهُ) أي: هذا الحديث (عَنْ جَابِرٍ) هو ابن عبد الله الأنصاريُّ (فَسَكَتَ) يحيى. (قَالَ سُفْيَانُ) بالإسناد المذكور: (إِنَّمَا أَرَدْتُ) أي: إنَّما كان الحامل لي على قولي ليحيى بن سعيدٍ: إنَّهم يَرْوونه عن جابرٍ: (أَنَّ جَابِرًا مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ) فرجع الحديث إلى أهل المدينة، ومحلُّ الخلاف بين رواية يحيى بن سعيدٍ ورواية أهل مكَّة: أنَّ يحيى بن سعيدٍ قيَّد الرُّخصة في بيع العرايا بالخَرْص، وأن يأكلها أهلها (٤) رُطَبًا، وأمَّا ابن عيينة في روايته عن أهل مكَّة فأطلق الرُّخصة في بيع العرايا ولم يقيِّدها بشيءٍ ممَّا ذكر أنَّهم يروونه عن جابرٍ، وكان ليحيى أن يقول لسفيان: وأهل المدينة روَوا فيه التقييد، فيحمل المطلق على المقيَّد، والتَّقييد بالخرص زيادةُ حافظٍ، فتعيَّن المصير إليها،

وأما التَّقييد بالأكل فالَّذي يظهر أنَّه لبيان الواقع، لا أنَّه قيد. قال ابن المديني: (قِيلَ لِسُفْيَانَ) بن عيينةَ، قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على تسمية القائل: (ولَيْسَ فِيهِ) أي: في هذا الحديث (نَهْيٌ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ) بالمثلَّثة (حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ؟ قَالَ) سفيان: (لَا) أي: وإن كان هو صحيحًا من رواية غيره.

وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الشُّرب» [خ¦٢٣٨٠]، ومسلمٌ في «البيوع»، وكذا أبو داود والترمذيُّ والنَّسائيُّ.

(٨٤) (بابُ تَفْسِيرِ العَرَايَا) جمع عرَّية، وهي لغةً: النَّخلة، ووزنها: فَعِيْلة، قال الجمهور: بمعنى: فاعلة؛ لأنَّها عريت بإعراء مالكها، أي: إفراده لها من باقي النَّخل، فهي عارية، وقال آخرون: بمعنى: مفعولة، من عراه يعروه؛ إذا أتاه؛ لأنَّ مالكها يعروها، أي: يأتيها، فهي معروَّة، وأصلها: عريوة، فقُلِبت الواو ياءً وأُدغِمت، فتسمية العقد بذلك على القولين مجازٌ عن أصل ما عُقِدَ عليه. (وَقَالَ مَالِكٌ) الإمام الأعظم ابن أنس الأصبحيُّ ممَّا وصله ابن عبد البرِّ: (العَرِيَّةُ) بتشديد التَّحتيَّة: (أَنْ يُعْرِيَ) بضمِّ الياء، من الإعراء، أي: يهب (الرَّجُلُ الرَّجُلَ نَخْلَةً (١)) من نخلات بستانه فيملكها؛ لأنَّ عند الإمام مالك أن الهبة تلزم بنفس العقد، أي: يهبه ثمرها (ثُمَّ يَتَأَذَّى) الواهب (بِدُخُولِهِ) أي: بدخول الموهوب له (عَلَيْهِ) أي (٢): البستان؛ لأجل الثَّمرة الموهوبة والتقاطها (فَرُخِّصَ) بضمِّ الرَّاء مبنيًّا للمفعول (لَهُ) أي: للواهب (أَنْ

يَشْتَرِيَهَا مِنْهُ) أي: يشتري رُطَبها من الموهوب له (بِتَمْرٍ) يابسٍ، ولا يجوز لغيره ذلك، ومثله قول أبي حنيفة : العريَّة: أن يهبه نخلةً، ويشقَّ عليه تردُّد الموهوب له إلى بستانه، ويكره أن يرجع في هبته، وهذا بناءً على مذهبه في أنَّ الواهب الأجنبيَّ يرجع في هبته متى شاء، لكن يُكرَه، فيدفع إليه بدلها تمرًا، ويكون هذا في معنى البيع، لا أنَّه بيعٌ حقيقةً، وكلا القولين بعيدٌ عن لفظ الحديث؛ لأنَّ لفظ إرخاص العريَّة فيها عامٌّ، وهما يقيِّدانها بصورةٍ، وأيضًا فقد صرَّح بلفظ «البيع»، فنفيُ كونها (١) بيعًا مخالفٌ لظاهر اللَّفظ، وأيضًا الرُّخصة قُيِّدَت بخمسة أوسقٍ أو ما دونها، والهبة لا تتقيَّد. (وَقَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ) الإمام أبو عبد الله محمَّد الشافعيُّ، وجزم به المِزِّيُّ (٢) في «التَّهذيب»، أو هو عبد الله بن إدريس الأوديُّ، ورجَّحه السَّفاقسيُّ، وتردَّد ابن بطَّالٍ ثمَّ السُّبكيُّ في «شرح المهذَّب»: (العَرِيَّةُ) بالتَّشديد (لَا تَكُونُ إِلَّا بِالكَيْلِ) أي: فيما دون خمسة أوسقٍ (مِنَ التَّمْرِ) لتُعلَم المساواة (يَدًا بِيَدٍ) قبل التَّفرُّق، لكن قبض الرُّطب على النَّخل بالتَّخلية، وقبض التَّمر بالنَّقل كغيره (لَا يَكُونُ بِالجِزَافِ) بكسر الجيم في الفرع وأصله (٣)، فيسلِّم المشتري التَّمر اليابس بالكيل، ويُخلِّي بينه وبين النَّخل، وعبارةُ الشَّافعيِّ في «الأمِّ» ونقلها عنه البيهقيُّ في «المعرفة» من طريق الرَّبيع عنه: العرايا أن يشتري الرَّجل ثمر النَّخلة وأكثر بخرصه من التَّمر بأن يَخْرِصَ الرُّطبَ، ثمَّ يُقدِّر كم ينقص إذا يبس؟ ثم يشتري

بخرصه تمرًا، فإن تفرَّقا قبل أن يتقابضا فسد البيع. انتهى. قال في «الفتح»: وهذا وإن غاير ما علَّقه البخاريُّ لفظًا فهو يوافقه في المعنى؛ لأنَّ محصِّلهما ألَّا يكون جِزافًا ولا نسيئةً (وَمِمَّا يُقَوِّيهِ) أي: القول السَّابق بألَّا يكون جِزافًا: (قَوْلُ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ) عند الطبريِّ من طريق اللَّيث عن جعفر بن ربيعة عن الأعرج عن سهل موقوفًا: (بِالأَوْسُقِ المُوَسَّقَةِ) وفائدة قوله: «الموسَّقة» التَّأكيد؛ كما في قوله: ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤] وهو يعطي أنَّها المكيلة عند البيع. (وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ) هو محمَّد بن إسحاق بن يسار صاحب «المغازي»، ممَّا وصله الترمذيُّ (فِي حَدِيثِهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ) أنَّه قال: (كَانَتِ العَرَايَا أَنْ يُعْرِيَ الرَّجُلُ) الرَّجُلَ (فِي مَالِهِ النَّخْلَةَ وَالنَّخْلَتَيْنِ) وصله الترمذيُّ بدون تفسيرٍ، وأما التَّفسير فوصله أبو داود عنه بلفظ: «النَّخلات»، وزاد فيه: فيشقُّ عليه، فيبيعها بمثل خرصها. (وَقَالَ يَزِيدُ) هو (١) ابن هارون الواسطيُّ (عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ) الواسطيِّ من أتباع التابعين، ممَّا وصله من حديثه (٢) الإمام أحمد عن الزُّهريِّ عن سالمٍ عن أبيه عن زيد بن ثابتٍ مرفوعًا في العرايا: قال سفيان بن حسينٍ: (العَرَايَا: نَخْلٌ كَانَتْ تُوهَبُ لِلْمَسَاكِينِ، فَلَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَنْتَظِرُوا بِهَا) أي: إلى (٣) أن يصير رُطَبها تمرًا، ولا يحبُّون أكلها رُطَبًا لاحتياجهم إلى التَّمر، فـ (رُخِّصَ لَهُمْ) بضمِّ الرَّاء مبنيًّا للمفعول (أَنْ يَبِيعُوهَا) بعد خرصها (بِمَا شَاؤُوْا مِنَ التَّمْرِ) من الواهب أو من غيره يأخذونه (٤) معجَّلًا، وهذه إحدى صور العريَّة، وهي صحيحةٌ عند الشَّافعيَّة كغيرها، وقد حُكِيَ عن (٥) الشَّافعيِّ تقييدها بالمساكين على ما في هذا الحديث، وهو اختيار المُزَنيِّ، والصَّحيح أنَّه لا يختَصُّ بالفقراء (٦)، بل يجري في الأغنياء لإطلاق الأحاديث فيه، وما رواه الشَّافعيُّ عن زيد بن ثابتٍ: أنَّ رجالًا محتاجين من الأنصار شكَوا إلى رسول الله أنَّ الرُّطب يأتي ولا نقد بأيديهم يبتاعون به رُطَبًا يأكلونه مع النَّاس، وعندهم فضلُ قوتهم من التَّمر، فرخَّص

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.1 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله