«وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٢٢٢

الحديث رقم ٢٢٢٢ من كتاب «كتاب البيوع» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قتل الخنزير.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢٢٢٢ في صحيح البخاري

«وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ.»

بَابٌ: لَا يُذَابُ شَحْمُ الْمَيْتَةِ وَلَا يُبَاعُ وَدَكُهُ رَوَاهُ جَابِرٌ عَنِ النَّبِيِّ

إسناد حديث رقم ٢٢٢٢ من صحيح البخاري

٢٢٢٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ : أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ :

شرح حديث ٢٢٢٢: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مَا عَدَا أَكْلَهَا مُبَاحٌ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الذَّبَائِحِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

١٠٢ - بَاب قَتْلِ الْخِنْزِيرِ. وَقَالَ جَابِرٌ: حَرَّمَ النَّبِيُّ بَيْعَ الْخِنْزِيرِ.

٢٢٢٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ.

[الحديث ٢٢٢٢ - أطرافه في: ٢٤٧٦، ٣٤٤٨، ٣٤٤٩]

قَوْلُهُ: (بَابُ قَتْلِ الْخِنْزِيرِ) أَيْ: هَلْ يُشْرَعُ كَمَا شُرِعَ تَحْرِيمُ أَكْلِهِ؟ وَوَجْهُ دُخُولِهِ فِي أَبْوَابِ الْبَيْعِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ مَا أُمِرَ بِقَتْلِهِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: شَذَّ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ فَقَالَ: لَا يُقْتَلُ الْخِنْزِيرُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَاوَةٌ. قَالَ: وَالْجُمْهُورُ عَلَى جَوَازِ قَتْلِهِ مُطْلَقًا. وَالْخِنْزِيرُ بِوَزْنِ غِرْبِيبٍ، وَنُونُهُ أَصْلِيَّةٌ، وَقِيلَ: زَائِدَةٌ، وَهُوَ مُخْتَارُ الْجَوْهَرِيِّ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ جَابِرٌ: حَرَّمَ النَّبِيُّ بَيْعَ الْخِنْزِيرِ) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ وَصَلَهُ الْمُؤَلِّفُ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ تِسْعَةِ أَبْوَابٍ، ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي نُزُولِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، وَمَوْضِعُ التَّرْجَمَةِ مِنْهُ قَوْلُهُ: وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، أَيْ: يَأْمُرُ بِإِعْدَامِهِ مُبَالَغَةً فِي تَحْرِيمِ أَكْلِهِ، وَفِيهِ تَوْبِيخٌ عَظِيمٌ لِلنَّصَارَى الَّذِينَ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ عَلَى طَرِيقَةِ عِيسَى، ثُمَّ يَسْتَحِلُّونَ أَكْلَ الْخِنْزِيرِ، وَيُبَالِغُونَ فِي مَحَبَّتِهِ.

١٠٣ - بَاب لَا يُذَابُ شَحْمُ الْمَيْتَةِ وَلَا يُبَاعُ وَدَكُهُ

رَوَاهُ جَابِرٌ عَنْ النَّبِيِّ

٢٢٢٣ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي طَاوُسٌ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: بَلَغَ عُمَرَ أَنَّ فُلَانًا بَاعَ خَمْرًا، فَقَالَ: قَاتَلَ اللَّهُ فُلَانًا، أَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُومُ فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا.

[الحديث ٢٢٢٣ - طرفه في ٣٤٦٠]

٢٢٢٤ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قال: "قَاتَلَ اللَّهُ يَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُومُ فَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ لَعَنَهُمْ ﴿قُتِلَ﴾ لُعِنَ ﴿الْخَرَّاصُونَ﴾ الْكَذَّابُونَ"

قَوْلُهُ: (بَابُ لَا يُذَابُ شَحْمُ الْمَيْتَةِ وَلَا يُبَاعُ وَدَكُهُ رَوَاهُ جَابِرٌ عَنِ النَّبِيِّ أَيْ: رَوَى مَعْنَاهُ. وَسَيَأْتِي شَرْحُ ذَلِكَ فِي بَابِ بَيْعِ الْمَيْتَةِ وَالْأَصْنَامِ.

قَوْلُهُ: (بَلَغَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنَّ فُلَانًا بَاعَ خَمْرًا) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، وَابْنِ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ: أَنَّ سَمُرَةَ بَاعَ خَمْرًا، فَقَالَ: قَاتَلَ اللَّهُ سَمُرَةَ زَادَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الزَّعْفَرَانِيِّ: عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَالْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُمَا: اخْتُلِفَ فِي كَيْفِيَّةِ بَيْعِ سَمُرَةَ لِلْخَمْرِ

عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ أَخَذَهَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ عَنْ قِيمَةِ الْجِزْيَةِ فَبَاعَهَا مِنْهُمْ، مُعْتَقِدًا جَوَازَ ذَلِكَ، وَهَذَا حَكَاهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، عَنِ ابْنِ نَاصِرٍ، وَرَجَّحَهُ، وَقَالَ: كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُوَلِّيَهُمْ بَيْعَهَا فَلَا يَدْخُلُ فِي مَحْظُورٍ، وَإِنْ أَخَذَ أَثْمَانَهَا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَاطَ مُحَرَّمًا، وَيَكُونُ شَبِيهًا بِقِصَّةِ بَرِيرَةَ، حَيْثُ قَالَ: هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ.

وَالثَّانِي قَالَ الْخَطَّابِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَاعَ الْعَصِيرَ مِمَّنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا، وَالْعَصِيرُ يُسَمَّى خَمْرًا كَمَا قَدْ يُسَمَّى الْعِنَبُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَئُولُ إِلَيْهِ قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ، قَالَ: وَلَا يُظَنُّ بِسَمُرَةَ أَنَّهُ بَاعَ عَيْنَ الْخَمْرِ بَعْدَ أَنْ شَاعَ تَحْرِيمُهَا، وَإِنَّمَا بَاعَ الْعَصِيرُ.

وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ خَلَّلَ الْخَمْرَ وَبَاعَهَا، وَكَانَ عُمَرُ يَعْتَقِدُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُحِلُّهَا، كَمَا هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَاعْتَقَدَ سَمُرَةُ الْجَوَازَ كَمَا تَأَوَّلَهُ غَيْرُهُ أَنَّهُ يَحِلُّ التَّخْلِيلُ، وَلَا يَنْحَصِرُ الْحِلُّ فِي تَخْلِيلِهَا بِنَفْسِهَا، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ تَبَعًا لِابْنِ الْجَوْزِيِّ: وَالْأَشْبَهُ الْأَوَّلُ.

قُلْتُ: وَلَا يَتَعَيَّنُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ أَخْذهَا عَنِ الْجِزْيَةِ بَلْ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ حَصَلَتْ لَهُ عَنْ غَنِيمَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَقَدْ أَبْدَى الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي الْمَدْخَلِ فِيهِ احْتِمَالًا آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ سَمُرَةَ عَلِمَ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ وَلَمْ يَعْلَمْ تَحْرِيمَ بَيْعِهَا وَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ عُمَرُ عَلَى ذَمِّهِ دُونَ عُقُوبَتِهِ، وَهَذَا هُوَ الظَّنُّ بِهِ، وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَخْبَارِ أَنَّ سَمُرَةَ كَانَ وَالِيًا لِعُمَرَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِهِ، إِلَّا أَنَّ ابْنَ الْجَوْزِيِّ أَطْلَقَ أَنَّهُ كَانَ وَالِيًا عَلَى الْبَصْرَةِ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَهُوَ وَهَمٌ؛ فَإِنَّمَا وَلِيَ سَمُرَةَ عَلَى الْبَصْرَةِ لِزِيَادٍ وَابْنِهِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ بَعْدَ عُمَرَ بِدَهْرٍ، وُلَاةُ الْبَصْرَةِ لِعُمَرَ قَدْ ضُبِطُوا وَلَيْسَ مِنْهُمْ سَمُرَةُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ أُمَرَائِهَا اسْتَعْمَلَ سَمُرَةَ عَلَى قَبْضِ الْجِزْيَةِ.

قَوْلُهُ: (حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ) أَيْ: أَكْلُهَا، وَإِلَّا فَلَوْ حُرِّمَ عَلَيْهِمْ بَيْعُهَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ حِيلَةٌ فِيمَا صَنَعُوهُ مِنْ إِذَابَتِهَا.

قَوْلُهُ: (فَجَمَلُوهَا) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْمِيمِ، أَيْ: أَذَابُوهَا، يُقَالُ: جَمَلَهُ إِذَا أَذَابَهُ، وَالْجَمِيلُ: الشَّحْمُ الْمُذَابُ، وَوَجْهُ تَشْبِيهِ عُمَرَ بَيْعَ الْمُسْلِمِينَ الْخَمْرَ بِبَيْعِ الْيَهُودِ الْمُذَابَ مِنَ الشَّحْمِ الِاشْتِرَاكُ فِي النَّهْيِ عَنْ تَنَاوُلِ كُلٍّ مِنْهُمَا، لَكِنْ لَيْسَ كُلُّ مَا حُرِّمَ تَنَاوُلُهُ حُرِّمَ بَيْعُهُ كَالْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَسِبَاعِ الطَّيْرِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ اشْتِرَاكَهُمَا فِي كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا صَارَ بِالنَّهْيِ عَنْ تَنَاوُلِهِ نَجَسًا، هَكَذَا حَكَاهُ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنْ الطَّبَرِيِّ وَأَقَرَّهُ، وَلَيْسَ بِوَاضِحٍ بَلْ كُلُّ مَا حُرِّمَ تَنَاوُلُهُ حُرِّمَ بَيْعُهُ، وَتَنَاوُلُ الْحُمُرِ وَالسِّبَاعِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا حُرِّمَ أَكْلُهُ إِنَّمَا يَتَأَتَّى بَعْدَ ذَبْحِهِ، وَهُوَ بِالذَّبْحِ يَصِيرُ مَيْتَةً؛ لِأَنَّهُ لَا ذَكَاةَ لَهُ، وَإِذَا صَارَ مَيْتَةً صَارَ نَجَسًا، وَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ. فَالْإِيرَادُ فِي الْأَصْلِ غَيْرُ وَارِدٍ، هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَإِنْ خَالَفَ فِي بَعْضِهِ بَعْضُ النَّاسِ، وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِهِمْ: الِابْنُ إِذَا وَرِثَ جَارِيَةَ أَبِيهِ حَرُمَ عَلَيْهِ وَطْؤُهَا، وَجَازَ لَهُ بَيْعُهَا وَأَكْلُ ثَمَنِهَا، فَأَجَابَ عِيَاضٌ عَنْهُ بِأَنَّهُ تَمْوِيهٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ الِانْتِفَاعُ بِهَا مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا حَرُمَ عَلَيْهِ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا لِأَمْرٍ خَارِجِيٍّ، وَالِانْتِفَاعُ بِهَا لِغَيْرِهِ فِي الِاسْتِمْتَاعِ وَغَيْرِهِ حَلَالٌ إِذَا مَلَكَهَا، بِخِلَافِ الشُّحُومِ؛ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا وَهُوَ الْأَكْلُ كَانَ مُحَرَّمًا عَلَى الْيَهُودِ فِي كُلِّ حَالٍ، وَعَلَى كُلِّ شَخْصٍ فَافْتَرَقَا.

وَفِي الْحَدِيثِ لَعْنُ الْعَاصِي الْمُعِينِ، وَلَكِنْ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ قَوْلَ عُمَرَ قَاتَلَ اللَّهُ سَمُرَةَ لَمْ يُرِدْ بِهِ ظَاهِرَهُ، بَلْ هِيَ كَلِمَةٌ تَقُولُهَا الْعَرَبُ عِنْدَ إِرَادَةِ الزَّجْرِ، فَقَالَهَا فِي حَقِّهِ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ، وَفِيهِ إِقَالَةُ ذَوِي الْهَيْئَاتِ زَلَّاتِهِمْ؛ لِأَنَّ عُمَرَ اكْتَفَى بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ عَنْ مَزِيدِ عُقُوبَةٍ وَنَحْوِهَا، وَفِيهِ إِبْطَالُ الْحِيَلِ وَالْوَسَائِلِ إِلَى الْمُحَرَّمِ، وَفِيهِ تَحْرِيمُ بَيْعِ الْخَمْرِ، وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ فِي ذَلِكَ الْإِجْمَاعَ، وَشَذَّ مَنْ قَالَ: يَجُوزُ بَيْعُهَا، وَيَجُوزُ بَيْعُ الْعُنْقُودِ الْمُسْتَحِيلِ بَاطِنُهُ خَمْرًا، وَاخْتُلِفَ فِي عِلَّةِ ذَلِكَ فَقِيلَ: لِنَجَاسَتِهَا، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ مَقْصُودَةٌ، وَقِيلَ: لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّنْفِيرِ عَنْهَا، وَفِيهِ أَنَّ الشَّيْءَ إِذَا حُرِّمَ عَيْنُهُ حُرِّمَ ثَمَنُهُ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بَيْعَ الْمُسْلِمِ الْخَمْرَ مِنَ الذِّمِّيِّ لَا يَجُوزُ، وَكَذَا تَوْكِيلُ الْمُسْلِمِ الذِّمِّيَّ فِي بَيْعِ الْخَمْرِ، وَأَمَّا تَحْرِيمُ بَيْعِهَا عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ فَمَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي خِطَابِ الْكَافِرِ بِالْفُرُوعِ، وَفِيهِ اسْتِعْمَالُ الْقِيَاسِ فِي الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَحْرِيمِ بَيْعِ جُثَّةِ الْكَافِرِ إِذَا قَتَلْنَاهُ، وَأَرَادَ الْكَافِرُ شِرَاءَهُ.

وَعَلَى مَنْعِ بَيْعِ كُلِّ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

عينهما عنده، وقد تمسَّك بعضهم بخصوص هذا السَّبب، فقصر الجواز على المأكول لورود الخبر في الشَّاة، ويتقوَّى ذلك من حيث النَّظر لأنَّ الدِّباغ لا يزيد في التَّطهير على الذَّكاة، وغير المأكول لو ذُكِّيَ لم يطهر بالذَّكاة عند الأكثر، فكذلك بالدِّباغ، وأجاب من عمَّم بالتَّمسُّك بعموم اللَّفظ -وهو أولى من خصوص السَّبب- وبعموم الإذن بالمنفعة.

وموضع التَّرجمة قوله: «هلَّا انتفعتم بإهابها؟» والانتفاع يدلُّ على جواز البيع.

وقد سبق الحديث في «الزَّكاة» [خ¦١٤٩٢] وأخرجه أيضًا في «الذَّبائح» [خ¦٥٥٣١].

(١٠٢) (بابُ قَتْلِ الخِنْزِيرِ) هل هو مشروعٌ؟ فإن قلت: ما المناسبة في سوق هذا الباب هنا؟ أجيب: بأنَّه أشار به إلى أنَّ ما أمر بقتله لا يجوز بيعه.

(وَقَالَ جَابِرٌ) هو ابن عبد الله الأنصاريُّ ممَّا وصله المؤلِّف في «باب بيع الميِّتة والأصنام» [خ¦٢٢٣٦] (حَرَّمَ النَّبِيُّ بَيْعَ الخِنْزِيرِ).

٢٢٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثَّقفيُّ البغلانيُّ البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ) -بفتح الياء المشدَّدة- سعيدٌ (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : وَ) الله (الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) قال العارف شمس الدِّين بن اللَّبَّان: نسبة الأيدي إليه تعالى استعارةٌ لحقائق أنوارٍ علويَّةٍ يظهر عنها تصرُّفه وبطشه بدءًا وإعادة، وتلك الأنوار متفاوتةٌ في روح القرب، وعلى حسب تفاوتها وسَعة دوائرها تكون رتب التَّخصيص لِمَا ظهر عنها (لَيُوشِكَنَّ) بلام التَّوكيد المفتوحة وكسر الشِّين المعجمة وتشديد النُّون (أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ) أي: في هذه الأمَّة (ابْنُ مَرْيَمَ) بفتح أوَّل «يَنْزِل» وكسر ثالثه، و «أَنْ»: مصدريَّة في محلِّ رفعٍ على الفاعليَّة، أي: لَيُسرعنَّ أو لَيقربنَّ نزول ابن مريم من السَّماء، ينزل

عند المنارة البيضاء شرقيَّ دمشق، واضعًا كفَّيه على أجنحة مَلَكين (حَكَمًا) بفتحتين، أي: حاكمًا (مُقْسِطًا) عادلًا، يُقال: أقسط إذا عدل، وقسط إذا جار، أي: حاكمًا من حكَّام هذه الأمَّة بهذه الشَّريعة المحمَّديَّة، لا نبيًّا برسالةٍ مستقلَّةٍ وشريعةٍ ناسخةٍ (فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ) الَّذي تُعظِّمه النَّصارى، والأصل فيه ما روي: أنَّ رَهطًا من اليهود سبُّوا عيسى وأمَّه عليهما الصلاة والسلام، فدعا عليهم، فمسخهم الله قردةً وخنازيرَ، فأجمعت اليهود على قتله، فأخبره الله بأنَّه يرفعه إلى السَّماء، فقال لأصحابه: أيُّكم يرضى أن يُلقى عليه شبهي (١) فيُقتَل ويُصلَب ويدخلَ الجنَّة؟ فقام رجلٌ منهم، فألقى الله عليه شبهه، فقُتِل وصُلِب، وقيل: كان رجلًا ينافقه، فخرج ليدلَّ عليه، فدخل بيت عيسى، ورُفِع عيسى، وأُلقِي شبهه على المنافق، فدخلوا عليه فقتلوه وهم يظنُّون أنَّه عيسى، ثمَّ اختلفوا، فقال بعضهم: إنَّه إلهٌ لا يصحُّ قتله، وقال بعضهم: إنَّه قد (٢) قُتِل وصُلِب، وقال بعضهم: إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا؟ وإن كان صاحبنا فأين عيسى؟ وقال بعضهم: رُفِعَ إلى السَّماء، وقال بعضهم: الوجه وجه عيسى، والبدن بدن صاحبنا، ثمَّ تسلَّطوا على أصحاب عيسى بالقتل والصَّلب والحبس حتَّى بلغ أمرهم إلى صاحب الرُّوم، فقيل له (٣): إنَّ اليهود قد تسلَّطوا على أصحاب رجلٍ كان يُذكَر لهم أنَّه رسول الله، وأنَّه (٤) كان يُحيي الموتى، ويُبرِئ الأكمه والأبرص، ويفعل العجائب، فعَدَوْا عليه فقتلوه وصلبوه، فأرسل إلى المصلوب فوُضِع عن جذعه، وجيء بالجذع الَّذي صُلِبَ عليه فعظَّمه صاحب الرُّوم، وجعلوا منه صلبانًا، فمن ثَمَّ عظَّم النَّصارى الصُّلبان، فكَسْرُ عيسى الصَّليبَ إذا نزل فيه تكذيبُهم، وإبطالٌ لِمَا يدَّعونه من تعظيمه، وإبطالُ دين النَّصارى، والفاء في «فيكسر» تفصيليَّة لقوله: «حكمًا مقسطًا» (٥)، والرَّاء نصبٌ عطفًا على الفعل المنصوب قبله، وكذا قوله: (وَيَقْتُلَ الخِنْزِيرَ) أي: يأمر بإعدامه مبالغة في تحريم أكله، وفيه بيانٌ أنَّه نجسٌ؛ لأنَّ عيسى إنَّما يقتله بحكم هذه الشَّريعة المحمَّديَّة،

والشيء الطَّاهر المنتفَع به لا يُباح إتلافه، وهذا موضع التَّرجمة على ما لا يخفى (وَيَضَعَ الجِزْيَةَ) عن ذمَّتهم، أي: يرفعها، وذلك بأن (١) يحمل النَّاس على دين الإسلام، فيسلمون وتسقط عنهم الجزية، وقيل: يضعها: يضربها عليهم ويلزمهم (٢) إيَّاها من غير محاباةٍ، وهذا قاله عياضٌ احتمالًا (٣)، وتعقَّبه النَّوويُّ بأنَّ الصَّواب أنَّ عيسى لا يقبل إلَّا الإسلام، والجزية وإن كانت مشروعةً في هذه الشَّريعة لكنَّ (٤) مشروعيَّتها تنقطع بزمن عيسى (٥) ، وليس عيسى بناسخٍ حكمها، بل نبيُّنا هو المبيِّن للنَّسخ بقوله هذا، والفعل بالنَّصب عطفًا على المنصوب السَّابق، وكذا قوله: (وَيَفِيضَ) بفتح التَّحتيَّة وكسر الفاء وبالضَّاد المعجمة، أي: يكثر (المَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ) لكثرته واستغناء كلِّ أحدٍ بما في يديه (٦) بسبب نزول البركات، وتوالي الخيرات بسبب العدل وعدم الظُّلم، وتُخرج الأرض كنوزها، وتقلُّ الرَّغبات في اقتناء المال لعلمهم بقرب السَّاعة، وقوله: «ويفيضَُ» ضبطه الدِّمياطيُّ بالنَّصب كما مرَّ، وضبطه ابن التِّين السَّفاقسيُّ بالرَّفع على الاستئناف، قال: لأنَّه ليس من فعل عيسى .

وهذا الحديث أخرجه في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤٤٨]، ومسلمٌ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ في «الفتن» وقال: حسنٌ صحيحٌ.

(١٠٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَا يُذَابُ شَحْمُ المَيْتَةِ وَلَا يُبَاعُ وَدَكُهُ) بفتح الواو والمهمَلة: دسم

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مَا عَدَا أَكْلَهَا مُبَاحٌ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الذَّبَائِحِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

١٠٢ - بَاب قَتْلِ الْخِنْزِيرِ. وَقَالَ جَابِرٌ: حَرَّمَ النَّبِيُّ بَيْعَ الْخِنْزِيرِ.

٢٢٢٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ.

[الحديث ٢٢٢٢ - أطرافه في: ٢٤٧٦، ٣٤٤٨، ٣٤٤٩]

قَوْلُهُ: (بَابُ قَتْلِ الْخِنْزِيرِ) أَيْ: هَلْ يُشْرَعُ كَمَا شُرِعَ تَحْرِيمُ أَكْلِهِ؟ وَوَجْهُ دُخُولِهِ فِي أَبْوَابِ الْبَيْعِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ مَا أُمِرَ بِقَتْلِهِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: شَذَّ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ فَقَالَ: لَا يُقْتَلُ الْخِنْزِيرُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَاوَةٌ. قَالَ: وَالْجُمْهُورُ عَلَى جَوَازِ قَتْلِهِ مُطْلَقًا. وَالْخِنْزِيرُ بِوَزْنِ غِرْبِيبٍ، وَنُونُهُ أَصْلِيَّةٌ، وَقِيلَ: زَائِدَةٌ، وَهُوَ مُخْتَارُ الْجَوْهَرِيِّ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ جَابِرٌ: حَرَّمَ النَّبِيُّ بَيْعَ الْخِنْزِيرِ) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ وَصَلَهُ الْمُؤَلِّفُ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ تِسْعَةِ أَبْوَابٍ، ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي نُزُولِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، وَمَوْضِعُ التَّرْجَمَةِ مِنْهُ قَوْلُهُ: وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، أَيْ: يَأْمُرُ بِإِعْدَامِهِ مُبَالَغَةً فِي تَحْرِيمِ أَكْلِهِ، وَفِيهِ تَوْبِيخٌ عَظِيمٌ لِلنَّصَارَى الَّذِينَ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ عَلَى طَرِيقَةِ عِيسَى، ثُمَّ يَسْتَحِلُّونَ أَكْلَ الْخِنْزِيرِ، وَيُبَالِغُونَ فِي مَحَبَّتِهِ.

١٠٣ - بَاب لَا يُذَابُ شَحْمُ الْمَيْتَةِ وَلَا يُبَاعُ وَدَكُهُ

رَوَاهُ جَابِرٌ عَنْ النَّبِيِّ

٢٢٢٣ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي طَاوُسٌ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: بَلَغَ عُمَرَ أَنَّ فُلَانًا بَاعَ خَمْرًا، فَقَالَ: قَاتَلَ اللَّهُ فُلَانًا، أَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُومُ فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا.

[الحديث ٢٢٢٣ - طرفه في ٣٤٦٠]

٢٢٢٤ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قال: "قَاتَلَ اللَّهُ يَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُومُ فَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ لَعَنَهُمْ ﴿قُتِلَ﴾ لُعِنَ ﴿الْخَرَّاصُونَ﴾ الْكَذَّابُونَ"

قَوْلُهُ: (بَابُ لَا يُذَابُ شَحْمُ الْمَيْتَةِ وَلَا يُبَاعُ وَدَكُهُ رَوَاهُ جَابِرٌ عَنِ النَّبِيِّ أَيْ: رَوَى مَعْنَاهُ. وَسَيَأْتِي شَرْحُ ذَلِكَ فِي بَابِ بَيْعِ الْمَيْتَةِ وَالْأَصْنَامِ.

قَوْلُهُ: (بَلَغَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنَّ فُلَانًا بَاعَ خَمْرًا) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، وَابْنِ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ: أَنَّ سَمُرَةَ بَاعَ خَمْرًا، فَقَالَ: قَاتَلَ اللَّهُ سَمُرَةَ زَادَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الزَّعْفَرَانِيِّ: عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَالْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُمَا: اخْتُلِفَ فِي كَيْفِيَّةِ بَيْعِ سَمُرَةَ لِلْخَمْرِ

عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ أَخَذَهَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ عَنْ قِيمَةِ الْجِزْيَةِ فَبَاعَهَا مِنْهُمْ، مُعْتَقِدًا جَوَازَ ذَلِكَ، وَهَذَا حَكَاهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، عَنِ ابْنِ نَاصِرٍ، وَرَجَّحَهُ، وَقَالَ: كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُوَلِّيَهُمْ بَيْعَهَا فَلَا يَدْخُلُ فِي مَحْظُورٍ، وَإِنْ أَخَذَ أَثْمَانَهَا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَاطَ مُحَرَّمًا، وَيَكُونُ شَبِيهًا بِقِصَّةِ بَرِيرَةَ، حَيْثُ قَالَ: هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ.

وَالثَّانِي قَالَ الْخَطَّابِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَاعَ الْعَصِيرَ مِمَّنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا، وَالْعَصِيرُ يُسَمَّى خَمْرًا كَمَا قَدْ يُسَمَّى الْعِنَبُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَئُولُ إِلَيْهِ قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ، قَالَ: وَلَا يُظَنُّ بِسَمُرَةَ أَنَّهُ بَاعَ عَيْنَ الْخَمْرِ بَعْدَ أَنْ شَاعَ تَحْرِيمُهَا، وَإِنَّمَا بَاعَ الْعَصِيرُ.

وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ خَلَّلَ الْخَمْرَ وَبَاعَهَا، وَكَانَ عُمَرُ يَعْتَقِدُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُحِلُّهَا، كَمَا هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَاعْتَقَدَ سَمُرَةُ الْجَوَازَ كَمَا تَأَوَّلَهُ غَيْرُهُ أَنَّهُ يَحِلُّ التَّخْلِيلُ، وَلَا يَنْحَصِرُ الْحِلُّ فِي تَخْلِيلِهَا بِنَفْسِهَا، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ تَبَعًا لِابْنِ الْجَوْزِيِّ: وَالْأَشْبَهُ الْأَوَّلُ.

قُلْتُ: وَلَا يَتَعَيَّنُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ أَخْذهَا عَنِ الْجِزْيَةِ بَلْ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ حَصَلَتْ لَهُ عَنْ غَنِيمَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَقَدْ أَبْدَى الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي الْمَدْخَلِ فِيهِ احْتِمَالًا آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ سَمُرَةَ عَلِمَ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ وَلَمْ يَعْلَمْ تَحْرِيمَ بَيْعِهَا وَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ عُمَرُ عَلَى ذَمِّهِ دُونَ عُقُوبَتِهِ، وَهَذَا هُوَ الظَّنُّ بِهِ، وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَخْبَارِ أَنَّ سَمُرَةَ كَانَ وَالِيًا لِعُمَرَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِهِ، إِلَّا أَنَّ ابْنَ الْجَوْزِيِّ أَطْلَقَ أَنَّهُ كَانَ وَالِيًا عَلَى الْبَصْرَةِ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَهُوَ وَهَمٌ؛ فَإِنَّمَا وَلِيَ سَمُرَةَ عَلَى الْبَصْرَةِ لِزِيَادٍ وَابْنِهِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ بَعْدَ عُمَرَ بِدَهْرٍ، وُلَاةُ الْبَصْرَةِ لِعُمَرَ قَدْ ضُبِطُوا وَلَيْسَ مِنْهُمْ سَمُرَةُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ أُمَرَائِهَا اسْتَعْمَلَ سَمُرَةَ عَلَى قَبْضِ الْجِزْيَةِ.

قَوْلُهُ: (حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ) أَيْ: أَكْلُهَا، وَإِلَّا فَلَوْ حُرِّمَ عَلَيْهِمْ بَيْعُهَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ حِيلَةٌ فِيمَا صَنَعُوهُ مِنْ إِذَابَتِهَا.

قَوْلُهُ: (فَجَمَلُوهَا) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْمِيمِ، أَيْ: أَذَابُوهَا، يُقَالُ: جَمَلَهُ إِذَا أَذَابَهُ، وَالْجَمِيلُ: الشَّحْمُ الْمُذَابُ، وَوَجْهُ تَشْبِيهِ عُمَرَ بَيْعَ الْمُسْلِمِينَ الْخَمْرَ بِبَيْعِ الْيَهُودِ الْمُذَابَ مِنَ الشَّحْمِ الِاشْتِرَاكُ فِي النَّهْيِ عَنْ تَنَاوُلِ كُلٍّ مِنْهُمَا، لَكِنْ لَيْسَ كُلُّ مَا حُرِّمَ تَنَاوُلُهُ حُرِّمَ بَيْعُهُ كَالْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَسِبَاعِ الطَّيْرِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ اشْتِرَاكَهُمَا فِي كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا صَارَ بِالنَّهْيِ عَنْ تَنَاوُلِهِ نَجَسًا، هَكَذَا حَكَاهُ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنْ الطَّبَرِيِّ وَأَقَرَّهُ، وَلَيْسَ بِوَاضِحٍ بَلْ كُلُّ مَا حُرِّمَ تَنَاوُلُهُ حُرِّمَ بَيْعُهُ، وَتَنَاوُلُ الْحُمُرِ وَالسِّبَاعِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا حُرِّمَ أَكْلُهُ إِنَّمَا يَتَأَتَّى بَعْدَ ذَبْحِهِ، وَهُوَ بِالذَّبْحِ يَصِيرُ مَيْتَةً؛ لِأَنَّهُ لَا ذَكَاةَ لَهُ، وَإِذَا صَارَ مَيْتَةً صَارَ نَجَسًا، وَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ. فَالْإِيرَادُ فِي الْأَصْلِ غَيْرُ وَارِدٍ، هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَإِنْ خَالَفَ فِي بَعْضِهِ بَعْضُ النَّاسِ، وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِهِمْ: الِابْنُ إِذَا وَرِثَ جَارِيَةَ أَبِيهِ حَرُمَ عَلَيْهِ وَطْؤُهَا، وَجَازَ لَهُ بَيْعُهَا وَأَكْلُ ثَمَنِهَا، فَأَجَابَ عِيَاضٌ عَنْهُ بِأَنَّهُ تَمْوِيهٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ الِانْتِفَاعُ بِهَا مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا حَرُمَ عَلَيْهِ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا لِأَمْرٍ خَارِجِيٍّ، وَالِانْتِفَاعُ بِهَا لِغَيْرِهِ فِي الِاسْتِمْتَاعِ وَغَيْرِهِ حَلَالٌ إِذَا مَلَكَهَا، بِخِلَافِ الشُّحُومِ؛ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا وَهُوَ الْأَكْلُ كَانَ مُحَرَّمًا عَلَى الْيَهُودِ فِي كُلِّ حَالٍ، وَعَلَى كُلِّ شَخْصٍ فَافْتَرَقَا.

وَفِي الْحَدِيثِ لَعْنُ الْعَاصِي الْمُعِينِ، وَلَكِنْ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ قَوْلَ عُمَرَ قَاتَلَ اللَّهُ سَمُرَةَ لَمْ يُرِدْ بِهِ ظَاهِرَهُ، بَلْ هِيَ كَلِمَةٌ تَقُولُهَا الْعَرَبُ عِنْدَ إِرَادَةِ الزَّجْرِ، فَقَالَهَا فِي حَقِّهِ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ، وَفِيهِ إِقَالَةُ ذَوِي الْهَيْئَاتِ زَلَّاتِهِمْ؛ لِأَنَّ عُمَرَ اكْتَفَى بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ عَنْ مَزِيدِ عُقُوبَةٍ وَنَحْوِهَا، وَفِيهِ إِبْطَالُ الْحِيَلِ وَالْوَسَائِلِ إِلَى الْمُحَرَّمِ، وَفِيهِ تَحْرِيمُ بَيْعِ الْخَمْرِ، وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ فِي ذَلِكَ الْإِجْمَاعَ، وَشَذَّ مَنْ قَالَ: يَجُوزُ بَيْعُهَا، وَيَجُوزُ بَيْعُ الْعُنْقُودِ الْمُسْتَحِيلِ بَاطِنُهُ خَمْرًا، وَاخْتُلِفَ فِي عِلَّةِ ذَلِكَ فَقِيلَ: لِنَجَاسَتِهَا، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ مَقْصُودَةٌ، وَقِيلَ: لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّنْفِيرِ عَنْهَا، وَفِيهِ أَنَّ الشَّيْءَ إِذَا حُرِّمَ عَيْنُهُ حُرِّمَ ثَمَنُهُ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بَيْعَ الْمُسْلِمِ الْخَمْرَ مِنَ الذِّمِّيِّ لَا يَجُوزُ، وَكَذَا تَوْكِيلُ الْمُسْلِمِ الذِّمِّيَّ فِي بَيْعِ الْخَمْرِ، وَأَمَّا تَحْرِيمُ بَيْعِهَا عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ فَمَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي خِطَابِ الْكَافِرِ بِالْفُرُوعِ، وَفِيهِ اسْتِعْمَالُ الْقِيَاسِ فِي الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَحْرِيمِ بَيْعِ جُثَّةِ الْكَافِرِ إِذَا قَتَلْنَاهُ، وَأَرَادَ الْكَافِرُ شِرَاءَهُ.

وَعَلَى مَنْعِ بَيْعِ كُلِّ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

عينهما عنده، وقد تمسَّك بعضهم بخصوص هذا السَّبب، فقصر الجواز على المأكول لورود الخبر في الشَّاة، ويتقوَّى ذلك من حيث النَّظر لأنَّ الدِّباغ لا يزيد في التَّطهير على الذَّكاة، وغير المأكول لو ذُكِّيَ لم يطهر بالذَّكاة عند الأكثر، فكذلك بالدِّباغ، وأجاب من عمَّم بالتَّمسُّك بعموم اللَّفظ -وهو أولى من خصوص السَّبب- وبعموم الإذن بالمنفعة.

وموضع التَّرجمة قوله: «هلَّا انتفعتم بإهابها؟» والانتفاع يدلُّ على جواز البيع.

وقد سبق الحديث في «الزَّكاة» [خ¦١٤٩٢] وأخرجه أيضًا في «الذَّبائح» [خ¦٥٥٣١].

(١٠٢) (بابُ قَتْلِ الخِنْزِيرِ) هل هو مشروعٌ؟ فإن قلت: ما المناسبة في سوق هذا الباب هنا؟ أجيب: بأنَّه أشار به إلى أنَّ ما أمر بقتله لا يجوز بيعه.

(وَقَالَ جَابِرٌ) هو ابن عبد الله الأنصاريُّ ممَّا وصله المؤلِّف في «باب بيع الميِّتة والأصنام» [خ¦٢٢٣٦] (حَرَّمَ النَّبِيُّ بَيْعَ الخِنْزِيرِ).

٢٢٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثَّقفيُّ البغلانيُّ البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ) -بفتح الياء المشدَّدة- سعيدٌ (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : وَ) الله (الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) قال العارف شمس الدِّين بن اللَّبَّان: نسبة الأيدي إليه تعالى استعارةٌ لحقائق أنوارٍ علويَّةٍ يظهر عنها تصرُّفه وبطشه بدءًا وإعادة، وتلك الأنوار متفاوتةٌ في روح القرب، وعلى حسب تفاوتها وسَعة دوائرها تكون رتب التَّخصيص لِمَا ظهر عنها (لَيُوشِكَنَّ) بلام التَّوكيد المفتوحة وكسر الشِّين المعجمة وتشديد النُّون (أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ) أي: في هذه الأمَّة (ابْنُ مَرْيَمَ) بفتح أوَّل «يَنْزِل» وكسر ثالثه، و «أَنْ»: مصدريَّة في محلِّ رفعٍ على الفاعليَّة، أي: لَيُسرعنَّ أو لَيقربنَّ نزول ابن مريم من السَّماء، ينزل

عند المنارة البيضاء شرقيَّ دمشق، واضعًا كفَّيه على أجنحة مَلَكين (حَكَمًا) بفتحتين، أي: حاكمًا (مُقْسِطًا) عادلًا، يُقال: أقسط إذا عدل، وقسط إذا جار، أي: حاكمًا من حكَّام هذه الأمَّة بهذه الشَّريعة المحمَّديَّة، لا نبيًّا برسالةٍ مستقلَّةٍ وشريعةٍ ناسخةٍ (فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ) الَّذي تُعظِّمه النَّصارى، والأصل فيه ما روي: أنَّ رَهطًا من اليهود سبُّوا عيسى وأمَّه عليهما الصلاة والسلام، فدعا عليهم، فمسخهم الله قردةً وخنازيرَ، فأجمعت اليهود على قتله، فأخبره الله بأنَّه يرفعه إلى السَّماء، فقال لأصحابه: أيُّكم يرضى أن يُلقى عليه شبهي (١) فيُقتَل ويُصلَب ويدخلَ الجنَّة؟ فقام رجلٌ منهم، فألقى الله عليه شبهه، فقُتِل وصُلِب، وقيل: كان رجلًا ينافقه، فخرج ليدلَّ عليه، فدخل بيت عيسى، ورُفِع عيسى، وأُلقِي شبهه على المنافق، فدخلوا عليه فقتلوه وهم يظنُّون أنَّه عيسى، ثمَّ اختلفوا، فقال بعضهم: إنَّه إلهٌ لا يصحُّ قتله، وقال بعضهم: إنَّه قد (٢) قُتِل وصُلِب، وقال بعضهم: إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا؟ وإن كان صاحبنا فأين عيسى؟ وقال بعضهم: رُفِعَ إلى السَّماء، وقال بعضهم: الوجه وجه عيسى، والبدن بدن صاحبنا، ثمَّ تسلَّطوا على أصحاب عيسى بالقتل والصَّلب والحبس حتَّى بلغ أمرهم إلى صاحب الرُّوم، فقيل له (٣): إنَّ اليهود قد تسلَّطوا على أصحاب رجلٍ كان يُذكَر لهم أنَّه رسول الله، وأنَّه (٤) كان يُحيي الموتى، ويُبرِئ الأكمه والأبرص، ويفعل العجائب، فعَدَوْا عليه فقتلوه وصلبوه، فأرسل إلى المصلوب فوُضِع عن جذعه، وجيء بالجذع الَّذي صُلِبَ عليه فعظَّمه صاحب الرُّوم، وجعلوا منه صلبانًا، فمن ثَمَّ عظَّم النَّصارى الصُّلبان، فكَسْرُ عيسى الصَّليبَ إذا نزل فيه تكذيبُهم، وإبطالٌ لِمَا يدَّعونه من تعظيمه، وإبطالُ دين النَّصارى، والفاء في «فيكسر» تفصيليَّة لقوله: «حكمًا مقسطًا» (٥)، والرَّاء نصبٌ عطفًا على الفعل المنصوب قبله، وكذا قوله: (وَيَقْتُلَ الخِنْزِيرَ) أي: يأمر بإعدامه مبالغة في تحريم أكله، وفيه بيانٌ أنَّه نجسٌ؛ لأنَّ عيسى إنَّما يقتله بحكم هذه الشَّريعة المحمَّديَّة،

والشيء الطَّاهر المنتفَع به لا يُباح إتلافه، وهذا موضع التَّرجمة على ما لا يخفى (وَيَضَعَ الجِزْيَةَ) عن ذمَّتهم، أي: يرفعها، وذلك بأن (١) يحمل النَّاس على دين الإسلام، فيسلمون وتسقط عنهم الجزية، وقيل: يضعها: يضربها عليهم ويلزمهم (٢) إيَّاها من غير محاباةٍ، وهذا قاله عياضٌ احتمالًا (٣)، وتعقَّبه النَّوويُّ بأنَّ الصَّواب أنَّ عيسى لا يقبل إلَّا الإسلام، والجزية وإن كانت مشروعةً في هذه الشَّريعة لكنَّ (٤) مشروعيَّتها تنقطع بزمن عيسى (٥) ، وليس عيسى بناسخٍ حكمها، بل نبيُّنا هو المبيِّن للنَّسخ بقوله هذا، والفعل بالنَّصب عطفًا على المنصوب السَّابق، وكذا قوله: (وَيَفِيضَ) بفتح التَّحتيَّة وكسر الفاء وبالضَّاد المعجمة، أي: يكثر (المَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ) لكثرته واستغناء كلِّ أحدٍ بما في يديه (٦) بسبب نزول البركات، وتوالي الخيرات بسبب العدل وعدم الظُّلم، وتُخرج الأرض كنوزها، وتقلُّ الرَّغبات في اقتناء المال لعلمهم بقرب السَّاعة، وقوله: «ويفيضَُ» ضبطه الدِّمياطيُّ بالنَّصب كما مرَّ، وضبطه ابن التِّين السَّفاقسيُّ بالرَّفع على الاستئناف، قال: لأنَّه ليس من فعل عيسى .

وهذا الحديث أخرجه في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٤٤٨]، ومسلمٌ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ في «الفتن» وقال: حسنٌ صحيحٌ.

(١٠٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَا يُذَابُ شَحْمُ المَيْتَةِ وَلَا يُبَاعُ وَدَكُهُ) بفتح الواو والمهمَلة: دسم

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.3 / 29.5
الإضاءة 12%
البدر بعد 11 يوم
سبحان الله