الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٢٢
الحديث رقم ٢٢٢ من كتاب «كتاب الوضوء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب بول الصبيان.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٢٢٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
لَهُمْ لِمَ نَهَيْتُمُ الْأَعْرَابِيَّ؟ بَلْ أَمَرَهُمْ بِالْكَفِّ عَنْهُ لِلْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ، وَهُوَ دَفْعُ أَعْظَمِ الْمَفْسَدَتَيْنِ بِاحْتِمَالِ أَيْسَرِهِمَا. وَتَحْصِيلُ أَعْظَمِ الْمَصْلَحَتَيْنِ بِتَرْكِ أَيْسَرِهِمَا. وَفِيهِ الْمُبَادَرَةُ إِلَى إِزَالَةِ الْمَفَاسِدِ عِنْدَ زَوَالِ الْمَانِعِ لِأَمْرِهِمْ عِنْدَ فَرَاغِهِ بِصَبِّ الْمَاءِ. وَفِيهِ تَعْيِينُ الْمَاءِ لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ ; لِأَنَّ الْجَفَافَ بِالرِّيحِ أَوِ الشَّمْسِ لَوْ كَانَ يَكْفِي لَمَا حَصَلَ التَّكْلِيفُ بِطَلَبِ الدَّلْوِ.
وَفِيهِ أَنَّ غُسَالَةُ النَّجَاسَةِ الْوَاقِعَةَ عَلَى الْأَرْضِ طَاهِرَةٌ، وَيَلْتَحِقُ بِهِ غَيْرُ الْوَاقِعَةِ ; لِأَنَّ الْبَلَّةَ الْبَاقِيَةَ عَلَى الْأَرْضِ غُسَالَةُ نَجَاسَةٍ فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ التُّرَابَ نُقِلَ وَعَلِمْنَا أَنَّ الْمَقْصُودَ التَّطْهِيرُ تَعَيَّنَ الْحُكْمُ بِطَهَارَةِ الْبَلَّةِ، وَإِذَا كَانَتْ طَاهِرَةً فَالْمُنْفَصِلَةُ أَيْضًا مِثْلُهَا لِعَدَمِ الْفَارِقِ، وَيُسْتَدَلُّ بِهِ أَيْضًا عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ نُضُوبِ الْمَاءِ لِأَنَّهُ لَوِ اشْتُرِطَ لَتَوَقَّفَتْ طَهَارَةُ الْأَرْضِ عَلَى الْجَفَافِ. وَكَذَا لَا يُشْتَرَطُ عَصْرُ الثَّوْبِ إِذْ لَا فَارِقَ.
قَالَ الْمُوَفَّقُ فِي الْمُغْنِي بَعْدَ أَنْ حَكَى الْخِلَافَ: الْأَوْلَى الْحُكْمُ بِالطَّهَارَةِ مُطْلَقًا ; لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَشْتَرِطْ فِي الصَّبِّ عَلَى بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ شَيْئًا. وَفِيهِ الرِّفْقُ بِالْجَاهِلِ وَتَعْلِيمُهُ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ غَيْرِ تَعْنِيفٍ إِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْهُ عِنَادًا، وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ مِمَّنْ يُحْتَاجُ إِلَى اسْتِئْلَافِهِ. وَفِيهِ رَأْفَةُ النَّبِيِّ ﷺ وَحُسْنُ خُلُقِهِ، قَالَ ابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ - بَعْدَ أَنْ فُقِّهَ فِي الْإِسْلَامِ فَقَامَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، فَلَمْ يُؤَنِّبْ وَلَمْ يَسُبَّ. وَفِيهِ تَعْظِيمُ الْمَسْجِدِ وَتَنْزِيهُهُ عَنِ الْأَقْذَارِ، وَظَاهِرُ الْحَصْرِ مِنْ سِيَاقِ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الْمَسْجِدِ شَيْءٌ غَيْرُ مَا ذَكَرَ مِنَ الصَّلَاةِ وَالْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ، لَكِنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ مَفْهُومَ الْحَصْرِ مِنْهُ غَيْرُ مَعْمُولٍ بِهِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ فِعْلَ غَيْرِ الْمَذْكُورَاتِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا خِلَافُ الْأَوْلَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِيهِ أَنَّ الْأَرْضَ تَطْهُرُ بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهَا وَلَا يُشْتَرَطُ حَفْرُهَا، خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ حَيْثُ قَالُوا: لَا تَطْهُرُ إِلَّا بِحَفْرِهَا، كَذَا أَطْلَقَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ، وَالْمَذْكُورُ فِي كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ التَّفْصِيلُ بَيْنَ إِذَا كَانَتْ رَخْوَةً بِحَيْثُ يَتَخَلَّلُهَا الْمَاءُ حَتَّى يَغْمُرَهَا فَهَذِهِ لَا تَحْتَاجُ إِلَى حَفْرٍ، وَبَيْنَ مَا إِذَا كَانَتْ صُلْبَةً فَلَا بُدَّ مِنْ حَفْرِهَا وَإِلْقَاءِ التُّرَابِ ; لِأَنَّ الْمَاءَ لَمْ يَغْمُرْ أَعْلَاهَا وَأَسْفَلَهَا، وَاحْتَجُّوا فِيهِ بِحَدِيثٍ جَاءَ مِنْ ثَلَاثِ طُرُقٍ:
أَحَدُهَا مَوْصُولٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ لَكِنَّ إِسْنَادَهُ ضَعِيفٌ قَالَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، وَالْآخَرَانِ مُرْسَلَانِ أَخْرَجَ أَحَدَهُمَا أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلِ ابْنِ مُقَرِّنٍ، وَالْآخَرُ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ طَاوُسٍ وَرُوَاتُهُمَا ثِقَاتٌ، وَهُوَ يَلْزَمُ مَنْ يَحْتَجُّ بِالْمُرْسَلِ مُطْلَقًا، وَكَذَا مَنْ يَحْتَجُّ بِهِ إِذَا اعْتَضَدَ مُطْلَقًا، وَالشَّافِعِيُّ إِنَّمَا يَعْتَضِدُ عِنْدَهُ إِذَا كَانَ مِنْ رِوَايَةِ كِبَارِ التَّابِعِينَ، وَكَانَ مَنْ أَرْسَلَ إِذَا سَمَّى لَا يُسَمِّي إِلَّا ثِقَةً، وَذَلِكَ مَفْقُودٌ فِي الْمُرْسَلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ عَلَى مَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ سَنَدَيْهِمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَسَيَأْتِي بَاقِي فَوَائِدِهِ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٥٩ - بَاب بَوْلِ الصِّبْيَانِ
٢٢٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصَبِيٍّ فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَأَتْبَعَهُ إِيَّاهُ.
[الحديث ٢٢٢ - أطرافه في: ٦٣٥٥، ٦٠٠٢]
قَوْلُهُ: (بَابُ بَوْلِ الصِّبْيَانِ) بِكَسْرِ الصَّادِ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا جَمْعُ صَبِيٍّ، أَيْ مَا حُكْمُهُ وَهَلْ يَلْتَحِقُ بِهِ بَوْلُ الصَّبَايَا - جَمْعُ صَبِيَّةٍ - أَمْ لَا، وَفِي الْفَرْقِ أَحَادِيثُ لَيْسَتْ عَلَى شَرْطِ الْمُصَنِّفِ: مِنْهَا حَدِيثُ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا فِي بَوْلِ الرَّضِيعِ، يُنْضَحُ بَوْلُ الْغُلَامِ وَيُغْسَلُ بَوْلُ الْجَارِيَةِ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ إِلَّا النَّسَائِيَّ مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي حَرْبِ بْنِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
والحافظ ابن حجرٍ، وتعقَّبه العينيُّ فقال: لا يُقَال في الضَّمِّ إلَّا «صبوان» بالواو، وقد وهم هذا القائل حيث لم يعلم الفرق بين المادَّة الواويَّة والمادَّة اليائيَّة، قال: وأصل «صِبيان» بالكسر «صبوان» لأنَّ المادَّة واويَّةٌ، فقُلبِت الواو ياءً لانكسار ما قبلها. انتهى. قلت: وفيما قاله نظرٌ؛ فإنَّ الذي قاله ابن حجر موافقٌ لما قاله (١) إمام عصره في لسان العرب المجد الشِّيرازيُّ في «قاموسه»، وعبارته: الصَّبيُّ: من (٢) لم يُفطَم، وجمعه أصبيةٌ وأصبٍ وصبوةٌ وصبيةٌ وصبوانٌ وصبيانٌ، وتضمُّ (٣) هذه الثَّلاثة. انتهى. وهو يردُّ على العينيِّ كما ترى.
٢٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ إمام دار الهجرة (٤) (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوُّام ﵄ (عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ) ﵂ (أَنَّهَا قَالَتْ: أُتِيَ) بضمِّ الهمزة وكسر المُثنَّاة الفوقيَّة، ولابن عساكر: «عن عائشة أمِّ المؤمنين قالت (٥)»: أُتي (رَسُولُ اللهِ ﷺ بِصَبِيٍّ) وهو الذي لم يأكل ولم يشرب غير اللَّبن للتَّغذي، وهو ابن أمِّ قيسٍ المذكورة بَعْدُ [خ¦٢٢٣] أو الحسن بن عليٍّ ﵄، أو أخوه الحُسَين ﵁ كما في «الأوسط» للطَّبرانيِّ (فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ) أي: ثوب رسول الله ﷺ (فَدَعَا بِمَاءٍ فَأَتْبَعَهُ إِيَّاهُ)
بفتح همزة «فأَتْبَعه» وإسكان المُثنَّاة الفوقيَّة وفتح المُوَحَّدة، أي: أتبع النَّبيُّ ﷺ البولَ الذي على الثَّوب الماءَ بصبِّه عليه حتَّى غمره من غير سيلانٍ، كما يدلُّ عليه قوله الآتي قريبًا -إن شاء الله تعالى-: «ولم يغسله» [خ¦٢٢٣] واكتفى بذلك لأنَّ النَّجاسة مُخفَّفةٌ، وشمل قولي كأئمَّتنا: «لم يأكل غير اللَّبن» لبن الآدميِّ وغيره، وهو متَّجه كما في «المُهمَّات»، وظاهره أنَّه لا فرق بين النَّجس وغيره، وأمَّا قول الزَّركشيِّ: لو شرب لبنًا نجسًا أو متنجِّسًا ينبغي وجوب غسل بوله، كما لو شربت السَّخلة لبنًا نجسًا يُحكَم بنجاسة أنفحتها، وكذا الجلَّالة، فإنَّه مَردُودٌ بأنَّ استحالة ما في الجوف تغيّر (١) حكمه الذي كان، بدليل قول الجمهور بطهارة لحم جديٍ ارتضع كلبة أو نحوها، فنبت لحمه على لبنها، وبعدم تسبيع المخرج فيما لو أكل لحم كلبٍ وإن وجب تسبيع الفم، وما قاس (٢) عليه لم يذكره (٣) الأئمّة كما اعترف هو به في أثناء كلامه، وهو ممنوعٌ لأنَّ «الإنفحة» لبنٌ جامدٌ لم يخرج من الجوف، كما ذكره الإمام والرُّوْيَانيِّ وغيرهما، فهي مستحيلةٌ في الجوف، وقد عُرِف أنَّ الحكم يتغيَّر بالاستحالة، و «الجَلَّالة» لحمها ولبنها طاهران، كما صحَّحه النَّوويُّ كالجمهور ﵏ ورضي عنهم، ونقله الرَّافعيُّ عنهم، وإن صحَّح في «المُحرَّر» خلافه. قاله (٤) في «شرح التَّنقيح».
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
لَهُمْ لِمَ نَهَيْتُمُ الْأَعْرَابِيَّ؟ بَلْ أَمَرَهُمْ بِالْكَفِّ عَنْهُ لِلْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ، وَهُوَ دَفْعُ أَعْظَمِ الْمَفْسَدَتَيْنِ بِاحْتِمَالِ أَيْسَرِهِمَا. وَتَحْصِيلُ أَعْظَمِ الْمَصْلَحَتَيْنِ بِتَرْكِ أَيْسَرِهِمَا. وَفِيهِ الْمُبَادَرَةُ إِلَى إِزَالَةِ الْمَفَاسِدِ عِنْدَ زَوَالِ الْمَانِعِ لِأَمْرِهِمْ عِنْدَ فَرَاغِهِ بِصَبِّ الْمَاءِ. وَفِيهِ تَعْيِينُ الْمَاءِ لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ ; لِأَنَّ الْجَفَافَ بِالرِّيحِ أَوِ الشَّمْسِ لَوْ كَانَ يَكْفِي لَمَا حَصَلَ التَّكْلِيفُ بِطَلَبِ الدَّلْوِ.
وَفِيهِ أَنَّ غُسَالَةُ النَّجَاسَةِ الْوَاقِعَةَ عَلَى الْأَرْضِ طَاهِرَةٌ، وَيَلْتَحِقُ بِهِ غَيْرُ الْوَاقِعَةِ ; لِأَنَّ الْبَلَّةَ الْبَاقِيَةَ عَلَى الْأَرْضِ غُسَالَةُ نَجَاسَةٍ فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ التُّرَابَ نُقِلَ وَعَلِمْنَا أَنَّ الْمَقْصُودَ التَّطْهِيرُ تَعَيَّنَ الْحُكْمُ بِطَهَارَةِ الْبَلَّةِ، وَإِذَا كَانَتْ طَاهِرَةً فَالْمُنْفَصِلَةُ أَيْضًا مِثْلُهَا لِعَدَمِ الْفَارِقِ، وَيُسْتَدَلُّ بِهِ أَيْضًا عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ نُضُوبِ الْمَاءِ لِأَنَّهُ لَوِ اشْتُرِطَ لَتَوَقَّفَتْ طَهَارَةُ الْأَرْضِ عَلَى الْجَفَافِ. وَكَذَا لَا يُشْتَرَطُ عَصْرُ الثَّوْبِ إِذْ لَا فَارِقَ.
قَالَ الْمُوَفَّقُ فِي الْمُغْنِي بَعْدَ أَنْ حَكَى الْخِلَافَ: الْأَوْلَى الْحُكْمُ بِالطَّهَارَةِ مُطْلَقًا ; لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَشْتَرِطْ فِي الصَّبِّ عَلَى بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ شَيْئًا. وَفِيهِ الرِّفْقُ بِالْجَاهِلِ وَتَعْلِيمُهُ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ غَيْرِ تَعْنِيفٍ إِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْهُ عِنَادًا، وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ مِمَّنْ يُحْتَاجُ إِلَى اسْتِئْلَافِهِ. وَفِيهِ رَأْفَةُ النَّبِيِّ ﷺ وَحُسْنُ خُلُقِهِ، قَالَ ابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ - بَعْدَ أَنْ فُقِّهَ فِي الْإِسْلَامِ فَقَامَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، فَلَمْ يُؤَنِّبْ وَلَمْ يَسُبَّ. وَفِيهِ تَعْظِيمُ الْمَسْجِدِ وَتَنْزِيهُهُ عَنِ الْأَقْذَارِ، وَظَاهِرُ الْحَصْرِ مِنْ سِيَاقِ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الْمَسْجِدِ شَيْءٌ غَيْرُ مَا ذَكَرَ مِنَ الصَّلَاةِ وَالْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ، لَكِنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ مَفْهُومَ الْحَصْرِ مِنْهُ غَيْرُ مَعْمُولٍ بِهِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ فِعْلَ غَيْرِ الْمَذْكُورَاتِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا خِلَافُ الْأَوْلَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِيهِ أَنَّ الْأَرْضَ تَطْهُرُ بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهَا وَلَا يُشْتَرَطُ حَفْرُهَا، خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ حَيْثُ قَالُوا: لَا تَطْهُرُ إِلَّا بِحَفْرِهَا، كَذَا أَطْلَقَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ، وَالْمَذْكُورُ فِي كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ التَّفْصِيلُ بَيْنَ إِذَا كَانَتْ رَخْوَةً بِحَيْثُ يَتَخَلَّلُهَا الْمَاءُ حَتَّى يَغْمُرَهَا فَهَذِهِ لَا تَحْتَاجُ إِلَى حَفْرٍ، وَبَيْنَ مَا إِذَا كَانَتْ صُلْبَةً فَلَا بُدَّ مِنْ حَفْرِهَا وَإِلْقَاءِ التُّرَابِ ; لِأَنَّ الْمَاءَ لَمْ يَغْمُرْ أَعْلَاهَا وَأَسْفَلَهَا، وَاحْتَجُّوا فِيهِ بِحَدِيثٍ جَاءَ مِنْ ثَلَاثِ طُرُقٍ:
أَحَدُهَا مَوْصُولٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ لَكِنَّ إِسْنَادَهُ ضَعِيفٌ قَالَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، وَالْآخَرَانِ مُرْسَلَانِ أَخْرَجَ أَحَدَهُمَا أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلِ ابْنِ مُقَرِّنٍ، وَالْآخَرُ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ طَاوُسٍ وَرُوَاتُهُمَا ثِقَاتٌ، وَهُوَ يَلْزَمُ مَنْ يَحْتَجُّ بِالْمُرْسَلِ مُطْلَقًا، وَكَذَا مَنْ يَحْتَجُّ بِهِ إِذَا اعْتَضَدَ مُطْلَقًا، وَالشَّافِعِيُّ إِنَّمَا يَعْتَضِدُ عِنْدَهُ إِذَا كَانَ مِنْ رِوَايَةِ كِبَارِ التَّابِعِينَ، وَكَانَ مَنْ أَرْسَلَ إِذَا سَمَّى لَا يُسَمِّي إِلَّا ثِقَةً، وَذَلِكَ مَفْقُودٌ فِي الْمُرْسَلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ عَلَى مَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ سَنَدَيْهِمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَسَيَأْتِي بَاقِي فَوَائِدِهِ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٥٩ - بَاب بَوْلِ الصِّبْيَانِ
٢٢٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصَبِيٍّ فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَأَتْبَعَهُ إِيَّاهُ.
[الحديث ٢٢٢ - أطرافه في: ٦٣٥٥، ٦٠٠٢]
قَوْلُهُ: (بَابُ بَوْلِ الصِّبْيَانِ) بِكَسْرِ الصَّادِ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا جَمْعُ صَبِيٍّ، أَيْ مَا حُكْمُهُ وَهَلْ يَلْتَحِقُ بِهِ بَوْلُ الصَّبَايَا - جَمْعُ صَبِيَّةٍ - أَمْ لَا، وَفِي الْفَرْقِ أَحَادِيثُ لَيْسَتْ عَلَى شَرْطِ الْمُصَنِّفِ: مِنْهَا حَدِيثُ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا فِي بَوْلِ الرَّضِيعِ، يُنْضَحُ بَوْلُ الْغُلَامِ وَيُغْسَلُ بَوْلُ الْجَارِيَةِ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ إِلَّا النَّسَائِيَّ مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي حَرْبِ بْنِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
والحافظ ابن حجرٍ، وتعقَّبه العينيُّ فقال: لا يُقَال في الضَّمِّ إلَّا «صبوان» بالواو، وقد وهم هذا القائل حيث لم يعلم الفرق بين المادَّة الواويَّة والمادَّة اليائيَّة، قال: وأصل «صِبيان» بالكسر «صبوان» لأنَّ المادَّة واويَّةٌ، فقُلبِت الواو ياءً لانكسار ما قبلها. انتهى. قلت: وفيما قاله نظرٌ؛ فإنَّ الذي قاله ابن حجر موافقٌ لما قاله (١) إمام عصره في لسان العرب المجد الشِّيرازيُّ في «قاموسه»، وعبارته: الصَّبيُّ: من (٢) لم يُفطَم، وجمعه أصبيةٌ وأصبٍ وصبوةٌ وصبيةٌ وصبوانٌ وصبيانٌ، وتضمُّ (٣) هذه الثَّلاثة. انتهى. وهو يردُّ على العينيِّ كما ترى.
٢٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ إمام دار الهجرة (٤) (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوُّام ﵄ (عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ) ﵂ (أَنَّهَا قَالَتْ: أُتِيَ) بضمِّ الهمزة وكسر المُثنَّاة الفوقيَّة، ولابن عساكر: «عن عائشة أمِّ المؤمنين قالت (٥)»: أُتي (رَسُولُ اللهِ ﷺ بِصَبِيٍّ) وهو الذي لم يأكل ولم يشرب غير اللَّبن للتَّغذي، وهو ابن أمِّ قيسٍ المذكورة بَعْدُ [خ¦٢٢٣] أو الحسن بن عليٍّ ﵄، أو أخوه الحُسَين ﵁ كما في «الأوسط» للطَّبرانيِّ (فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ) أي: ثوب رسول الله ﷺ (فَدَعَا بِمَاءٍ فَأَتْبَعَهُ إِيَّاهُ)
بفتح همزة «فأَتْبَعه» وإسكان المُثنَّاة الفوقيَّة وفتح المُوَحَّدة، أي: أتبع النَّبيُّ ﷺ البولَ الذي على الثَّوب الماءَ بصبِّه عليه حتَّى غمره من غير سيلانٍ، كما يدلُّ عليه قوله الآتي قريبًا -إن شاء الله تعالى-: «ولم يغسله» [خ¦٢٢٣] واكتفى بذلك لأنَّ النَّجاسة مُخفَّفةٌ، وشمل قولي كأئمَّتنا: «لم يأكل غير اللَّبن» لبن الآدميِّ وغيره، وهو متَّجه كما في «المُهمَّات»، وظاهره أنَّه لا فرق بين النَّجس وغيره، وأمَّا قول الزَّركشيِّ: لو شرب لبنًا نجسًا أو متنجِّسًا ينبغي وجوب غسل بوله، كما لو شربت السَّخلة لبنًا نجسًا يُحكَم بنجاسة أنفحتها، وكذا الجلَّالة، فإنَّه مَردُودٌ بأنَّ استحالة ما في الجوف تغيّر (١) حكمه الذي كان، بدليل قول الجمهور بطهارة لحم جديٍ ارتضع كلبة أو نحوها، فنبت لحمه على لبنها، وبعدم تسبيع المخرج فيما لو أكل لحم كلبٍ وإن وجب تسبيع الفم، وما قاس (٢) عليه لم يذكره (٣) الأئمّة كما اعترف هو به في أثناء كلامه، وهو ممنوعٌ لأنَّ «الإنفحة» لبنٌ جامدٌ لم يخرج من الجوف، كما ذكره الإمام والرُّوْيَانيِّ وغيرهما، فهي مستحيلةٌ في الجوف، وقد عُرِف أنَّ الحكم يتغيَّر بالاستحالة، و «الجَلَّالة» لحمها ولبنها طاهران، كما صحَّحه النَّوويُّ كالجمهور ﵏ ورضي عنهم، ونقله الرَّافعيُّ عنهم، وإن صحَّح في «المُحرَّر» خلافه. قاله (٤) في «شرح التَّنقيح».