الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٢٣
الحديث رقم ٢٢٣ من كتاب «كتاب الوضوء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب بول الصبيان.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ الْبَوْلِ قَائِمًا وَقَاعِدًا
٢٢٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ،
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ، عَنْهُ، قَالَ قَتَادَةُ: هَذَا مَا لَمْ يَطْعَمَا الطَّعَامَ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. وَرَوَاهُ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ فَوَقَفَهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِعِلَّةٍ قَادِحَةٍ.
وَمِنْهَا حَدِيثُ لُبَابَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ مَرْفُوعًا إِنَّمَا يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْأُنْثَى وَيُنْضَحُ مِنْ بَوْلِ الذَّكَرِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ. وَمِنْهَا حَدِيثُ أَبِي السَّمْحِ نَحْوُهُ بِلَفْظِ يُرَشُّ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (بِصَبِيٍّ) يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ ابْنُ أُمِّ قَيْسٍ الْمَذْكُورُ بَعْدَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ أَوِ الْحُسَيْنَ، فَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ قَالَتْ: بَالَ الْحَسَنُ - أَوِ الْحُسَيْنُ - عَلَى بَطْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَرَكَهُ حَتَّى قَضَى بَوْلَهُ ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ. وَلِأَحْمَدَ، عَنْ أَبِي لَيْلَى نَحْوُهُ. وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ قَالَ فَجِيءَ بِالْحَسَنِ وَلَمْ يَتَرَدَّدْ، وَكَذَا لِلطَّبَرَانِيِّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ. وَإِنَّمَا رَجَّحْتُ أَنَّهُ غَيْرُهُ ; لِأَنَّ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْعَقِيقَةِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِصَبِيٍّ يُحَنِّكُهُ، وَفِي قِصَّتِهِ أَنَّهُ بَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، وَأَمَّا قِصَّةُ الْحَسَنِ فَفِي حَدِيثِ أَبِي لَيْلَى، وَأُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهُ بَالَ عَلَى بَطْنِهِ ﷺ، وَفِي حَدِيثِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ أَنَّهُ جَاءَ وَهُوَ يَحْبُو وَالنَّبِيُّ ﷺ نَائِمٌ فَصَعِدَ عَلَى بَطْنِهِ وَوَضَعَ ذَكَرَهُ فِي سُرَّتِهِ فَبَالَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ، فَظَهَرَتِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَهُمَا.
قَوْلُهُ: (فَأَتْبَعَهُ) بِإِسْكَانِ الْمُثَنَّاةِ أَيْ: أَتْبَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْبَوْلَ الَّذِي عَلَى الثَّوْبِ الْمَاءَ يَصُبُّهُ عَلَيْهِ، زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامٍ فَأَتْبَعَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ. وَلِابْنِ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ هِشَامٍ فَصَبَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ وَلِلطَّحَاوِيِّ مِنْ طَرِيقِ زَائِدَةَ الثَّقَفِيِّ، عَنْ هِشَامٍ فَنَضَحَهُ عَلَيْهِ.
٢٢٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ لَمْ يَأْكُلْ الطَّعَامَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَجْرِهِ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ.
[الحديث ٢٢٣ - طرفه في ٥٦٩٣]
قَوْلُهُ: (عَنْ أُمِّ قَيْسٍ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: اسْمُهَا جُذَامَةُ يَعْنِي بِالْجِيمِ وَالْمُعْجَمَةِ، وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ: اسْمُهَا آمِنَةُ وَهِيَ أُخْتُ عُكَّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ الْأَسَدِيِّ، وَكَانَتْ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلِ، كَمَا عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَلَيْسَ لَهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ غَيْرُهُ وَغَيْرُ حَدِيثٍ آخَرَ فِي الطِّبِّ، وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا قِصَّةٌ لِابْنِهَا، وَمَاتَ ابْنُهَا فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ صَغِيرٌ كَمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَتِهِ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ) الْمُرَادُ بِالطَّعَامِ مَا عَدَا اللَّبَنَ الَّذِي يَرْتَضِعُهُ وَالتَّمْرَ الَّذِي يُحَنَّكُ بِهِ وَالْعَطَلَ الَّذِي يَلْعَقُهُ لِلْمُدَاوَاةِ وَغَيْرِهَا، فَكَأنَ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ الِاغْتِذَاءُ بِغَيْرِ اللَّبَنِ عَلَى الِاسْتِقْلَالِ، هَذَا مُقْتَضَى كَلَامِ النَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَأَطْلَقَ فِي الرَّوْضَةِ - تَبَعًا لِأَصْلِهَا - أَنَّهُ لَمْ يَطْعَمْ وَلَمْ يَشْرَبْ غَيْرَ اللَّبَنِ، وَقَالَ فِي نُكَتِ التَّنْبِيهِ: الْمُرَادُ أَنَّهُ لَمْ يَأْكُلْ غَيْرَ اللَّبَنِ وَغَيْرَ مَا يُحَنَّكُ بِهِ وَمَا أَشْبَهَهُ. وَحَمَلَ الْمُوَفَّقُ الْحَمَوِيُّ فِي شَرْحِ التَّنْبِيهِ قَوْلَهُ لَمْ يَأْكُلْ عَلَى ظَاهِرِهِ فَقَالَ: مَعْنَاهُ لَمْ يَسْتَقِلَّ بِجَعْلِ الطَّعَامِ فِي فِيهِ. وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَبِهِ جَزَمَ الْمُوَفَّقُ بْنُ قُدَامَةَ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: يُحْتَمَلُ أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنَّهُ لَمْ يَتَقَوَّتْ بِالطَّعَامِ وَلَمْ يَسْتَغْنِ بِهِ عَنِ الرَّضَاعِ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا إِنَّمَا جَاءَتْ بِهِ عِنْدَ وِلَادَتِهِ لِيُحَنِّكَهُ ﷺ فَيُحْمَلُ النَّفْيُ عَلَى عُمُومِهِ، وَيُؤَيِّدُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لِلْمُصَنِّفِ فِي الْعَقِيقَةِ.
قَوْلُهُ: (فَأَجْلَسَهُ) أَيْ وَضَعَهُ إِنْ قُلْنَا إِنَّهُ كَانَ لَمَّا وُلِدَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْجُلُوسُ حَصَلَ مِنْهُ عَلَى الْعَادَةِ إِنْ قُلْنَا كَانَ فِي سِنِّ مَنْ يَحْبُو كَمَا فِي قِصَّةِ الْحَسَنِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى ثَوْبِهِ) أَيْ ثَوْبِ النَّبِيِّ ﷺ
وَأَغْرَبَ ابْنُ شَعْبَانَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ فَقَالَ: الْمُرَادُ بِهِ ثَوْبُ الصَّبِيِّ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ.
قَوْلُهُ: (فَنَضَحَهُ)، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى أَنْ نَضَحَ بِالْمَاءِ وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فَرَشَّهُ زَادَ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ عَلَيْهِ. وَلَا تَخَالُفَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ - أَيْ بَيْنَ نَضَحَ وَرَشَّ - لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنَّ الِابْتِدَاءَ كَانَ بِالرَّشِّ وَهُوَ تَنْقِيطُ الْمَاءِ، وَانْتَهَى إِلَى النَّضْحِ وَهُوَ صَبُّ الْمَاءِ. وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ، عَنْ هِشَامٍ فَدَعَا بِمَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ وَلِأَبِي عَوَانَةَ فَصَبَّهُ عَلَى الْبَوْلِ يُتْبِعُهُ إِيَّاهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَغْسِلْهُ) ادَّعَى الْأَصِيلِيُّ أَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ شِهَابٍ رَاوِي الْحَدِيثِ وَأَنَّ الْمَرْفُوعَ انْتَهَى عِنْدَ قَوْلِهِ فَنَضَحَهُ قَالَ: وَكَذَلِكَ رَوَى مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ فَرَشَّهُ لَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ انْتَهَى. وَلَيْسَ فِي سِيَاقِ مَعْمَرٍ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا ادَّعَاهُ مِنَ الْإِدْرَاجِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْهُ بِنَحْوِ سِيَاقِ مَالِكٍ لَكِنَّهُ لَمْ يَقُلْ وَلَمْ يَغْسِلْهُ وَقَدْ قَالَهَا مَعَ مَالِكٍ، اللَّيْثُ، وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْهُمْ، وَهُوَ لِمُسْلِمٍ، عَنْ يُونُسَ وَحْدَهُ. نَعَمْ زَادَ مَعْمَرٌ فِي رِوَايَتِهِ قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَمَضَتِ السُّنَّةُ أَنْ يُرَشَّ بَوْلُ الصَّبِيِّ وَيُغْسَلَ بَوْلُ الْجَارِيَةِ فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ هِيَ الَّتِي زَادَهَا مَالِكٌ وَمَنْ تَبِعَهُ لَأَمْكَنَ دَعْوَى الْإِدْرَاجِ، لَكِنَّهَا غَيْرُهَا فَلَا إِدْرَاجَ.
وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ عَنِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ فَلَا اخْتِصَاصَ لَهُ بِذَلِكَ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَفْظُ رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا عَنْ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ وَبَيَّنَّا أَنَّهَا غَيْرُ مُخَالِفَةٍ لِرِوَايَةِ مَالِكٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ: النَّدْبُ إِلَى حُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ وَالتَّوَاضُعُ، وَالرِّفْقُ بِالصِّغَارِ، وَتَحْنِيكُ الْمَوْلُودِ، وَالتَّبَرُّكُ بِأَهْلِ الْفَضْلِ (١)، وَحَمْلُ الْأَطْفَالِ إِلَيْهِمْ حَالَ الْوِلَادَةِ وَبَعْدَهَا، وَحُكْمُ بَوْلِ الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ قَبْلَ أَنْ يَطْعَمَا وَهُوَ مَقْصُودُ الْبَابِ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ هِيَ أَوْجُهٌ لِلشَّافِعِيَّةِ: أَصَحُّهَا الِاكْتِفَاءُ بِالنَّضْحِ فِي بَوْلِ الصَّبِيِّ لَا الْجَارِيَةِ، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ، وَعَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَابْنِ وَهْبٍ وَغَيْرِهِمْ وَرَوَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَ أَصْحَابُهُ هِيَ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ.
وَالثَّانِي: يَكْفِي النَّضْحُ فِيهِمَا، وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيِّ وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَخَصَّصَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ النَّقْلَ فِي هَذَا بِمَا إِذَا كَانَا لَمْ يَدْخُلْ أَجْوَافَهُمَا شَيْءٌ أَصْلًا.
وَالثَّالِثُ: هُمَا سَوَاءٌ فِي وُجُوبِ الْغَسْلِ وَبِهِ قَالَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: اتَّبَعُوا فِي ذَلِكَ الْقِيَاسَ وَقَالُوا الْمُرَادُ بِقَوْلِهَا وَلَمْ يَغْسِلْهُ أَيْ غَسْلًا مُبَالَغًا فِيهِ، وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَيُبْعِدُهُ مَا وَرَدَ فِي الْأَحَادِيثِ الْأُخَرِ - يَعْنِي الَّتِي قَدَّمْنَاهَا - مِنَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ بَوْلِ الصَّبِيِّ وَالصَّبِيَّةِ فَإِنَّهُمْ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمَا، قَالَ: وَقَدْ ذُكِرَ فِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمَا أَوْجُهٌ: مِنْهَا مَا هُوَ رَكِيكٌ، وَأَقْوَى ذَلِكَ مَا قِيلَ: إِنَّ النُّفُوسَ أَعْلَقُ بِالذُّكُورِ مِنْهَا بِالْإِنَاثِ، يَعْنِي فَحَصَلَتِ الرُّخْصَةُ فِي الذُّكُورِ لِكَثْرَةِ الْمَشَقَّةِ.
وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى أَنَّ الْغَسْلَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ أَمْرٍ زَائِدٍ عَلَى مُجَرَّدِ إِيصَالِ الْمَاءِ إِلَى الْمَحَلِّ. قُلْتُ: وَهُوَ مُشْكِلٌ عَلَيْهِمْ ; لِأَنَّهُمْ يَدَّعُونَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّضْحِ هُنَا الْغَسْلُ.
(تَنْبِيهٌ): قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَيْسَ تَجْوِيزُ مَنْ جَوَّزَ النَّضْحَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ بَوْلَ الصَّبِيِّ غَيْرُ نَجِسٍ، وَلَكِنَّهُ لِتَخْفِيفِ نَجَاسَتِهِ، انْتَهَى. وَأَثْبَتَ الطَّحَاوِيُّ الْخِلَافَ فَقَالَ: قَالَ قَوْمٌ بِطَهَارَةِ بَوْلِ الصَّبِيِّ قَبْلَ الطَّعَامِ، وَكَذَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَابْنُ بَطَّالٍ وَمَنْ تَبِعَهُمَا عَنِ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا، وَلَمْ يُعْرَفْ ذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ وَلَا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وهذا الحديث من الخماسيَّات، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه النَّسائيُّ في «الطَّهارة».
٢٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمام الأئمَّة (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بتصغير الأوَّل (ابْنِ عُتْبَةَ) بن مسعود ﵁ (عَنْ أُمِّ قَيْسٍ) بفتح القاف وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، وذكرها الذَّهبيُّ في «تجريده» في «الكنى»، ولم يذكر لها اسمًا، وعند ابن عبد البر: اسمها: جُذامة، بالجيم وبالذَّال المُعجَمَة، وعند السُّهيليِّ: آمنة (بِنْتِ) ولأبي الوقت والأَصيليِّ: «ابنة» (مِحْصَنٍ) بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الصَّاد المُهمَلتين آخره نون، وهي أخت عكاشة بن مِحْصَنٍ، وهي من السَّابقات المُعمِّرات، ولها في «البخاريِّ» حديثان (أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا) ذكرٍ (صَغِيرٍ) بالجرِّ صفة «ابن» لقوله: (لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ) لعدم قدرته على مضغه ودفعه لمعدته (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حَِجْرِهِ) بكسر الحاء وفتحها وسكون الجيم (فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ) أي: ثوب النبيِّ ﷺ (فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ) أي: رشَّه بماء عمَّه وغلبه من غير سيلانٍ، كما يدلُّ عليه قوله: (وَلَمْ يَغْسِلْهُ) لأنَّه لم يبلغ الإسالة، وقد ادَّعى الأَصيليُّ أنَّ قوله: «ولم يغسله» من كلام ابن شهابٍ، وليس من المرفوع، والفاءات الأربعة في قوله: «فأجلسه» «فبال» «فدعا بماءٍ» «فنضحه» للعطف بين الكلام (١) بمعنى
التَّعقيب (١)، ومراده بـ «الصَّغير» هنا: الرَّضيع بدليل قوله: «لم يأكل»، وعبّر بـ «الابن» دون الولد لأنَّ الابن لا يُطلَق إلَّا على الذَّكر، بخلاف الولد فإنه يطلق عليهما، والحكم المذكور إنَّما هو للذَّكر لا لها، ولا بدَّ في بولها من الغسل على الأصل، وقد روى ابن خزيمة والحاكم وصحَّحاه: «يغسل من بول الجارية، ويرشُّ من بول الغلام»، وفرَّق بينهما بأنَّ الائتلاف بحمل الصَّبي أكثر فخفَّف في بوله، وبأنَّه (٢) أرقُّ من بولها، فلا يلصق بالمحلِّ لصوقَ (٣) بولها به (٤)، ولأنَّ بولها بسبب استيلاء الرُّطوبة والبرودة على مزاجها أغلظ وأنتن، ومثلها الخنثى، كما جزم به في «المجموع»، ونقله في «الرَّوضة» عن البغويِّ، وأفهم قوله: «لم يأكل الطعام» أنَّه لا يمنع النَّضح تحنيكه بتمر ونحوه، ولا تناوله (٥) السَّفُوف ونحوه للإصلاح، وممَّن قال بالفرق: عليُّ بن أبي طالبٍ، وعطاءُ بن أبي رباحٍ، والحسن، وأحمد ابن حنبل، وابن رَاهُوْيَه، وابن وهب من المالكيَّة (٦)، وذهب أبو حنيفة ومالكٌ رحمهما الله إلى عدم الفرق بين الذَّكر والأنثى، بل قالا بالغسل فيهما مطلقًا، سواء أكلا الطَّعام أم لا، واستدلَّ لهما بأنَّه ﵊ نضح، والنَّضح هو الغسل؛ لقوله ﵊ في المذي: «فلينضح فرجه» رواه أبو داود وغيره من حديث المقداد، والمُرَاد به: الغسل، كما وقع التَّصريح به في «مسلمٍ»، والقصَّة واحدةٌ كالرِّاوية، ولحديث أسماء في غسل الدَّم: «وانضحيه»، وقد ورد الرَّشُّ وأُريد به: الغسل، كما في حديث ابن عبَّاسٍ ﵄ في «الصَّحيح» [خ¦١٤٠] لمَّا حكى الوضوء النَّبويَّ: أخذ غرفة من ماءٍ ورشَّ (٧) على رجله اليمنى حتَّى غسلها، وأراد بـ «الرِّشِّ» هنا: الصَّبَّ قليلًا قليلًا، وتأوَّلوا قوله: «ولم يغسله» أي: غسلًا مبالغًا فيه
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ، عَنْهُ، قَالَ قَتَادَةُ: هَذَا مَا لَمْ يَطْعَمَا الطَّعَامَ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. وَرَوَاهُ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ فَوَقَفَهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِعِلَّةٍ قَادِحَةٍ.
وَمِنْهَا حَدِيثُ لُبَابَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ مَرْفُوعًا إِنَّمَا يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْأُنْثَى وَيُنْضَحُ مِنْ بَوْلِ الذَّكَرِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ. وَمِنْهَا حَدِيثُ أَبِي السَّمْحِ نَحْوُهُ بِلَفْظِ يُرَشُّ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (بِصَبِيٍّ) يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ ابْنُ أُمِّ قَيْسٍ الْمَذْكُورُ بَعْدَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ أَوِ الْحُسَيْنَ، فَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ قَالَتْ: بَالَ الْحَسَنُ - أَوِ الْحُسَيْنُ - عَلَى بَطْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَرَكَهُ حَتَّى قَضَى بَوْلَهُ ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ. وَلِأَحْمَدَ، عَنْ أَبِي لَيْلَى نَحْوُهُ. وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ قَالَ فَجِيءَ بِالْحَسَنِ وَلَمْ يَتَرَدَّدْ، وَكَذَا لِلطَّبَرَانِيِّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ. وَإِنَّمَا رَجَّحْتُ أَنَّهُ غَيْرُهُ ; لِأَنَّ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْعَقِيقَةِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِصَبِيٍّ يُحَنِّكُهُ، وَفِي قِصَّتِهِ أَنَّهُ بَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، وَأَمَّا قِصَّةُ الْحَسَنِ فَفِي حَدِيثِ أَبِي لَيْلَى، وَأُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهُ بَالَ عَلَى بَطْنِهِ ﷺ، وَفِي حَدِيثِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ أَنَّهُ جَاءَ وَهُوَ يَحْبُو وَالنَّبِيُّ ﷺ نَائِمٌ فَصَعِدَ عَلَى بَطْنِهِ وَوَضَعَ ذَكَرَهُ فِي سُرَّتِهِ فَبَالَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ، فَظَهَرَتِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَهُمَا.
قَوْلُهُ: (فَأَتْبَعَهُ) بِإِسْكَانِ الْمُثَنَّاةِ أَيْ: أَتْبَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْبَوْلَ الَّذِي عَلَى الثَّوْبِ الْمَاءَ يَصُبُّهُ عَلَيْهِ، زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامٍ فَأَتْبَعَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ. وَلِابْنِ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ هِشَامٍ فَصَبَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ وَلِلطَّحَاوِيِّ مِنْ طَرِيقِ زَائِدَةَ الثَّقَفِيِّ، عَنْ هِشَامٍ فَنَضَحَهُ عَلَيْهِ.
٢٢٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ لَمْ يَأْكُلْ الطَّعَامَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَجْرِهِ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ.
[الحديث ٢٢٣ - طرفه في ٥٦٩٣]
قَوْلُهُ: (عَنْ أُمِّ قَيْسٍ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: اسْمُهَا جُذَامَةُ يَعْنِي بِالْجِيمِ وَالْمُعْجَمَةِ، وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ: اسْمُهَا آمِنَةُ وَهِيَ أُخْتُ عُكَّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ الْأَسَدِيِّ، وَكَانَتْ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلِ، كَمَا عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَلَيْسَ لَهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ غَيْرُهُ وَغَيْرُ حَدِيثٍ آخَرَ فِي الطِّبِّ، وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا قِصَّةٌ لِابْنِهَا، وَمَاتَ ابْنُهَا فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ صَغِيرٌ كَمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَتِهِ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ) الْمُرَادُ بِالطَّعَامِ مَا عَدَا اللَّبَنَ الَّذِي يَرْتَضِعُهُ وَالتَّمْرَ الَّذِي يُحَنَّكُ بِهِ وَالْعَطَلَ الَّذِي يَلْعَقُهُ لِلْمُدَاوَاةِ وَغَيْرِهَا، فَكَأنَ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ الِاغْتِذَاءُ بِغَيْرِ اللَّبَنِ عَلَى الِاسْتِقْلَالِ، هَذَا مُقْتَضَى كَلَامِ النَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَأَطْلَقَ فِي الرَّوْضَةِ - تَبَعًا لِأَصْلِهَا - أَنَّهُ لَمْ يَطْعَمْ وَلَمْ يَشْرَبْ غَيْرَ اللَّبَنِ، وَقَالَ فِي نُكَتِ التَّنْبِيهِ: الْمُرَادُ أَنَّهُ لَمْ يَأْكُلْ غَيْرَ اللَّبَنِ وَغَيْرَ مَا يُحَنَّكُ بِهِ وَمَا أَشْبَهَهُ. وَحَمَلَ الْمُوَفَّقُ الْحَمَوِيُّ فِي شَرْحِ التَّنْبِيهِ قَوْلَهُ لَمْ يَأْكُلْ عَلَى ظَاهِرِهِ فَقَالَ: مَعْنَاهُ لَمْ يَسْتَقِلَّ بِجَعْلِ الطَّعَامِ فِي فِيهِ. وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَبِهِ جَزَمَ الْمُوَفَّقُ بْنُ قُدَامَةَ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: يُحْتَمَلُ أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنَّهُ لَمْ يَتَقَوَّتْ بِالطَّعَامِ وَلَمْ يَسْتَغْنِ بِهِ عَنِ الرَّضَاعِ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا إِنَّمَا جَاءَتْ بِهِ عِنْدَ وِلَادَتِهِ لِيُحَنِّكَهُ ﷺ فَيُحْمَلُ النَّفْيُ عَلَى عُمُومِهِ، وَيُؤَيِّدُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لِلْمُصَنِّفِ فِي الْعَقِيقَةِ.
قَوْلُهُ: (فَأَجْلَسَهُ) أَيْ وَضَعَهُ إِنْ قُلْنَا إِنَّهُ كَانَ لَمَّا وُلِدَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْجُلُوسُ حَصَلَ مِنْهُ عَلَى الْعَادَةِ إِنْ قُلْنَا كَانَ فِي سِنِّ مَنْ يَحْبُو كَمَا فِي قِصَّةِ الْحَسَنِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى ثَوْبِهِ) أَيْ ثَوْبِ النَّبِيِّ ﷺ
وَأَغْرَبَ ابْنُ شَعْبَانَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ فَقَالَ: الْمُرَادُ بِهِ ثَوْبُ الصَّبِيِّ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ.
قَوْلُهُ: (فَنَضَحَهُ)، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى أَنْ نَضَحَ بِالْمَاءِ وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فَرَشَّهُ زَادَ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ عَلَيْهِ. وَلَا تَخَالُفَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ - أَيْ بَيْنَ نَضَحَ وَرَشَّ - لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنَّ الِابْتِدَاءَ كَانَ بِالرَّشِّ وَهُوَ تَنْقِيطُ الْمَاءِ، وَانْتَهَى إِلَى النَّضْحِ وَهُوَ صَبُّ الْمَاءِ. وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ، عَنْ هِشَامٍ فَدَعَا بِمَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ وَلِأَبِي عَوَانَةَ فَصَبَّهُ عَلَى الْبَوْلِ يُتْبِعُهُ إِيَّاهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَغْسِلْهُ) ادَّعَى الْأَصِيلِيُّ أَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ شِهَابٍ رَاوِي الْحَدِيثِ وَأَنَّ الْمَرْفُوعَ انْتَهَى عِنْدَ قَوْلِهِ فَنَضَحَهُ قَالَ: وَكَذَلِكَ رَوَى مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ فَرَشَّهُ لَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ انْتَهَى. وَلَيْسَ فِي سِيَاقِ مَعْمَرٍ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا ادَّعَاهُ مِنَ الْإِدْرَاجِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْهُ بِنَحْوِ سِيَاقِ مَالِكٍ لَكِنَّهُ لَمْ يَقُلْ وَلَمْ يَغْسِلْهُ وَقَدْ قَالَهَا مَعَ مَالِكٍ، اللَّيْثُ، وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْهُمْ، وَهُوَ لِمُسْلِمٍ، عَنْ يُونُسَ وَحْدَهُ. نَعَمْ زَادَ مَعْمَرٌ فِي رِوَايَتِهِ قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَمَضَتِ السُّنَّةُ أَنْ يُرَشَّ بَوْلُ الصَّبِيِّ وَيُغْسَلَ بَوْلُ الْجَارِيَةِ فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ هِيَ الَّتِي زَادَهَا مَالِكٌ وَمَنْ تَبِعَهُ لَأَمْكَنَ دَعْوَى الْإِدْرَاجِ، لَكِنَّهَا غَيْرُهَا فَلَا إِدْرَاجَ.
وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ عَنِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ فَلَا اخْتِصَاصَ لَهُ بِذَلِكَ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَفْظُ رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا عَنْ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ وَبَيَّنَّا أَنَّهَا غَيْرُ مُخَالِفَةٍ لِرِوَايَةِ مَالِكٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ: النَّدْبُ إِلَى حُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ وَالتَّوَاضُعُ، وَالرِّفْقُ بِالصِّغَارِ، وَتَحْنِيكُ الْمَوْلُودِ، وَالتَّبَرُّكُ بِأَهْلِ الْفَضْلِ (١)، وَحَمْلُ الْأَطْفَالِ إِلَيْهِمْ حَالَ الْوِلَادَةِ وَبَعْدَهَا، وَحُكْمُ بَوْلِ الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ قَبْلَ أَنْ يَطْعَمَا وَهُوَ مَقْصُودُ الْبَابِ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ هِيَ أَوْجُهٌ لِلشَّافِعِيَّةِ: أَصَحُّهَا الِاكْتِفَاءُ بِالنَّضْحِ فِي بَوْلِ الصَّبِيِّ لَا الْجَارِيَةِ، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ، وَعَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَابْنِ وَهْبٍ وَغَيْرِهِمْ وَرَوَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَ أَصْحَابُهُ هِيَ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ.
وَالثَّانِي: يَكْفِي النَّضْحُ فِيهِمَا، وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيِّ وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَخَصَّصَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ النَّقْلَ فِي هَذَا بِمَا إِذَا كَانَا لَمْ يَدْخُلْ أَجْوَافَهُمَا شَيْءٌ أَصْلًا.
وَالثَّالِثُ: هُمَا سَوَاءٌ فِي وُجُوبِ الْغَسْلِ وَبِهِ قَالَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: اتَّبَعُوا فِي ذَلِكَ الْقِيَاسَ وَقَالُوا الْمُرَادُ بِقَوْلِهَا وَلَمْ يَغْسِلْهُ أَيْ غَسْلًا مُبَالَغًا فِيهِ، وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَيُبْعِدُهُ مَا وَرَدَ فِي الْأَحَادِيثِ الْأُخَرِ - يَعْنِي الَّتِي قَدَّمْنَاهَا - مِنَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ بَوْلِ الصَّبِيِّ وَالصَّبِيَّةِ فَإِنَّهُمْ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمَا، قَالَ: وَقَدْ ذُكِرَ فِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمَا أَوْجُهٌ: مِنْهَا مَا هُوَ رَكِيكٌ، وَأَقْوَى ذَلِكَ مَا قِيلَ: إِنَّ النُّفُوسَ أَعْلَقُ بِالذُّكُورِ مِنْهَا بِالْإِنَاثِ، يَعْنِي فَحَصَلَتِ الرُّخْصَةُ فِي الذُّكُورِ لِكَثْرَةِ الْمَشَقَّةِ.
وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى أَنَّ الْغَسْلَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ أَمْرٍ زَائِدٍ عَلَى مُجَرَّدِ إِيصَالِ الْمَاءِ إِلَى الْمَحَلِّ. قُلْتُ: وَهُوَ مُشْكِلٌ عَلَيْهِمْ ; لِأَنَّهُمْ يَدَّعُونَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّضْحِ هُنَا الْغَسْلُ.
(تَنْبِيهٌ): قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَيْسَ تَجْوِيزُ مَنْ جَوَّزَ النَّضْحَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ بَوْلَ الصَّبِيِّ غَيْرُ نَجِسٍ، وَلَكِنَّهُ لِتَخْفِيفِ نَجَاسَتِهِ، انْتَهَى. وَأَثْبَتَ الطَّحَاوِيُّ الْخِلَافَ فَقَالَ: قَالَ قَوْمٌ بِطَهَارَةِ بَوْلِ الصَّبِيِّ قَبْلَ الطَّعَامِ، وَكَذَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَابْنُ بَطَّالٍ وَمَنْ تَبِعَهُمَا عَنِ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا، وَلَمْ يُعْرَفْ ذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ وَلَا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وهذا الحديث من الخماسيَّات، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه النَّسائيُّ في «الطَّهارة».
٢٢٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمام الأئمَّة (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بتصغير الأوَّل (ابْنِ عُتْبَةَ) بن مسعود ﵁ (عَنْ أُمِّ قَيْسٍ) بفتح القاف وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، وذكرها الذَّهبيُّ في «تجريده» في «الكنى»، ولم يذكر لها اسمًا، وعند ابن عبد البر: اسمها: جُذامة، بالجيم وبالذَّال المُعجَمَة، وعند السُّهيليِّ: آمنة (بِنْتِ) ولأبي الوقت والأَصيليِّ: «ابنة» (مِحْصَنٍ) بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الصَّاد المُهمَلتين آخره نون، وهي أخت عكاشة بن مِحْصَنٍ، وهي من السَّابقات المُعمِّرات، ولها في «البخاريِّ» حديثان (أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا) ذكرٍ (صَغِيرٍ) بالجرِّ صفة «ابن» لقوله: (لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ) لعدم قدرته على مضغه ودفعه لمعدته (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حَِجْرِهِ) بكسر الحاء وفتحها وسكون الجيم (فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ) أي: ثوب النبيِّ ﷺ (فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ) أي: رشَّه بماء عمَّه وغلبه من غير سيلانٍ، كما يدلُّ عليه قوله: (وَلَمْ يَغْسِلْهُ) لأنَّه لم يبلغ الإسالة، وقد ادَّعى الأَصيليُّ أنَّ قوله: «ولم يغسله» من كلام ابن شهابٍ، وليس من المرفوع، والفاءات الأربعة في قوله: «فأجلسه» «فبال» «فدعا بماءٍ» «فنضحه» للعطف بين الكلام (١) بمعنى
التَّعقيب (١)، ومراده بـ «الصَّغير» هنا: الرَّضيع بدليل قوله: «لم يأكل»، وعبّر بـ «الابن» دون الولد لأنَّ الابن لا يُطلَق إلَّا على الذَّكر، بخلاف الولد فإنه يطلق عليهما، والحكم المذكور إنَّما هو للذَّكر لا لها، ولا بدَّ في بولها من الغسل على الأصل، وقد روى ابن خزيمة والحاكم وصحَّحاه: «يغسل من بول الجارية، ويرشُّ من بول الغلام»، وفرَّق بينهما بأنَّ الائتلاف بحمل الصَّبي أكثر فخفَّف في بوله، وبأنَّه (٢) أرقُّ من بولها، فلا يلصق بالمحلِّ لصوقَ (٣) بولها به (٤)، ولأنَّ بولها بسبب استيلاء الرُّطوبة والبرودة على مزاجها أغلظ وأنتن، ومثلها الخنثى، كما جزم به في «المجموع»، ونقله في «الرَّوضة» عن البغويِّ، وأفهم قوله: «لم يأكل الطعام» أنَّه لا يمنع النَّضح تحنيكه بتمر ونحوه، ولا تناوله (٥) السَّفُوف ونحوه للإصلاح، وممَّن قال بالفرق: عليُّ بن أبي طالبٍ، وعطاءُ بن أبي رباحٍ، والحسن، وأحمد ابن حنبل، وابن رَاهُوْيَه، وابن وهب من المالكيَّة (٦)، وذهب أبو حنيفة ومالكٌ رحمهما الله إلى عدم الفرق بين الذَّكر والأنثى، بل قالا بالغسل فيهما مطلقًا، سواء أكلا الطَّعام أم لا، واستدلَّ لهما بأنَّه ﵊ نضح، والنَّضح هو الغسل؛ لقوله ﵊ في المذي: «فلينضح فرجه» رواه أبو داود وغيره من حديث المقداد، والمُرَاد به: الغسل، كما وقع التَّصريح به في «مسلمٍ»، والقصَّة واحدةٌ كالرِّاوية، ولحديث أسماء في غسل الدَّم: «وانضحيه»، وقد ورد الرَّشُّ وأُريد به: الغسل، كما في حديث ابن عبَّاسٍ ﵄ في «الصَّحيح» [خ¦١٤٠] لمَّا حكى الوضوء النَّبويَّ: أخذ غرفة من ماءٍ ورشَّ (٧) على رجله اليمنى حتَّى غسلها، وأراد بـ «الرِّشِّ» هنا: الصَّبَّ قليلًا قليلًا، وتأوَّلوا قوله: «ولم يغسله» أي: غسلًا مبالغًا فيه