الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٢٤
الحديث رقم ٢٢٤ من كتاب «كتاب الوضوء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب البول قائما وقاعدا.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
⦗٥٥⦘
ﷺ سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَجِئْتُهُ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ».
بَابُ الْبَوْلِ عِنْدَ صَاحِبِهِ وَالتَّسَتُّرِ بِالْحَائِطِ
٢٢٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ:
جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى موضع تُلقى فيه الكناسة ونحوها، وإضافتها إلى القوم إضافة اختصاص لا ملك؛ لأنها كانت بفناء دورهم، فأضيف إليهم لقربها منهم، وهي مجمع المهملات؛ ولهذا بال صلى الله عليه وسلم فيها، وتكون في الغالب سهلة لا يرتد منها البول على البائل، فبال عليه الصلاة والسلام وهو قائم، ثم سأل حذيفة رضي الله عنه أن يعطيه ماءً، فجاءه حذيفة بماءٍ فتوضأ، ولعله صلى الله عليه وسلم بال بالرقب من الناس ولم يتباعد كما كان يفعل؛ لأنه كان مشغولًا، ولأن الإبعاد يكون لخروج الغائط، وكان حذيفة رضي الله عنه قريبًا ليستر النبي عليه الصلاة والسلام.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْحَنَابِلَةُ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هَذِهِ حِكَايَةٌ بَاطِلَةٌ، انْتَهَى. وَكَأَنَّهُمْ أَخَذُوا ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ اللَّازِمِ، وَأَصْحَابُ صَاحِبِ الْمَذْهَبِ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٦٠ - بَاب الْبَوْلِ قَائِمًا وَقَاعِدًا
٢٢٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: أَتَى النَّبِيُّ ﷺ سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ، فَجِئْتُهُ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ.
[الحديث ٢٢٤ - أطرافه في: ٢٤٧١، ٢٢٦، ٢٢٥]
قَوْلُهُ: (بَابُ الْبَوْلِ قَائِمًا وَقَاعِدًا) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: دَلَالَةُ الْحَدِيثِ عَلَى الْقُعُودِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ; لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ قَائِمًا فَقَاعِدًا أَجْوَزُ. قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنَةَ الَّذِي أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمَا فَإِنَّ فِيهِ: بَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا، فَقُلْنَا انْظُرُوا إِلَيْهِ يَبُولُ كَمَا تَبُولُ الْمَرْأَةُ وَحَكَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِهِ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ مِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ الْبَوْلُ قَائِمًا، أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنَةَ قَعَدَ يَبُولُ كَمَا تَبُولُ الْمَرْأَةُ وَقَالَ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ فَقَامَ كَمَا يَقُومُ أَحَدُكُمْ، وَدَلَّ حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَذْكُورُ عَلَى أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُخَالِفُهُمْ فِي ذَلِكَ فَيَقْعُدُ لِكَوْنِهِ أَسْتَرَ وَأَبْعَدَ مِنْ مُمَاسَّةِ الْبَوْلِ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ صَحَّحَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ قَالَتْ مَا بَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمًا مُنْذُ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي وَائِلٍ)، وَلِأَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا وَائِلٍ، وَلِأَحْمَدَ، عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، حَدَّثَنِي أَبُو وَائِلٍ.
قَوْلُهُ: (سُبَاطَةَ قَوْمٍ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ هِيَ الْمَزْبَلَةُ وَالْكُنَاسَةُ تَكُونُ بِفِنَاءِ الدُّورِ مِرْفَقًا لِأَهْلِهَا وَتَكُونُ فِي الْغَالِبِ سَهْلَةً لَا يَرْتَدُّ فِيهَا الْبَوْلُ عَلَى الْبَائِلِ، وَإِضَافَتُهَا إِلَى الْقَوْمِ إِضَافَةُ اخْتِصَاصٍ لَا مِلْكٍ ; لِأَنَّهَا لَا تَخْلُو عَنِ النَّجَاسَةِ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ إِيرَادُ مَنِ اسْتَشْكَلَهُ لِكَوْنِ الْبَوْلِ يُوهِي الْجِدَارَ فَفِيهِ إِضْرَارٌ، أَوْ نَقُولُ: إِنَّمَا بَالَ فَوْقَ السُّبَاطَةِ لَا فِي أَصْلِ الْجِدَارِ وَهُوَ صَرِيحُ رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ، وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلِمَ إِذْنَهُمْ فِي ذَلِكَ بِالتَّصْرِيحِ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ لِكَوْنِهِ مِمَّا يَتَسَامَحُ النَّاسُ بِهِ، أَوْ لِعِلْمِهِ بِإِيثَارِهِمْ إِيَّاهُ بِذَلِكَ، أَوْ لِكَوْنِهِ يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي مَالِ أُمَّتِهِ دُونَ غَيْرِهِ ; لِأَنَّهُ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ صَحِيحَ الْمَعْنَى لَكِنْ لَمْ يُعْهَدْ ذَلِكَ مِنْ سِيرَتِهِ وَمَكَارِمِ أَخْلَاقِهِ ﷺ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ) زَادَ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ مِنْ طُرُقٍ عَنِ الْأَعْمَشِ فَتَنَحَّيْتُ فَقَالَ: ادْنُهْ، فَدَنَوْتُ حَتَّى قُمْتُ عِنْدَ عَقِبَيْهِ وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَتَبَاعَدْتُ مِنْهُ، فَأَدْنَانِي حَتَّى صِرْتُ قَرِيبًا مِنْ عَقِبَيْهِ فَبَالَ قَائِمًا، وَدَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ وَكَذَا زَادَ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ فِيهِ ذِكْرِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَهُوَ ثَابِتٌ أَيْضًا عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ طُرُقٍ عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، وَزَادَ عِيسَى بْنُ يُونُسَ فِيهِ عَنِ الْأَعْمَشِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِالْمَدِينَةِ أَخْرَجَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَزَعَمَ فِي الِاسْتِذْكَارِ أَنَّ عِيسَى تَفَرَّدَ بِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَقَدْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ كَذَلِكَ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ عِصْمَةَ بْنِ مَالِكٍ سَنَذْكُرُهُ بَعْدُ.
وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الْمَسْحِ فِي الْحَضَرِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ اخْتَصَرَهُ لِتَفَرُّدِ الْأَعْمَشِ بِهِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ أَنَّ عَاصِمًا رَوَاهُ لَهُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا قَالَ عَاصِمٌ: وَهَذَا الْأَعْمَشُ يَرْوِيهِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ وَمَا حَفِظَهُ، يَعْنِي أَنَّ رِوَايَتَهُ هِيَ الصَّوَابُ. قَالَ شُعْبَةُ: فَسَأَلْتُ عَنْهُ مَنْصُورًا فَحَدَّثَنِيهِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
بالعرك (١)، كما تُغسَل الثِّياب إذا أصابتها النَّجاسة، وأُجيب بأنَّ النَّضح ليس هو الغسل، كما دلَّ عليه كلام أهل اللُّغة، ففي «الصِّحاح» و «المُجمَل» لابن فارس و «ديوان الأدب» للفارابيِّ و «المنتخب» لكُراعٍ، و «الأفعال» لابن طريفٍ (٢)، و «القاموس» للفَيْرُوزَابادي: النَّضح: الرشُّ، ولا نسلِّم أنَّه في حديث المقداد وأسماء بمعنى: «الغسل»، ولئن سلَّمناه فبدليلٍ خارجيٍّ، واستدلَّ بعضهم بقوله: «ولم يغسله» على طهارة بول الصَّبيِّ، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثورٍ، وحُكِي عن مالكٍ والأوزاعيِّ، وأمَّا حكايته عن الشَّافعيِّ فجزم النَّوويُّ بأنَّها باطلة قطعًا، فأيَّده (٣) مجموع الصِّغار الذين حصل منهم بولٌ عليه ﷺ: الحسن والحسين وعبد الله بن الزبير وابن أمِّ محصنٍ وسليمان (٤) بن هشام ﵃، قاله الذَّهبيُّ رحمة الله عليه (٥).
ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين تِنِّيسيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة.
(٦٠) (بابُ) بيان حكم (البَوْلِ) حال كون البائل (قَائِمًا وَ) حال كونه (قَاعِدًا).
٢٢٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياس (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيقٍ الكوفيِّ (عَنْ حُذَيْفَةَ) بن اليمان، واسم «اليمان»: حُسَيْلٌ،
بمُهمَلتين، مُصغَّرٌ، أو يُقال (١): حِسْلٌ -بكسرٍ ثمَّ سكونٍ- العبسيِّ، بالمُوَحَّدة (٢)، حليف الأنصار، صحابيٌّ جليلٌ من السَّابقين، صحَّ في «مسلمٍ» عنه أنَّ رسول الله (٣) ﷺ أعلمه بما كان وما (٤) يكون إلى أن تقوم السَّاعة، وأبوه صحابيٌّ أيضًا استُشهِد بأُحُدٍ، ومات حذيفة ﵁ في أوَّل خلافة عليٍّ سنة ستٍّ وثلاثين، له في «البخاريِّ» اثنان وعشرون حديثًا.
(قَالَ: أَتَى النَّبِيُّ ﷺ سُبَاطَةَ) بضمِّ المُهمَلة وتخفيف المُوَحَّدة: مرمى ترابٍ وكناسة (٥) (قَوْمٍ) من الأنصار، تكون بفناء الدُّور مرتفقًا لأهلها، أو «السُّباطة» الكناسة نفسها، وتكون في الغالب سهلة لا يرتدُّ فيها (٦) البول على البائل، وإضافتها إلى القوم إضافة اختصاصٍ لا (٧) ملك؛ لأنَّها لا تخلو عن النَّجاسة، وفي رواية أحمد: «أتى سباطة قومٍ (٨) فتباعدتُ منه، فأدناني حتَّى صرت قريبًا من عقبيه» (فَبَالَ) ﷺ في الكناسة لدَمَثها (٩) حال كونه (قَائِمًا) بيانًا للجواز، أو لأنَّه لم يجد للقعود مكانًا، فاضطرَّ للقيام، أو كان بمأبضه -بالهمزة
السَّاكنة والمُوَحَّدة المكسورة والضَّاد المُعجَمَة: وهو باطن ركبته الشَّريفة- جرحٌ، أو استشفاءٌ من وجع صلبه على عادة العرب في ذلك، أو أنَّ (١) البول قائمًا أَحصن للفرج، فلعلَّه خشي من البول قاعدًا مع قربه من الناس خروج صوت منه، فإن قلت: لِمَ بال ﵊ في السُّباطة من غير أن يبعد عن النَّاس أو يبعدهم عنه؟ أُجيب بأنَّه لعلَّه كان مشغولًا بأمور المسلمين والنَّظر في مصالحهم، وطال عليه المجلس حتَّى لم يمكنه التباعد خشية التَّضرُّر (٢)، وقد أباح البول قائمًا جماعة، كعمر وابنه وزيد بن ثابت وسعيد بن المسيَّب وابن سيرين والنَّخعي والشَّعبي وأحمد، وقال مالكٌ: إن كان في مكان لا يتطاير عليه منه شيء فلا بأس به، وإِلَّا فمكروهٌ، وكرهه للتَّنزيه عامَّة العلماء، فإن قلت: في التَّرجمة: البول قائمًا وقاعدًا، وليس في الحديث إلَّا القيام؟ أُجيب بأنَّ وجه أخذه من الحديث أنَّه إذا جاز قائمًا فقاعدًا أجوز؛ لأنَّه أمكن (ثُمَّ دَعَا) ﷺ (بِمَاءٍ فَجِئْتُهُ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ) به، وزاد عيسى بن يونس فيه عن الأعمش ما (٣) أخرجه ابن عبد البرِّ في «التَّمهيد» بسندٍ صحيحٍ: أنَّ ذلك كان بالمدينة.
واستُنبِط من الحديث: جواز البول بالقرب من الدِّيار، وأنَّ مدافعة البول مكروهةٌ.
ورواته الخمسة ما بين خراسانيٍّ وكوفيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الطَّهارة» [خ¦٢٢٦]، وكذا مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه.
(٦١) (بابُ البَوْلِ) أي: حكم بول الرَّجل (عِنْدَ صَاحِبِهِ وَالتَّسَتُّرِ) أي: وبيان (٤) حكم تستُّره (بِالحَائِطِ) فـ «ال» في «البول» بدلٌ من المضاف إليه (٥)، وهو كما قدَّرنا، والضَّمير في «صاحبه» يرجع إلى المضاف إليه المقدَّر وهو الرَّجل البائل.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
دَعَا لَهُ هَذَا النَّبِي الْكَرِيم يسْعد فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، وَإِن كَانَ فِيهِ احْتِمَال التحنيك.
٦٠ - (بابُ البَوْلِ قائِماً وقاعِداً)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْبَوْل حَال كَونه قَائِما وَحَال كَونه قَاعِدا. قيل: دلَالَة الحَدِيث على الْقعُود بطرِيق الأولى لِأَنَّهُ إِذا جَازَ قَائِما فقاعداً أجوز. وَأجَاب بَعضهم بقوله: وَيحْتَمل أَن يكون أَشَارَ بذلك إِلَى حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن حَسَنَة الَّذِي أخرجه النَّسَائِيّ، وَابْن مَاجَه وَغَيرهمَا، فَإِن فِيهِ: (بَال رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جَالِسا، فَقُلْنَا: انْظُرُوا، اليه يَبُول كَمَا تبول الْمَرْأَة) . قلت: قَوْله: دلَالَة الحَدِيث ... إِلَى آخِره، غير مُسلم، لِأَن أَحَادِيث الْبَاب كلهَا فِي الْبَوْل قَائِما، وَجَوَاز الْبَوْل قَائِما حكم من الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة، فَكيف يُقَاس عَلَيْهِ جَوَاز الْبَوْل قَاعِدا بطرِيق الْعقل؟ وَالْأَحْسَن أَن يُقَال: لما ورد فِي هَذَا الْبَاب جوز الْبَوْل قَائِما وجوازه قَاعِدا بِأَحَادِيث كَثِيرَة، أورد البُخَارِيّ أَحَادِيث الْفَصْل الأول فَقَط؛ وَفِي التَّرْجَمَة أَشَارَ إِلَى الْفَصْلَيْنِ إِمَّا اكْتِفَاء لشهرة الْفَصْل الثَّانِي، وَعمل أَكثر النَّاس عَلَيْهِ، وَإِمَّا إِشَارَة إِلَى أَنه وقف عل أَحَادِيث الْفَصْلَيْنِ، وَلكنه اقْتصر على أَحَادِيث الْفَصْل الأول لكَونهَا على شَرطه.
وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة لِأَن كلا مِنْهُمَا فِي أَحْكَام الْبَوْل، وَكَذَلِكَ بَينه وَبَين الْبَاب الَّذِي يَأْتِي، وَالَّذِي يَأْتِي بعده أَيْضا، وَالْحَاصِل أَن هُنَا تِسْعَة أَبْوَاب كلهَا فِي أَحْكَام الْبَوْل، والمناسبة بَينهَا ظَاهِرَة لَا تخفى.
٢٢٤ - حدّثنا آدَمُ قَالَ حَدثنَا شُعْبَةُ عنِ الَاعْمَشِ عنْ أبي وائِلٍ عنْ حُذَيْفَةَ قالَ أتَى النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سُباطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قائِماً ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَجِئْتُهُ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ..
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لَا يُقَال: التَّرْجَمَة أَعم، لأَنا ذكرنَا فِيمَا مضى مَا يَكْفِي فِي رده.
بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة تقدمُوا كلهم، وآدَم: هُوَ ابْن أبي إِيَاس، وَالْأَعْمَش: هُوَ سُلَيْمَان بن مهْرَان، وَأَبُو وَائِل: هُوَ شَقِيق الْكُوفِي، وَحُذَيْفَة: هُوَ ابْن الْيَمَان.
بَيَان لطائف اسناده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وَرُوَاته مَا بَين خراساني وكوفي. وَفِيه: عَن أبي وَائِل، وَلأبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي مُسْنده عَن شُعْبَة عَن الْأَعْمَش أَنه: سمع أَبَا وَائِل، وَلأَحْمَد عَن يحيى الْقطَّان عَن الْأَعْمَش: حَدثنِي أَبُو وَائِل.
بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ هَهُنَا عَن آدم عَن شُعْبَة، وَأخرجه أَيْضا فِي الطَّهَارَة عَن سُلَيْمَان ابْن حَرْب مُخْتَصرا كَمَا هَهُنَا، وَفِي الطَّهَارَة أَيْضا عَن مُحَمَّد بن عرْعرة، كِلَاهُمَا عَن شُعْبَة وَعَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن جرير، وَأول حَدِيث مُحَمَّد بن عرْعرة: كَانَ أَبُو مُوسَى يشدد على الْبَوْل، وعَلى مَا سَيَأْتِي عَن قريب. وَأخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن يحيى بن يحيى عَن أبي خَيْثَمَة زُهَيْر بن مُعَاوِيَة عَن الْأَعْمَش بِهِ وَفِيه ذكر الْمسْح، وَعَن يحيى بن يحيى عَن جرير نَحْو حَدِيث مُحَمَّد بن عرْعرة. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن حَفْص بن عمر وَمُسلم ابْن إِبْرَاهِيم، كِلَاهُمَا عَن شُعْبَة، وَعَن مُسَدّد عَن أبي عوَانَة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن هناد عَن وَكِيع عَن الْأَعْمَش بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن يحيى بن يُونُس، وَعَن المؤمل بن هِشَام عَن ابْن علية عَن شُعْبَة، كِلَاهُمَا عَن الْأَعْمَش بِهِ، وَعَن ابْن بشار عَن غنْدر عَن شُعْبَة عَن مَنْصُور بِهِ، وَعَن سُلَيْمَان بن عبد الله الغيلاني عَن بهز عَن شُعْبَة عَن الْأَعْمَش وَمَنْصُور بِهِ، وَلَيْسَ فِيهِ ذكر الْمسْح إلَاّ فِي حَدِيث عِيسَى بن يُونُس، وَفِي حَدِيث بهز. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن شريك وهشيم ووكيع، ثَلَاثَتهمْ عَن الْأَعْمَش بِهِ من غير ذكر الْمسْح.
بَيَان لغته وَإِعْرَابه قَوْله: (سباطة قوم) السباطة: على وزن فعالة بِالضَّمِّ، وَهُوَ: الْموضع الَّذِي يرْمى فِيهِ التُّرَاب بالأفينة مرفعاً. وَقيل: السباطة: الكناسة نَفسهَا، وَكَانَت بِالْمَدِينَةِ، ذكره مُحَمَّد بن طَلْحَة بن مصرف عَن الْأَعْمَش. قَوْله: (قَائِما) نصب على الْحَال من الضَّمِير الَّذِي فِي: (فَبَال) .
بَيَان الْمَعْنى إِضَافَة السباطة إِلَى الْقَوْم إِضَافَة اخْتِصَاص لَا ملك، لِأَنَّهَا كَانَت بِفنَاء دُورهمْ للنَّاس كلهم، فاضيف إِلَيْهِم لقربها مِنْهُم، وَلِهَذَا بَال، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، عَلَيْهَا، وَبِهَذَا ينْدَفع إِشْكَال من قَالَ: إِن الْبَوْل يوهن الْجِدَار وَفِيه ضَرَر، فَكيف هَذَا من النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام؟ وَقد يُقَال: إِنَّمَا بَال فَوق
السباطة لَا فِي أصل الْجِدَار، وَقد صرح بِهِ فِي رِوَايَة أبي عوَانَة فِي (صَحِيحه) ، وَقيل: يحْتَمل أَن يكون علم أذنهم فِي الْجِدَار بالتصريح أَو غَيره، أَو لكَونه مِمَّا يتَسَامَح النَّاس بِهِ، أَو لعلمه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بإيثارهم إِيَّاه بذلك، يجوز لَهُ التَّصَرُّف فِي مَالك أمته دون غَيره، وَلِأَنَّهُ أولى بِالْمُؤْمِنِينَ من أنفسهم وَأَمْوَالهمْ. قلت: هَذَا كُله على تَقْدِير أَن تكون السباطة ملكا لأحد أَو لجَماعَة مُعينين، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَأظْهر الْوُجُوه أَنهم كَانُوا يؤثرون ذَلِك وَلَا يكرهونه بل يفرحون بِهِ، وَمن كَانَ هَذَا حَاله جَازَ الْبَوْل فِي أرضه وَالْأكل من طَعَامه. قلت: هَذَا أَيْضا على تَقْدِير أَن تكون السباطة ملكا لقوم. فَإِن قلت: كَانَ من عَادَته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم التباعد فِي الْمَذْهَب، وَقد روى أَبُو دَاوُد عَن الْمُغيرَة بن شُعْبَة: (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ إِذا ذهب الْمَذْهَب أبعد) . وَالْمذهب، بِالْفَتْح: الْموضع الَّذِي يتغوط فِيهِ. وَأخرجه بَقِيَّة الْأَرْبَعَة أَيْضا. قلت: يحْتَمل أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ مَشْغُولًا فِي ذَلِك الْوَقْت بِأُمُور الْمُسلمين وَالنَّظَر فِي مصالحهم، فَلَعَلَّهُ طَال عَلَيْهِ الْأَمر، فَأتى السباطة حِين لم يُمكنهُ التباعد، وَأَنه لَو أبعد لَكَانَ تضرر. فان قلت: روى ابو دَاوُد من حَدِيث أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ أَنه قَالَ: (كنت مَعَ رَسُول اللهصلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذَات يَوْم، فَأَرَادَ ان يَبُول فَأتى دمثا فِي أصل جِدَار فَبَال) الحَدِيث، فَهَذَا يُخَالف مَا ذكرت فِيمَا مضى عَن قريب. قلت: يجوز أَن يكون الْجِدَار هَهُنَا عادياً غير مَمْلُوك لأحد، أَو يكون قعوده متراخيا عَن جرمه فَلَا يُصِيبهُ الْبَوْل. قَوْله: (ثمَّ دَعَا بِمَاء) زَاد مُسلم وَغَيره من طرق الْأَعْمَش: (فتنحيت فَقَالَ: ادنه، فدنوت حَتَّى قُمْت عِنْد عقبه) . وَفِي رِوَايَة أَحْمد عَن يحيى الْقطَّان: (أَتَى سباطة قوم فتباعدت مِنْهُ، فأدناني حَتَّى صرت قَرِيبا من عقبه، فَبَال قَائِما، ودعا بِمَاء فَتَوَضَّأ بِهِ وَمسح على خفيه) .
بَيَان استنباط الْأَحْكَام الاول: فِيهِ جَوَاز الْبَوْل قَائِما فقاعداً أجوز لِأَنَّهُ أمكن، وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي هَذَا فأباحه قوم، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: ثَبت أَن عمر وَابْنه وَزيد بن ثَابت وَسَهل بن سعد أَنهم بالوا قيَاما، وأباحه سعيد بن الْمسيب وَعُرْوَة ومحمدابن سِيرِين وَزيد بن الْأَصَم وَعبيدَة السَّلمَانِي وَالنَّخَعِيّ وَالْحكم وَالشعْبِيّ وَأحمد وَآخَرُونَ، وَقَالَ مَالك: إِن كَانَ فِي مَكَان لَا يتطاير عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْء فَلَا بَأْس بِهِ، وإلَاّ فمكروه. وَقَالَت عَامَّة الْعلمَاء: الْبَوْل قَائِما مَكْرُوه إلَاّ لعذر، وَهِي كَرَاهَة تَنْزِيه لَا تَحْرِيم، وَكَذَلِكَ رُوِيَ وَالْبَوْل قَائِما عَن أنس وَعلي بن أبي طَالب وابي هُرَيْرَة، رَضِي الله عَنْهُم وَكَرِهَهُ ابْن مَسْعُود وَإِبْرَاهِيم بن سعد، وَكَانَ إِبْرَاهِيم لَا يُجِيز شَهَادَة من بَال قَائِما، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: الْبَوْل جَالِسا أحب إِلَيّ، وَقَائِمًا مُبَاح، وكل ذَلِك ثَابت عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
فَإِن قلت: رويت أَحَادِيث ظَاهرهَا يُعَارض حَدِيث الْبَاب. مِنْهَا: حَدِيث الْمِقْدَاد عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: (من حَدثَك أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَال قَائِما فَلَا تصدقه، أَنا رَأَيْته يَبُول قَاعِدا) ، أخرجه البستي فِي (صَحِيحه) وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، وَقَالَ: حَدِيث عَائِشَة أحسن شَيْء فِي هَذَا الْبَاب وَأَصَح. وَأخرج أَبُو عوَانَة الإسفرائيني فِي (صَحِيحه) بِلَفْظ: (مَا بَال قَائِما مُنْذُ أنزل عَلَيْهِ الْقُرْآن) . وَمِنْهَا: حَدِيث بُرَيْدَة، رَوَاهُ الْبَزَّار بِسَنَد صَحِيح: حَدثنَا نصر بن عَليّ حَدثنَا عبد الله بن دَاوُد حَدثنَا سعيد بن عبيد الله حَدثنَا عبد الله بن بُرَيْدَة عَن أَبِيه أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (ثَلَاث من الْجفَاء: أَن يَبُول الرجل قَائِما) الحَدِيث، وَقَالَ: لَا أعلم رَوَاهُ عَن ابْن بُرَيْدَة إلَاّ سعيد بن عبد الله، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: وَحَدِيث بُرَيْدَة فِي هَذَا غير مَحْفُوظ، وَقَول التِّرْمِذِيّ يرد بِهِ. وَمِنْهَا: حَدِيث عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث ابْن جريج: أخبرنَا عبد الْكَرِيم بن أبي الْمخَارِق عَن نَافِع عَن ابْن عمر قَالَ: قَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (رَآنِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أبول قَائِما، فَقَالَ: يَا عمر! لَا تبل قَائِما. قَالَ: فَمَا بلت قَائِما بعد) . وَمِنْهَا: حَدِيث جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه الْبَيْهَقِيّ أَيْضا من حَدِيث عدي بن الْفضل عَن عَليّ بن الحكم عَن أبي نَضرة عَن جَابر: (نهى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يَبُول الرجل قَائِما) .
قلت: أما الْجَواب عَن حَدِيث عَائِشَة إِنَّه مُسْتَند إِلَى علمهَا فَيحمل على مَا وَقع مِنْهُ فِي الْبيُوت، وَأما فِي غير الْبيُوت فَلَا تطلع هِيَ عَلَيْهِ، وَقد حفظه حُذَيْفَة، رَضِي الله عَنهُ، وَهُوَ من كبار الصَّحَابَة، وَأَيْضًا يُمكن أَن يكون قَول عَائِشَة: (مَا بَال قَائِما) ، يَعْنِي فِي منزله، وَلَا اطلَاع لَهَا مَا فِي الْخَارِج. فان قلت: قَالَ أَبُو عوَانَة فِي (صَحِيحه) وَابْن شاهين: إِن حَدِيث حُذَيْفَة مَنْسُوخ بِحَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله عَنْهَا، قلت: الصَّوَاب أَنه لَا يُقَال إِنَّه مَنْسُوخ، لِأَن كلاًّ من عَائِشَة وَحُذَيْفَة أخبر بِمَا شاهدة، فَدلَّ على أَن الْبَوْل قَائِما وَقَاعِدا يجوز، وَلَكِن كرهه الْعلمَاء قَائِما لوُجُود أَحَادِيث النَّهْي، وَإِن كَانَ أَكْثَرهَا غير ثَابت. وَأما حَدِيث بُرَيْدَة فِي هَذَا غير مَحْفُوظ، وَلَكِن فِيهِ نظر، لِأَن الْبَزَّار أخرجه بِسَنَد صَحِيح كَمَا ذكرنَا. وَأما
حَدِيث عمر فَقَالَ التِّرْمِذِيّ: فَحَدِيث ضَعِيف، لِأَن ابْن جريج رَوَاهُ عَن عبد الْكَرِيم بن الْمخَارِق أَبُو امية وَهُوَ ضَعِيف، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: إِنَّمَا رَفعه عبد الْكَرِيم، وَقد ضعفه أَيُّوب، وَتكلم فِيهِ، وروى عبيد الله عَن نَافِع عَن ابْن عمر: قَالَ: عمر: مَا بلت قَائِما مُنْذُ أسلمت، هَذَا أصح من حَدِيث عبد الْكَرِيم. وَأما حَدِيث جَابر، فَفِي رُوَاته: عدي بن الْفضل وَهُوَ ضَعِيف. فان قلت: قَالَ أَبُو الْقَاسِم عبد الله بن أَحْمد بن مَحْمُود الْبَلْخِي فِي كِتَابه الْمُسَمّى (بِقبُول الْأَخْبَار وَمَعْرِفَة الرِّجَال) : حَدِيث حُذَيْفَة يَعْنِي هَذَا حَدِيث فَاحش مُنكر لَا نراهه إلَاّ من قبل بعض الزَّنَادِقَة. قلت: هَذَا كَلَام سوء لَا يُسَاوِي سَمَاعه، وَهُوَ فِي غَايَة الصِّحَّة. فَإِن قلت: رُوِيَ عَن ابْن مَاجَه من طَرِيق شُعْبَة أَن عَاصِمًا روى لَهُ عَن أبي وَائِل عَن الْمُغيرَة: (أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اتى سباطة قوم فَبَال قَائِما) . قَالَ عَاصِم: وَهَذَا الاعمش يرويهِ عَن أبي وَائِل عَن حُذَيْفَة. قلت: قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث أبي وَائِل عَن حديفة أصح، يَعْنِي من حَدِيثه عَن الْمُغيرَة، وَأَيْضًا لَا يبعد أَن يكون أَبُو وَائِل رَوَاهُ عَن رجلَيْنِ، وَالرجلَانِ شَاهدا ذَلِك من فعله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأَن أَبَا وَائِل أدّى الْحَدِيثين عَنْهُمَا، فَسَمعهُ مِنْهُ جمَاعَة فَأدى كلٌّ مَا سمع، وَدَلِيله أَن غَيرهمَا حكى ذَلِك عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَيْضا، مِنْهُم: سهل بن سعد، رَضِي الله عَنهُ. وَفِي حَدِيثه فِي (صَحِيح ابْن خزيمه) وَأَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأخرج حَدِيثه الْحَاكِم ثمَّ الْبَيْهَقِيّ عَن حَمَّاد بن غَسَّان الْجعْفِيّ: حَدثنَا معن عَن مَالك عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن ابي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَال قَائِما من جرح كَانَ بمآبضه) ، وَقَالَ الذَّهَبِيّ: هَذَا مُنكر، وَضَعفه الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ وَابْن عَسَاكِر فِي كِتَابه (مَجْمُوع الرغائب فِي ذكر أَحَادِيث مَالك الغرائب) .
ثمَّ إِن الْعلمَاء تكلمُوا فِي سَبَب بَوْله، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم قَائِما فَقَالَ الشَّافِعِي، لما سَأَلَهُ حَفْص الْفَرد عَن الْفَائِدَة فِي بَوْله قَائِما: الْعَرَب تستشفي لوجع الصلب بالبول قَائِما، فنرى أَنه كَانَ بِهِ ذَاك. قلت: يُوضح ذَلِك حَدِيث أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ الْمَذْكُور آنِفا.
والمآبض جمع: مأبض، بِسُكُون الْهمزَة بعْدهَا بَاء مُوَحدَة ثمَّ ضاد مُعْجمَة، وَهُوَ: بَاطِن الرّكْبَة، وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: إِنَّمَا فعله لشغله بِأُمُور الْمُسلمين، فَلَعَلَّهُ طَال عَلَيْهِ الْمجْلس حَتَّى حصرة الْبَوْل وَلم يُمكن التباعد كعادته، وَأَرَادَ السباطة لدمثها، وَأقَام حُذَيْفَة يستره عَن النَّاس. وَقَالَ الْمَازرِيّ فِي (الْعلم) : فعل ذَلِك لِأَنَّهَا حَالَة يُؤمن فِيهَا خُرُوج الْحَدث من السَّبِيل الآخر، بِخِلَاف الْقعُود، وَمِنْه قَول عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: الْبَوْل قَائِما أحصن للدبر. وَقَالَ بَعضهم: لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يجد مَكَانا للقعود فاضطر إِلَى الْقيام لكَون الطّرف الَّذِي يَلِيهِ السباطة عَلَيْهَا مرتفعاً. وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ: لَعَلَّه كَانَت فِي السباطة نجاسات رطبَة، وَهِي رخوة، فخشي أَن يتطاير عَلَيْهِ. قيل: فِيهِ نظر، لِأَن الْقَائِم أَجْدَر بِهَذِهِ الخشية من الْقَاعِد. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: لكَون ذَلِك سهلاً ينحدر فِيهِ الْبَوْل فَلَا يرْتَد على البائل، وَقَالَ بَعضهم: إِنَّه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فعل ذَلِك بَيَان للْجُوَاز فِي هَذِه الْمرة، وَكَانَت عَادَته المستمرة الْبَوْل قَاعِدا.
الحكم الثَّانِي: فِيهِ جَوَاز الْبَوْل بِالْقربِ من الديار.
الثَّالِث: فِيهِ دَلِيل على أَن مدافعة الْبَوْل ومصابرته مَكْرُوهَة لما فِيهِ من الضَّرَر.
الرَّابِع: فِيهِ جَوَاز طلب البائل من صَاحبه المَاء للْوُضُوء.
الْخَامِس: فِيهِ خدمَة الْمَفْضُول للفاضل، وَالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أعلم.
٦١ - (بابُ البَوْلِ عنْدَ صاحبِهِ والتَّسَتُّرِ بالحَائِطِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم بَوْل الرجل عِنْد صَاحبه، وَبَيَان حكم تستره بِالْحَائِطِ، فالألف وَاللَّام فِي: الْبَوْل، بدل من الْمُضَاف إِلَيْهِ، وَهُوَ كَمَا قَدرنَا، فَالضَّمِير فِي صَاحبه يرجع إِلَى الْمُضَاف إِلَيْهِ الْمُقدر، وَهُوَ: الرجل البائل.
والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة.
٢٢٥ - حدّثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ قَالَ حَدثنَا جَرِيرٌ عنْ مَنْصُورٍ عَن أبي وَائِلٍ عَنْ حذَيْفَةَ قَالَ رَأَيْتُنِي أنَا والنبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نتَمَاشَى فَاتَى سبُاطَةَ قَوْمٍ خَلْفَ حائِطٍ فَقَامَ كَمَا يَقُومُ أَحَدُكُمْ فَبَالَ فَانْتَبَذْتُ مِنْهُ فَاشَارَ إليَّ فَجِئْتُهُ فَقمْتُ عِنْدَ عَقِبِهِ حَتَّى فَرَغَ.
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهِي فِي الْمَوْضِعَيْنِ.
بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة، وَقد تقدمُوا بِهَذَا التَّرْتِيب فِي بَاب: من جعل لأهل الْعلم أَيَّامًا، وَجَرِير: هُوَ ابْن عبد الحميد، وَمَنْصُور: هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَأَبُو وَائِل: شَقِيق، وَحُذَيْفَة: ابْن الْيَمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
بَيَان لطائف اسناده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي الْمَوْضِعَيْنِ، والعنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وَرُوَاته مَا بَين كُوفِي ورازي.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْحَنَابِلَةُ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هَذِهِ حِكَايَةٌ بَاطِلَةٌ، انْتَهَى. وَكَأَنَّهُمْ أَخَذُوا ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ اللَّازِمِ، وَأَصْحَابُ صَاحِبِ الْمَذْهَبِ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٦٠ - بَاب الْبَوْلِ قَائِمًا وَقَاعِدًا
٢٢٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: أَتَى النَّبِيُّ ﷺ سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ، فَجِئْتُهُ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ.
[الحديث ٢٢٤ - أطرافه في: ٢٤٧١، ٢٢٦، ٢٢٥]
قَوْلُهُ: (بَابُ الْبَوْلِ قَائِمًا وَقَاعِدًا) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: دَلَالَةُ الْحَدِيثِ عَلَى الْقُعُودِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ; لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ قَائِمًا فَقَاعِدًا أَجْوَزُ. قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنَةَ الَّذِي أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمَا فَإِنَّ فِيهِ: بَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا، فَقُلْنَا انْظُرُوا إِلَيْهِ يَبُولُ كَمَا تَبُولُ الْمَرْأَةُ وَحَكَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِهِ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ مِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ الْبَوْلُ قَائِمًا، أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنَةَ قَعَدَ يَبُولُ كَمَا تَبُولُ الْمَرْأَةُ وَقَالَ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ فَقَامَ كَمَا يَقُومُ أَحَدُكُمْ، وَدَلَّ حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَذْكُورُ عَلَى أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُخَالِفُهُمْ فِي ذَلِكَ فَيَقْعُدُ لِكَوْنِهِ أَسْتَرَ وَأَبْعَدَ مِنْ مُمَاسَّةِ الْبَوْلِ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ صَحَّحَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ قَالَتْ مَا بَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمًا مُنْذُ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي وَائِلٍ)، وَلِأَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا وَائِلٍ، وَلِأَحْمَدَ، عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، حَدَّثَنِي أَبُو وَائِلٍ.
قَوْلُهُ: (سُبَاطَةَ قَوْمٍ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ هِيَ الْمَزْبَلَةُ وَالْكُنَاسَةُ تَكُونُ بِفِنَاءِ الدُّورِ مِرْفَقًا لِأَهْلِهَا وَتَكُونُ فِي الْغَالِبِ سَهْلَةً لَا يَرْتَدُّ فِيهَا الْبَوْلُ عَلَى الْبَائِلِ، وَإِضَافَتُهَا إِلَى الْقَوْمِ إِضَافَةُ اخْتِصَاصٍ لَا مِلْكٍ ; لِأَنَّهَا لَا تَخْلُو عَنِ النَّجَاسَةِ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ إِيرَادُ مَنِ اسْتَشْكَلَهُ لِكَوْنِ الْبَوْلِ يُوهِي الْجِدَارَ فَفِيهِ إِضْرَارٌ، أَوْ نَقُولُ: إِنَّمَا بَالَ فَوْقَ السُّبَاطَةِ لَا فِي أَصْلِ الْجِدَارِ وَهُوَ صَرِيحُ رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ، وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلِمَ إِذْنَهُمْ فِي ذَلِكَ بِالتَّصْرِيحِ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ لِكَوْنِهِ مِمَّا يَتَسَامَحُ النَّاسُ بِهِ، أَوْ لِعِلْمِهِ بِإِيثَارِهِمْ إِيَّاهُ بِذَلِكَ، أَوْ لِكَوْنِهِ يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي مَالِ أُمَّتِهِ دُونَ غَيْرِهِ ; لِأَنَّهُ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ صَحِيحَ الْمَعْنَى لَكِنْ لَمْ يُعْهَدْ ذَلِكَ مِنْ سِيرَتِهِ وَمَكَارِمِ أَخْلَاقِهِ ﷺ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ) زَادَ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ مِنْ طُرُقٍ عَنِ الْأَعْمَشِ فَتَنَحَّيْتُ فَقَالَ: ادْنُهْ، فَدَنَوْتُ حَتَّى قُمْتُ عِنْدَ عَقِبَيْهِ وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَتَبَاعَدْتُ مِنْهُ، فَأَدْنَانِي حَتَّى صِرْتُ قَرِيبًا مِنْ عَقِبَيْهِ فَبَالَ قَائِمًا، وَدَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ وَكَذَا زَادَ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ فِيهِ ذِكْرِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَهُوَ ثَابِتٌ أَيْضًا عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ طُرُقٍ عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، وَزَادَ عِيسَى بْنُ يُونُسَ فِيهِ عَنِ الْأَعْمَشِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِالْمَدِينَةِ أَخْرَجَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَزَعَمَ فِي الِاسْتِذْكَارِ أَنَّ عِيسَى تَفَرَّدَ بِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَقَدْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ كَذَلِكَ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ عِصْمَةَ بْنِ مَالِكٍ سَنَذْكُرُهُ بَعْدُ.
وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الْمَسْحِ فِي الْحَضَرِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ اخْتَصَرَهُ لِتَفَرُّدِ الْأَعْمَشِ بِهِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ أَنَّ عَاصِمًا رَوَاهُ لَهُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا قَالَ عَاصِمٌ: وَهَذَا الْأَعْمَشُ يَرْوِيهِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ وَمَا حَفِظَهُ، يَعْنِي أَنَّ رِوَايَتَهُ هِيَ الصَّوَابُ. قَالَ شُعْبَةُ: فَسَأَلْتُ عَنْهُ مَنْصُورًا فَحَدَّثَنِيهِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
بالعرك (١)، كما تُغسَل الثِّياب إذا أصابتها النَّجاسة، وأُجيب بأنَّ النَّضح ليس هو الغسل، كما دلَّ عليه كلام أهل اللُّغة، ففي «الصِّحاح» و «المُجمَل» لابن فارس و «ديوان الأدب» للفارابيِّ و «المنتخب» لكُراعٍ، و «الأفعال» لابن طريفٍ (٢)، و «القاموس» للفَيْرُوزَابادي: النَّضح: الرشُّ، ولا نسلِّم أنَّه في حديث المقداد وأسماء بمعنى: «الغسل»، ولئن سلَّمناه فبدليلٍ خارجيٍّ، واستدلَّ بعضهم بقوله: «ولم يغسله» على طهارة بول الصَّبيِّ، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثورٍ، وحُكِي عن مالكٍ والأوزاعيِّ، وأمَّا حكايته عن الشَّافعيِّ فجزم النَّوويُّ بأنَّها باطلة قطعًا، فأيَّده (٣) مجموع الصِّغار الذين حصل منهم بولٌ عليه ﷺ: الحسن والحسين وعبد الله بن الزبير وابن أمِّ محصنٍ وسليمان (٤) بن هشام ﵃، قاله الذَّهبيُّ رحمة الله عليه (٥).
ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين تِنِّيسيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة.
(٦٠) (بابُ) بيان حكم (البَوْلِ) حال كون البائل (قَائِمًا وَ) حال كونه (قَاعِدًا).
٢٢٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياس (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيقٍ الكوفيِّ (عَنْ حُذَيْفَةَ) بن اليمان، واسم «اليمان»: حُسَيْلٌ،
بمُهمَلتين، مُصغَّرٌ، أو يُقال (١): حِسْلٌ -بكسرٍ ثمَّ سكونٍ- العبسيِّ، بالمُوَحَّدة (٢)، حليف الأنصار، صحابيٌّ جليلٌ من السَّابقين، صحَّ في «مسلمٍ» عنه أنَّ رسول الله (٣) ﷺ أعلمه بما كان وما (٤) يكون إلى أن تقوم السَّاعة، وأبوه صحابيٌّ أيضًا استُشهِد بأُحُدٍ، ومات حذيفة ﵁ في أوَّل خلافة عليٍّ سنة ستٍّ وثلاثين، له في «البخاريِّ» اثنان وعشرون حديثًا.
(قَالَ: أَتَى النَّبِيُّ ﷺ سُبَاطَةَ) بضمِّ المُهمَلة وتخفيف المُوَحَّدة: مرمى ترابٍ وكناسة (٥) (قَوْمٍ) من الأنصار، تكون بفناء الدُّور مرتفقًا لأهلها، أو «السُّباطة» الكناسة نفسها، وتكون في الغالب سهلة لا يرتدُّ فيها (٦) البول على البائل، وإضافتها إلى القوم إضافة اختصاصٍ لا (٧) ملك؛ لأنَّها لا تخلو عن النَّجاسة، وفي رواية أحمد: «أتى سباطة قومٍ (٨) فتباعدتُ منه، فأدناني حتَّى صرت قريبًا من عقبيه» (فَبَالَ) ﷺ في الكناسة لدَمَثها (٩) حال كونه (قَائِمًا) بيانًا للجواز، أو لأنَّه لم يجد للقعود مكانًا، فاضطرَّ للقيام، أو كان بمأبضه -بالهمزة
السَّاكنة والمُوَحَّدة المكسورة والضَّاد المُعجَمَة: وهو باطن ركبته الشَّريفة- جرحٌ، أو استشفاءٌ من وجع صلبه على عادة العرب في ذلك، أو أنَّ (١) البول قائمًا أَحصن للفرج، فلعلَّه خشي من البول قاعدًا مع قربه من الناس خروج صوت منه، فإن قلت: لِمَ بال ﵊ في السُّباطة من غير أن يبعد عن النَّاس أو يبعدهم عنه؟ أُجيب بأنَّه لعلَّه كان مشغولًا بأمور المسلمين والنَّظر في مصالحهم، وطال عليه المجلس حتَّى لم يمكنه التباعد خشية التَّضرُّر (٢)، وقد أباح البول قائمًا جماعة، كعمر وابنه وزيد بن ثابت وسعيد بن المسيَّب وابن سيرين والنَّخعي والشَّعبي وأحمد، وقال مالكٌ: إن كان في مكان لا يتطاير عليه منه شيء فلا بأس به، وإِلَّا فمكروهٌ، وكرهه للتَّنزيه عامَّة العلماء، فإن قلت: في التَّرجمة: البول قائمًا وقاعدًا، وليس في الحديث إلَّا القيام؟ أُجيب بأنَّ وجه أخذه من الحديث أنَّه إذا جاز قائمًا فقاعدًا أجوز؛ لأنَّه أمكن (ثُمَّ دَعَا) ﷺ (بِمَاءٍ فَجِئْتُهُ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ) به، وزاد عيسى بن يونس فيه عن الأعمش ما (٣) أخرجه ابن عبد البرِّ في «التَّمهيد» بسندٍ صحيحٍ: أنَّ ذلك كان بالمدينة.
واستُنبِط من الحديث: جواز البول بالقرب من الدِّيار، وأنَّ مدافعة البول مكروهةٌ.
ورواته الخمسة ما بين خراسانيٍّ وكوفيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الطَّهارة» [خ¦٢٢٦]، وكذا مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه.
(٦١) (بابُ البَوْلِ) أي: حكم بول الرَّجل (عِنْدَ صَاحِبِهِ وَالتَّسَتُّرِ) أي: وبيان (٤) حكم تستُّره (بِالحَائِطِ) فـ «ال» في «البول» بدلٌ من المضاف إليه (٥)، وهو كما قدَّرنا، والضَّمير في «صاحبه» يرجع إلى المضاف إليه المقدَّر وهو الرَّجل البائل.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
دَعَا لَهُ هَذَا النَّبِي الْكَرِيم يسْعد فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، وَإِن كَانَ فِيهِ احْتِمَال التحنيك.
٦٠ - (بابُ البَوْلِ قائِماً وقاعِداً)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْبَوْل حَال كَونه قَائِما وَحَال كَونه قَاعِدا. قيل: دلَالَة الحَدِيث على الْقعُود بطرِيق الأولى لِأَنَّهُ إِذا جَازَ قَائِما فقاعداً أجوز. وَأجَاب بَعضهم بقوله: وَيحْتَمل أَن يكون أَشَارَ بذلك إِلَى حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن حَسَنَة الَّذِي أخرجه النَّسَائِيّ، وَابْن مَاجَه وَغَيرهمَا، فَإِن فِيهِ: (بَال رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جَالِسا، فَقُلْنَا: انْظُرُوا، اليه يَبُول كَمَا تبول الْمَرْأَة) . قلت: قَوْله: دلَالَة الحَدِيث ... إِلَى آخِره، غير مُسلم، لِأَن أَحَادِيث الْبَاب كلهَا فِي الْبَوْل قَائِما، وَجَوَاز الْبَوْل قَائِما حكم من الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة، فَكيف يُقَاس عَلَيْهِ جَوَاز الْبَوْل قَاعِدا بطرِيق الْعقل؟ وَالْأَحْسَن أَن يُقَال: لما ورد فِي هَذَا الْبَاب جوز الْبَوْل قَائِما وجوازه قَاعِدا بِأَحَادِيث كَثِيرَة، أورد البُخَارِيّ أَحَادِيث الْفَصْل الأول فَقَط؛ وَفِي التَّرْجَمَة أَشَارَ إِلَى الْفَصْلَيْنِ إِمَّا اكْتِفَاء لشهرة الْفَصْل الثَّانِي، وَعمل أَكثر النَّاس عَلَيْهِ، وَإِمَّا إِشَارَة إِلَى أَنه وقف عل أَحَادِيث الْفَصْلَيْنِ، وَلكنه اقْتصر على أَحَادِيث الْفَصْل الأول لكَونهَا على شَرطه.
وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة لِأَن كلا مِنْهُمَا فِي أَحْكَام الْبَوْل، وَكَذَلِكَ بَينه وَبَين الْبَاب الَّذِي يَأْتِي، وَالَّذِي يَأْتِي بعده أَيْضا، وَالْحَاصِل أَن هُنَا تِسْعَة أَبْوَاب كلهَا فِي أَحْكَام الْبَوْل، والمناسبة بَينهَا ظَاهِرَة لَا تخفى.
٢٢٤ - حدّثنا آدَمُ قَالَ حَدثنَا شُعْبَةُ عنِ الَاعْمَشِ عنْ أبي وائِلٍ عنْ حُذَيْفَةَ قالَ أتَى النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سُباطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قائِماً ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَجِئْتُهُ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ..
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لَا يُقَال: التَّرْجَمَة أَعم، لأَنا ذكرنَا فِيمَا مضى مَا يَكْفِي فِي رده.
بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة تقدمُوا كلهم، وآدَم: هُوَ ابْن أبي إِيَاس، وَالْأَعْمَش: هُوَ سُلَيْمَان بن مهْرَان، وَأَبُو وَائِل: هُوَ شَقِيق الْكُوفِي، وَحُذَيْفَة: هُوَ ابْن الْيَمَان.
بَيَان لطائف اسناده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وَرُوَاته مَا بَين خراساني وكوفي. وَفِيه: عَن أبي وَائِل، وَلأبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي مُسْنده عَن شُعْبَة عَن الْأَعْمَش أَنه: سمع أَبَا وَائِل، وَلأَحْمَد عَن يحيى الْقطَّان عَن الْأَعْمَش: حَدثنِي أَبُو وَائِل.
بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ هَهُنَا عَن آدم عَن شُعْبَة، وَأخرجه أَيْضا فِي الطَّهَارَة عَن سُلَيْمَان ابْن حَرْب مُخْتَصرا كَمَا هَهُنَا، وَفِي الطَّهَارَة أَيْضا عَن مُحَمَّد بن عرْعرة، كِلَاهُمَا عَن شُعْبَة وَعَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن جرير، وَأول حَدِيث مُحَمَّد بن عرْعرة: كَانَ أَبُو مُوسَى يشدد على الْبَوْل، وعَلى مَا سَيَأْتِي عَن قريب. وَأخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن يحيى بن يحيى عَن أبي خَيْثَمَة زُهَيْر بن مُعَاوِيَة عَن الْأَعْمَش بِهِ وَفِيه ذكر الْمسْح، وَعَن يحيى بن يحيى عَن جرير نَحْو حَدِيث مُحَمَّد بن عرْعرة. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن حَفْص بن عمر وَمُسلم ابْن إِبْرَاهِيم، كِلَاهُمَا عَن شُعْبَة، وَعَن مُسَدّد عَن أبي عوَانَة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن هناد عَن وَكِيع عَن الْأَعْمَش بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن يحيى بن يُونُس، وَعَن المؤمل بن هِشَام عَن ابْن علية عَن شُعْبَة، كِلَاهُمَا عَن الْأَعْمَش بِهِ، وَعَن ابْن بشار عَن غنْدر عَن شُعْبَة عَن مَنْصُور بِهِ، وَعَن سُلَيْمَان بن عبد الله الغيلاني عَن بهز عَن شُعْبَة عَن الْأَعْمَش وَمَنْصُور بِهِ، وَلَيْسَ فِيهِ ذكر الْمسْح إلَاّ فِي حَدِيث عِيسَى بن يُونُس، وَفِي حَدِيث بهز. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن شريك وهشيم ووكيع، ثَلَاثَتهمْ عَن الْأَعْمَش بِهِ من غير ذكر الْمسْح.
بَيَان لغته وَإِعْرَابه قَوْله: (سباطة قوم) السباطة: على وزن فعالة بِالضَّمِّ، وَهُوَ: الْموضع الَّذِي يرْمى فِيهِ التُّرَاب بالأفينة مرفعاً. وَقيل: السباطة: الكناسة نَفسهَا، وَكَانَت بِالْمَدِينَةِ، ذكره مُحَمَّد بن طَلْحَة بن مصرف عَن الْأَعْمَش. قَوْله: (قَائِما) نصب على الْحَال من الضَّمِير الَّذِي فِي: (فَبَال) .
بَيَان الْمَعْنى إِضَافَة السباطة إِلَى الْقَوْم إِضَافَة اخْتِصَاص لَا ملك، لِأَنَّهَا كَانَت بِفنَاء دُورهمْ للنَّاس كلهم، فاضيف إِلَيْهِم لقربها مِنْهُم، وَلِهَذَا بَال، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، عَلَيْهَا، وَبِهَذَا ينْدَفع إِشْكَال من قَالَ: إِن الْبَوْل يوهن الْجِدَار وَفِيه ضَرَر، فَكيف هَذَا من النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام؟ وَقد يُقَال: إِنَّمَا بَال فَوق
السباطة لَا فِي أصل الْجِدَار، وَقد صرح بِهِ فِي رِوَايَة أبي عوَانَة فِي (صَحِيحه) ، وَقيل: يحْتَمل أَن يكون علم أذنهم فِي الْجِدَار بالتصريح أَو غَيره، أَو لكَونه مِمَّا يتَسَامَح النَّاس بِهِ، أَو لعلمه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بإيثارهم إِيَّاه بذلك، يجوز لَهُ التَّصَرُّف فِي مَالك أمته دون غَيره، وَلِأَنَّهُ أولى بِالْمُؤْمِنِينَ من أنفسهم وَأَمْوَالهمْ. قلت: هَذَا كُله على تَقْدِير أَن تكون السباطة ملكا لأحد أَو لجَماعَة مُعينين، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَأظْهر الْوُجُوه أَنهم كَانُوا يؤثرون ذَلِك وَلَا يكرهونه بل يفرحون بِهِ، وَمن كَانَ هَذَا حَاله جَازَ الْبَوْل فِي أرضه وَالْأكل من طَعَامه. قلت: هَذَا أَيْضا على تَقْدِير أَن تكون السباطة ملكا لقوم. فَإِن قلت: كَانَ من عَادَته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم التباعد فِي الْمَذْهَب، وَقد روى أَبُو دَاوُد عَن الْمُغيرَة بن شُعْبَة: (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ إِذا ذهب الْمَذْهَب أبعد) . وَالْمذهب، بِالْفَتْح: الْموضع الَّذِي يتغوط فِيهِ. وَأخرجه بَقِيَّة الْأَرْبَعَة أَيْضا. قلت: يحْتَمل أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ مَشْغُولًا فِي ذَلِك الْوَقْت بِأُمُور الْمُسلمين وَالنَّظَر فِي مصالحهم، فَلَعَلَّهُ طَال عَلَيْهِ الْأَمر، فَأتى السباطة حِين لم يُمكنهُ التباعد، وَأَنه لَو أبعد لَكَانَ تضرر. فان قلت: روى ابو دَاوُد من حَدِيث أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ أَنه قَالَ: (كنت مَعَ رَسُول اللهصلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذَات يَوْم، فَأَرَادَ ان يَبُول فَأتى دمثا فِي أصل جِدَار فَبَال) الحَدِيث، فَهَذَا يُخَالف مَا ذكرت فِيمَا مضى عَن قريب. قلت: يجوز أَن يكون الْجِدَار هَهُنَا عادياً غير مَمْلُوك لأحد، أَو يكون قعوده متراخيا عَن جرمه فَلَا يُصِيبهُ الْبَوْل. قَوْله: (ثمَّ دَعَا بِمَاء) زَاد مُسلم وَغَيره من طرق الْأَعْمَش: (فتنحيت فَقَالَ: ادنه، فدنوت حَتَّى قُمْت عِنْد عقبه) . وَفِي رِوَايَة أَحْمد عَن يحيى الْقطَّان: (أَتَى سباطة قوم فتباعدت مِنْهُ، فأدناني حَتَّى صرت قَرِيبا من عقبه، فَبَال قَائِما، ودعا بِمَاء فَتَوَضَّأ بِهِ وَمسح على خفيه) .
بَيَان استنباط الْأَحْكَام الاول: فِيهِ جَوَاز الْبَوْل قَائِما فقاعداً أجوز لِأَنَّهُ أمكن، وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي هَذَا فأباحه قوم، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: ثَبت أَن عمر وَابْنه وَزيد بن ثَابت وَسَهل بن سعد أَنهم بالوا قيَاما، وأباحه سعيد بن الْمسيب وَعُرْوَة ومحمدابن سِيرِين وَزيد بن الْأَصَم وَعبيدَة السَّلمَانِي وَالنَّخَعِيّ وَالْحكم وَالشعْبِيّ وَأحمد وَآخَرُونَ، وَقَالَ مَالك: إِن كَانَ فِي مَكَان لَا يتطاير عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْء فَلَا بَأْس بِهِ، وإلَاّ فمكروه. وَقَالَت عَامَّة الْعلمَاء: الْبَوْل قَائِما مَكْرُوه إلَاّ لعذر، وَهِي كَرَاهَة تَنْزِيه لَا تَحْرِيم، وَكَذَلِكَ رُوِيَ وَالْبَوْل قَائِما عَن أنس وَعلي بن أبي طَالب وابي هُرَيْرَة، رَضِي الله عَنْهُم وَكَرِهَهُ ابْن مَسْعُود وَإِبْرَاهِيم بن سعد، وَكَانَ إِبْرَاهِيم لَا يُجِيز شَهَادَة من بَال قَائِما، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: الْبَوْل جَالِسا أحب إِلَيّ، وَقَائِمًا مُبَاح، وكل ذَلِك ثَابت عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
فَإِن قلت: رويت أَحَادِيث ظَاهرهَا يُعَارض حَدِيث الْبَاب. مِنْهَا: حَدِيث الْمِقْدَاد عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: (من حَدثَك أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَال قَائِما فَلَا تصدقه، أَنا رَأَيْته يَبُول قَاعِدا) ، أخرجه البستي فِي (صَحِيحه) وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، وَقَالَ: حَدِيث عَائِشَة أحسن شَيْء فِي هَذَا الْبَاب وَأَصَح. وَأخرج أَبُو عوَانَة الإسفرائيني فِي (صَحِيحه) بِلَفْظ: (مَا بَال قَائِما مُنْذُ أنزل عَلَيْهِ الْقُرْآن) . وَمِنْهَا: حَدِيث بُرَيْدَة، رَوَاهُ الْبَزَّار بِسَنَد صَحِيح: حَدثنَا نصر بن عَليّ حَدثنَا عبد الله بن دَاوُد حَدثنَا سعيد بن عبيد الله حَدثنَا عبد الله بن بُرَيْدَة عَن أَبِيه أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (ثَلَاث من الْجفَاء: أَن يَبُول الرجل قَائِما) الحَدِيث، وَقَالَ: لَا أعلم رَوَاهُ عَن ابْن بُرَيْدَة إلَاّ سعيد بن عبد الله، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: وَحَدِيث بُرَيْدَة فِي هَذَا غير مَحْفُوظ، وَقَول التِّرْمِذِيّ يرد بِهِ. وَمِنْهَا: حَدِيث عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث ابْن جريج: أخبرنَا عبد الْكَرِيم بن أبي الْمخَارِق عَن نَافِع عَن ابْن عمر قَالَ: قَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (رَآنِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أبول قَائِما، فَقَالَ: يَا عمر! لَا تبل قَائِما. قَالَ: فَمَا بلت قَائِما بعد) . وَمِنْهَا: حَدِيث جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه الْبَيْهَقِيّ أَيْضا من حَدِيث عدي بن الْفضل عَن عَليّ بن الحكم عَن أبي نَضرة عَن جَابر: (نهى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يَبُول الرجل قَائِما) .
قلت: أما الْجَواب عَن حَدِيث عَائِشَة إِنَّه مُسْتَند إِلَى علمهَا فَيحمل على مَا وَقع مِنْهُ فِي الْبيُوت، وَأما فِي غير الْبيُوت فَلَا تطلع هِيَ عَلَيْهِ، وَقد حفظه حُذَيْفَة، رَضِي الله عَنهُ، وَهُوَ من كبار الصَّحَابَة، وَأَيْضًا يُمكن أَن يكون قَول عَائِشَة: (مَا بَال قَائِما) ، يَعْنِي فِي منزله، وَلَا اطلَاع لَهَا مَا فِي الْخَارِج. فان قلت: قَالَ أَبُو عوَانَة فِي (صَحِيحه) وَابْن شاهين: إِن حَدِيث حُذَيْفَة مَنْسُوخ بِحَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله عَنْهَا، قلت: الصَّوَاب أَنه لَا يُقَال إِنَّه مَنْسُوخ، لِأَن كلاًّ من عَائِشَة وَحُذَيْفَة أخبر بِمَا شاهدة، فَدلَّ على أَن الْبَوْل قَائِما وَقَاعِدا يجوز، وَلَكِن كرهه الْعلمَاء قَائِما لوُجُود أَحَادِيث النَّهْي، وَإِن كَانَ أَكْثَرهَا غير ثَابت. وَأما حَدِيث بُرَيْدَة فِي هَذَا غير مَحْفُوظ، وَلَكِن فِيهِ نظر، لِأَن الْبَزَّار أخرجه بِسَنَد صَحِيح كَمَا ذكرنَا. وَأما
حَدِيث عمر فَقَالَ التِّرْمِذِيّ: فَحَدِيث ضَعِيف، لِأَن ابْن جريج رَوَاهُ عَن عبد الْكَرِيم بن الْمخَارِق أَبُو امية وَهُوَ ضَعِيف، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: إِنَّمَا رَفعه عبد الْكَرِيم، وَقد ضعفه أَيُّوب، وَتكلم فِيهِ، وروى عبيد الله عَن نَافِع عَن ابْن عمر: قَالَ: عمر: مَا بلت قَائِما مُنْذُ أسلمت، هَذَا أصح من حَدِيث عبد الْكَرِيم. وَأما حَدِيث جَابر، فَفِي رُوَاته: عدي بن الْفضل وَهُوَ ضَعِيف. فان قلت: قَالَ أَبُو الْقَاسِم عبد الله بن أَحْمد بن مَحْمُود الْبَلْخِي فِي كِتَابه الْمُسَمّى (بِقبُول الْأَخْبَار وَمَعْرِفَة الرِّجَال) : حَدِيث حُذَيْفَة يَعْنِي هَذَا حَدِيث فَاحش مُنكر لَا نراهه إلَاّ من قبل بعض الزَّنَادِقَة. قلت: هَذَا كَلَام سوء لَا يُسَاوِي سَمَاعه، وَهُوَ فِي غَايَة الصِّحَّة. فَإِن قلت: رُوِيَ عَن ابْن مَاجَه من طَرِيق شُعْبَة أَن عَاصِمًا روى لَهُ عَن أبي وَائِل عَن الْمُغيرَة: (أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اتى سباطة قوم فَبَال قَائِما) . قَالَ عَاصِم: وَهَذَا الاعمش يرويهِ عَن أبي وَائِل عَن حُذَيْفَة. قلت: قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث أبي وَائِل عَن حديفة أصح، يَعْنِي من حَدِيثه عَن الْمُغيرَة، وَأَيْضًا لَا يبعد أَن يكون أَبُو وَائِل رَوَاهُ عَن رجلَيْنِ، وَالرجلَانِ شَاهدا ذَلِك من فعله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأَن أَبَا وَائِل أدّى الْحَدِيثين عَنْهُمَا، فَسَمعهُ مِنْهُ جمَاعَة فَأدى كلٌّ مَا سمع، وَدَلِيله أَن غَيرهمَا حكى ذَلِك عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَيْضا، مِنْهُم: سهل بن سعد، رَضِي الله عَنهُ. وَفِي حَدِيثه فِي (صَحِيح ابْن خزيمه) وَأَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأخرج حَدِيثه الْحَاكِم ثمَّ الْبَيْهَقِيّ عَن حَمَّاد بن غَسَّان الْجعْفِيّ: حَدثنَا معن عَن مَالك عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن ابي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَال قَائِما من جرح كَانَ بمآبضه) ، وَقَالَ الذَّهَبِيّ: هَذَا مُنكر، وَضَعفه الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ وَابْن عَسَاكِر فِي كِتَابه (مَجْمُوع الرغائب فِي ذكر أَحَادِيث مَالك الغرائب) .
ثمَّ إِن الْعلمَاء تكلمُوا فِي سَبَب بَوْله، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم قَائِما فَقَالَ الشَّافِعِي، لما سَأَلَهُ حَفْص الْفَرد عَن الْفَائِدَة فِي بَوْله قَائِما: الْعَرَب تستشفي لوجع الصلب بالبول قَائِما، فنرى أَنه كَانَ بِهِ ذَاك. قلت: يُوضح ذَلِك حَدِيث أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ الْمَذْكُور آنِفا.
والمآبض جمع: مأبض، بِسُكُون الْهمزَة بعْدهَا بَاء مُوَحدَة ثمَّ ضاد مُعْجمَة، وَهُوَ: بَاطِن الرّكْبَة، وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: إِنَّمَا فعله لشغله بِأُمُور الْمُسلمين، فَلَعَلَّهُ طَال عَلَيْهِ الْمجْلس حَتَّى حصرة الْبَوْل وَلم يُمكن التباعد كعادته، وَأَرَادَ السباطة لدمثها، وَأقَام حُذَيْفَة يستره عَن النَّاس. وَقَالَ الْمَازرِيّ فِي (الْعلم) : فعل ذَلِك لِأَنَّهَا حَالَة يُؤمن فِيهَا خُرُوج الْحَدث من السَّبِيل الآخر، بِخِلَاف الْقعُود، وَمِنْه قَول عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: الْبَوْل قَائِما أحصن للدبر. وَقَالَ بَعضهم: لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يجد مَكَانا للقعود فاضطر إِلَى الْقيام لكَون الطّرف الَّذِي يَلِيهِ السباطة عَلَيْهَا مرتفعاً. وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ: لَعَلَّه كَانَت فِي السباطة نجاسات رطبَة، وَهِي رخوة، فخشي أَن يتطاير عَلَيْهِ. قيل: فِيهِ نظر، لِأَن الْقَائِم أَجْدَر بِهَذِهِ الخشية من الْقَاعِد. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: لكَون ذَلِك سهلاً ينحدر فِيهِ الْبَوْل فَلَا يرْتَد على البائل، وَقَالَ بَعضهم: إِنَّه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فعل ذَلِك بَيَان للْجُوَاز فِي هَذِه الْمرة، وَكَانَت عَادَته المستمرة الْبَوْل قَاعِدا.
الحكم الثَّانِي: فِيهِ جَوَاز الْبَوْل بِالْقربِ من الديار.
الثَّالِث: فِيهِ دَلِيل على أَن مدافعة الْبَوْل ومصابرته مَكْرُوهَة لما فِيهِ من الضَّرَر.
الرَّابِع: فِيهِ جَوَاز طلب البائل من صَاحبه المَاء للْوُضُوء.
الْخَامِس: فِيهِ خدمَة الْمَفْضُول للفاضل، وَالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أعلم.
٦١ - (بابُ البَوْلِ عنْدَ صاحبِهِ والتَّسَتُّرِ بالحَائِطِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم بَوْل الرجل عِنْد صَاحبه، وَبَيَان حكم تستره بِالْحَائِطِ، فالألف وَاللَّام فِي: الْبَوْل، بدل من الْمُضَاف إِلَيْهِ، وَهُوَ كَمَا قَدرنَا، فَالضَّمِير فِي صَاحبه يرجع إِلَى الْمُضَاف إِلَيْهِ الْمُقدر، وَهُوَ: الرجل البائل.
والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة.
٢٢٥ - حدّثنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبَةَ قَالَ حَدثنَا جَرِيرٌ عنْ مَنْصُورٍ عَن أبي وَائِلٍ عَنْ حذَيْفَةَ قَالَ رَأَيْتُنِي أنَا والنبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نتَمَاشَى فَاتَى سبُاطَةَ قَوْمٍ خَلْفَ حائِطٍ فَقَامَ كَمَا يَقُومُ أَحَدُكُمْ فَبَالَ فَانْتَبَذْتُ مِنْهُ فَاشَارَ إليَّ فَجِئْتُهُ فَقمْتُ عِنْدَ عَقِبِهِ حَتَّى فَرَغَ.
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهِي فِي الْمَوْضِعَيْنِ.
بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة، وَقد تقدمُوا بِهَذَا التَّرْتِيب فِي بَاب: من جعل لأهل الْعلم أَيَّامًا، وَجَرِير: هُوَ ابْن عبد الحميد، وَمَنْصُور: هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَأَبُو وَائِل: شَقِيق، وَحُذَيْفَة: ابْن الْيَمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
بَيَان لطائف اسناده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي الْمَوْضِعَيْنِ، والعنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وَرُوَاته مَا بَين كُوفِي ورازي.