الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٢٩
الحديث رقم ٢٢٩ من كتاب «كتاب الوضوء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب غسل المني وفركه وغسل ما يصيب من المرأة.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٢٢٩ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ الْجَزَرِيُّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَيْسَ بِحَيْضٍ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي قَالَ: وَقَالَ أَبِي ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الْوَقْتُ.
[الحديث ٢٢٨ - أطرافه في: ٣٣١، ٣٢٥، ٣٢٠، ٣٠٦،]
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ غَيْرُ مَنْسُوبٍ، وَلِلْأَصِيلِيِّ: ابْنُ سَلَّامٍ، وَلِأَبِي ذَرٍّ: هُوَ ابْنُ سَلَّامٍ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ هُوَ الضَّرِيرُ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) زَادَ الْأَصِيلِيُّ، ابْنُ عُرْوَةَ.
قَوْلُهُ: (فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ بِصِيغَةِ التَّصْغِيرِ، اسْمُهُ قَيْسُ بْنُ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدٍ، وَهِيَ غَيْرُ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ الَّتِي طَلُقَتْ ثَلَاثًا.
قَوْلُهُ: (أُسْتَحَاضُ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ يُقَالُ: اسْتُحِيضَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ بَعْدَ أَيَّامِهَا الْمُعْتَادَةِ فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ، وَالِاسْتِحَاضَةُ جَرَيَانُ الدَّمِ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ فِي غَيْرِ أَوَانِهِ.
قَوْلُهُ: (لَا) أَيْ لَا تَدَعِي الصَّلَاةَ.
قَوْلُهُ: (عِرْقٌ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ هُوَ الْمُسَمَّى بِالْعَاذِلِ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ.
قَوْلُهُ: (حَيْضَتُكِ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا. وَالْمُرَادُ بِالْإِقْبَالِ وَالْإِدْبَارِ هُنَا ابْتِدَاءُ دَمِ الْحَيْضِ وَانْقِطَاعُهُ.
قَوْلُهُ: (فَدَعِي الصَّلَاةَ) يَتَضَمَّنُ نَهْيَ الْحَائِضِ عَنِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ لِلتَّحْرِيمِ وَيَقْتَضِي فَسَادَ الصَّلَاةِ بِالْإِجْمَاعِ.
قَوْلُهُ: (فَاغْتَسِلِي عَنْكِ الدَّمَ) أَيْ وَاغْتَسِلِي وَالْأَمْرُ بِالِاغْتِسَالِ مُسْتَفَادٌ مِنْ أَدِلَّةٍ أُخْرَى كَمَا سَيَأْتِي بَسْطُهَا فِي كِتَابِ الْحَيْضِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (قَالَ) أَيْ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ (وَقَالَ أَبِي) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذَا مُعَلَّقٌ، وَلَيْسَ بِصَوَابٍ، بَلْ هُوَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامٍ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ التِّرْمِذِيُّ فِي رِوَايَتِهِ. وَادَّعَى آخَرُ أَنَّ قَوْلَهُ ثُمَّ تَوَضَّئِي مِنْ كَلَامِ عُرْوَةَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَلَامَهُ لَقَالَ ثُمَّ تَتَوَضَّأُ بِصِيغَةِ الْإِخْبَارِ، فَلَمَّا أَتَى بِهِ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ شَاكَلَهُ الْأَمْرُ الَّذِي فِي الْمَرْفُوعِ وَهُوَ قَوْلُهُ فَاغْسِلِي. وَسَنَذْكُرُ حُكْمَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٦٤ - بَاب غَسْلِ الْمَنِيِّ وَفَرْكِهِ، وَغَسْلِ مَا يُصِيبُ مِنْ الْمَرْأَةِ
٢٢٩ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ الْجَزَرِيُّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْسِلُ الْجَنَابَةَ مِنْ ثَوْبِ النَّبِيِّ ﷺ، فَيَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ وَإِنَّ بُقَعَ الْمَاءِ فِي ثَوْبِهِ.
[الحديث ٢٢٩ - أطرافه في: ٢٣٢، ٢٣١، ٢٣٠]
٢٣٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ حَدَّثَنَا عَمْرٌو بْنُ مَيْمُونٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، عَنْ الْمَنِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ فَقَالَتْ: كُنْتُ أَغْسِلُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ وَأَثَرُ الْغَسْلِ فِي ثَوْبِهِ بُقَعُ الْمَاءِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ غَسْلُ الْمَنِيِّ وَفَرْكُهُ) لَمْ يُخَرِّجِ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ الْفَرْكِ، بَلِ اكْتَفَى بِالْإِشَارَةِ إِلَيْهِ فِي التَّرْجَمَةِ عَلَى عَادَتِهِ ; لِأَنَّهُ وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَيْضًا كَمَا سَنَذْكُرُهُ. وَلَيْسَ بَيْنَ حَدِيثِ الْغَسْلِ وَحَدِيثِ الْفَرْكِ تَعَارُضٌ ; لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا وَاضِحٌ عَلَى الْقَوْلِ بِطَهَارَةِ الْمَنِيِّ بِأَنْ يُحْمَلَ الْغَسْلُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ لِلتَّنْظِيفِ لَا عَلَى الْوُجُوبِ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الشَّافِعِيِّ،
وَأَحْمَدَ وَأَصْحَابِ الْحَدِيثِ، وَكَذَا الْجَمْعُ مُمْكِنٌ عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَتِهِ بِأَنْ يُحْمَلَ الْغَسْلُ عَلَى مَا كَانَ رَطْبًا وَالْفَرْكُ عَلَى مَا كَانَ يَابِسًا، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْحَنَفِيَّةِ، وَالطَّرِيقَةُ الْأُولَى أَرْجَحُ ; لِأَنَّ فِيهَا الْعَمَلَ بِالْخَبَرِ وَالْقِيَاسِ مَعًا ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ نَجِسًا لَكَانَ الْقِيَاسُ وُجُوبَ غَسْلِهِ دُونَ الِاكْتِفَاءِ بِفَرْكِهِ كَالدَّمِ وَغَيْرِهِ، وَهُمْ لَا يَكْتَفُونَ فِيمَا لَا يُعْفَى عَنْهُ مِنَ الدَّمِ بِالْفَرْكِ، وَيَرُدُّ الطَّرِيقَةَ الثَّانِيَةَ أَيْضًا مَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ عَائِشَةَ كَانَتْ تَسْلِتُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِهِ بِعِرْقِ الْإِذْخِرِ ثُمَّ يُصَلِّي فِيهِ، وَتَحُكُّهُ مِنْ ثَوْبِهِ يَابِسًا ثُمَّ يُصَلِّي فِيهِ فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ تَرْكَ الْغَسْلِ فِي الْحَالَتَيْنِ، وَأَمَّا مَالِكٌ فَلَمْ يَعْرِفِ الْفَرْكَ وَقَالَ: إِنَّ الْعَمَلَ عِنْدَهُمْ عَلَى وُجُوبِ الْغَسْلِ كَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ، وَحَدِيثُ الْفَرْكِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ، وَحَمَلَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ الْفَرْكَ عَلَى الدَّلْكِ بِالْمَاءِ، وَهُوَ مَرْدُودٌ بِمَا فِي إِحْدَى رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَإِنِّي لَأَحُكُّهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَابِسًا بِظُفُرِي وَبِمَا صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ هَمَّامِ
بْنِ الْحَارِثِ أَنَّ عَائِشَةَ أَنْكَرَتْ عَلَى ضَيْفِهَا غَسْلَهُ الثَّوْبَ فَقَالَتْ: لِمَ أَفْسَدَ عَلَيْنَا ثَوْبَنَا؟ إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَفْرُكَهُ بِأَصَابِعِهِ، فَرُبَّمَا فَرَكْتُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأَصَابِعِي. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الثَّوْبُ الَّذِي اكْتَفَتْ فِيهِ بِالْفَرْكِ ثَوْبُ النَّوْمِ، وَالثَّوْبُ الَّذِي غَسَلَتْهُ ثَوْبُ الصَّلَاةِ، وَهُوَ مَرْدُودٌ أَيْضًا بِمَا فِي إِحْدَى رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِهَا أَيْضًا لَقَدْ رَأَيْتُنِي أَفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرْكًا فَيُصَلِّي فِيهِ وَهَذَا التَّعْقِيبُ بِالْفَاءِ يَنْفِي احْتِمَالَ تَخَلُّلِ الْغَسْلِ بَيْنَ الْفَرْكِ وَالصَّلَاةِ. وَأَصْرَحُ مِنْهُ رِوَايَةُ ابْنِ خُزَيْمَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَحُكُّهُ مِنْ ثَوْبِهِ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي وَعَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ وُرُودِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَلَيْسَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ مَا يَدُلُّ عَلَى نَجَاسَةِ الْمَنِيِّ ; لِأَنَّ غَسْلَهَا فِعْلٌ وَهُوَ لَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ بِمُجَرَّدِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَطَعَنَ بَعْضُهُمْ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِحَدِيثِ الْفَرْكِ عَلَى طَهَارَةِ الْمَنِيِّ بِأَنَّ مَنِيَّ النَّبِيِّ ﷺ طَاهِرٌ دُونَ غَيْرِهِ كَسَائِرِ فَضَلَاتِهِ. وَالْجَوَابُ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ كَوْنِهِ مِنَ الْخَصَائِصِ أَنَّ مَنِيَّهُ كَانَ عَنْ جِمَاعٍ فَيُخَالِطُ مَنِيَّ الْمَرْأَةِ، فَلَوْ كَانَ مَنِيُّهَا نَجِسًا لَمْ يُكْتَفَ فِيهِ بِالْفَرْكِ، وَبِهَذَا احْتَجَّ الشَّيْخُ الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ عَلَى طَهَارَةِ رُطُوبَةِ فَرْجِهَا قَالَ: وَمَنْ قَالَ إِنَّ الْمَنِيَّ لَا يَسْلَمُ مِنَ الْمَذْيِ فَيَتَنَجَّسُ بِهِ لَمْ يُصِبْ ; لِأَنَّ الشَّهْوَةَ إِذَا اشْتَدَّتْ خَرَجَ الْمَنِيُّ دُون الْمَذْيِ وَالْبَوْلِ كَحَالَةِ الِاحْتِلَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (وَغَسْلُ مَا يُصِيبُ) أَيِ الثَّوْبَ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَرْأَةِ، وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حَدِيثٌ صَرِيحٌ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بَعْدُ فِي آخِرِ كِتَابِ الْغُسْلِ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ هُنَا، وَكَأَنَّهُ اسْتَنْبَطَهُ مِمَّا أَشَرْنَا إِلَيْهِ مِنْ أَنَّ الْمَنِيَّ الْحَاصِلَ فِي الثَّوْبِ لَا يَخْلُو غَالِبًا مِنْ مُخَالَطَةِ مَاءِ الْمَرْأَةِ وَرُطُوبَتِهَا.
قَوْلُهُ: (عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ الْجَزَرِيُّ) كَذَا لِلْجُمْهُورِ، وَهُوَ الصَّوَابُ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالزَّايِ بَعْدَهَا رَاءٌ، مَنْسُوبٌ إِلَى الْجَزِيرَةِ، وَكَانَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ وَالِدُ عَمْرٍو نَزَلَهَا فَنُسِبَ إِلَيْهَا وَلَدُهُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَحَدَّهُ الْجَوْزِيُّ بِوَاوٍ سَاكِنَةٍ بَعْدَهَا زَايٌ وَهُوَ غَلَطٌ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (أَغْسِلُ الْجَنَابَةَ) أَيْ أَثَرَ الْجَنَابَةِ فَيَكُونُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَوْ أُطْلِقَ اسْمُ الْجَنَابَةِ عَلَى الْمَنِيِّ مَجَازًا.
قَوْلُهُ: (بُقَعٌ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ الْقَافِ جَمْعُ بُقْعَةٍ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الْبُقَعُ اخْتِلَافُ اللَّوْنَيْنِ.
قَوْلُهُ فِي الْإِسْنَادِ الثَّانِي (حَدَّثَنَا يَزِيدُ) قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ الدِّمَشْقِيُّ: كَذَا هُوَ غَيْرُ مَنْسُوبٍ فِي رِوَايَةِ الْفَرَبْرِيِّ، وَحَمَّادِ بْنِ شَاكِرٍ، وَيُقَالُ إِنَّهُ ابْنُ هَارُونَ وَلَيْسَ بِابْنِ زُرَيْعٍ وَجَمِيعًا قَدْ رُوِيَا - يَعْنِي عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ - وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ السَّكَنِ أَحَدِ الرُّوَاةِ عَنِ الْفَرَبْرِيِّ حَدَّثَنَا يَزِيدُ، يَعْنِي ابْنَ زُرَيْعٍ وَكَذَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْكِلَابَاذِيُّ وَرَجَّحَ الْقُطْبُ الْحَلِيمِيُّ فِي شَرْحِهِ أَنَّهُ ابْنُ هَارُونَ قَالَ: لِأَنَّهُ وُجِدَ مِنْ رِوَايَتِهِ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ زُرَيْعٍ.
قُلْتُ: وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْوِجْدَانِ عَدَمُ الْوُقُوعِ، كَيْفَ وَقَدْ جَزَمَ أَبُو مَسْعُودٍ بِأَنَّهُ رَوَاهُ فَدَلَّ عَلَى وِجْدَانِهِ، وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي. وَقَدْ خَرَّجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ بِلَفْظٍ مُخَالِفٍ لِلسِّيَاقِ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ، وَهَذَا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
حكمه مستوفاةٌ في كتب الفقه أُشير لشيءٍ منها في محلِّه إن شاء الله تعالى بعون الله، ورواة هذا الحديث ستَّةٌ، وفيه: الإخبار والتَّحديث والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ في «الطَّهارة»، وكذا التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وأبو داود.
(٦٤) (بابُ غَسْلِ) الرَّجل (المَنِيَّ وَفَرْكِهِ) من الثَّوب حتَّى يذهب أثره (وَغَسْلِ مَا يُصِيبُ) الثَّوب وغيره (مِنَ) الرُّطوبة الحاصلة من فرج (المَرْأَةِ) عند مُخالَطته إيَّاها.
٢٢٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) بفتح العين وسكون المُوَحَّدة، المروزيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) أي: «ابن المُبارَك» كما لأبَوي الوقت وذَرٍّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ) بفتح العين، وفي نسخةٍ زيادة: «ابن مهران» بدل «ابن ميمون» (١) (الجَزَرِيُّ) بالزَّايِ المنقوطة والرَّاء، نسبةً إلى الجزيرة (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة والسِّين المُهمَلة المُخفَّفة، مولى ميمونة أمِّ المؤمنين، فقيه المدينة، المُتوفَّى سنة سبعٍ ومئةٍ (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: كُنْتُ أَغْسِلُ الجَنَابَةَ) أي: أثرها؛ لأنَّ الجنابة معنًى فلا تُغسَل، أو عبَّرت بها عن
ذلك مجازًا، والمُراد (١): المنيُّ، من باب تسمية الشَّيء باسم سببه، فإنَّ وجوده سببٌ لبعده عن الصَّلاة ونحوها، أو أطلقت (٢) على المنيِّ اسم الجنابة، وحينئذٍ فلا حاجة إلى التَّقدير بالحذف أو بالمجاز (مِنْ ثَوْبِ النَّبِيِّ) ولابن عساكر (٣): «رسول الله» (ﷺ فَيَخْرُجُ) من الحجرة (إِلَى) المسجد لأجل (الصَّلَاةِ وَإِنَّ بُقَعَ) بضمِّ المُوَحَّدة وفتح القاف وآخره عينٌ مُهمَلةٌ، جمع: بقعةٍ، أي: موضعٌ يخالف (٤) لونه ما يليه، أي: أثر (المَاءِ فِي ثَوْبِهِ) الشَّريف ﵊؛
لأنَّه خرج مبادرًا للوقت، ولم يكن له ثيابٌ يتداولها، ولابن ماجه: «وأنا أرى أثر الغَسل فيه» أي: لم يجفَّ، ولـ «مسلم»: من حديث عائشة: «كنت أفرك المنيَّ من ثوب رسول الله ﷺ»، ولابني خزيمة وحبَّان بسندٍ صحيحٍ: «كانت تحكُّه وهو يصلِّي»، ويُجمَع بينهما وبين حديث الباب على القول بطهارته، كما هو مذهب الإمام الشَّافعيِّ وأحمد والمحدِّثين، بحمل الغَسل على النَّدب، أو غسله لنجاسة الممرِّ، أو لاختلاطه برطوبة الفرج على القول بنجاسة (١) الفرج، وعُورِض التَّعليل بنجاسة الممرِّ بأنَّ علماء التَّشريح قالوا: إنَّ مُستقَرَّ المنيِّ في غير مُستقَرِّ البول فكذلك مخرجهما، وأُجيب: على تقدير ثبوته، فقد يلتقي المنيُّ والبول في رأس الحشفة؛ لأنَّه ليس في رأس الإحليل إلَّا ثقبٌ واحدٌ (٢)، وحمل الحنفيَّة الغسل على الرَّطب، والفرك على اليابس، لنا: ما في رواية ابن خزيمة من طريق أخرى عن عائشة: «كان (٣) يَسْلُتُ المنيَّ من ثوبه ﵊ بعرق الإذخر ثمَّ يصلِّي فيه، ويحتُّه من ثوبه يابسًا ثمَّ يصلِّي فيه» فإنَّه يتضمَّن ترك الغسل في الحالين (٤)، وأيضًا لو كان نجسًا لكان القياس وجوب غسله دون الاكتفاء بفركه، والحنفيَّة لا يكتفون فيما لا يُعفَى عنه من الدَّم بالفرك، وأُجيب: بأنَّه لم يأتِ نصٌّ بجواز الفرك في الدَّم ونحوه، وإنَّما جاء (٥) في يابس المنيِّ على خلاف القياس، فيقتصر على مورد النَّصِّ، وحاصل ما في هذه المسألة أنَّ مذهب الشَّافعيِّ وأحمد: طهارة المنيِّ، وقال أبو حنيفة ومالكٌ ﵄: نجسٌ (٦)، إلَّا أنَّ أبا حنيفة يكتفي في تطهير اليابس منه بالفرك، ومالكٌ: يوجب غسله رطبًا
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَيْسَ بِحَيْضٍ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي قَالَ: وَقَالَ أَبِي ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الْوَقْتُ.
[الحديث ٢٢٨ - أطرافه في: ٣٣١، ٣٢٥، ٣٢٠، ٣٠٦،]
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ غَيْرُ مَنْسُوبٍ، وَلِلْأَصِيلِيِّ: ابْنُ سَلَّامٍ، وَلِأَبِي ذَرٍّ: هُوَ ابْنُ سَلَّامٍ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ هُوَ الضَّرِيرُ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) زَادَ الْأَصِيلِيُّ، ابْنُ عُرْوَةَ.
قَوْلُهُ: (فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ بِصِيغَةِ التَّصْغِيرِ، اسْمُهُ قَيْسُ بْنُ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدٍ، وَهِيَ غَيْرُ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ الَّتِي طَلُقَتْ ثَلَاثًا.
قَوْلُهُ: (أُسْتَحَاضُ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ يُقَالُ: اسْتُحِيضَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ بَعْدَ أَيَّامِهَا الْمُعْتَادَةِ فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ، وَالِاسْتِحَاضَةُ جَرَيَانُ الدَّمِ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ فِي غَيْرِ أَوَانِهِ.
قَوْلُهُ: (لَا) أَيْ لَا تَدَعِي الصَّلَاةَ.
قَوْلُهُ: (عِرْقٌ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ هُوَ الْمُسَمَّى بِالْعَاذِلِ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ.
قَوْلُهُ: (حَيْضَتُكِ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا. وَالْمُرَادُ بِالْإِقْبَالِ وَالْإِدْبَارِ هُنَا ابْتِدَاءُ دَمِ الْحَيْضِ وَانْقِطَاعُهُ.
قَوْلُهُ: (فَدَعِي الصَّلَاةَ) يَتَضَمَّنُ نَهْيَ الْحَائِضِ عَنِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ لِلتَّحْرِيمِ وَيَقْتَضِي فَسَادَ الصَّلَاةِ بِالْإِجْمَاعِ.
قَوْلُهُ: (فَاغْتَسِلِي عَنْكِ الدَّمَ) أَيْ وَاغْتَسِلِي وَالْأَمْرُ بِالِاغْتِسَالِ مُسْتَفَادٌ مِنْ أَدِلَّةٍ أُخْرَى كَمَا سَيَأْتِي بَسْطُهَا فِي كِتَابِ الْحَيْضِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (قَالَ) أَيْ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ (وَقَالَ أَبِي) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذَا مُعَلَّقٌ، وَلَيْسَ بِصَوَابٍ، بَلْ هُوَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامٍ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ التِّرْمِذِيُّ فِي رِوَايَتِهِ. وَادَّعَى آخَرُ أَنَّ قَوْلَهُ ثُمَّ تَوَضَّئِي مِنْ كَلَامِ عُرْوَةَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَلَامَهُ لَقَالَ ثُمَّ تَتَوَضَّأُ بِصِيغَةِ الْإِخْبَارِ، فَلَمَّا أَتَى بِهِ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ شَاكَلَهُ الْأَمْرُ الَّذِي فِي الْمَرْفُوعِ وَهُوَ قَوْلُهُ فَاغْسِلِي. وَسَنَذْكُرُ حُكْمَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٦٤ - بَاب غَسْلِ الْمَنِيِّ وَفَرْكِهِ، وَغَسْلِ مَا يُصِيبُ مِنْ الْمَرْأَةِ
٢٢٩ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ الْجَزَرِيُّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْسِلُ الْجَنَابَةَ مِنْ ثَوْبِ النَّبِيِّ ﷺ، فَيَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ وَإِنَّ بُقَعَ الْمَاءِ فِي ثَوْبِهِ.
[الحديث ٢٢٩ - أطرافه في: ٢٣٢، ٢٣١، ٢٣٠]
٢٣٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ حَدَّثَنَا عَمْرٌو بْنُ مَيْمُونٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، عَنْ الْمَنِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ فَقَالَتْ: كُنْتُ أَغْسِلُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ وَأَثَرُ الْغَسْلِ فِي ثَوْبِهِ بُقَعُ الْمَاءِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ غَسْلُ الْمَنِيِّ وَفَرْكُهُ) لَمْ يُخَرِّجِ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ الْفَرْكِ، بَلِ اكْتَفَى بِالْإِشَارَةِ إِلَيْهِ فِي التَّرْجَمَةِ عَلَى عَادَتِهِ ; لِأَنَّهُ وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَيْضًا كَمَا سَنَذْكُرُهُ. وَلَيْسَ بَيْنَ حَدِيثِ الْغَسْلِ وَحَدِيثِ الْفَرْكِ تَعَارُضٌ ; لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا وَاضِحٌ عَلَى الْقَوْلِ بِطَهَارَةِ الْمَنِيِّ بِأَنْ يُحْمَلَ الْغَسْلُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ لِلتَّنْظِيفِ لَا عَلَى الْوُجُوبِ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الشَّافِعِيِّ،
وَأَحْمَدَ وَأَصْحَابِ الْحَدِيثِ، وَكَذَا الْجَمْعُ مُمْكِنٌ عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَتِهِ بِأَنْ يُحْمَلَ الْغَسْلُ عَلَى مَا كَانَ رَطْبًا وَالْفَرْكُ عَلَى مَا كَانَ يَابِسًا، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْحَنَفِيَّةِ، وَالطَّرِيقَةُ الْأُولَى أَرْجَحُ ; لِأَنَّ فِيهَا الْعَمَلَ بِالْخَبَرِ وَالْقِيَاسِ مَعًا ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ نَجِسًا لَكَانَ الْقِيَاسُ وُجُوبَ غَسْلِهِ دُونَ الِاكْتِفَاءِ بِفَرْكِهِ كَالدَّمِ وَغَيْرِهِ، وَهُمْ لَا يَكْتَفُونَ فِيمَا لَا يُعْفَى عَنْهُ مِنَ الدَّمِ بِالْفَرْكِ، وَيَرُدُّ الطَّرِيقَةَ الثَّانِيَةَ أَيْضًا مَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ عَائِشَةَ كَانَتْ تَسْلِتُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِهِ بِعِرْقِ الْإِذْخِرِ ثُمَّ يُصَلِّي فِيهِ، وَتَحُكُّهُ مِنْ ثَوْبِهِ يَابِسًا ثُمَّ يُصَلِّي فِيهِ فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ تَرْكَ الْغَسْلِ فِي الْحَالَتَيْنِ، وَأَمَّا مَالِكٌ فَلَمْ يَعْرِفِ الْفَرْكَ وَقَالَ: إِنَّ الْعَمَلَ عِنْدَهُمْ عَلَى وُجُوبِ الْغَسْلِ كَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ، وَحَدِيثُ الْفَرْكِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ، وَحَمَلَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ الْفَرْكَ عَلَى الدَّلْكِ بِالْمَاءِ، وَهُوَ مَرْدُودٌ بِمَا فِي إِحْدَى رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَإِنِّي لَأَحُكُّهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَابِسًا بِظُفُرِي وَبِمَا صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ هَمَّامِ
بْنِ الْحَارِثِ أَنَّ عَائِشَةَ أَنْكَرَتْ عَلَى ضَيْفِهَا غَسْلَهُ الثَّوْبَ فَقَالَتْ: لِمَ أَفْسَدَ عَلَيْنَا ثَوْبَنَا؟ إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَفْرُكَهُ بِأَصَابِعِهِ، فَرُبَّمَا فَرَكْتُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأَصَابِعِي. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الثَّوْبُ الَّذِي اكْتَفَتْ فِيهِ بِالْفَرْكِ ثَوْبُ النَّوْمِ، وَالثَّوْبُ الَّذِي غَسَلَتْهُ ثَوْبُ الصَّلَاةِ، وَهُوَ مَرْدُودٌ أَيْضًا بِمَا فِي إِحْدَى رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِهَا أَيْضًا لَقَدْ رَأَيْتُنِي أَفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرْكًا فَيُصَلِّي فِيهِ وَهَذَا التَّعْقِيبُ بِالْفَاءِ يَنْفِي احْتِمَالَ تَخَلُّلِ الْغَسْلِ بَيْنَ الْفَرْكِ وَالصَّلَاةِ. وَأَصْرَحُ مِنْهُ رِوَايَةُ ابْنِ خُزَيْمَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَحُكُّهُ مِنْ ثَوْبِهِ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي وَعَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ وُرُودِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَلَيْسَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ مَا يَدُلُّ عَلَى نَجَاسَةِ الْمَنِيِّ ; لِأَنَّ غَسْلَهَا فِعْلٌ وَهُوَ لَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ بِمُجَرَّدِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَطَعَنَ بَعْضُهُمْ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِحَدِيثِ الْفَرْكِ عَلَى طَهَارَةِ الْمَنِيِّ بِأَنَّ مَنِيَّ النَّبِيِّ ﷺ طَاهِرٌ دُونَ غَيْرِهِ كَسَائِرِ فَضَلَاتِهِ. وَالْجَوَابُ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ كَوْنِهِ مِنَ الْخَصَائِصِ أَنَّ مَنِيَّهُ كَانَ عَنْ جِمَاعٍ فَيُخَالِطُ مَنِيَّ الْمَرْأَةِ، فَلَوْ كَانَ مَنِيُّهَا نَجِسًا لَمْ يُكْتَفَ فِيهِ بِالْفَرْكِ، وَبِهَذَا احْتَجَّ الشَّيْخُ الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ عَلَى طَهَارَةِ رُطُوبَةِ فَرْجِهَا قَالَ: وَمَنْ قَالَ إِنَّ الْمَنِيَّ لَا يَسْلَمُ مِنَ الْمَذْيِ فَيَتَنَجَّسُ بِهِ لَمْ يُصِبْ ; لِأَنَّ الشَّهْوَةَ إِذَا اشْتَدَّتْ خَرَجَ الْمَنِيُّ دُون الْمَذْيِ وَالْبَوْلِ كَحَالَةِ الِاحْتِلَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (وَغَسْلُ مَا يُصِيبُ) أَيِ الثَّوْبَ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَرْأَةِ، وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حَدِيثٌ صَرِيحٌ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بَعْدُ فِي آخِرِ كِتَابِ الْغُسْلِ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ هُنَا، وَكَأَنَّهُ اسْتَنْبَطَهُ مِمَّا أَشَرْنَا إِلَيْهِ مِنْ أَنَّ الْمَنِيَّ الْحَاصِلَ فِي الثَّوْبِ لَا يَخْلُو غَالِبًا مِنْ مُخَالَطَةِ مَاءِ الْمَرْأَةِ وَرُطُوبَتِهَا.
قَوْلُهُ: (عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ الْجَزَرِيُّ) كَذَا لِلْجُمْهُورِ، وَهُوَ الصَّوَابُ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالزَّايِ بَعْدَهَا رَاءٌ، مَنْسُوبٌ إِلَى الْجَزِيرَةِ، وَكَانَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ وَالِدُ عَمْرٍو نَزَلَهَا فَنُسِبَ إِلَيْهَا وَلَدُهُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَحَدَّهُ الْجَوْزِيُّ بِوَاوٍ سَاكِنَةٍ بَعْدَهَا زَايٌ وَهُوَ غَلَطٌ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (أَغْسِلُ الْجَنَابَةَ) أَيْ أَثَرَ الْجَنَابَةِ فَيَكُونُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَوْ أُطْلِقَ اسْمُ الْجَنَابَةِ عَلَى الْمَنِيِّ مَجَازًا.
قَوْلُهُ: (بُقَعٌ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ الْقَافِ جَمْعُ بُقْعَةٍ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الْبُقَعُ اخْتِلَافُ اللَّوْنَيْنِ.
قَوْلُهُ فِي الْإِسْنَادِ الثَّانِي (حَدَّثَنَا يَزِيدُ) قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ الدِّمَشْقِيُّ: كَذَا هُوَ غَيْرُ مَنْسُوبٍ فِي رِوَايَةِ الْفَرَبْرِيِّ، وَحَمَّادِ بْنِ شَاكِرٍ، وَيُقَالُ إِنَّهُ ابْنُ هَارُونَ وَلَيْسَ بِابْنِ زُرَيْعٍ وَجَمِيعًا قَدْ رُوِيَا - يَعْنِي عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ - وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ السَّكَنِ أَحَدِ الرُّوَاةِ عَنِ الْفَرَبْرِيِّ حَدَّثَنَا يَزِيدُ، يَعْنِي ابْنَ زُرَيْعٍ وَكَذَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْكِلَابَاذِيُّ وَرَجَّحَ الْقُطْبُ الْحَلِيمِيُّ فِي شَرْحِهِ أَنَّهُ ابْنُ هَارُونَ قَالَ: لِأَنَّهُ وُجِدَ مِنْ رِوَايَتِهِ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ زُرَيْعٍ.
قُلْتُ: وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْوِجْدَانِ عَدَمُ الْوُقُوعِ، كَيْفَ وَقَدْ جَزَمَ أَبُو مَسْعُودٍ بِأَنَّهُ رَوَاهُ فَدَلَّ عَلَى وِجْدَانِهِ، وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي. وَقَدْ خَرَّجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ بِلَفْظٍ مُخَالِفٍ لِلسِّيَاقِ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ، وَهَذَا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
حكمه مستوفاةٌ في كتب الفقه أُشير لشيءٍ منها في محلِّه إن شاء الله تعالى بعون الله، ورواة هذا الحديث ستَّةٌ، وفيه: الإخبار والتَّحديث والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ في «الطَّهارة»، وكذا التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وأبو داود.
(٦٤) (بابُ غَسْلِ) الرَّجل (المَنِيَّ وَفَرْكِهِ) من الثَّوب حتَّى يذهب أثره (وَغَسْلِ مَا يُصِيبُ) الثَّوب وغيره (مِنَ) الرُّطوبة الحاصلة من فرج (المَرْأَةِ) عند مُخالَطته إيَّاها.
٢٢٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) بفتح العين وسكون المُوَحَّدة، المروزيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) أي: «ابن المُبارَك» كما لأبَوي الوقت وذَرٍّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ) بفتح العين، وفي نسخةٍ زيادة: «ابن مهران» بدل «ابن ميمون» (١) (الجَزَرِيُّ) بالزَّايِ المنقوطة والرَّاء، نسبةً إلى الجزيرة (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة والسِّين المُهمَلة المُخفَّفة، مولى ميمونة أمِّ المؤمنين، فقيه المدينة، المُتوفَّى سنة سبعٍ ومئةٍ (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: كُنْتُ أَغْسِلُ الجَنَابَةَ) أي: أثرها؛ لأنَّ الجنابة معنًى فلا تُغسَل، أو عبَّرت بها عن
ذلك مجازًا، والمُراد (١): المنيُّ، من باب تسمية الشَّيء باسم سببه، فإنَّ وجوده سببٌ لبعده عن الصَّلاة ونحوها، أو أطلقت (٢) على المنيِّ اسم الجنابة، وحينئذٍ فلا حاجة إلى التَّقدير بالحذف أو بالمجاز (مِنْ ثَوْبِ النَّبِيِّ) ولابن عساكر (٣): «رسول الله» (ﷺ فَيَخْرُجُ) من الحجرة (إِلَى) المسجد لأجل (الصَّلَاةِ وَإِنَّ بُقَعَ) بضمِّ المُوَحَّدة وفتح القاف وآخره عينٌ مُهمَلةٌ، جمع: بقعةٍ، أي: موضعٌ يخالف (٤) لونه ما يليه، أي: أثر (المَاءِ فِي ثَوْبِهِ) الشَّريف ﵊؛
لأنَّه خرج مبادرًا للوقت، ولم يكن له ثيابٌ يتداولها، ولابن ماجه: «وأنا أرى أثر الغَسل فيه» أي: لم يجفَّ، ولـ «مسلم»: من حديث عائشة: «كنت أفرك المنيَّ من ثوب رسول الله ﷺ»، ولابني خزيمة وحبَّان بسندٍ صحيحٍ: «كانت تحكُّه وهو يصلِّي»، ويُجمَع بينهما وبين حديث الباب على القول بطهارته، كما هو مذهب الإمام الشَّافعيِّ وأحمد والمحدِّثين، بحمل الغَسل على النَّدب، أو غسله لنجاسة الممرِّ، أو لاختلاطه برطوبة الفرج على القول بنجاسة (١) الفرج، وعُورِض التَّعليل بنجاسة الممرِّ بأنَّ علماء التَّشريح قالوا: إنَّ مُستقَرَّ المنيِّ في غير مُستقَرِّ البول فكذلك مخرجهما، وأُجيب: على تقدير ثبوته، فقد يلتقي المنيُّ والبول في رأس الحشفة؛ لأنَّه ليس في رأس الإحليل إلَّا ثقبٌ واحدٌ (٢)، وحمل الحنفيَّة الغسل على الرَّطب، والفرك على اليابس، لنا: ما في رواية ابن خزيمة من طريق أخرى عن عائشة: «كان (٣) يَسْلُتُ المنيَّ من ثوبه ﵊ بعرق الإذخر ثمَّ يصلِّي فيه، ويحتُّه من ثوبه يابسًا ثمَّ يصلِّي فيه» فإنَّه يتضمَّن ترك الغسل في الحالين (٤)، وأيضًا لو كان نجسًا لكان القياس وجوب غسله دون الاكتفاء بفركه، والحنفيَّة لا يكتفون فيما لا يُعفَى عنه من الدَّم بالفرك، وأُجيب: بأنَّه لم يأتِ نصٌّ بجواز الفرك في الدَّم ونحوه، وإنَّما جاء (٥) في يابس المنيِّ على خلاف القياس، فيقتصر على مورد النَّصِّ، وحاصل ما في هذه المسألة أنَّ مذهب الشَّافعيِّ وأحمد: طهارة المنيِّ، وقال أبو حنيفة ومالكٌ ﵄: نجسٌ (٦)، إلَّا أنَّ أبا حنيفة يكتفي في تطهير اليابس منه بالفرك، ومالكٌ: يوجب غسله رطبًا