«وَكَّلَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٣١١

الحديث رقم ٢٣١١ من كتاب «كتاب الوكالة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إذا وكل رجلا فترك الوكيل شيئا فأجازه الموكل.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢٣١١ في صحيح البخاري

«وَكَّلَنِي رَسُولُ اللهِ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ وَقُلْتُ وَاللهِ لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ قَالَ إِنِّي مُحْتَاجٌ وَعَلَيَّ عِيَالٌ وَلِي حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ قَالَ فَخَلَّيْتُ عَنْهُ فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ النَّبِيُّ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ قَالَ أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ إِنَّهُ سَيَعُودُ فَرَصَدْتُهُ فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ قَالَ دَعْنِي فَإِنِّي مُحْتَاجٌ وَعَلَيَّ عِيَالٌ لَا أَعُودُ فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ قَالَ أَمَا أَِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ فَرَصَدْتُهُ الثَّالِثَةَ فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ، وَهَذَا آخِرُ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ أَنَّكَ تَزْعُمُ لَا تَعُودُ ثُمَّ تَعُودُ قَالَ دَعْنِي أُعَلِّمْكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُْكَ اللهُ بِهَا قُلْتُ مَا هُوَ قَالَ إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ ﴿اللهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ حَتَّى تَخْتِمَ الْآيَةَ فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللهِ حَافِظٌ وَلَا يَقْرَبَنَّكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللهُ بِهَا فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ قَالَ مَا هِيَ قُلْتُ قَالَ لِي إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ ﴿اللهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وَقَالَ لِي لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللهِ حَافِظٌ وَلَا يَقْرَبَكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ وَكَانُوا أَحْرَصَ شَيْءٍ عَلَى الْخَيْرِ فَقَالَ النَّبِيُّ أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: ذَاكَ شَيْطَانٌ.»

بَابٌ: إِذَا بَاعَ الْوَكِيلُ شَيْئًا فَاسِدًا فَبَيْعُهُ مَرْدُودٌ

إسناد حديث رقم ٢٣١١ من صحيح البخاري

٢٣١١ - وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ أَبُو عَمْرٍو حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٢٣١١: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٢٣١١ - وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ أَبُو عَمْرٍو، حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنْ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ وَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ، قَالَ: إِنِّي مُحْتَاجٌ وَعَلَيَّ عِيَالٌ، وَلِي حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ، قَالَ: فَخَلَّيْتُ عَنْهُ، فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ النَّبِيُّ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ؟ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا، فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ، وَسَيَعُودُ. فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ : إِنَّهُ سَيَعُودُ، فَرَصَدْتُهُ فَجَعل يَحْثُو مِنْ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ، فَقُلْتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ، قَالَ: دَعْنِي فَإِنِّي مُحْتَاجٌ وَعَلَيَّ عِيَالٌ، لَا أَعُودُ، فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ. قَالَ: أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ، فَرَصَدْتُهُ الثَّالِثَةَ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنْ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ، فَقُلْتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَهَذَا آخِرُ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ، إنَّكَ تَزْعُمُ لَا تَعُودُ ثُمَّ تَعُودُ.

قَالَ: دَعْنِي أُعَلِّمْكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهَا، قُلْتُ: مَا هُن؟ قَالَ: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ حَتَّى تَخْتِمَ الْآيَةَ، فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنْ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبَنَّكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ : مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهَا فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ. قَالَ: مَا هِيَ؟ قُلْتُ: قَالَ لِي: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ الْآيَةَ: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وَقَالَ لِي: لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنْ اللَّهِ حَافِظٌ وَلَا يَقْرَبَكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ - وَكَانُوا أَحْرَصَ شَيْءٍ عَلَى الْخَيْرِ - فَقَالَ النَّبِيُّ : أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ. تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: ذَاكَ شَيْطَانٌ.

[الحديث ٢٣١١ - طرفه في: ٣٢٧٥، ٥٠١٠]

قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا وَكَّلَ رَجُلًا فَتَرَكَ الْوَكِيلُ شَيْئًا فَأَجَازَهُ الْمُوَكِّلُ فَهُوَ جَائِزٌ، وَإِنْ أَقْرَضَهُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى جَازَ). أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي حِفْظِهِ زَكَاةُ رَمَضَانَ، قَالَ الْمُهَلَّبُ: مَفْهُومُ التَّرْجَمَةِ أَنَّ الْمُوَكِّلَ إِذَا لَمْ يُجِزْ مَا فَعَلَهُ الْوَكِيلُ مِمَّا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِيهِ فَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ، قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُهُ: وإِنْ أَقْرَضَهُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى جَازَ أَيْ: إِنْ أَجَازَهُ الْمُوَكِّلُ أَيْضًا، قَالَ: وَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا أَنَّ الْمُؤْتَمَنَ إِذَا أَقْرَضَ شَيْئًا مِنْ مَالِ الْوَدِيعَةِ وَغَيْرِهَا لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ، وَكَانَ رَبُّ الْمَالِ بِالْخِيَارِ.

قَالَ: وَأُخِذَ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ بِطَرِيقِ أَنَّ الطَّعَامَ كَانَ مَجْمُوعًا لِلصَّدَقَةِ، وَكَانُوا يَجْمَعُونَهُ قَبْلَ إِخْرَاجِهِ، وَإِخْرَاجُهُ كَانَ لَيْلَةَ الْفِطْرِ، فَلَمَّا شَكَا السَّارِقُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ الْحَاجَةَ تَرَكَهُ، فَكَأَنَّهُ أَسْلَفَهُ لَهُ إِلَى أَجَلٍ وَهُوَ وَقْتُ الْإِخْرَاجِ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: تُؤْخَذُ الْمُنَاسَبَةُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ أَمْهَلَهُ إِلَى أَنْ رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ . كَذَا قَالَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ)، هَكَذَا أَوْرَدَ

الْبُخَارِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ هُنَا وَلَمْ يُصَرِّحْ فِيهِ بِالتَّحْدِيثِ، وَزَعَمَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ، وَأَعَادَهُ كَذَلِكَ فِي صِفَةِ إِبْلِيسَ، وَفِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ لَكِنْ بِاخْتِصَارٍ، وَقَدْ وَصَلَهُ النَّسَائِيُّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طُرُقٍ إِلَى عُثْمَانَ الْمَذْكُورِ، وَذَكَرْتُهُ فِي تَعْلِيقِ التَّعْلِيقِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُنِيبٍ، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ سَلَّامٍ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ يَعْقُوبَ الْجُوزَجَانِيِّ، وَهِلَالِ بْنِ بِشْرٍ الصَّوَّافِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ غَالِبٍ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: تِمْتَامٌ، وَأَقْرَبُهُمْ لِأَنْ يَكُونَ الْبُخَارِيُّ أَخَذَهُ عَنْهُ - إِنْ كَانَ مَا سَمِعَهُ مِنَ ابْنِ الْهَيْثَمِ - هِلَالُ بْنُ بِشْرٍ، فَإِنَّهُ مِنْ شُيُوخِهِ أَخْرَجَ عَنْهُ فِي جَزْءِ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ، وَلَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى عِنْدَ النَّسَائِيِّ أَخْرَجَهَا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَوَقَعَ مِثْلُ ذَلِكَ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ الرُّويَانِيُّ.

قَوْلُهُ: (وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو) بِإِسْكَانِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ، يُقَالُ: حَثَا يَحْثُو وَحَثَى يَحْثِي، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ كَانَ عَلَى تَمْرِ الصَّدَقَةِ فَوَجَدَ أَثَرَ كَفٍّ كَأَنَّهُ قَدْ أُخِذُ مِنْهُ. وَلِابْنِ الضُّرَيْسِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: فَإِذَا التَّمْرُ قَدْ أُخِذَ مِنْهُ مِلْءُ كَفٍّ.

قَوْلُهُ: (فَأَخَذْتُهُ). زَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ شَكَا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ أَوَّلًا، فَقَالَ لَهُ: إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَأْخُذَهُ، فَقُلْ: سُبْحَانَ مَنْ سَخَّرَكَ لِمُحَمَّدٍ، قَالَ: فَقُلْتُهَا فَإِذَا أَنَا بِهِ قَائِمٌ بَيْنَ يَدَيْ فَأَخَذْتُهُ.

قَوْلُهُ: (لَأَرْفَعَنَّكَ) أَيْ: لَأَذْهَبَنَّ بِكَ أَشْكُوكَ، يُقَالُ: رَفَعَهُ إِلَى الْحَاكِمِ إِذَا أَحْضَرَهُ لِلشَّكْوَى.

قَوْلُهُ: (إِنِّي مُحْتَاجٌ وَعَلَيَّ عِيَالٌ) أَيْ: نَفَقَةُ عِيَالٍ أَوْ عَلَيَّ بِمَعْنَى لِي، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ: فَقَالَ: إِنَّمَا أَخَذْتُهُ لِأَهْلِ بَيْتٍ فُقَرَاءَ مِنَ الْجِنِّ. وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: وَلَا أَعُودُ.

قَوْلُهُ: (وَلِي حَاجَةٌ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: وَبِي حَاجَةٌ.

قَوْلُهُ: (فَرَصَدْتُهُ) أَيْ: رَقَبْتُهُ.

قَوْلُهُ: (فَجَعَلَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَالْمُسْتَمْلِي: فَجَاءَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ: دَعْنِي أُعَلِّمُكَ). فِي رِوَايَةِ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ: خَلِّ عَنِّي.

قَوْلُهُ: (يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهَا) فِي رِوَايَةِ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ: إِذَا قُلْتَهُنَّ لَمْ يَقْرُبْكَ ذَكَرٌ وَلَا أُنْثَى مِنَ الْجِنِّ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الضُّرَيْسِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: لَا يَقْرُبُكَ مِنَ الْجِنِّ ذَكَرٌ وَلَا أُنْثَى صَغِيرٌ وَلَا كَبِيرٌ.

قَوْلُهُ: (قُلْتُ: مَا هُنَّ؟) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: مَا هُوَ؟ أَيِ: الْكَلَامُ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ: قُلْتُ: وَمَا هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتُ.

قَوْلُهُ: (إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ). فِي رِوَايَةِ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ: عِنْدَ كُلِّ صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ.

قَوْلُهُ: (آيَةَ الْكُرْسِيِّ: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ حَتَّى تَخْتِمَ الْآيَةَ) فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَهَا، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الضُّرَيْسِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وَفِي حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ مِنَ الزِّيَادَةِ: وَخَاتِمَةَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ إِلَى آخِرِهَا. وَقَالَ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ: ضَمَّ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ تَمْرَ الصَّدَقَةِ، فَكُنْتُ أَجِدُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ نُقْصَانًا، فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ لِي: هُوَ عَمَلُ الشَّيْطَانِ فَارْصُدْهُ، فَرَصَدْتُهُ فَأَقْبَلَ فِي صُورَةِ فِيلٍ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الْبَابِ دَخَلَ مِنْ خَلَلِ الْبَابِ فِي غَيْرِ صُورَتِهِ، فَدَنَا مِنَ التَّمْرِ فَجَعَلَ يَلْتَقِمُهُ، فَشَدَدْتُ عَلَي ثِيَابِي فَتَوَسَّطْتُهُ. وَفِي رِوَايَةِ الرُّويَانِيِّ: فَأَخَذْتُهُ فَالْتَفَّتْ يَدِي عَلَى وَسَطِهِ، فَقُلْتُ: يَا عَدُوَّ اللَّهِ، وَثَبْتَ إِلَى تَمْرِ الصَّدَقَةِ فَأَخَذْتَهُ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهِ مِنْكَ، لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَيَفْضَحُكَ. وَفِي رِوَايَةِ الرُّويَانِيِّ: مَا أَدْخَلَكَ بَيْتِي تَأْكُلُ التَّمْرَ؟ قَالَ: أَنَا شَيْخٌ كَبِيرٌ فَقِيرٌ ذُو عِيَالٍ، وَمَا أَتَيْتُكَ إِلَّا مِنْ نَصِيبِينَ، وَلَوْ أَصَبْتَ شَيْئًا دُونَهُ مَا أَتَيْتُكَ، وَلَقَدْ كُنَّا فِي مَدِينَتِكُمْ هَذِهِ حَتَّى بُعِثَ صَاحِبُكُمْ فَلَمَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِ آيَتَانِ تَفَرَّقْنَا مِنْهَا، فَإِنْ خَلَّيْتَ سَبِيلِي عَلَّمْتُكَهُمَا. قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: آيَةُ الْكُرْسِيِّ وَآخِرُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ إِلَى آخِرِهَا.

قَوْلُهُ: (لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: لَمْ يَزَلْ، وَوَقَعَ عَكْسُ ذَلِكَ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي وَقَعَ فِي صِفَةِ إِبْلِيسَ، وَهُوَ رِوَايَةُ النَّسَائِيِّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ.

قَوْلُهُ: (مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ) أَيْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أَوْ مِنْ جِهَةِ أَمْرِ

اللَّهِ أَوْ مِنْ بَأْسِ اللَّهِ وَنِقْمَتِهِ.

قَوْلُهُ: (وَلَا يَقْرَبُكَ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ.

قَوْلُهُ: (وَكَانُوا) أَيِ: الصَّحَابَةُ (أَحْرَصَ شَيْءٍ عَلَى الْخَيْرِ) فِيهِ الْتِفَاتٌ، إِذِ السِّيَاقُ يَقْتَضِي أَنْ يَقُولَ: وَكُنَّا أَحْرَصَ شَيْءٍ عَلَى الْخَيْرِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْكَلَامُ مُدْرَجًا مِنْ كَلَامِ بَعْضِ رُوَاتِهِ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَهُوَ مَسُوقٌ لِلِاعْتِذَارِ عَنْ تَخْلِيَةِ سَبِيلِهِ بَعْدَ الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ حِرْصًا عَلَى تَعْلِيمِ مَا يَنْفَعُ.

قَوْلُهُ: (صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ) فِي حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: صَدَقَ الْخَبِيثُ وَهُوَ كَذُوبٌ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ: أَوَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ كَذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (مُذْ ثَلَاثٍ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: مُنْذُ ثَلَاثٍ.

قَوْلُهُ: (ذَاكَ شَيْطَانٌ) كَذَا لِلْجَمِيعِ، أَيْ: شَيْطَانٌ مِنَ الشَّيَاطِينِ، وَوَقَعَ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ: ذَاكَ الشَّيْطَانُ وَاللَّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ الذَّهَبِيِّ، وَقَدْ وَقَعَ أَيْضًا لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَأَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، وَأَبِي أُسَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عِنْدَ ابْنِ أَبِي الدُّنْيَا قِصَصٌ فِي ذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا مَا يُشْبِهُ قِصَّةَ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَّا قِصَّةَ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ الَّتِي ذَكَرْتُهَا، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّعَدُّدِ، فَفِي حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ كَانَ لَهُ جُرْنٌ فِيهِ تَمْرٌ، وَأَنَّهُ كَانَ يَتَعَاهَدُهُ، فَوَجَدَهُ يَنْقُصُ، فَإِذَا هُوَ بِدَابَّةٍ شِبْهَ الْغُلَامِ الْمُحْتَلِمِ، فَقُلْتُ لَهُ: أَجِنِّيٌّ أَمْ إِنْسِيٌّ؟ قَالَ: بَلْ جِنِّيٌّ وَفِيهِ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: بَلَغَنَا أَنَّكَ تُحِبُّ الصَّدَقَةَ وَأَحْبَبْنَا أَنْ نُصِيبَ مِنْ طَعَامِكَ، قَالَ: فَمَا الَّذِي يَجْبُرُنَا مِنْكُمْ؟ قَالَ: هَذِهِ الآيةُ آيَةُ الْكُرْسِيِّ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ فَقَالَ: صَدَقَ الْخَبِيثُ وَفِي حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ: أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ سَهْوَةٌ - أَيْ: بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْهَاءِ وَهِيَ الصُّفَّةُ - فِيهَا تَمْرٌ، وَكَانَتِ الْغُولُ تَجِيءُ فَتَأْخُذُ مِنْهُ، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: إِذَا رَأَيْتَهَا فَقُلْ: بِاسْمِ اللَّهِ أَجِيبِي رَسُولَ اللَّهِ، فَأَخَذَهَا فَحَلَفَتْ أَنْ لَا تَعُودَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ ثَلَاثًا، فَقَالَتْ: إِنِّي ذَاكِرَةٌ لَكَ شَيْئًا آيَةَ الْكُرْسِيِّ اقْرَأْهَا فِي بَيْتِكَ فَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ وَلَا غَيْرُهُ.

الْحَدِيثُ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُسَيْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّهُ لَمَّا قَطَعَ تَمْرَ حَائِطِهِ جَعَلَهَا فِي غُرْفَةٍ، وَكَانَتِ الْغُولُ تُخَالِفُهُ فَتَسْرِقُ تَمْرَهُ وَتُفْسِدُهُ عَلَيْهِ فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ سَوَاءٌ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: وَأَدُلُّكَ عَلَى آيَةٍ تَقْرَؤُهَا فِي بَيْتِكَ فَلَا يُخَالَفُ إِلَى أَهْلِكَ، وَتَقْرَؤُهَا عَلَى إِنَائِكَ فَلَا يُكْشَفُ غِطَاؤُهُ وَهِيَ آيَةُ الْكُرْسِيِّ، ثُمَّ حَلَّتِ اسْتَهَا فَضَرَطَتْ، الْحَدِيثَ. وَفِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى حَائِطِهِ فَسَمِعَ جَلَبَةً فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: رَجُلٌ مِنَ الْجِنِّ، أَصَابَتْنَا السَّنَةُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أُصِيبَ مِنْ ثِمَارِكُمْ. قَالَ لَهُ: فَمَا الَّذِي يُعِيذُنَا مِنْكُمْ؟ قَالَ: آيَةُ الْكُرْسِيِّ.

قَوْلُهُ: (وَهُوَ كَذُوبٌ) مِنَ التَّتْمِيمِ الْبَلِيغِ الْغَايَةِ فِي الْحُسْنِ؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ لَهُ الصِّدْقَ، فَأَوْهَمَ لَهُ صِفَةَ الْمَدْحِ، ثُمَّ اسْتَدْرَكَ ذَلِكَ بِصِفَةِ الْمُبَالَغَةِ فِي الذَّمِّ بِقَوْلِهِ: وَهُوَ كَذُوبٌ. وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَعْلَمُ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُؤْمِنُ، وَأَنَّ الْحِكْمَةَ قَدْ يَتَلَقَّاهَا الْفَاجِرُ فَلَا يَنْتَفِعُ بِهَا وَتُؤْخَذُ عَنْهُ فَيَنْتَفِعُ بِهَا، وَأَنَّ الشَّخْصَ قَدْ يَعْلَمُ الشَّيْءَ وَلَا يَعْمَلُ بِهِ، وَأَنَّ الْكَافِرَ قَدْ يَصْدُقُ بِبَعْضِ مَا يَصْدُقُ بِهِ الْمُؤْمِنُ، وَلَا يَكُونُ بِذَلِكَ مُؤْمِنًا، وَبِأَنَّ الْكَذَّابَ قَدْ يَصْدُقُ، وَبِأَنَّ الشَّيْطَانَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَكْذِبَ، وَأَنَّهُ قَدْ يَتَصَوَّرُ بِبَعْضِ الصُّوَرِ فَتُمْكِنُ رُؤْيَتُهُ، وَأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ مَخْصُوصٌ بِمَا إِذَا كَانَ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا، وَأَنَّ مَنْ أُقِيمَ فِي حِفْظِ شَيْءٍ سُمِّيَ وَكِيلًا، وَأَنَّ الْجِنَّ يَأْكُلُونَ مِنْ طَعَامِ الْإِنْسِ، وَأَنَّهُمْ يَظْهَرُونَ لِلْإِنْسِ لَكِنْ بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ، وَأَنَّهُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِكَلَامِ الْإِنْسِ، وَأَنَّهُمْ يَسْرِقُونَ وَيَخْدَعُونَ، وَفِيهِ فَضْلُ آيَةِ الْكُرْسِيِّ وَفَضْلُ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَأَنَّ الْجِنَّ يُصِيبُونَ مِنَ الطَّعَامِ الَّذِي لَا يُذْكَرُ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ. وَفِيهِ أَنَّ السَّارِقَ لَا يُقْطَعُ فِي الْمَجَاعَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْقَدْرُ الْمَسْرُوقُ لَمْ يَبْلُغِ النِّصَابَ؛ وَلِذَلِكَ جَازَ لِلصَّحَابِيِّ الْعَفْوُ عَنْهُ قَبْلَ تَبْلِيغِهِ إِلَى الشَّارِعِ. وَفِيهِ قَبُولُ الْعُذْرِ وَالسَّتْرِ عَلَى مَنْ يُظَنُّ بِهِ الصِّدْقُ. وَفِيهِ اطِّلَاعُ النَّبِيِّ عَلَى الْمُغَيَّبَاتِ.

وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ جِبْرِيلَ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ فَأَعْلَمَهُ بِذَلِكَ. وَفِيهِ جَوَازُ جَمْعِ زَكَاةِ الْفِطْرِ قَبْلَ لَيْلَةِ الْفِطْرِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

فَهُوَ جَائِزٌ، وَإِنْ أَقْرَضَهُ) أي: وإن أقرض الوكيل شيئًا ممَّا وُكِّل فيه (١) (إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى جَازَ) أي: إذا أجازه الموكِّل.

٢٣١١ - (وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ الهَيْثَمِ) بفتح الهاء والمُثلَّثة، بينهما تحتيَّةٌ ساكنةٌ، آخره ميمٌ (أَبُو عَمْرٍو) المؤذِّن، وقد ساقه المؤلِّف من غير أن يصرِّح بالتَّحديث، وكذا ذكره في «قصَّة إبليس» [خ¦٣٢٧٥]

و «فضائل القرآن» [خ¦٥٠١٠] لكن مختصرًا، ووصله النَّسائيُّ والإسماعيليُّ وأبو نُعيمٍ من طرقٍ إلى عثمان هذا قال: (حَدَّثَنَا عَوْفٌ) بالفاء، ابن أبي جَميلة -بالجيم المفتوحة- الأعرابيُّ العبديُّ البصريُّ، رُمِي بالقدر والتَّشيُّع، لكن احتجَّ به الجماعة، وهو من صغار التَّابعين (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) أنَّه (قَالَ: وَكَّلَنِي رَسُولُ اللهِ بِحِفْظِ زَكَاةِ) الفطر من (رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ) كـ «قاضٍ» (فَجَعَلَ يَحْثُو) بحاءٍ مهملةٍ ومُثلَّثةٍ، أي: يأخذ بكفَّيه (مِنَ الطَّعَامِ) وفي رواية أبي المتوكِّل عن أبي هريرة عند النَّسائيِّ: أنَّه كان على تمر الصَّدقة، فوجد أثر كفٍّ كأنَّه قد أخذ منه، ولابن الضُّرَيس (١) من هذا الوجه: فإذا التَّمر قد أُخِذ منه ملء كفٍّ (فَأَخَذْتُهُ) أي: الذي حثا من الطَّعام، وزاد في رواية أبي المتوكِّل: أنَّ أبا هريرة شكا إلى رسول الله أوَّلًا، فقال له: «إن أردت أن تأخذه فقل: سبحان من سخَّرك لمحمَّدٍ»، قال: فقلتها، فإذا أنا (٢) به قائمٌ بين يديَّ فأخذته (وَقُلْتُ: وَاللهِ لأَرْفَعَنَّكَ) من رفع الخصم إلى الحاكم، أي: لأذهبنَّ بك (إِلَى رَسُولِ اللهِ ) ليحكم عليك بقطع اليد لأنَّك سارقٌ، وسقط قوله «والله» في رواية أبي ذرٍّ (قَالَ: إِنِّي مُحْتَاجٌ) لِمَا آخذه (وَعَلَيَّ عِيَالٌ) أي: نفقة عيالٍ، أو «عليَّ» بمعنى: لي، وفي رواية أبي المتوكِّل: فقال: إنَّما أخذته لأهل بيتٍ فقراء من الجنِّ (وَلِي) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «وبي» بالمُوحَّدة بدل اللَّام (حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ، قَالَ) أبو هريرة: (فَخَلَّيْتُ عَنْهُ فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ) لمَّا أتيته: (يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ البَارِحَةَ؟) سُمِّي أسيرًا؛ لأنَّه كان ربطه بسيرٍ؛ لأنَّ عادة العرب يربطون الأسير بالقدِّ، قال (٣) الدَّاوديُّ: وفيه: اطِّلاعه على المُغيَّبات، وفي حديث معاذ بن جبلٍ عند الطَّبرانيِّ أنَّ جبريل جاء إلى النَّبيِّ فأعلمه بذلك (قَالَ) أبو هريرة: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ) : (أَمَا) بالتَّخفيف: حرف استفتاحٍ (أَإِنَّهُ) بكسر الهمزة وفتحها في «اليونينيَّة» (٤)، والفتح على جعل «أَمَا» بمعنى: حقًّا (قَدْ كَذَبَكَ) -بتخفيف الذَّال- في قوله: إنَّه محتاجٌ (وَسَيَعُودُ) إلى الأخذ (فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ لِقَوْلِ

رَسُولِ اللهِ : إِنَّهُ سَيَعُودُ، فَرَصَدْتُهُ) أي: ترقَّبته (فَجَاءَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «فجعل» بدل «فجاء» (يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ: لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ، قَالَ: دَعْنِي فَإِنِّي مُحْتَاجٌ) للأخذ (وَعَلَيَّ عِيَالٌ لَا أَعُودُ، فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ) بإثبات «لي» هنا، وإسقاطها في السَّابق، والتَّعبير بـ «النَّبيِّ» بدل «الرَّسول»: (يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ؟) سقط هنا قوله في السَّابق «البارحة» (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا، فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ) : (أَمَا أَإِنَّهُ) بالتَّخفيف وكسر الهمزة وفتحها (قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ) لم يقل هنا: «فعرفت أنه سيعود … » إلى آخره، (فَرَصَدْتُهُ) المرَّة (الثَّالِثَةَ فَجَاءَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «فجعل» (يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ، فَقُلْتُ: لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ، وَهَذَا آخِرُ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ أَنَّكَ) بفتح الهمزة (تَزْعُمُ لَا تَعُودُ) صفةٌ لـ «ثلاث مرَّاتٍ» على أنَّ كلَّ مرَّةٍ موصوفةٌ بهذا القول الباطل، ولأبي ذرٍّ: «إنَّك» بكسر الهمزة، وفي نسخةٍ مقروءةٍ على الميدوميِّ: «إنَّك تزعم أنَّك لا تعود» (ثُمَّ تَعُودُ، قَالَ: دَعْنِي) وفي رواية أبي المتوكِّل: خلِّ عنِّي (أُعَلِّمْكَ) بالجزم (كَلِمَاتٍ) نُصِب بالكسرة (يَنْفَعْكَ اللهُ بِهَا) بجزم «ينفعك»، قال الطِّيبيُّ: وهو مُطلَقٌ لم يُعلَم منه أيُّ النَّفعِ، فيُحمَل على المُقيَّد في حديث عليٍّ عن رسول الله : «من قرأها -يعني: آية الكرسيِّ- حين يأخذ مضجعه؛ آمنه الله تعالى على داره ودار جاره وأهل دويراتٍ حوله» رواه البيهقيُّ في «شعب الإيمان». انتهى. وفي رواية أبي المتوكِّل: إذا قلتهنَّ لم يَقْرَبْكَ ذَكَرٌ ولا أنثى من (١) الجنِّ (قُلْتُ: مَا هُوَ؟) أي: الكلام، وللحَمُّويي والمُستملي: «ما هنَّ» أي: الكلمات (قَالَ: إِذَا أَوَيْتَ) أتيت (إِلَى فِرَاشِكَ) للنَّوم، وأخذت مضجعك (فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ ﴿اللّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ حَتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ [البقرة: ٢٥٥]) زاد معاذ بن جبلٍ في روايته عند الطَّبرانيِّ: وخاتمة سورة البقرة: «﴿آمَنَ الرَّسُولُ .. ﴾» إلى آخرها [البقرة: ٢٨٥ - ٢٨٦] (فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللهِ) أي: من عند الله، أو من جهة أمر الله، أو من قدرته، أو من بأس الله ونقمته (حَافِظٌ)

يحفظك (وَلَا يَقْرَبَنَّكَ) بفتح الرَّاء والموحَّدة ونون التَّوكيد الثَّقيلة، كذا في (١) «اليونينيَّة»، وفي غيرها: «ولا يقرَبَك» بإسقاط النُّون ونصب المُوحَّدة، عطفًا على السَّابق المنصوب بـ «لن» (شَيْطَانٌ) وفي نسخةٍ: «الشَّيطان» (حَتَّى تُصْبِحَ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ : مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ البَارِحَةَ؟ قُلْتُ) ولأبي الوقت: «فقلت»: (يَا رَسُولَ اللهِ زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللهُ بِهَا، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ قَالَ) : (مَا هِيَ) الكلمات؟ (قُلْتُ) ولأبي الوقت: «قال» بدل «قلت»: (قَالَ لِي: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ) زاد أبو ذرٍّ: «الآية» (﴿اللّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وَقَالَ لِي: لَنْ يَزَالَ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «لم يَزْلْ» (عَلَيْكَ مِنَ اللهِ حَافِظٌ) وسقط قوله «لي» من رواية أبي ذرٍّ (وَلَا يَقْرَبَكَ شَيْطَانٌ) بفتح الرَّاء والموحَّدة، ولأبي ذرٍّ: «ولا يقربُك» بضمِّ الموحَّدة من غير نونٍ فيهما، كذا في الفرع وأصله (٢)، قال البرماويُّ كالكِرمانيِّ بعد أن ذكرا (٣) فتح الرَّاء والمُوحَّدة: وأصله: «يقربنَّك» بالنُّون المُؤكَّدة، قال في «المصابيح»: لا أدري ما دعاه إلى ارتكاب مثل هذا الأمر الضَّعيف مع ظهور الصَّواب في خلافه، وذلك أنَّه قال: «فإنَّك لن يزال عليك من الله حافظٌ، ولا يقربك شيطانٌ حتَّى تصبح»، فعندنا فعلٌ منصوبٌ بـ «لن»، وهو قوله: «يزال»، والآخر من قول (٤): «يقربك» منصوبٌ بالعطف (٥) على المنصوب المتقدِّم، و «لا» زائدةٌ لتأكيد النَّفي مثلها في قولك: لن يقوم زيدٌ ولا يضحك، وأجريناها على طريقتهم في إطلاق الزِّيادة على «لا» هذه وإن كان (٦) التَّحقيق أنَّها ليست بزائدةٍ دائمًا، ألا ترى أنَّه إذا قيل: ما جاءني زيدٌ وعمرٌو، احتمل نفي مجيء كلٍّ منهما على كلِّ حالٍ، ونفي اجتماعهما في المجيء، فإذا جيء بـ «لا» كان الكلام نصًّا في المعنى

الأوَّل، نعم هي زائدةٌ في مثل قولك: لا يستوي زيدٌ ولا عمرٌو. انتهى. ولأبي ذرٍّ: «ولا يقربك الشَّيطان (١)» (حَتَّى تُصْبِحَ، وَكَانُوا) أي: الصحابة (أَحْرَصَ شَيْءٍ عَلَى) تعلُّم (الخَيْرِ) وفعله، وكان الأصل أن يقول: «وكنَّا» لكنَّه على طريق الالتفات، وقيل: هو مُدرَجٌ من كلام بعض رواته، وبالجملة فهو مسوقٌ للاعتذار عن تخلية سبيله بعد المرَّة الثَّالثة حرصًا على تعلُّم (٢) ما ينفع (فَقَالَ النَّبِيُّ : أَمَا أَإِنَّهُ) بالتَّخفيف وفتح الهمزة وكسرها كما مرَّ (قَدْ صَدَقَكَ) -بتخفيف الدَّال- في نفع آية الكرسيِّ، ولمَّا أثبت له الصِّدق أوهم المدح، فاستدركه بصيغةٍ تفيد المبالغة في الذَّمِّ بقوله: (وَهُوَ كَذُوبٌ) وفي حديث معاذ بن جبلٍ: صدق الخبيث وهو كذوبٌ (تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ) بالنُّون، وللحَمُّويي والمُستملي: «مذ» (ثَلَاثِ لَيَالٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: لَا) أعلم (قَالَ) : (ذَاكَ شَيْطَانٌ) من الشَّياطين، قال في «شرح المشكاة»: ونكَّر لفظ الشَّيطان بعد سبق ذكره مُنكَّرًا في قوله: «لا يقربك شيطانٌ» ليُؤذِن بأنَّ الثَّاني غير الأوَّل، وأنَّ الأوَّل مطلقٌ شائعٌ في جنسه، والثَّاني فردٌ من أفراد ذلك الجنس، فلو عُرِّف لأوهم خلاف المقصود؛ لأنَّه إمَّا أن يُشار إلى السَّابق، أو إلى المعروف والمشهور بين النَّاس، وكلاهما غير مرادٍ، وكان من الظَّاهر أن يُقال: «شيطانًا» بالنصب؛ لأنَّ السُّؤال في قوله: «من تخاطب»؟ عن المفعول، فعدل إلى الجملة الاسميَّة، وشخَّصه باسم الإشارة لمزيد التَّعيين ودوام الاحتراز عن كيده ومكره. فإن قلت: قد سبق في «الصَّلاة» [خ¦٤٦١] أنَّه قال: «إنَّ شيطانًا تفلَّت عليَّ البارحة … (٣)» الحديث، وفيه: «ولولا دعوة أخي سليمان لأصبح مربوطًا بساريةٍ»، وفي حديث الباب: أنَّ أبا هريرة أمسك الشَّيطان الذي رآه، أجيب باحتمال أنَّ الذي همَّ به (٤) النَّبيُّ أن يوثقه رأسُ الشَّياطين الذي يلزم من التَّمكُّن منه التَّمكُّن من الشَّياطين، فيضاهي حينئذٍ سليمان في (٥)

تسخيرهم (١)، والمراد بالشَّيطان في حديث أبي هريرة هذا: شيطانه (٢) بخصوصه، أو غيره في الجملة، فلا يلزم من تمكُّنه منه استتباع غيره من الشَّياطين في ذلك التَّمكُّن، أو الشَّيطان الذي همَّ به النَّبيُّ (٣) تبدَّى له في صفته التي خُلِق عليها، وكذلك كانوا في خدمة سليمان على هيئتهم، والذي تبدَّى (٤) لأبي هريرة في حديث الباب كان على هيئة (٥) الآدميِّين، فلم يكن في إمساكه مضاهاةٌ لملك (٦) سليمان (٧)، وقد وقع لأُبيِّ بن كعبٍ عند النَّسائيِّ، وأبي أيُّوب الأنصاريِّ عند التِّرمذيِّ، وأبي أُسَيدٍ الأنصاريِّ عند الطَّبرانيِّ، وزيد ابن ثابتٍ عند ابن أبي الدُّنيا قصصٌ في ذلك، إلَّا أنه ليس فيها ما يشبه قصَّة (٨) أبي هريرة، إلَّا قصَّة معاذٍ، وهو محمولٌ على التَّعدُّد.

وموضع الترجمة قوله: «فخلَّيت سبيله» لأنَّ أبا هريرة ترك الرَّجل الذي حثا الطَّعام لمَّا شكا الحاجة، فأخبر بذلك رسول الله فأجازه، قال الزَّركشيُّ كغيره: وفيه نظرٌ؛ لأنَّ أبا هريرة لم يكن وكيلًا بالعطاء، بل بالحفظ خاصَّةً، قال في «المصابيح»: النَّظر ساقطٌ؛ لأنَّ المقصود انطباق التَّرجمة على الحديث، وهي كذلك؛ لأنَّ أبا هريرة وإن لم يكن وكيلًا في الإعطاء (٩) فهو وكيلٌ في الجملة؛ ضرورة أنَّه وكيلٌ بحفظ الزَّكاة، وقد ترك ممَّا وُكِّل بحفظه شيئًا، وأجاز فعله، فقد طابقته التَّرجمة قطعًا، نعم في أخذ إقراض الوكيل إلى أجلٍ مُسمًّى من هذا الحديث نظرٌ، وقد قرَّر بعضهم وجه الأخذ: بأنَّ أبا هريرة لمَّا ترك السَّارق الذي حثا من الطَّعام كان ذلك الأجل (١٠)، ولا يخفى ما في ذلك من التَّكلُّف والضَّعف.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٢٣١١ - وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ أَبُو عَمْرٍو، حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنْ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ وَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ، قَالَ: إِنِّي مُحْتَاجٌ وَعَلَيَّ عِيَالٌ، وَلِي حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ، قَالَ: فَخَلَّيْتُ عَنْهُ، فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ النَّبِيُّ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ؟ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا، فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ، وَسَيَعُودُ. فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ : إِنَّهُ سَيَعُودُ، فَرَصَدْتُهُ فَجَعل يَحْثُو مِنْ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ، فَقُلْتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ، قَالَ: دَعْنِي فَإِنِّي مُحْتَاجٌ وَعَلَيَّ عِيَالٌ، لَا أَعُودُ، فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ. قَالَ: أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ، فَرَصَدْتُهُ الثَّالِثَةَ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنْ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ، فَقُلْتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَهَذَا آخِرُ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ، إنَّكَ تَزْعُمُ لَا تَعُودُ ثُمَّ تَعُودُ.

قَالَ: دَعْنِي أُعَلِّمْكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهَا، قُلْتُ: مَا هُن؟ قَالَ: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ حَتَّى تَخْتِمَ الْآيَةَ، فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنْ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبَنَّكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ : مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهَا فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ. قَالَ: مَا هِيَ؟ قُلْتُ: قَالَ لِي: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ الْآيَةَ: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وَقَالَ لِي: لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنْ اللَّهِ حَافِظٌ وَلَا يَقْرَبَكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ - وَكَانُوا أَحْرَصَ شَيْءٍ عَلَى الْخَيْرِ - فَقَالَ النَّبِيُّ : أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ. تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: ذَاكَ شَيْطَانٌ.

[الحديث ٢٣١١ - طرفه في: ٣٢٧٥، ٥٠١٠]

قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا وَكَّلَ رَجُلًا فَتَرَكَ الْوَكِيلُ شَيْئًا فَأَجَازَهُ الْمُوَكِّلُ فَهُوَ جَائِزٌ، وَإِنْ أَقْرَضَهُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى جَازَ). أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي حِفْظِهِ زَكَاةُ رَمَضَانَ، قَالَ الْمُهَلَّبُ: مَفْهُومُ التَّرْجَمَةِ أَنَّ الْمُوَكِّلَ إِذَا لَمْ يُجِزْ مَا فَعَلَهُ الْوَكِيلُ مِمَّا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِيهِ فَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ، قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُهُ: وإِنْ أَقْرَضَهُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى جَازَ أَيْ: إِنْ أَجَازَهُ الْمُوَكِّلُ أَيْضًا، قَالَ: وَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا أَنَّ الْمُؤْتَمَنَ إِذَا أَقْرَضَ شَيْئًا مِنْ مَالِ الْوَدِيعَةِ وَغَيْرِهَا لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ، وَكَانَ رَبُّ الْمَالِ بِالْخِيَارِ.

قَالَ: وَأُخِذَ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ بِطَرِيقِ أَنَّ الطَّعَامَ كَانَ مَجْمُوعًا لِلصَّدَقَةِ، وَكَانُوا يَجْمَعُونَهُ قَبْلَ إِخْرَاجِهِ، وَإِخْرَاجُهُ كَانَ لَيْلَةَ الْفِطْرِ، فَلَمَّا شَكَا السَّارِقُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ الْحَاجَةَ تَرَكَهُ، فَكَأَنَّهُ أَسْلَفَهُ لَهُ إِلَى أَجَلٍ وَهُوَ وَقْتُ الْإِخْرَاجِ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: تُؤْخَذُ الْمُنَاسَبَةُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ أَمْهَلَهُ إِلَى أَنْ رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ . كَذَا قَالَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ)، هَكَذَا أَوْرَدَ

الْبُخَارِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ هُنَا وَلَمْ يُصَرِّحْ فِيهِ بِالتَّحْدِيثِ، وَزَعَمَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ، وَأَعَادَهُ كَذَلِكَ فِي صِفَةِ إِبْلِيسَ، وَفِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ لَكِنْ بِاخْتِصَارٍ، وَقَدْ وَصَلَهُ النَّسَائِيُّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طُرُقٍ إِلَى عُثْمَانَ الْمَذْكُورِ، وَذَكَرْتُهُ فِي تَعْلِيقِ التَّعْلِيقِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُنِيبٍ، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ سَلَّامٍ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ يَعْقُوبَ الْجُوزَجَانِيِّ، وَهِلَالِ بْنِ بِشْرٍ الصَّوَّافِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ غَالِبٍ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: تِمْتَامٌ، وَأَقْرَبُهُمْ لِأَنْ يَكُونَ الْبُخَارِيُّ أَخَذَهُ عَنْهُ - إِنْ كَانَ مَا سَمِعَهُ مِنَ ابْنِ الْهَيْثَمِ - هِلَالُ بْنُ بِشْرٍ، فَإِنَّهُ مِنْ شُيُوخِهِ أَخْرَجَ عَنْهُ فِي جَزْءِ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ، وَلَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى عِنْدَ النَّسَائِيِّ أَخْرَجَهَا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَوَقَعَ مِثْلُ ذَلِكَ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ الرُّويَانِيُّ.

قَوْلُهُ: (وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو) بِإِسْكَانِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ، يُقَالُ: حَثَا يَحْثُو وَحَثَى يَحْثِي، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ كَانَ عَلَى تَمْرِ الصَّدَقَةِ فَوَجَدَ أَثَرَ كَفٍّ كَأَنَّهُ قَدْ أُخِذُ مِنْهُ. وَلِابْنِ الضُّرَيْسِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: فَإِذَا التَّمْرُ قَدْ أُخِذَ مِنْهُ مِلْءُ كَفٍّ.

قَوْلُهُ: (فَأَخَذْتُهُ). زَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ شَكَا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ أَوَّلًا، فَقَالَ لَهُ: إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَأْخُذَهُ، فَقُلْ: سُبْحَانَ مَنْ سَخَّرَكَ لِمُحَمَّدٍ، قَالَ: فَقُلْتُهَا فَإِذَا أَنَا بِهِ قَائِمٌ بَيْنَ يَدَيْ فَأَخَذْتُهُ.

قَوْلُهُ: (لَأَرْفَعَنَّكَ) أَيْ: لَأَذْهَبَنَّ بِكَ أَشْكُوكَ، يُقَالُ: رَفَعَهُ إِلَى الْحَاكِمِ إِذَا أَحْضَرَهُ لِلشَّكْوَى.

قَوْلُهُ: (إِنِّي مُحْتَاجٌ وَعَلَيَّ عِيَالٌ) أَيْ: نَفَقَةُ عِيَالٍ أَوْ عَلَيَّ بِمَعْنَى لِي، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ: فَقَالَ: إِنَّمَا أَخَذْتُهُ لِأَهْلِ بَيْتٍ فُقَرَاءَ مِنَ الْجِنِّ. وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: وَلَا أَعُودُ.

قَوْلُهُ: (وَلِي حَاجَةٌ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: وَبِي حَاجَةٌ.

قَوْلُهُ: (فَرَصَدْتُهُ) أَيْ: رَقَبْتُهُ.

قَوْلُهُ: (فَجَعَلَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَالْمُسْتَمْلِي: فَجَاءَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ: دَعْنِي أُعَلِّمُكَ). فِي رِوَايَةِ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ: خَلِّ عَنِّي.

قَوْلُهُ: (يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهَا) فِي رِوَايَةِ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ: إِذَا قُلْتَهُنَّ لَمْ يَقْرُبْكَ ذَكَرٌ وَلَا أُنْثَى مِنَ الْجِنِّ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الضُّرَيْسِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: لَا يَقْرُبُكَ مِنَ الْجِنِّ ذَكَرٌ وَلَا أُنْثَى صَغِيرٌ وَلَا كَبِيرٌ.

قَوْلُهُ: (قُلْتُ: مَا هُنَّ؟) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: مَا هُوَ؟ أَيِ: الْكَلَامُ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ: قُلْتُ: وَمَا هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتُ.

قَوْلُهُ: (إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ). فِي رِوَايَةِ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ: عِنْدَ كُلِّ صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ.

قَوْلُهُ: (آيَةَ الْكُرْسِيِّ: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ حَتَّى تَخْتِمَ الْآيَةَ) فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَهَا، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الضُّرَيْسِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وَفِي حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ مِنَ الزِّيَادَةِ: وَخَاتِمَةَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ إِلَى آخِرِهَا. وَقَالَ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ: ضَمَّ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ تَمْرَ الصَّدَقَةِ، فَكُنْتُ أَجِدُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ نُقْصَانًا، فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ لِي: هُوَ عَمَلُ الشَّيْطَانِ فَارْصُدْهُ، فَرَصَدْتُهُ فَأَقْبَلَ فِي صُورَةِ فِيلٍ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الْبَابِ دَخَلَ مِنْ خَلَلِ الْبَابِ فِي غَيْرِ صُورَتِهِ، فَدَنَا مِنَ التَّمْرِ فَجَعَلَ يَلْتَقِمُهُ، فَشَدَدْتُ عَلَي ثِيَابِي فَتَوَسَّطْتُهُ. وَفِي رِوَايَةِ الرُّويَانِيِّ: فَأَخَذْتُهُ فَالْتَفَّتْ يَدِي عَلَى وَسَطِهِ، فَقُلْتُ: يَا عَدُوَّ اللَّهِ، وَثَبْتَ إِلَى تَمْرِ الصَّدَقَةِ فَأَخَذْتَهُ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهِ مِنْكَ، لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَيَفْضَحُكَ. وَفِي رِوَايَةِ الرُّويَانِيِّ: مَا أَدْخَلَكَ بَيْتِي تَأْكُلُ التَّمْرَ؟ قَالَ: أَنَا شَيْخٌ كَبِيرٌ فَقِيرٌ ذُو عِيَالٍ، وَمَا أَتَيْتُكَ إِلَّا مِنْ نَصِيبِينَ، وَلَوْ أَصَبْتَ شَيْئًا دُونَهُ مَا أَتَيْتُكَ، وَلَقَدْ كُنَّا فِي مَدِينَتِكُمْ هَذِهِ حَتَّى بُعِثَ صَاحِبُكُمْ فَلَمَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِ آيَتَانِ تَفَرَّقْنَا مِنْهَا، فَإِنْ خَلَّيْتَ سَبِيلِي عَلَّمْتُكَهُمَا. قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: آيَةُ الْكُرْسِيِّ وَآخِرُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ إِلَى آخِرِهَا.

قَوْلُهُ: (لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: لَمْ يَزَلْ، وَوَقَعَ عَكْسُ ذَلِكَ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي وَقَعَ فِي صِفَةِ إِبْلِيسَ، وَهُوَ رِوَايَةُ النَّسَائِيِّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ.

قَوْلُهُ: (مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ) أَيْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أَوْ مِنْ جِهَةِ أَمْرِ

اللَّهِ أَوْ مِنْ بَأْسِ اللَّهِ وَنِقْمَتِهِ.

قَوْلُهُ: (وَلَا يَقْرَبُكَ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ.

قَوْلُهُ: (وَكَانُوا) أَيِ: الصَّحَابَةُ (أَحْرَصَ شَيْءٍ عَلَى الْخَيْرِ) فِيهِ الْتِفَاتٌ، إِذِ السِّيَاقُ يَقْتَضِي أَنْ يَقُولَ: وَكُنَّا أَحْرَصَ شَيْءٍ عَلَى الْخَيْرِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْكَلَامُ مُدْرَجًا مِنْ كَلَامِ بَعْضِ رُوَاتِهِ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَهُوَ مَسُوقٌ لِلِاعْتِذَارِ عَنْ تَخْلِيَةِ سَبِيلِهِ بَعْدَ الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ حِرْصًا عَلَى تَعْلِيمِ مَا يَنْفَعُ.

قَوْلُهُ: (صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ) فِي حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: صَدَقَ الْخَبِيثُ وَهُوَ كَذُوبٌ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ: أَوَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ كَذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (مُذْ ثَلَاثٍ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: مُنْذُ ثَلَاثٍ.

قَوْلُهُ: (ذَاكَ شَيْطَانٌ) كَذَا لِلْجَمِيعِ، أَيْ: شَيْطَانٌ مِنَ الشَّيَاطِينِ، وَوَقَعَ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ: ذَاكَ الشَّيْطَانُ وَاللَّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ الذَّهَبِيِّ، وَقَدْ وَقَعَ أَيْضًا لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَأَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، وَأَبِي أُسَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عِنْدَ ابْنِ أَبِي الدُّنْيَا قِصَصٌ فِي ذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا مَا يُشْبِهُ قِصَّةَ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَّا قِصَّةَ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ الَّتِي ذَكَرْتُهَا، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّعَدُّدِ، فَفِي حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ كَانَ لَهُ جُرْنٌ فِيهِ تَمْرٌ، وَأَنَّهُ كَانَ يَتَعَاهَدُهُ، فَوَجَدَهُ يَنْقُصُ، فَإِذَا هُوَ بِدَابَّةٍ شِبْهَ الْغُلَامِ الْمُحْتَلِمِ، فَقُلْتُ لَهُ: أَجِنِّيٌّ أَمْ إِنْسِيٌّ؟ قَالَ: بَلْ جِنِّيٌّ وَفِيهِ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: بَلَغَنَا أَنَّكَ تُحِبُّ الصَّدَقَةَ وَأَحْبَبْنَا أَنْ نُصِيبَ مِنْ طَعَامِكَ، قَالَ: فَمَا الَّذِي يَجْبُرُنَا مِنْكُمْ؟ قَالَ: هَذِهِ الآيةُ آيَةُ الْكُرْسِيِّ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ فَقَالَ: صَدَقَ الْخَبِيثُ وَفِي حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ: أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ سَهْوَةٌ - أَيْ: بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْهَاءِ وَهِيَ الصُّفَّةُ - فِيهَا تَمْرٌ، وَكَانَتِ الْغُولُ تَجِيءُ فَتَأْخُذُ مِنْهُ، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: إِذَا رَأَيْتَهَا فَقُلْ: بِاسْمِ اللَّهِ أَجِيبِي رَسُولَ اللَّهِ، فَأَخَذَهَا فَحَلَفَتْ أَنْ لَا تَعُودَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ ثَلَاثًا، فَقَالَتْ: إِنِّي ذَاكِرَةٌ لَكَ شَيْئًا آيَةَ الْكُرْسِيِّ اقْرَأْهَا فِي بَيْتِكَ فَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ وَلَا غَيْرُهُ.

الْحَدِيثُ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُسَيْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّهُ لَمَّا قَطَعَ تَمْرَ حَائِطِهِ جَعَلَهَا فِي غُرْفَةٍ، وَكَانَتِ الْغُولُ تُخَالِفُهُ فَتَسْرِقُ تَمْرَهُ وَتُفْسِدُهُ عَلَيْهِ فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ سَوَاءٌ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: وَأَدُلُّكَ عَلَى آيَةٍ تَقْرَؤُهَا فِي بَيْتِكَ فَلَا يُخَالَفُ إِلَى أَهْلِكَ، وَتَقْرَؤُهَا عَلَى إِنَائِكَ فَلَا يُكْشَفُ غِطَاؤُهُ وَهِيَ آيَةُ الْكُرْسِيِّ، ثُمَّ حَلَّتِ اسْتَهَا فَضَرَطَتْ، الْحَدِيثَ. وَفِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى حَائِطِهِ فَسَمِعَ جَلَبَةً فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: رَجُلٌ مِنَ الْجِنِّ، أَصَابَتْنَا السَّنَةُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أُصِيبَ مِنْ ثِمَارِكُمْ. قَالَ لَهُ: فَمَا الَّذِي يُعِيذُنَا مِنْكُمْ؟ قَالَ: آيَةُ الْكُرْسِيِّ.

قَوْلُهُ: (وَهُوَ كَذُوبٌ) مِنَ التَّتْمِيمِ الْبَلِيغِ الْغَايَةِ فِي الْحُسْنِ؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ لَهُ الصِّدْقَ، فَأَوْهَمَ لَهُ صِفَةَ الْمَدْحِ، ثُمَّ اسْتَدْرَكَ ذَلِكَ بِصِفَةِ الْمُبَالَغَةِ فِي الذَّمِّ بِقَوْلِهِ: وَهُوَ كَذُوبٌ. وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَعْلَمُ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُؤْمِنُ، وَأَنَّ الْحِكْمَةَ قَدْ يَتَلَقَّاهَا الْفَاجِرُ فَلَا يَنْتَفِعُ بِهَا وَتُؤْخَذُ عَنْهُ فَيَنْتَفِعُ بِهَا، وَأَنَّ الشَّخْصَ قَدْ يَعْلَمُ الشَّيْءَ وَلَا يَعْمَلُ بِهِ، وَأَنَّ الْكَافِرَ قَدْ يَصْدُقُ بِبَعْضِ مَا يَصْدُقُ بِهِ الْمُؤْمِنُ، وَلَا يَكُونُ بِذَلِكَ مُؤْمِنًا، وَبِأَنَّ الْكَذَّابَ قَدْ يَصْدُقُ، وَبِأَنَّ الشَّيْطَانَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَكْذِبَ، وَأَنَّهُ قَدْ يَتَصَوَّرُ بِبَعْضِ الصُّوَرِ فَتُمْكِنُ رُؤْيَتُهُ، وَأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ مَخْصُوصٌ بِمَا إِذَا كَانَ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا، وَأَنَّ مَنْ أُقِيمَ فِي حِفْظِ شَيْءٍ سُمِّيَ وَكِيلًا، وَأَنَّ الْجِنَّ يَأْكُلُونَ مِنْ طَعَامِ الْإِنْسِ، وَأَنَّهُمْ يَظْهَرُونَ لِلْإِنْسِ لَكِنْ بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ، وَأَنَّهُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِكَلَامِ الْإِنْسِ، وَأَنَّهُمْ يَسْرِقُونَ وَيَخْدَعُونَ، وَفِيهِ فَضْلُ آيَةِ الْكُرْسِيِّ وَفَضْلُ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَأَنَّ الْجِنَّ يُصِيبُونَ مِنَ الطَّعَامِ الَّذِي لَا يُذْكَرُ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ. وَفِيهِ أَنَّ السَّارِقَ لَا يُقْطَعُ فِي الْمَجَاعَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْقَدْرُ الْمَسْرُوقُ لَمْ يَبْلُغِ النِّصَابَ؛ وَلِذَلِكَ جَازَ لِلصَّحَابِيِّ الْعَفْوُ عَنْهُ قَبْلَ تَبْلِيغِهِ إِلَى الشَّارِعِ. وَفِيهِ قَبُولُ الْعُذْرِ وَالسَّتْرِ عَلَى مَنْ يُظَنُّ بِهِ الصِّدْقُ. وَفِيهِ اطِّلَاعُ النَّبِيِّ عَلَى الْمُغَيَّبَاتِ.

وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ جِبْرِيلَ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ فَأَعْلَمَهُ بِذَلِكَ. وَفِيهِ جَوَازُ جَمْعِ زَكَاةِ الْفِطْرِ قَبْلَ لَيْلَةِ الْفِطْرِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

فَهُوَ جَائِزٌ، وَإِنْ أَقْرَضَهُ) أي: وإن أقرض الوكيل شيئًا ممَّا وُكِّل فيه (١) (إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى جَازَ) أي: إذا أجازه الموكِّل.

٢٣١١ - (وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ الهَيْثَمِ) بفتح الهاء والمُثلَّثة، بينهما تحتيَّةٌ ساكنةٌ، آخره ميمٌ (أَبُو عَمْرٍو) المؤذِّن، وقد ساقه المؤلِّف من غير أن يصرِّح بالتَّحديث، وكذا ذكره في «قصَّة إبليس» [خ¦٣٢٧٥]

و «فضائل القرآن» [خ¦٥٠١٠] لكن مختصرًا، ووصله النَّسائيُّ والإسماعيليُّ وأبو نُعيمٍ من طرقٍ إلى عثمان هذا قال: (حَدَّثَنَا عَوْفٌ) بالفاء، ابن أبي جَميلة -بالجيم المفتوحة- الأعرابيُّ العبديُّ البصريُّ، رُمِي بالقدر والتَّشيُّع، لكن احتجَّ به الجماعة، وهو من صغار التَّابعين (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) أنَّه (قَالَ: وَكَّلَنِي رَسُولُ اللهِ بِحِفْظِ زَكَاةِ) الفطر من (رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ) كـ «قاضٍ» (فَجَعَلَ يَحْثُو) بحاءٍ مهملةٍ ومُثلَّثةٍ، أي: يأخذ بكفَّيه (مِنَ الطَّعَامِ) وفي رواية أبي المتوكِّل عن أبي هريرة عند النَّسائيِّ: أنَّه كان على تمر الصَّدقة، فوجد أثر كفٍّ كأنَّه قد أخذ منه، ولابن الضُّرَيس (١) من هذا الوجه: فإذا التَّمر قد أُخِذ منه ملء كفٍّ (فَأَخَذْتُهُ) أي: الذي حثا من الطَّعام، وزاد في رواية أبي المتوكِّل: أنَّ أبا هريرة شكا إلى رسول الله أوَّلًا، فقال له: «إن أردت أن تأخذه فقل: سبحان من سخَّرك لمحمَّدٍ»، قال: فقلتها، فإذا أنا (٢) به قائمٌ بين يديَّ فأخذته (وَقُلْتُ: وَاللهِ لأَرْفَعَنَّكَ) من رفع الخصم إلى الحاكم، أي: لأذهبنَّ بك (إِلَى رَسُولِ اللهِ ) ليحكم عليك بقطع اليد لأنَّك سارقٌ، وسقط قوله «والله» في رواية أبي ذرٍّ (قَالَ: إِنِّي مُحْتَاجٌ) لِمَا آخذه (وَعَلَيَّ عِيَالٌ) أي: نفقة عيالٍ، أو «عليَّ» بمعنى: لي، وفي رواية أبي المتوكِّل: فقال: إنَّما أخذته لأهل بيتٍ فقراء من الجنِّ (وَلِي) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «وبي» بالمُوحَّدة بدل اللَّام (حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ، قَالَ) أبو هريرة: (فَخَلَّيْتُ عَنْهُ فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ) لمَّا أتيته: (يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ البَارِحَةَ؟) سُمِّي أسيرًا؛ لأنَّه كان ربطه بسيرٍ؛ لأنَّ عادة العرب يربطون الأسير بالقدِّ، قال (٣) الدَّاوديُّ: وفيه: اطِّلاعه على المُغيَّبات، وفي حديث معاذ بن جبلٍ عند الطَّبرانيِّ أنَّ جبريل جاء إلى النَّبيِّ فأعلمه بذلك (قَالَ) أبو هريرة: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ) : (أَمَا) بالتَّخفيف: حرف استفتاحٍ (أَإِنَّهُ) بكسر الهمزة وفتحها في «اليونينيَّة» (٤)، والفتح على جعل «أَمَا» بمعنى: حقًّا (قَدْ كَذَبَكَ) -بتخفيف الذَّال- في قوله: إنَّه محتاجٌ (وَسَيَعُودُ) إلى الأخذ (فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ لِقَوْلِ

رَسُولِ اللهِ : إِنَّهُ سَيَعُودُ، فَرَصَدْتُهُ) أي: ترقَّبته (فَجَاءَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «فجعل» بدل «فجاء» (يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ: لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ، قَالَ: دَعْنِي فَإِنِّي مُحْتَاجٌ) للأخذ (وَعَلَيَّ عِيَالٌ لَا أَعُودُ، فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ) بإثبات «لي» هنا، وإسقاطها في السَّابق، والتَّعبير بـ «النَّبيِّ» بدل «الرَّسول»: (يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ؟) سقط هنا قوله في السَّابق «البارحة» (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا، فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ) : (أَمَا أَإِنَّهُ) بالتَّخفيف وكسر الهمزة وفتحها (قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ) لم يقل هنا: «فعرفت أنه سيعود … » إلى آخره، (فَرَصَدْتُهُ) المرَّة (الثَّالِثَةَ فَجَاءَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي: «فجعل» (يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ، فَقُلْتُ: لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ، وَهَذَا آخِرُ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ أَنَّكَ) بفتح الهمزة (تَزْعُمُ لَا تَعُودُ) صفةٌ لـ «ثلاث مرَّاتٍ» على أنَّ كلَّ مرَّةٍ موصوفةٌ بهذا القول الباطل، ولأبي ذرٍّ: «إنَّك» بكسر الهمزة، وفي نسخةٍ مقروءةٍ على الميدوميِّ: «إنَّك تزعم أنَّك لا تعود» (ثُمَّ تَعُودُ، قَالَ: دَعْنِي) وفي رواية أبي المتوكِّل: خلِّ عنِّي (أُعَلِّمْكَ) بالجزم (كَلِمَاتٍ) نُصِب بالكسرة (يَنْفَعْكَ اللهُ بِهَا) بجزم «ينفعك»، قال الطِّيبيُّ: وهو مُطلَقٌ لم يُعلَم منه أيُّ النَّفعِ، فيُحمَل على المُقيَّد في حديث عليٍّ عن رسول الله : «من قرأها -يعني: آية الكرسيِّ- حين يأخذ مضجعه؛ آمنه الله تعالى على داره ودار جاره وأهل دويراتٍ حوله» رواه البيهقيُّ في «شعب الإيمان». انتهى. وفي رواية أبي المتوكِّل: إذا قلتهنَّ لم يَقْرَبْكَ ذَكَرٌ ولا أنثى من (١) الجنِّ (قُلْتُ: مَا هُوَ؟) أي: الكلام، وللحَمُّويي والمُستملي: «ما هنَّ» أي: الكلمات (قَالَ: إِذَا أَوَيْتَ) أتيت (إِلَى فِرَاشِكَ) للنَّوم، وأخذت مضجعك (فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ ﴿اللّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ حَتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ [البقرة: ٢٥٥]) زاد معاذ بن جبلٍ في روايته عند الطَّبرانيِّ: وخاتمة سورة البقرة: «﴿آمَنَ الرَّسُولُ .. ﴾» إلى آخرها [البقرة: ٢٨٥ - ٢٨٦] (فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللهِ) أي: من عند الله، أو من جهة أمر الله، أو من قدرته، أو من بأس الله ونقمته (حَافِظٌ)

يحفظك (وَلَا يَقْرَبَنَّكَ) بفتح الرَّاء والموحَّدة ونون التَّوكيد الثَّقيلة، كذا في (١) «اليونينيَّة»، وفي غيرها: «ولا يقرَبَك» بإسقاط النُّون ونصب المُوحَّدة، عطفًا على السَّابق المنصوب بـ «لن» (شَيْطَانٌ) وفي نسخةٍ: «الشَّيطان» (حَتَّى تُصْبِحَ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ : مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ البَارِحَةَ؟ قُلْتُ) ولأبي الوقت: «فقلت»: (يَا رَسُولَ اللهِ زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللهُ بِهَا، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ قَالَ) : (مَا هِيَ) الكلمات؟ (قُلْتُ) ولأبي الوقت: «قال» بدل «قلت»: (قَالَ لِي: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ) زاد أبو ذرٍّ: «الآية» (﴿اللّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وَقَالَ لِي: لَنْ يَزَالَ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «لم يَزْلْ» (عَلَيْكَ مِنَ اللهِ حَافِظٌ) وسقط قوله «لي» من رواية أبي ذرٍّ (وَلَا يَقْرَبَكَ شَيْطَانٌ) بفتح الرَّاء والموحَّدة، ولأبي ذرٍّ: «ولا يقربُك» بضمِّ الموحَّدة من غير نونٍ فيهما، كذا في الفرع وأصله (٢)، قال البرماويُّ كالكِرمانيِّ بعد أن ذكرا (٣) فتح الرَّاء والمُوحَّدة: وأصله: «يقربنَّك» بالنُّون المُؤكَّدة، قال في «المصابيح»: لا أدري ما دعاه إلى ارتكاب مثل هذا الأمر الضَّعيف مع ظهور الصَّواب في خلافه، وذلك أنَّه قال: «فإنَّك لن يزال عليك من الله حافظٌ، ولا يقربك شيطانٌ حتَّى تصبح»، فعندنا فعلٌ منصوبٌ بـ «لن»، وهو قوله: «يزال»، والآخر من قول (٤): «يقربك» منصوبٌ بالعطف (٥) على المنصوب المتقدِّم، و «لا» زائدةٌ لتأكيد النَّفي مثلها في قولك: لن يقوم زيدٌ ولا يضحك، وأجريناها على طريقتهم في إطلاق الزِّيادة على «لا» هذه وإن كان (٦) التَّحقيق أنَّها ليست بزائدةٍ دائمًا، ألا ترى أنَّه إذا قيل: ما جاءني زيدٌ وعمرٌو، احتمل نفي مجيء كلٍّ منهما على كلِّ حالٍ، ونفي اجتماعهما في المجيء، فإذا جيء بـ «لا» كان الكلام نصًّا في المعنى

الأوَّل، نعم هي زائدةٌ في مثل قولك: لا يستوي زيدٌ ولا عمرٌو. انتهى. ولأبي ذرٍّ: «ولا يقربك الشَّيطان (١)» (حَتَّى تُصْبِحَ، وَكَانُوا) أي: الصحابة (أَحْرَصَ شَيْءٍ عَلَى) تعلُّم (الخَيْرِ) وفعله، وكان الأصل أن يقول: «وكنَّا» لكنَّه على طريق الالتفات، وقيل: هو مُدرَجٌ من كلام بعض رواته، وبالجملة فهو مسوقٌ للاعتذار عن تخلية سبيله بعد المرَّة الثَّالثة حرصًا على تعلُّم (٢) ما ينفع (فَقَالَ النَّبِيُّ : أَمَا أَإِنَّهُ) بالتَّخفيف وفتح الهمزة وكسرها كما مرَّ (قَدْ صَدَقَكَ) -بتخفيف الدَّال- في نفع آية الكرسيِّ، ولمَّا أثبت له الصِّدق أوهم المدح، فاستدركه بصيغةٍ تفيد المبالغة في الذَّمِّ بقوله: (وَهُوَ كَذُوبٌ) وفي حديث معاذ بن جبلٍ: صدق الخبيث وهو كذوبٌ (تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ) بالنُّون، وللحَمُّويي والمُستملي: «مذ» (ثَلَاثِ لَيَالٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: لَا) أعلم (قَالَ) : (ذَاكَ شَيْطَانٌ) من الشَّياطين، قال في «شرح المشكاة»: ونكَّر لفظ الشَّيطان بعد سبق ذكره مُنكَّرًا في قوله: «لا يقربك شيطانٌ» ليُؤذِن بأنَّ الثَّاني غير الأوَّل، وأنَّ الأوَّل مطلقٌ شائعٌ في جنسه، والثَّاني فردٌ من أفراد ذلك الجنس، فلو عُرِّف لأوهم خلاف المقصود؛ لأنَّه إمَّا أن يُشار إلى السَّابق، أو إلى المعروف والمشهور بين النَّاس، وكلاهما غير مرادٍ، وكان من الظَّاهر أن يُقال: «شيطانًا» بالنصب؛ لأنَّ السُّؤال في قوله: «من تخاطب»؟ عن المفعول، فعدل إلى الجملة الاسميَّة، وشخَّصه باسم الإشارة لمزيد التَّعيين ودوام الاحتراز عن كيده ومكره. فإن قلت: قد سبق في «الصَّلاة» [خ¦٤٦١] أنَّه قال: «إنَّ شيطانًا تفلَّت عليَّ البارحة … (٣)» الحديث، وفيه: «ولولا دعوة أخي سليمان لأصبح مربوطًا بساريةٍ»، وفي حديث الباب: أنَّ أبا هريرة أمسك الشَّيطان الذي رآه، أجيب باحتمال أنَّ الذي همَّ به (٤) النَّبيُّ أن يوثقه رأسُ الشَّياطين الذي يلزم من التَّمكُّن منه التَّمكُّن من الشَّياطين، فيضاهي حينئذٍ سليمان في (٥)

تسخيرهم (١)، والمراد بالشَّيطان في حديث أبي هريرة هذا: شيطانه (٢) بخصوصه، أو غيره في الجملة، فلا يلزم من تمكُّنه منه استتباع غيره من الشَّياطين في ذلك التَّمكُّن، أو الشَّيطان الذي همَّ به النَّبيُّ (٣) تبدَّى له في صفته التي خُلِق عليها، وكذلك كانوا في خدمة سليمان على هيئتهم، والذي تبدَّى (٤) لأبي هريرة في حديث الباب كان على هيئة (٥) الآدميِّين، فلم يكن في إمساكه مضاهاةٌ لملك (٦) سليمان (٧)، وقد وقع لأُبيِّ بن كعبٍ عند النَّسائيِّ، وأبي أيُّوب الأنصاريِّ عند التِّرمذيِّ، وأبي أُسَيدٍ الأنصاريِّ عند الطَّبرانيِّ، وزيد ابن ثابتٍ عند ابن أبي الدُّنيا قصصٌ في ذلك، إلَّا أنه ليس فيها ما يشبه قصَّة (٨) أبي هريرة، إلَّا قصَّة معاذٍ، وهو محمولٌ على التَّعدُّد.

وموضع الترجمة قوله: «فخلَّيت سبيله» لأنَّ أبا هريرة ترك الرَّجل الذي حثا الطَّعام لمَّا شكا الحاجة، فأخبر بذلك رسول الله فأجازه، قال الزَّركشيُّ كغيره: وفيه نظرٌ؛ لأنَّ أبا هريرة لم يكن وكيلًا بالعطاء، بل بالحفظ خاصَّةً، قال في «المصابيح»: النَّظر ساقطٌ؛ لأنَّ المقصود انطباق التَّرجمة على الحديث، وهي كذلك؛ لأنَّ أبا هريرة وإن لم يكن وكيلًا في الإعطاء (٩) فهو وكيلٌ في الجملة؛ ضرورة أنَّه وكيلٌ بحفظ الزَّكاة، وقد ترك ممَّا وُكِّل بحفظه شيئًا، وأجاز فعله، فقد طابقته التَّرجمة قطعًا، نعم في أخذ إقراض الوكيل إلى أجلٍ مُسمًّى من هذا الحديث نظرٌ، وقد قرَّر بعضهم وجه الأخذ: بأنَّ أبا هريرة لمَّا ترك السَّارق الذي حثا من الطَّعام كان ذلك الأجل (١٠)، ولا يخفى ما في ذلك من التَّكلُّف والضَّعف.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.7 / 29.5
الإضاءة 15%
البدر بعد 11 يوم
سبحان الله