«كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي قَبْلَ أَنْ يُبْنَى الْمَسْجِدُ فِي مَرَابِضِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٣٤

الحديث رقم ٢٣٤ من كتاب «كتاب الوضوء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب أبوال الإبل والدواب والغنم ومرابضها.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢٣٤ في صحيح البخاري

«كَانَ النَّبِيُّ يُصَلِّي قَبْلَ أَنْ يُبْنَى الْمَسْجِدُ فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ».

بَابُ مَا يَقَعُ مِنَ النَّجَاسَاتِ فِي السَّمْنِ وَالْمَاءِ

وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا بَأْسَ بِالْمَاءِ مَا لَمْ يُغَيِّرْهُ طَعْمٌ أَوْ رِيحٌ أَوْ لَوْنٌ

وَقَالَ حَمَّادٌ: لَا بَأْسَ بِرِيشِ الْمَيْتَةِ

وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِي عِظَامِ الْمَوْتَى نَحْوَ الْفِيلِ وَغَيْرِهِ: أَدْرَكْتُ نَاسًا مِنْ سَلَفِ الْعُلَمَاءِ يَمْتَشِطُونَ بِهَا وَيَدَّهِنُونَ فِيهَا لَا يَرَوْنَ بِهِ بَأْسًا

وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ وَإِبْرَاهِيمُ: وَلَا بَأْسَ بِتِجَارَةِ الْعَاجِ

إسناد حديث رقم ٢٣٤ من صحيح البخاري

٢٣٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو التَّيَّاحِ يَزِيدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٢٣٤: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ إِلَّا السَّمْلُ فَيَحْتَاجُ إِلَى ثُبُوتِ الْبَقِيَّةِ. قُلْتُ: كَأَنَّهُمْ تَمَسَّكُوا بِمَا نَقَلَهُ أَهْلُ الْمَغَازِي أَنَّهُمْ مَثَّلُوا بِالرَّاعِي، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ مَنْسُوخٌ، قَالَ ابْنُ شَاهِينَ عَقِبَ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي النَّهْيِ عَنِ الْمُثْلَةِ: هَذَا الْحَدِيثُ يَنْسَخُ كُلَّ مُثْلَةٍ.

وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ بِأَنَّ ادِّعَاءَ النَّسْخِ يَحْتَاجُ إِلَى تَارِيخٍ. قُلْتُ: يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْجِهَادِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي النَّهْيِ عَنِ التَّعْذِيبِ بِالنَّارِ بَعْدَ الْإِذْنِ فِيهِ، وَقِصَّةُ الْعُرَنِيِّينَ قَبْلَ إِسْلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ حَضَرَ الْإِذْنَ ثُمَّ النَّهْيَ، وَرَوَى قَتَادَةُ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّ قِصَّتَهُمْ كَانَتْ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْحُدُودُ، وَلِمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ فِي الْمَغَازِي: وَذَكَرُوا أَنَّ النَّبِيَّ نَهَى بَعْدَ ذَلِكَ عَنِ الْمُثْلَةِ بِالْآيَةِ الَّتِي فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ، وَإِلَى هَذَا مَالَ الْبُخَارِيُّ، وَحَكَاهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي النِّهَايَةِ عَنِ الشَّافِعِيِّ، وَاسْتَشْكَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَدَمَ سَقْيِهِمُ الْمَاءَ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ فَاسْتَسْقَى لَا يُمْنَعُ، وَأَجَابَ بِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ عَنْ أَمْرِ النَّبِيِّ وَلَا وَقَعَ مِنْهُ نَهْيٌ عَنْ سَقْيِهِمْ. انْتَهَى. وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا ; لِأَنَّ النَّبِيَّ اطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ وَسُكُوتُهُ كَافٍ فِي ثُبُوتِ الْحُكْمِ.

وَأَجَابَ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ الْمُحَارِبَ الْمُرْتَدَّ لَا حُرْمَةَ لَهُ فِي سَقْيِ الْمَاءِ وَلَا غَيْرِهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ مَنْ لَيْسَ مَعَهُ مَاءٌ إِلَّا لِطَهَارَتِهِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْقِيَهُ لِلْمُرْتَدِّ وَيَتَيَمَّمَ، بَلْ يَسْتَعْمِلُهُ وَلَوْ مَاتَ الْمُرْتَدُّ عَطَشًا، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: إِنَّمَا فَعَلَ النَّبِيُّ بِهِمْ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ أَرَادَ بِهِمُ الْمَوْتَ بِذَلِكَ، وَقِيلَ: إِنَّ الْحِكْمَةَ فِي تَعْطِيشِهِمْ ; لِكَوْنِهِمْ كَفَرُوا نِعْمَة سَقْيِ أَلْبَانِ الْإِبِلِ الَّتِي حَصَلَ لَهُمْ بِهَا الشِّفَاءُ مِنَ الْجُوعِ وَالْوَخْمِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ دَعَا بِالْعَطَشِ عَلَى مَنْ عَطَّشَ آلَ بَيْتِهِ فِي قِصَّةٍ رَوَاهَا النَّسَائِيُّ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونُوا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ مَنَعُوا إِرْسَالَ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنَ اللَّبَنِ الَّذِي كَانَ يُرَاحُ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ مِنْ لِقَاحِهِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ سَعْدٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ

قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: فَهَؤُلَاءِ سَرَقُوا) أَيْ لِأَنَّهُمْ أَخَذُوا اللِّقَاحَ مِنْ حِرْزٍ مِثْلِهَا، وَهَذَا قَالَهُ أَبُو قِلَابَةَ اسْتِنْبَاطًا.

قَوْلُهُ: (وَقَتَلُوا) أَيِ الرَّاعِيَ كَمَا تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ: (وَكَفَرُوا) هُوَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ فِي الْمَغَازِي، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ وُهَيْبٍ، عَنْ أَيُّوبَ فِي الْجِهَادِ فِي أَصْلِ الْحَدِيثِ، وَلَيْسَ مَوْقُوفًا عَلَى أَبِي قِلَابَةَ كَمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُهُمْ، وَكَذَا قَوْلُهُ وَحَارَبُوا ثَبَتَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ فِي أَصْلِ الْحَدِيثِ وَهَرَبُوا مُحَارِبِينَ وَسَتَأْتِي قِصَّةُ أَبِي قِلَابَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي مَسْأَلَةِ الْقَسَامَةِ مِنْ كِتَابِ الدِّيَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ: قُدُومُ الْوُفُودِ عَلَى الْإِمَامِ، وَنَظَرُهُ فِي مَصَالِحِهِمْ، وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الطِّبِّ وَالتَّدَاوِي بِأَلْبَانِ الْإِبِلِ وَأَبْوَالِهَا، وَفِيهِ أَنَّ كُلَّ جَسَدٍ يُطَبُّ بِمَا اعْتَادَهُ، وَفِيهِ قَتْلُ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ سَوَاءٌ قَتَلُوهُ غِيلَةً أَوْ حِرَابَةً إِنْ قُلْنَا إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ قِصَاصًا، وَفِيهِ الْمُمَاثَلَةُ فِي الْقِصَاصِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الْمُثْلَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا، وَثُبُوتُ حُكْمِ الْمُحَارَبَةِ فِي الصَّحْرَاءِ، وَأَمَّا فِي الْقُرَى فَفِيهِ خِلَافٌ، وَفِيهِ جَوَازُ اسْتِعْمَالِ أَبْنَاءِ السَّبِيلِ إِبِلَ الصَّدَقَةِ فِي الشُّرْبِ وَفِي غَيْرِهِ قِيَاسًا عَلَيْهِ بِإِذْنِ الْإِمَامِ، وَفِيهِ الْعَمَلُ بِقَوْلِ الْقَائِفِ، وَلِلْعَرَبِ فِي ذَلِكَ الْمَعْرِفَةُ التَّامَّةُ.

٢٣٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو التَّيَّاحِ يَزِيدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ يُصَلِّي - قَبْلَ أَنْ يُبْنَى الْمَسْجِدُ - فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ.

[الحديث ٢٣٤ - أطرافه في: ٣٩٣٢، ٢٧٧٩، ٢٧٧٤، ٢٧٧١، ٢١٠٦، ١٨٦٨، ٤٢٩، ٤٢٨]

قَوْلُهُ: (أَبُو التَّيَّاحِ) تَقَدَّمَ أَنَّهُ بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّةِ ثُمَّ التَّحْتَانِيَّةِ الْمُشَدَّدَةِ وَآخِرُهُ مُهْمَلَةٌ، وَهَذَا الْحَدِيثِ فِي الصَّلَاةِ فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَالَ بِطَهَارَةِ أَبْوَالِهَا وَأَبْعَارِهَا، قَالُوا: لِأَنَّهَا لَا تَخْلُو مِنْ ذَلِكَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا

يُبَاشِرُونَهَا فِي صَلَاتِهِمْ فَلَا تَكُونُ نَجِسَةً، وَنُوزِعَ مَنِ اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ لِاحْتِمَالِ الْحَائِلِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يُصَلُّونَ عَلَى حَائِلٍ دُونَ الْأَرْضِ، وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهَا شَهَادَةُ نَفْيٍ، لَكِنْ قَدْ يُقَالُ إِنَّهَا مُسْتَنِدَةٌ إِلَى أَصْلٍ، وَالْجَوَابُ أَنَّ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى عَلَى حَصِيرٍ فِي دَارِهِمْ، وَصَحَّ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي عَلَى الْخُمْرَةِ، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: هَذَا الْحَدِيثُ مَنْسُوخٌ ; لِأَنَّ فِيهِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ أَنْ يُبْنَى الْمَسْجِدُ، فَاقْتَضَى أَنَّهُ فِي أَوَّلِ الْهِجْرَةِ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ أَمَرَهُمْ بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ، وَأَنْ تُطَيَّبَ وَتُنَظَّفَ، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُمَا، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ، وَلِأَبِي دَاوُدَ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ وَزَادَ وَأَنْ نُطَهِّرَهَا قَالَ: وَهَذَا بَعْدَ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ. وَمَا ادَّعَاهُ مِنَ النَّسْخِ يَقْتَضِي الْجَوَازَ ثُمَّ الْمَنْعَ، وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ إِذْنَهُ فِي الصَّلَاةِ فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ ثَابِتٌ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ.

نَعَمْ لَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى طَهَارَةِ الْمَرَابِضَ، لَكِنْ فِيهِ أَيْضًا النَّهْيُ عَنِ الصَّلَاةِ فِي مَعَاطِنِ الْإِبِلِ، فَلَو اقْتَضَى الْإِذْنُ الطِّهَارَةَ لَاقْتَضَى النَّهْيُ التَّنْجِيسَ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِالْفَرْقِ، لَكِنَّ الْمَعْنَى فِي الْإِذْنِ وَالنَّهْيِ بِشَيْءٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِالطَّهَارَةِ وَلَا النَّجَاسَةِ وَهُوَ أَنَّ الْغَنَمَ مِنْ دَوَابِّ الْجَنَّةِ وَالْإِبِلَ خُلِقَتْ مِنَ الشَّيَاطِينِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٦٧ - بَاب مَا يَقَعُ مِنْ النَّجَاسَاتِ فِي السَّمْنِ وَالْمَاءِ

وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا بَأْسَ بِالْمَاءِ مَا لَمْ يُغَيِّرْهُ طَعْمٌ أَوْ رِيحٌ أَوْ لَوْنٌ، وَقَالَ حَمَّادٌ: لَا بَأْسَ بِرِيشِ الْمَيْتَةِ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِي عِظَامِ الْمَوْتَى - نَحْوَ الْفِيلِ وَغَيْرِهِ - أَدْرَكْتُ نَاسًا مِنْ سَلَفِ الْعُلَمَاءِ يَمْتَشِطُونَ بِهَا وَيَدَّهِنُونَ فِيهَا لَا يَرَوْنَ بِهِ بَأْسًا، وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ وَإِبْرَاهِيمُ: وَلَا بَأْسَ بِتِجَارَةِ الْعَاجِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يَقَعُ مِنَ النَّجَاسَاتِ فِي السَّمْنِ وَالْمَاءِ) أَيْ هَلْ يُنَجِّسُهُمَا أَمْ لَا، أَوْ لَا يَنْجُسُ الْمَاءُ إِلَّا إِذَا تَغَيَّرَ دُونَ غَيْرِهِ؟ وَهَذَا الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ مَجْمُوعِ مَا أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ مِنْ أَثَرٍ وَحَدِيثٍ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ الزُّهْرِيُّ) وَصَلَهُ ابْنُ وَهْبٍ فِي جَامِعِهِ عَنْ يُونُسَ عَنْهُ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مَعْنَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَمْرٍو وَهُوَ الْأَوْزَاعِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ.

قَوْلُهُ: (لَا بَأْسَ بِالْمَاءِ) أَيْ لَا حَرَجَ فِي اسْتِعْمَالِهِ فِي كُلِّ حَالَةٍ، فَهُوَ مَحْكُومٌ بِطَهَارَتِهِ مَا لَمْ يُغَيِّرْهُ طَعْمٌ أَيْ مِنْ شَيْءٍ نَجِسٍ أَوْ رِيحٍ مِنْهُ أَوْ لَوْنٍ، وَلَفْظُ يُونُسَ عَنْهُ كُلُّ مَا فِيهِ قُوَّةٌ عَمَّا يُصِيبُهُ مِنَ الْأَذَى حَتَّى لَا يُغَيِّرَ ذَلِكَ طَعْمَهُ وَلَا رِيحَهُ وَلَا لَوْنَهُ فَهُوَ طَاهِرٌ، وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّهُ لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ إِلَّا بِالْقُوَّةِ الْمَانِعَةِ لِلْمُلَاقِي أَنْ يُغَيِّرَ أَحَدٌ أَوْصَافَهُ، فَالْعِبْرَةُ عِنْدَهُ بِالتَّغَيُّرِ وَعَدَمِهِ، وَمَذْهَبُ الزُّهْرِيِّ هَذَا صَارَ إِلَيْهِ طَوَائِفُ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَقَدْ تَعَقَّبَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الطَّهُورِ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ بَالَ فِي إِبْرِيقٍ وَلَمْ يُغَيِّرْ لِلْمَاءِ وَصْفًا أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّط هُّرُ بِهِ، وَهُوَ مُسْتَبْشَعٌ، وَلِهَذَا نَصَرَ قَوْلَ التَّفْرِيقِ بِالْقُلَّتَيْنِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُخَرِّجْهُ الْبُخَارِيُّ لِاخْتِلَافٍ وَقَعَ فِي إِسْنَادِهِ، لَكِنَّ رُوَاتَهُ ثِقَاتٌ. وَصَحَّحَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ، إِلَّا أَنَّ مِقْدَارَ الْقُلَّتَيْنِ لَمْ يَتَّفِقْ عَلَيْهِ، وَاعْتَبَرَهُ الشَّافِعِيُّ بِخَمْسِ قِرَبٍ مِنْ قِرَبِ الْحِجَازِ احْتِيَاطًا، وَخَصَّصَ بِهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُمْ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِلْقَوْلِ فِي هَذَا فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ.

وَقَوْلُ الزُّهْرِيِّ هَذَا وَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُثْبِتُ أَهْلُ الْحَدِيثِ مِثْلَهُ، لَكِنْ لَا أَعْلَمُ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافًا، يَعْنِي فِي تَنْجِيسِ الْمَاءِ إِذَا تَغَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِهِ بِالنَّجَاسَةِ، وَالْحَدِيثُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ وَفِيهِ اضْطِرَابٌ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ حَمَّادٌ) هُوَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

المؤلِّف هنا وفي «المحاربين» [خ¦٦٨٠٤] و «الجهاد» [خ¦٣٠١٨] و «التَّفسير» [خ¦٤٦١٠] و «المغازي» [خ¦٤١٩٢] و «الدِّيات» [خ¦٦٨٩٩]، ومسلمٌ في «الحدود»، وأبو داود في «الطَّهارة»، والنَّسائيُّ في «المُحارَبة».

(قَالَ أَبُو قِلَابَةَ) عبد الله: (فَهَؤُلَاءِ) العُرَنيُّون والعكليُّون (سَرَقُوا) لأنَّهم أخذوا اللِّقاح من حِرْز مثلها، ولفظ: «السَّرقة» قاله (١) أبو قلابة استنباطًا (وَقَتَلُوا) الرَّاعي (وَكَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَحَارَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ) أطلق عليهم: «محاربين» لما ثبت عند أحمد من رواية حُميدٍ عن أنسٍ في أصل الحديث: «وهربوا محاربين»، وقوله: «وكفروا» هو من روايته (٢) عن قتادة (٣) عن أنسٍ في «المغازي» [خ¦٤١٩٢]، وكذا في رواية وهيب (٤) عن أيُّوب في «الجهاد» [خ¦٣٠١٨] في أصل الحديث، فليس قوله: «وكفروا وحاربوا» موقوفًا على (٥) أبي قِلابة، ثمَّ إنَّ قول أبي قِلابة (٦) هذا إن كان من (٧) مقول أيُّوب فهو مُسنَدٌ، وإن كان من مقول المؤلِّف فهو من تعاليقه.

٢٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» (أَبُو التَّيَّاحِ) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة وتشديد التَّحتيَّة آخره مُهمَلةٌ «يزيد بن حُميدٍ» كما في رواية الأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ (عَنْ أَنَسٍ) (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ يُصَلِّي قَبْلَ أَنْ

يُبْنَى المَسْجِدُ) المدنيُّ (١) (فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ) واستُدِلَّ به على طهارة أبوالها وأبعارها لأنَّ المرابض لا تخلو عنهما (٢)، فدلَّ على أنَّهم كانوا يباشرونها في صلاتهم فلا تكون نجسةً، وأُجيب باحتمال الصَّلاة على حائلٍ، وأُجيب بأنَّهم لم يكونوا يصلُّون على حائلٍ (٣) دون الأرض، وعُورِض بأنَّها شهادة نفيٍ، لكن قد يُقال: إنَّها مستندةٌ إلى الأصل، وأُجيب بأنَّه صلَّى في دار أنسٍ على حصيرٍ، كما في «الصَّحيحين» [خ¦٣٨٠]، ولحديث (٤) عائشة الصَّحيح: أنَّه كان يصلِّي على الخُمْرة.

ورواة هذا الحديث الأربعة ما بين خراسانيٍّ وكوفيٍّ وبصريٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّلاة»، [خ¦٤٢٩] وكذا مسلمٌ والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «العلم».

(٦٧) (بابُ) حكم (مَا يَقَعُ مِنَ النَّجَاسَاتِ) أي: وقوع النَّجاسات (فِي السَّمْنِ وَالمَاءِ).

(وَقَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ ممَّا وصله ابن وهبٍ في «جامعه» عن يونس عنه: (لَا بَأْسَ بِالمَاءِ) أي: لا حرج في استعماله في كلِّ حالةٍ، فهو محكومٌ بطهارته (مَا لَمْ يُغَيِّرْهُ) بكسر الياء، فعلٌ ومفعولٌ، والفاعل قوله (٥): (طَعْمٌ) أي: من شيءٍ نجسٍ (أَوْ رِيحٌ أَوْ لَوْنٌ) منه، فإن

قلت: كيف ساغ جعل (١) أحد الأوصاف الثَّلاثة مُغيِّرًا، على صيغة الفاعل، والمُغيِّر (٢) إنَّما هو الشَّيء النَّجس المخالط للماء، أجيب بأنَّ المُغيَّر في الحقيقة هو الماء، ولكن تغييره لمَّا كان لم يُعلَم إلَّا من جهة أحد أوصافه الثَّلاثة صار هو المُغيِّر (٣)، فهو من باب ذكر السَّبب وإرادة المُسبَّب، ومُقتضى قول الزُّهريِّ: أنَّه لا فرق بين القليل والكثير، وإليه ذهب جماعةٌ من العلماء، وتعقَّبه أبو عُبَيْدٍ في كتاب «الطَّهور» له بأنَّه يلزم منه أنَّ من بال في إبريقٍ ولم يغيِّر للماء وصفًا أنَّه يجوز له التَّطهير به، وهو مُستبشَعٌ (٤)، ومذهب الشَّافعيِّ وأحمد التَّفريق (٥) بالقلَّتين، فما (٦) كان دونهما تنجَّس بملاقاة النَّجاسة، وإن لم يظهر فيه (٧) تغيُّرٌ لمفهوم حديث القلَّتين «إذا بلغ الماء قلَّتين لم يحمل الخبث» صحَّحه ابن حبَّان وغيره، وفي روايةٍ لأبي داود (٨) وغيره بإسنادٍ صحيحٍ: «فإنَّه لا ينجس» وهو المُراد بقوله: «لم يحمل الخبث» أي: يدفع النَّجس ولا يقبله، وهو مُخصِّصٌ لمنطوق حديث (٩): «الماء لا ينجِّسه شيءٌ»، وإنَّما لم يخرِّج المؤلِّف حديث القلَّتين للاختلاف الواقع في إسناده، لكن رواته ثقاتٌ، وصحَّحه جماعةٌ من الأئمَّة إلَّا أنَّ مقدار القلَّتين من الحديث لم يثبت، وحينئذٍ فيكون مُجمَلًا، لكنَّ الظَّاهر أنَّ الشارع إنَّما ترك تحديدهما توسُّعًا، وإلَّا فليس بخافٍ أنَّه (١٠) ما خاطب أصحابه إلَّا بما يفهمون، وحينئذٍ فينتفي الإجمال لكن لعدم التَّحديد وقع بين (١١) السَّلف في مقدارهما خلفٌ، واعتبره

الشَّافعيُّ بخمس قِرَبٍ من قرب الحجاز احتياطًا، وقالت (١) الحنفيَّة: إذا اختلطت النَّجاسة بالماء تنجَّس إلَّا أن يكون كثيرًا، وهو الذي إذا حرّك أحد (٢) جانبيه لم يتحرَّك الآخر، وقال المالكيَّة: ليس للماء الذي تحلُّه النَّجاسة قدرٌ معلومٌ، ولكنَّه متى تغيَّر أحد أوصافه الثَّلاثة تنجَّس، قليلًا كان أو كثيرًا، فلو تغيَّر الماء كثيرًا بحيث يسلبه الاسم بطاهرٍ يُستغنى عنه ضرَّ، وإلَّا فلا.

(وَقَالَ حَمَّادٌ) بتشديد الميم، ابن أبي سليمان الكوفيُّ شيخ أبي حنيفة ممَّا (٣) وصله عبد الرَّزَّاق في «مُصنَّفه»: (لَا بَأْسَ) أي: لا حرج (بِرِيشِ المَيْتَةِ) من مأكولٍ وغيره إذا لاقى الماء لأنَّه لا يغيِّره، أو أنَّه طاهرٌ مُطلَقًا، وهو مذهب الحنفيَّة والمالكيَّة، وقال الشَّافعيَّة (٤): نجسٌ.

(وَقَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمٍ (فِي عِظَامِ المَوْتَى نَحْوَ الفِيلِ وَغَيْرِهِ) مما (٥) لم يُؤكَل: (أَدْرَكْتُ نَاسًا) كثيرين (مِنْ سَلَفِ العُلَمَاءِ يَمْتَشِطُونَ (٦) بِهَا) أي: بعظام الموتى بأن يصنعوا منها مشطًا ويستعملوها (وَيَدَّهِنُونَ) بتشديد الدَّال (فِيهَا) أي: في عظام الموتى بأن يصنعوا

منها آنية (١) يجعلون فيها الدُّهن (لَا يَرَوْنَ بِهِ بَأْسًا) أي: حرجًا، فلو كان عندهم نجسًا ما استعملوه امتشاطًا وادِّهانًا، وحينئذٍ فإذا وقع عظم الفيل في الماء لا ينجِّسه بناءً على عدم القول بنجاسته، وهو مذهب أبي حنيفة لأنَّه لا تَحلُّه الحياة عنده، ومذهب الشَّافعيِّ أنَّه نجسٌ لأنَّه تحلُّه الحياة، قال تعالى: ﴿قَالَ (٢) مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ. قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٨ - ٧٩]، وعند مالكٍ: أنَّه يطهر إذا ذُكِّي، كغيره ممَّا لا (٣) يُؤكَل إذا ذُكِّي، فإنَّه يطهر.

(وَقَالَ) محمَّد (بْنُ سِيرِينَ وَإِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ: (لَا بَأْسَ بِتِجَارَةِ العَاجِ) نَابِ الفيل أو عظمه مُطلَقًا، وأسقط السَّرخسيُّ ذكر «إبراهيم النَّخعيّ» كأكثر الرُّواة عن الفَِرَبْريِّ (٤)، ثمَّ إنَّ أثر ابن سيرين هذا وصله عبد الرَّزَّاق بلفظ: أنَّه كان لا يرى بالتِّجارة في العاج (٥) بأسًا، وهو يدلُّ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ إِلَّا السَّمْلُ فَيَحْتَاجُ إِلَى ثُبُوتِ الْبَقِيَّةِ. قُلْتُ: كَأَنَّهُمْ تَمَسَّكُوا بِمَا نَقَلَهُ أَهْلُ الْمَغَازِي أَنَّهُمْ مَثَّلُوا بِالرَّاعِي، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ مَنْسُوخٌ، قَالَ ابْنُ شَاهِينَ عَقِبَ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي النَّهْيِ عَنِ الْمُثْلَةِ: هَذَا الْحَدِيثُ يَنْسَخُ كُلَّ مُثْلَةٍ.

وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ بِأَنَّ ادِّعَاءَ النَّسْخِ يَحْتَاجُ إِلَى تَارِيخٍ. قُلْتُ: يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْجِهَادِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي النَّهْيِ عَنِ التَّعْذِيبِ بِالنَّارِ بَعْدَ الْإِذْنِ فِيهِ، وَقِصَّةُ الْعُرَنِيِّينَ قَبْلَ إِسْلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ حَضَرَ الْإِذْنَ ثُمَّ النَّهْيَ، وَرَوَى قَتَادَةُ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّ قِصَّتَهُمْ كَانَتْ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْحُدُودُ، وَلِمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ فِي الْمَغَازِي: وَذَكَرُوا أَنَّ النَّبِيَّ نَهَى بَعْدَ ذَلِكَ عَنِ الْمُثْلَةِ بِالْآيَةِ الَّتِي فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ، وَإِلَى هَذَا مَالَ الْبُخَارِيُّ، وَحَكَاهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي النِّهَايَةِ عَنِ الشَّافِعِيِّ، وَاسْتَشْكَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَدَمَ سَقْيِهِمُ الْمَاءَ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ فَاسْتَسْقَى لَا يُمْنَعُ، وَأَجَابَ بِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ عَنْ أَمْرِ النَّبِيِّ وَلَا وَقَعَ مِنْهُ نَهْيٌ عَنْ سَقْيِهِمْ. انْتَهَى. وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا ; لِأَنَّ النَّبِيَّ اطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ وَسُكُوتُهُ كَافٍ فِي ثُبُوتِ الْحُكْمِ.

وَأَجَابَ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ الْمُحَارِبَ الْمُرْتَدَّ لَا حُرْمَةَ لَهُ فِي سَقْيِ الْمَاءِ وَلَا غَيْرِهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ مَنْ لَيْسَ مَعَهُ مَاءٌ إِلَّا لِطَهَارَتِهِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْقِيَهُ لِلْمُرْتَدِّ وَيَتَيَمَّمَ، بَلْ يَسْتَعْمِلُهُ وَلَوْ مَاتَ الْمُرْتَدُّ عَطَشًا، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: إِنَّمَا فَعَلَ النَّبِيُّ بِهِمْ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ أَرَادَ بِهِمُ الْمَوْتَ بِذَلِكَ، وَقِيلَ: إِنَّ الْحِكْمَةَ فِي تَعْطِيشِهِمْ ; لِكَوْنِهِمْ كَفَرُوا نِعْمَة سَقْيِ أَلْبَانِ الْإِبِلِ الَّتِي حَصَلَ لَهُمْ بِهَا الشِّفَاءُ مِنَ الْجُوعِ وَالْوَخْمِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ دَعَا بِالْعَطَشِ عَلَى مَنْ عَطَّشَ آلَ بَيْتِهِ فِي قِصَّةٍ رَوَاهَا النَّسَائِيُّ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونُوا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ مَنَعُوا إِرْسَالَ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنَ اللَّبَنِ الَّذِي كَانَ يُرَاحُ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ مِنْ لِقَاحِهِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ سَعْدٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ

قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: فَهَؤُلَاءِ سَرَقُوا) أَيْ لِأَنَّهُمْ أَخَذُوا اللِّقَاحَ مِنْ حِرْزٍ مِثْلِهَا، وَهَذَا قَالَهُ أَبُو قِلَابَةَ اسْتِنْبَاطًا.

قَوْلُهُ: (وَقَتَلُوا) أَيِ الرَّاعِيَ كَمَا تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ: (وَكَفَرُوا) هُوَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ فِي الْمَغَازِي، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ وُهَيْبٍ، عَنْ أَيُّوبَ فِي الْجِهَادِ فِي أَصْلِ الْحَدِيثِ، وَلَيْسَ مَوْقُوفًا عَلَى أَبِي قِلَابَةَ كَمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُهُمْ، وَكَذَا قَوْلُهُ وَحَارَبُوا ثَبَتَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ فِي أَصْلِ الْحَدِيثِ وَهَرَبُوا مُحَارِبِينَ وَسَتَأْتِي قِصَّةُ أَبِي قِلَابَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي مَسْأَلَةِ الْقَسَامَةِ مِنْ كِتَابِ الدِّيَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ: قُدُومُ الْوُفُودِ عَلَى الْإِمَامِ، وَنَظَرُهُ فِي مَصَالِحِهِمْ، وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الطِّبِّ وَالتَّدَاوِي بِأَلْبَانِ الْإِبِلِ وَأَبْوَالِهَا، وَفِيهِ أَنَّ كُلَّ جَسَدٍ يُطَبُّ بِمَا اعْتَادَهُ، وَفِيهِ قَتْلُ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ سَوَاءٌ قَتَلُوهُ غِيلَةً أَوْ حِرَابَةً إِنْ قُلْنَا إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ قِصَاصًا، وَفِيهِ الْمُمَاثَلَةُ فِي الْقِصَاصِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الْمُثْلَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا، وَثُبُوتُ حُكْمِ الْمُحَارَبَةِ فِي الصَّحْرَاءِ، وَأَمَّا فِي الْقُرَى فَفِيهِ خِلَافٌ، وَفِيهِ جَوَازُ اسْتِعْمَالِ أَبْنَاءِ السَّبِيلِ إِبِلَ الصَّدَقَةِ فِي الشُّرْبِ وَفِي غَيْرِهِ قِيَاسًا عَلَيْهِ بِإِذْنِ الْإِمَامِ، وَفِيهِ الْعَمَلُ بِقَوْلِ الْقَائِفِ، وَلِلْعَرَبِ فِي ذَلِكَ الْمَعْرِفَةُ التَّامَّةُ.

٢٣٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو التَّيَّاحِ يَزِيدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ يُصَلِّي - قَبْلَ أَنْ يُبْنَى الْمَسْجِدُ - فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ.

[الحديث ٢٣٤ - أطرافه في: ٣٩٣٢، ٢٧٧٩، ٢٧٧٤، ٢٧٧١، ٢١٠٦، ١٨٦٨، ٤٢٩، ٤٢٨]

قَوْلُهُ: (أَبُو التَّيَّاحِ) تَقَدَّمَ أَنَّهُ بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّةِ ثُمَّ التَّحْتَانِيَّةِ الْمُشَدَّدَةِ وَآخِرُهُ مُهْمَلَةٌ، وَهَذَا الْحَدِيثِ فِي الصَّلَاةِ فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَالَ بِطَهَارَةِ أَبْوَالِهَا وَأَبْعَارِهَا، قَالُوا: لِأَنَّهَا لَا تَخْلُو مِنْ ذَلِكَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا

يُبَاشِرُونَهَا فِي صَلَاتِهِمْ فَلَا تَكُونُ نَجِسَةً، وَنُوزِعَ مَنِ اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ لِاحْتِمَالِ الْحَائِلِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يُصَلُّونَ عَلَى حَائِلٍ دُونَ الْأَرْضِ، وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهَا شَهَادَةُ نَفْيٍ، لَكِنْ قَدْ يُقَالُ إِنَّهَا مُسْتَنِدَةٌ إِلَى أَصْلٍ، وَالْجَوَابُ أَنَّ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى عَلَى حَصِيرٍ فِي دَارِهِمْ، وَصَحَّ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي عَلَى الْخُمْرَةِ، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: هَذَا الْحَدِيثُ مَنْسُوخٌ ; لِأَنَّ فِيهِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ أَنْ يُبْنَى الْمَسْجِدُ، فَاقْتَضَى أَنَّهُ فِي أَوَّلِ الْهِجْرَةِ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ أَمَرَهُمْ بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ، وَأَنْ تُطَيَّبَ وَتُنَظَّفَ، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُمَا، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ، وَلِأَبِي دَاوُدَ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ وَزَادَ وَأَنْ نُطَهِّرَهَا قَالَ: وَهَذَا بَعْدَ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ. وَمَا ادَّعَاهُ مِنَ النَّسْخِ يَقْتَضِي الْجَوَازَ ثُمَّ الْمَنْعَ، وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ إِذْنَهُ فِي الصَّلَاةِ فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ ثَابِتٌ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ.

نَعَمْ لَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى طَهَارَةِ الْمَرَابِضَ، لَكِنْ فِيهِ أَيْضًا النَّهْيُ عَنِ الصَّلَاةِ فِي مَعَاطِنِ الْإِبِلِ، فَلَو اقْتَضَى الْإِذْنُ الطِّهَارَةَ لَاقْتَضَى النَّهْيُ التَّنْجِيسَ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِالْفَرْقِ، لَكِنَّ الْمَعْنَى فِي الْإِذْنِ وَالنَّهْيِ بِشَيْءٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِالطَّهَارَةِ وَلَا النَّجَاسَةِ وَهُوَ أَنَّ الْغَنَمَ مِنْ دَوَابِّ الْجَنَّةِ وَالْإِبِلَ خُلِقَتْ مِنَ الشَّيَاطِينِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٦٧ - بَاب مَا يَقَعُ مِنْ النَّجَاسَاتِ فِي السَّمْنِ وَالْمَاءِ

وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا بَأْسَ بِالْمَاءِ مَا لَمْ يُغَيِّرْهُ طَعْمٌ أَوْ رِيحٌ أَوْ لَوْنٌ، وَقَالَ حَمَّادٌ: لَا بَأْسَ بِرِيشِ الْمَيْتَةِ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِي عِظَامِ الْمَوْتَى - نَحْوَ الْفِيلِ وَغَيْرِهِ - أَدْرَكْتُ نَاسًا مِنْ سَلَفِ الْعُلَمَاءِ يَمْتَشِطُونَ بِهَا وَيَدَّهِنُونَ فِيهَا لَا يَرَوْنَ بِهِ بَأْسًا، وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ وَإِبْرَاهِيمُ: وَلَا بَأْسَ بِتِجَارَةِ الْعَاجِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يَقَعُ مِنَ النَّجَاسَاتِ فِي السَّمْنِ وَالْمَاءِ) أَيْ هَلْ يُنَجِّسُهُمَا أَمْ لَا، أَوْ لَا يَنْجُسُ الْمَاءُ إِلَّا إِذَا تَغَيَّرَ دُونَ غَيْرِهِ؟ وَهَذَا الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ مَجْمُوعِ مَا أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ مِنْ أَثَرٍ وَحَدِيثٍ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ الزُّهْرِيُّ) وَصَلَهُ ابْنُ وَهْبٍ فِي جَامِعِهِ عَنْ يُونُسَ عَنْهُ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مَعْنَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَمْرٍو وَهُوَ الْأَوْزَاعِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ.

قَوْلُهُ: (لَا بَأْسَ بِالْمَاءِ) أَيْ لَا حَرَجَ فِي اسْتِعْمَالِهِ فِي كُلِّ حَالَةٍ، فَهُوَ مَحْكُومٌ بِطَهَارَتِهِ مَا لَمْ يُغَيِّرْهُ طَعْمٌ أَيْ مِنْ شَيْءٍ نَجِسٍ أَوْ رِيحٍ مِنْهُ أَوْ لَوْنٍ، وَلَفْظُ يُونُسَ عَنْهُ كُلُّ مَا فِيهِ قُوَّةٌ عَمَّا يُصِيبُهُ مِنَ الْأَذَى حَتَّى لَا يُغَيِّرَ ذَلِكَ طَعْمَهُ وَلَا رِيحَهُ وَلَا لَوْنَهُ فَهُوَ طَاهِرٌ، وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّهُ لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ إِلَّا بِالْقُوَّةِ الْمَانِعَةِ لِلْمُلَاقِي أَنْ يُغَيِّرَ أَحَدٌ أَوْصَافَهُ، فَالْعِبْرَةُ عِنْدَهُ بِالتَّغَيُّرِ وَعَدَمِهِ، وَمَذْهَبُ الزُّهْرِيِّ هَذَا صَارَ إِلَيْهِ طَوَائِفُ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَقَدْ تَعَقَّبَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الطَّهُورِ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ بَالَ فِي إِبْرِيقٍ وَلَمْ يُغَيِّرْ لِلْمَاءِ وَصْفًا أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّط هُّرُ بِهِ، وَهُوَ مُسْتَبْشَعٌ، وَلِهَذَا نَصَرَ قَوْلَ التَّفْرِيقِ بِالْقُلَّتَيْنِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُخَرِّجْهُ الْبُخَارِيُّ لِاخْتِلَافٍ وَقَعَ فِي إِسْنَادِهِ، لَكِنَّ رُوَاتَهُ ثِقَاتٌ. وَصَحَّحَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ، إِلَّا أَنَّ مِقْدَارَ الْقُلَّتَيْنِ لَمْ يَتَّفِقْ عَلَيْهِ، وَاعْتَبَرَهُ الشَّافِعِيُّ بِخَمْسِ قِرَبٍ مِنْ قِرَبِ الْحِجَازِ احْتِيَاطًا، وَخَصَّصَ بِهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُمْ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِلْقَوْلِ فِي هَذَا فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ.

وَقَوْلُ الزُّهْرِيِّ هَذَا وَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُثْبِتُ أَهْلُ الْحَدِيثِ مِثْلَهُ، لَكِنْ لَا أَعْلَمُ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافًا، يَعْنِي فِي تَنْجِيسِ الْمَاءِ إِذَا تَغَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِهِ بِالنَّجَاسَةِ، وَالْحَدِيثُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ وَفِيهِ اضْطِرَابٌ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ حَمَّادٌ) هُوَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

المؤلِّف هنا وفي «المحاربين» [خ¦٦٨٠٤] و «الجهاد» [خ¦٣٠١٨] و «التَّفسير» [خ¦٤٦١٠] و «المغازي» [خ¦٤١٩٢] و «الدِّيات» [خ¦٦٨٩٩]، ومسلمٌ في «الحدود»، وأبو داود في «الطَّهارة»، والنَّسائيُّ في «المُحارَبة».

(قَالَ أَبُو قِلَابَةَ) عبد الله: (فَهَؤُلَاءِ) العُرَنيُّون والعكليُّون (سَرَقُوا) لأنَّهم أخذوا اللِّقاح من حِرْز مثلها، ولفظ: «السَّرقة» قاله (١) أبو قلابة استنباطًا (وَقَتَلُوا) الرَّاعي (وَكَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَحَارَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ) أطلق عليهم: «محاربين» لما ثبت عند أحمد من رواية حُميدٍ عن أنسٍ في أصل الحديث: «وهربوا محاربين»، وقوله: «وكفروا» هو من روايته (٢) عن قتادة (٣) عن أنسٍ في «المغازي» [خ¦٤١٩٢]، وكذا في رواية وهيب (٤) عن أيُّوب في «الجهاد» [خ¦٣٠١٨] في أصل الحديث، فليس قوله: «وكفروا وحاربوا» موقوفًا على (٥) أبي قِلابة، ثمَّ إنَّ قول أبي قِلابة (٦) هذا إن كان من (٧) مقول أيُّوب فهو مُسنَدٌ، وإن كان من مقول المؤلِّف فهو من تعاليقه.

٢٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» (أَبُو التَّيَّاحِ) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة وتشديد التَّحتيَّة آخره مُهمَلةٌ «يزيد بن حُميدٍ» كما في رواية الأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ (عَنْ أَنَسٍ) (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ يُصَلِّي قَبْلَ أَنْ

يُبْنَى المَسْجِدُ) المدنيُّ (١) (فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ) واستُدِلَّ به على طهارة أبوالها وأبعارها لأنَّ المرابض لا تخلو عنهما (٢)، فدلَّ على أنَّهم كانوا يباشرونها في صلاتهم فلا تكون نجسةً، وأُجيب باحتمال الصَّلاة على حائلٍ، وأُجيب بأنَّهم لم يكونوا يصلُّون على حائلٍ (٣) دون الأرض، وعُورِض بأنَّها شهادة نفيٍ، لكن قد يُقال: إنَّها مستندةٌ إلى الأصل، وأُجيب بأنَّه صلَّى في دار أنسٍ على حصيرٍ، كما في «الصَّحيحين» [خ¦٣٨٠]، ولحديث (٤) عائشة الصَّحيح: أنَّه كان يصلِّي على الخُمْرة.

ورواة هذا الحديث الأربعة ما بين خراسانيٍّ وكوفيٍّ وبصريٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّلاة»، [خ¦٤٢٩] وكذا مسلمٌ والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «العلم».

(٦٧) (بابُ) حكم (مَا يَقَعُ مِنَ النَّجَاسَاتِ) أي: وقوع النَّجاسات (فِي السَّمْنِ وَالمَاءِ).

(وَقَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ ممَّا وصله ابن وهبٍ في «جامعه» عن يونس عنه: (لَا بَأْسَ بِالمَاءِ) أي: لا حرج في استعماله في كلِّ حالةٍ، فهو محكومٌ بطهارته (مَا لَمْ يُغَيِّرْهُ) بكسر الياء، فعلٌ ومفعولٌ، والفاعل قوله (٥): (طَعْمٌ) أي: من شيءٍ نجسٍ (أَوْ رِيحٌ أَوْ لَوْنٌ) منه، فإن

قلت: كيف ساغ جعل (١) أحد الأوصاف الثَّلاثة مُغيِّرًا، على صيغة الفاعل، والمُغيِّر (٢) إنَّما هو الشَّيء النَّجس المخالط للماء، أجيب بأنَّ المُغيَّر في الحقيقة هو الماء، ولكن تغييره لمَّا كان لم يُعلَم إلَّا من جهة أحد أوصافه الثَّلاثة صار هو المُغيِّر (٣)، فهو من باب ذكر السَّبب وإرادة المُسبَّب، ومُقتضى قول الزُّهريِّ: أنَّه لا فرق بين القليل والكثير، وإليه ذهب جماعةٌ من العلماء، وتعقَّبه أبو عُبَيْدٍ في كتاب «الطَّهور» له بأنَّه يلزم منه أنَّ من بال في إبريقٍ ولم يغيِّر للماء وصفًا أنَّه يجوز له التَّطهير به، وهو مُستبشَعٌ (٤)، ومذهب الشَّافعيِّ وأحمد التَّفريق (٥) بالقلَّتين، فما (٦) كان دونهما تنجَّس بملاقاة النَّجاسة، وإن لم يظهر فيه (٧) تغيُّرٌ لمفهوم حديث القلَّتين «إذا بلغ الماء قلَّتين لم يحمل الخبث» صحَّحه ابن حبَّان وغيره، وفي روايةٍ لأبي داود (٨) وغيره بإسنادٍ صحيحٍ: «فإنَّه لا ينجس» وهو المُراد بقوله: «لم يحمل الخبث» أي: يدفع النَّجس ولا يقبله، وهو مُخصِّصٌ لمنطوق حديث (٩): «الماء لا ينجِّسه شيءٌ»، وإنَّما لم يخرِّج المؤلِّف حديث القلَّتين للاختلاف الواقع في إسناده، لكن رواته ثقاتٌ، وصحَّحه جماعةٌ من الأئمَّة إلَّا أنَّ مقدار القلَّتين من الحديث لم يثبت، وحينئذٍ فيكون مُجمَلًا، لكنَّ الظَّاهر أنَّ الشارع إنَّما ترك تحديدهما توسُّعًا، وإلَّا فليس بخافٍ أنَّه (١٠) ما خاطب أصحابه إلَّا بما يفهمون، وحينئذٍ فينتفي الإجمال لكن لعدم التَّحديد وقع بين (١١) السَّلف في مقدارهما خلفٌ، واعتبره

الشَّافعيُّ بخمس قِرَبٍ من قرب الحجاز احتياطًا، وقالت (١) الحنفيَّة: إذا اختلطت النَّجاسة بالماء تنجَّس إلَّا أن يكون كثيرًا، وهو الذي إذا حرّك أحد (٢) جانبيه لم يتحرَّك الآخر، وقال المالكيَّة: ليس للماء الذي تحلُّه النَّجاسة قدرٌ معلومٌ، ولكنَّه متى تغيَّر أحد أوصافه الثَّلاثة تنجَّس، قليلًا كان أو كثيرًا، فلو تغيَّر الماء كثيرًا بحيث يسلبه الاسم بطاهرٍ يُستغنى عنه ضرَّ، وإلَّا فلا.

(وَقَالَ حَمَّادٌ) بتشديد الميم، ابن أبي سليمان الكوفيُّ شيخ أبي حنيفة ممَّا (٣) وصله عبد الرَّزَّاق في «مُصنَّفه»: (لَا بَأْسَ) أي: لا حرج (بِرِيشِ المَيْتَةِ) من مأكولٍ وغيره إذا لاقى الماء لأنَّه لا يغيِّره، أو أنَّه طاهرٌ مُطلَقًا، وهو مذهب الحنفيَّة والمالكيَّة، وقال الشَّافعيَّة (٤): نجسٌ.

(وَقَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمٍ (فِي عِظَامِ المَوْتَى نَحْوَ الفِيلِ وَغَيْرِهِ) مما (٥) لم يُؤكَل: (أَدْرَكْتُ نَاسًا) كثيرين (مِنْ سَلَفِ العُلَمَاءِ يَمْتَشِطُونَ (٦) بِهَا) أي: بعظام الموتى بأن يصنعوا منها مشطًا ويستعملوها (وَيَدَّهِنُونَ) بتشديد الدَّال (فِيهَا) أي: في عظام الموتى بأن يصنعوا

منها آنية (١) يجعلون فيها الدُّهن (لَا يَرَوْنَ بِهِ بَأْسًا) أي: حرجًا، فلو كان عندهم نجسًا ما استعملوه امتشاطًا وادِّهانًا، وحينئذٍ فإذا وقع عظم الفيل في الماء لا ينجِّسه بناءً على عدم القول بنجاسته، وهو مذهب أبي حنيفة لأنَّه لا تَحلُّه الحياة عنده، ومذهب الشَّافعيِّ أنَّه نجسٌ لأنَّه تحلُّه الحياة، قال تعالى: ﴿قَالَ (٢) مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ. قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٨ - ٧٩]، وعند مالكٍ: أنَّه يطهر إذا ذُكِّي، كغيره ممَّا لا (٣) يُؤكَل إذا ذُكِّي، فإنَّه يطهر.

(وَقَالَ) محمَّد (بْنُ سِيرِينَ وَإِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ: (لَا بَأْسَ بِتِجَارَةِ العَاجِ) نَابِ الفيل أو عظمه مُطلَقًا، وأسقط السَّرخسيُّ ذكر «إبراهيم النَّخعيّ» كأكثر الرُّواة عن الفَِرَبْريِّ (٤)، ثمَّ إنَّ أثر ابن سيرين هذا وصله عبد الرَّزَّاق بلفظ: أنَّه كان لا يرى بالتِّجارة في العاج (٥) بأسًا، وهو يدلُّ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله