الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٣٧
الحديث رقم ٢٣٧ من كتاب «كتاب الوضوء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ما يقع من النجاسات في السمن والماء.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
⦗٥٧⦘
الْمُسْلِمُ فِي سَبِيلِ اللهِ، يَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَهَيْئَتِهَا، إِذْ طُعِنَتْ، تَفَجَّرُ دَمًا، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالْعَرْفُ عَرْفُ الْمِسْكِ».
بَابُ الْمَاءِ الدَّائِمِ
٢٣٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
دَلَّتْ عَلَيْهِ الرِّوَايَةُ الْأُولَى.
قَوْلُهُ: (قَالَ مَعْنٌ) هُوَ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَهُوَ مُتَّصِلٌ، وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ مُعَلَّقٌ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ كَلَامَ مَعْنٍ وَسَاقَ حَدِيثَهُ بِنُزُولٍ - بِالنِّسْبَةِ لِلْإِسْنَادِ الَّذِي قَبْلَهُ - مَعَ مُوَافَقَتِهِ لَهُ فِي السِّيَاقِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى الِاخْتِلَافِ عَلَى مَالِكٍ فِي إِسْنَادِهِ، فَرَوَاهُ أَصْحَابُ الْمُوَطَّأِ عَنْهُ وَاخْتَلَفُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَهُ عَنْهُ هَكَذَا كَيَحْيَى بْنِ يَحْيَى وَغَيْرِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ مَيْمُونَةَ كَالْقَعْنَبِيِّ وَغَيْرِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ ابْنَ عَبَّاسٍ، كَأَشْهَبَ وَغَيْرِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ ابْنَ عَبَّاسٍ وَلَا مَيْمُونَةَ كَيَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، وَأَبِي مُصْعَبٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ لَفْظَةَ جَامِدٍ إِلَّا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ، وَكَذَا ذَكَرَهَا أَبُو دَاوُدُ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَرَوَاهُ الْحُمَيْدِيُّ وَالْحُفَّاظُ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِدُونِهَا وَجَوَّدُوا إِسْنَادَهُ فَذَكَرُوا فِيهِ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَمَيْمُونَةَ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مُجَوَّدًا، وَلَهُ فِيهِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ إِسْنَادٌ آخَرُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَفْظُهُ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْفَأْرَةِ تَقَعُ فِي السَّمْنِ، قَالَ: إِذَا كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ وَحَكَى التِّرْمِذِيُّ، عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ هَذِهِ: هِيَ خَطَأٌ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ: إِنَّهَا وَهْمٌ. وَأَشَارَ التِّرْمِذِيُّ إِلَى أَنَّهَا شَاذَّةٌ، وَقَالَ الذُّهْلِيُّ فِي الزُّهْرِيَّاتِ: الطَّرِيقَانِ عِنْدَنَا مَحْفُوظَانِ، لَكِنَّ طَرِيقَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ أَشْهَرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ اسْتَشْكَلَ ابْنُ التِّينِ إِيرَادَ الْبُخَارِيِّ كَلَامَ مَعْنٍ هَذَا مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ مُخَالِفٍ لِرِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ، وَأُجِيبُ بِأَنَّ مُرَادَهُ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ لَمْ يَنْفَرِدْ بِتَجْوِيدِ إِسْنَادِهِ. وَظَهَرَ لِي وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ رِوَايَةَ مَعْنٍ الْمَذْكُورَةَ وَقَعَتْ خَارِجَ الْمُوَطَّأِ هَكَذَا، وَقَدْ رَوَاهَا فِي الْمُوَطَّأِ فَلَمْ يَذْكُرِ ابْنَ عَبَّاسٍ وَلَا مَيْمُونَةَ، كَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِهِ، فَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إِلَى أَنَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ لَا يَضُرُّ ; لِأَنَّ مَالِكًا كَانَ يَصِلُهُ تَارَةً وَيُرْسِلُهُ تَارَةً، وَرِوَايَةُ الْوَصْلِ عَنْهُ مُقَدَّمَةٌ قَدْ سَمِعَهُ مِنْهُ مَعْنُ بْنُ عِيسَى مِرَارًا وَتَابَعَهُ غَيْرُهُ مِنَ الْحُفَّاظِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَائِدَةٌ): أَخَذَ الْجُمْهُورُ بِحَدِيثِ مَعْمَرٍ الدَّالِّ عَلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْجَامِدِ وَالذَّائِبِ، وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّ الْجَامِدَ إِذَا وَقَعَتْ فِيهِ مَيْتَةٌ طُرِحَتْ وَمَا حَوْلَهَا مِنْهُ إِذَا تُحُقِّقَ أَنَّ شَيْئًا مِنْ أَجْزَائِهَا لَمْ يَصِلْ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْهُ، وَأَمَّا الْمَائِعُ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ يَنْجُسُ كُلُّهُ بِمُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ، وَخَالَفَ فَرِيقٌ: مِنْهُمُ الزُّهْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَسَيَأْتِي إِيضَاحُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الذَّبَائِحِ، وَكَذَلِكَ مَسْأَلَةُ الِانْتِفَاعِ بِالدُّهْنِ النَّجِسِ أَوِ الْمُتَنَجِّسِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: مُنَاسَبَةُ حَدِيثِ السَّمْنِ لِلْآثَارِ الَّتِي قَبْلَهُ اخْتِيَارُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي التَّنْجِيسِ تَغَيُّرُ الصِّفَاتِ، فَلَمَّا كَانَ رِيشُ الْمَيْتَةِ لَا يَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِهَا بِالْمَوْتِ وَكَذَا عَظْمُهَا فَكَذَلِكَ السَّمْنُ الْبَعِيدُ عَنْ مَوْقِعِ الْمَيْتَةِ إِذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ، وَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ الْمَاءَ إِذَا لَاقَتْهُ النَّجَاسَةُ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ أَنَّهُ لَا يَتَنَجَّسُ.
٢٣٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: كُلُّ كَلْمٍ يُكْلَمُهُ الْمُسْلِمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَهَيْئَتِهَا إِذْ طُعِنَتْ تَفَجَّرُ دَمًا: اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالْعَرْفُ عَرْفُ الْمِسْكِ.
[الحديث ٢٣٧ - طرفاه في ٥٥٣٣، ٢٨٠٣]
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ) أَيِ ابْنُ أُبَيٍّ مُوسَى الْمَرْوَزِيُّ الْمَعْرُوفُ بِمَرْدُوَيْهِ، وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ
قَوْلُهُ: (كُلُّ كَلْمٍ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ (يُكْلَمُهُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَإِسْكَانِ الْكَافِ وَفَتْحِ اللَّامِ، أَيْ كُلُّ جُرْحٍ يُجْرَحُهُ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
أي: وكلوا الباقي، كما صرَّح به في الرِّواية السَّابقة [خ¦٢٣٥] فهو من إطلاق اللَّازم وإرادة الملزوم، وفيه أنَّه ينجس وإن لم يتغيَّر، بخلاف الماء، والمُراد «بطرحه» ألَّا يأكلوه، أمَّا الاستصباح فلا بأس به كما مرَّ.
وفي هذا الحديث: التَّحديث والعنعنة.
(قَالَ مَعْنٌ) القزَّاز فيما قاله عليُّ بن (١) المدينيِّ بإسناده السَّابق: (حَدَّثَنَا مَالِكٌ مَا لَا أُحْصِيهِ) بضمِّ الهمزة، أي: ما لا أضبطه (يَقُولُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ) أي: فهو من مسانيد ميمونة برواية ابن عبَّاسٍ كما في «المُوطَّأ» من رواية يحيى بن يحيى، وهو الصَّحيح، وقال الذُّهْليُّ في «الزُّهريَّات»: إنَّه أشهر، وليس هو من مسانيد ابن عبَّاسٍ وإن رواه القعنبيُّ وغيره في «المُوطَّأ»، وأسقط أشهب: ابن عبَّاسٍ، وأسقطه وميمونَة يحيى ابنُ بكيرٍ وأبو (٢) مصعبٍ، ولهذا الاختلاف على مالكٍ في إسناده، ذكر المؤلِّف معنى هذا بعد إسناده و (٣) سياق (٤) حديثه بنزولٍ بالنِّسبة للإسناد السَّابق مع موافقته له في السِّياق.
٢٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ) أي: ابن موسى المروزيُّ المعروف: بمَرْدُويَه، بفتح الميم وسكون الرَّاء وضمِّ المُهمَلة وسكون الواو وفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة (قَالَ: أَخْبَرَنَا) ولابن عساكر: «حدَّثنا» (عَبْدُ اللهِ) بن المُبارَك (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بميمين مفتوحتين بينهما عينٌ ساكنةٌ، ابن
راشدٍ (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) بكسر المُوَحَّدة المُشدَّدة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: كُلُّ كَلْمٍ) بفتح الكاف وسكون اللَّام (يُكْلَمُهُ المُسْلِمُ) بضمِّ أوَّله وسكون ثانيه وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول، ويجوز بناؤه للفاعل، أي: كلُّ جرحٍ يُجرَحه، وأصله: يُكلَم به، فحُذِف الجارُّ وأُضيف إلى الفعل توسُّعًا، وللقابسيِّ وابن عساكر في نسخةٍ: «كلُّ كَلْمَةٍ يُكْلَمها» أي: كلُّ جراحةٍ يُجرَحها المسلم (فِي سَبِيلِ اللهِ) قيدٌ يخرج به: ما إذا وقع الكَلْم في غير سبيل الله، وزاد المؤلِّف في «الجهاد» [خ¦٢٨٠٣]: «والله أعلم بمن يُكلَم في سبيله» (يَكُونُ) أي: الكَلْم (يَوْمَ القِيَامَةِ) وفي رواية الأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ: «تكون» بالمُثنَّاة الفوقيَّة (كَهَيْئَتِهَا) قال الحافظ ابن حجرٍ: أعاد الضَّمير مُؤنَّثًا لإرادة الجراحة. انتهى. وتعقَّبه العينيُّ فقال: ليس كذلك، بل باعتبار الكلمة لأنَّ الكَلْم والكَلْمة مصدران، والجراحة اسمٌ لا يُعبَّر به عن المصدر (إِذْ) بسكون الذَّال، أي: حين (طُعِنَتْ) قال الكِرمانيُّ: المطعون: هو المسلم وهو مُذَّكرٌ، لكن لمَّا أُريد «طُعِن بها» حذف الجارّ ثمَّ أوصل الضَّمير المجرور بالفعل، وصار المنفصل متَّصلًا، وتعقَّبه البرماويُّ بأنَّ التَّاء علامةٌ لا ضميرٌ (١)، فإن أراد الضَّمير المستتر فتسميته متَّصلًا طريقةٌ، والأجود أنَّ الاتِّصال والانفصال وصفٌ للبارز، وفي بعض أصول «البخاريِّ» كـ «مسلمٍ»: «إذا طُعِنْتَ» بالألف بعد الذَّال، وهي ههنا (٢) لمُجرَّد الظَّرفيَّة، أو هي (٣) بمعنى «إذ»، وقد يتقارضان، أو لاستحضار صورة الطَّعن
لأنَّ الاستحضار كما يكون بصريح لفظ المضارع نحو: ﴿وَاللهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ [فاطر: ٩] يكون بما في معنى المضارع كما فيما نحن فيه (تَفَجَّرُ دَمًا) بفتح الجيم المُشدَّدة، وقال البرماويُّ كالكِرمانيِّ: هو (١) بضمِّ الجيم من الثُّلاثيِّ، وبفتحها مُشدَّدةً من التَّفعُّل، قال العينيُّ: أشار بهذا إلى جواز الوجهين، لكنَّه مبنيٌّ على مجيء الرِّواية بهما، وأصله: تتفجَّر، فحُذِفت (٢) التَّاء الأولى تخفيفًا (اللَّوْنُ) ولأبي ذَرٍّ: «واللَّون» (لَوْنُ الدَّمِ) يشهد لصاحبه بفضله على بذل نفسه، وعلى ظالمه بفعله (وَالعَرْفُ عَرْفُ) بفتح العين المُهمَلة (٣) وسكون الرَّاء، أي: الرِّيح ريح (المِسْكِ) لينتشر في أهل الموقف إظهارًا لفضله، ومن ثمَّ لا يُغسَل دم الشَّهيد في المعركة ولا يُغسَّل، ولأبي ذَرٍّ: «عرف مسكٍ (٤)»، فإن قلت: ما وجه إدخال هذا الحديث في هذه التَّرجمة؟ أُجيب بأنَّ المسك طاهرٌ وأصله نجسٌ، فلمَّا تغيَّر خرج عن حكمه، وكذا الماء إذا تغيَّر خرج عن حكمه، أو أنَّ دم الشَّهيد لمَّا انتقل بطيب الرَّائحة من النَّجاسة، حتَّى حُكِمَ له في الآخرة بحكم المسك الطَّاهر، وجب أن ينتقل الماء الطَّاهر بخبث الرَّائحة إذا حلَّت (٥) فيه نجاسةٌ من حكم الطَّهارة إلى النَّجاسة، وتُعقِّب بأنَّ الحكم المذكور في دم الشَّهيد من أمور الآخرة، والحكم في الماء بالطَّهارة والنَّجاسة من أمور الدَّنيا
فكيف يُقاس عليه؟ انتهى. أو (١) أنَّ مُراد المؤلِّف تأكيد مذهبه، أنَّ الماء لا ينجس بمُجرَّد المُلاقاة ما لم يتغيَّر، فاستُدِلَّ بهذا الحديث على أنَّ تبدَّل الصِّفة يؤثِّر في الموصوف، فكما أنَّ تغيُّر صفة الدَّم بالرَّائحة الطَّيِّبة أخرجه من الذَّمِّ إلى المدح، فكذلك تغيُّر صفة الماء إذا تغيَّر بالنَّجاسة يخرجه عن صفة الطَّهارة إلى النَّجاسة، وتُعقِّب بأنَّ الغرض إثبات انحصار التَّنجُّس بالتَّغيُّر (٢)، وما ذُكِرَ يدلُّ على أنَّ التَّنجُّس (٣) يحصل بالتَّغيُّر، وهو وفاقٌ، لا أنَّه لا يحصل إلَّا به، وهو موضع (٤) النِّزاع، وبالجملة فقد وقع للنَّاس أجوبةٌ عن هذا الاستشكال (٥)، وأكثرها بل كلُّها مُتعقَّبٌ، والله أعلم.
وسيأتي مزيد البحث في هذا الحديث إن شاء الله تعالى في «باب الجهاد» [خ¦٢٨٠٣].
ورواته الخمسة ما بين مروزيٍّ وبصريٍّ ويمانيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الجهاد» [خ¦٢٨٠٣]، وكذا مسلمٌ (٦).
(٦٨) (بابُ المَاءِ الدَّائِمِ) بالجرِّ صفةٌ للمُضاف إليه، أي: الرَّاكد، ولفظ: «الباب» ساقطٌ عند الأَصيليِّ، ولابن عساكر: «باب البول في الماء الدَّائم» وللأَصيليِّ: «باب (٧) لا تبولوا في الماء الدائم».
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
دَلَّتْ عَلَيْهِ الرِّوَايَةُ الْأُولَى.
قَوْلُهُ: (قَالَ مَعْنٌ) هُوَ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَهُوَ مُتَّصِلٌ، وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ مُعَلَّقٌ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ كَلَامَ مَعْنٍ وَسَاقَ حَدِيثَهُ بِنُزُولٍ - بِالنِّسْبَةِ لِلْإِسْنَادِ الَّذِي قَبْلَهُ - مَعَ مُوَافَقَتِهِ لَهُ فِي السِّيَاقِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى الِاخْتِلَافِ عَلَى مَالِكٍ فِي إِسْنَادِهِ، فَرَوَاهُ أَصْحَابُ الْمُوَطَّأِ عَنْهُ وَاخْتَلَفُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَهُ عَنْهُ هَكَذَا كَيَحْيَى بْنِ يَحْيَى وَغَيْرِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ مَيْمُونَةَ كَالْقَعْنَبِيِّ وَغَيْرِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ ابْنَ عَبَّاسٍ، كَأَشْهَبَ وَغَيْرِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ ابْنَ عَبَّاسٍ وَلَا مَيْمُونَةَ كَيَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، وَأَبِي مُصْعَبٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ لَفْظَةَ جَامِدٍ إِلَّا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ، وَكَذَا ذَكَرَهَا أَبُو دَاوُدُ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَرَوَاهُ الْحُمَيْدِيُّ وَالْحُفَّاظُ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِدُونِهَا وَجَوَّدُوا إِسْنَادَهُ فَذَكَرُوا فِيهِ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَمَيْمُونَةَ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مُجَوَّدًا، وَلَهُ فِيهِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ إِسْنَادٌ آخَرُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَفْظُهُ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْفَأْرَةِ تَقَعُ فِي السَّمْنِ، قَالَ: إِذَا كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ وَحَكَى التِّرْمِذِيُّ، عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ هَذِهِ: هِيَ خَطَأٌ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ: إِنَّهَا وَهْمٌ. وَأَشَارَ التِّرْمِذِيُّ إِلَى أَنَّهَا شَاذَّةٌ، وَقَالَ الذُّهْلِيُّ فِي الزُّهْرِيَّاتِ: الطَّرِيقَانِ عِنْدَنَا مَحْفُوظَانِ، لَكِنَّ طَرِيقَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ أَشْهَرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ اسْتَشْكَلَ ابْنُ التِّينِ إِيرَادَ الْبُخَارِيِّ كَلَامَ مَعْنٍ هَذَا مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ مُخَالِفٍ لِرِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ، وَأُجِيبُ بِأَنَّ مُرَادَهُ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ لَمْ يَنْفَرِدْ بِتَجْوِيدِ إِسْنَادِهِ. وَظَهَرَ لِي وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ رِوَايَةَ مَعْنٍ الْمَذْكُورَةَ وَقَعَتْ خَارِجَ الْمُوَطَّأِ هَكَذَا، وَقَدْ رَوَاهَا فِي الْمُوَطَّأِ فَلَمْ يَذْكُرِ ابْنَ عَبَّاسٍ وَلَا مَيْمُونَةَ، كَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِهِ، فَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إِلَى أَنَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ لَا يَضُرُّ ; لِأَنَّ مَالِكًا كَانَ يَصِلُهُ تَارَةً وَيُرْسِلُهُ تَارَةً، وَرِوَايَةُ الْوَصْلِ عَنْهُ مُقَدَّمَةٌ قَدْ سَمِعَهُ مِنْهُ مَعْنُ بْنُ عِيسَى مِرَارًا وَتَابَعَهُ غَيْرُهُ مِنَ الْحُفَّاظِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَائِدَةٌ): أَخَذَ الْجُمْهُورُ بِحَدِيثِ مَعْمَرٍ الدَّالِّ عَلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْجَامِدِ وَالذَّائِبِ، وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّ الْجَامِدَ إِذَا وَقَعَتْ فِيهِ مَيْتَةٌ طُرِحَتْ وَمَا حَوْلَهَا مِنْهُ إِذَا تُحُقِّقَ أَنَّ شَيْئًا مِنْ أَجْزَائِهَا لَمْ يَصِلْ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْهُ، وَأَمَّا الْمَائِعُ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ يَنْجُسُ كُلُّهُ بِمُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ، وَخَالَفَ فَرِيقٌ: مِنْهُمُ الزُّهْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَسَيَأْتِي إِيضَاحُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الذَّبَائِحِ، وَكَذَلِكَ مَسْأَلَةُ الِانْتِفَاعِ بِالدُّهْنِ النَّجِسِ أَوِ الْمُتَنَجِّسِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: مُنَاسَبَةُ حَدِيثِ السَّمْنِ لِلْآثَارِ الَّتِي قَبْلَهُ اخْتِيَارُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي التَّنْجِيسِ تَغَيُّرُ الصِّفَاتِ، فَلَمَّا كَانَ رِيشُ الْمَيْتَةِ لَا يَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِهَا بِالْمَوْتِ وَكَذَا عَظْمُهَا فَكَذَلِكَ السَّمْنُ الْبَعِيدُ عَنْ مَوْقِعِ الْمَيْتَةِ إِذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ، وَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ الْمَاءَ إِذَا لَاقَتْهُ النَّجَاسَةُ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ أَنَّهُ لَا يَتَنَجَّسُ.
٢٣٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: كُلُّ كَلْمٍ يُكْلَمُهُ الْمُسْلِمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَهَيْئَتِهَا إِذْ طُعِنَتْ تَفَجَّرُ دَمًا: اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالْعَرْفُ عَرْفُ الْمِسْكِ.
[الحديث ٢٣٧ - طرفاه في ٥٥٣٣، ٢٨٠٣]
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ) أَيِ ابْنُ أُبَيٍّ مُوسَى الْمَرْوَزِيُّ الْمَعْرُوفُ بِمَرْدُوَيْهِ، وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ
قَوْلُهُ: (كُلُّ كَلْمٍ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ (يُكْلَمُهُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَإِسْكَانِ الْكَافِ وَفَتْحِ اللَّامِ، أَيْ كُلُّ جُرْحٍ يُجْرَحُهُ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
أي: وكلوا الباقي، كما صرَّح به في الرِّواية السَّابقة [خ¦٢٣٥] فهو من إطلاق اللَّازم وإرادة الملزوم، وفيه أنَّه ينجس وإن لم يتغيَّر، بخلاف الماء، والمُراد «بطرحه» ألَّا يأكلوه، أمَّا الاستصباح فلا بأس به كما مرَّ.
وفي هذا الحديث: التَّحديث والعنعنة.
(قَالَ مَعْنٌ) القزَّاز فيما قاله عليُّ بن (١) المدينيِّ بإسناده السَّابق: (حَدَّثَنَا مَالِكٌ مَا لَا أُحْصِيهِ) بضمِّ الهمزة، أي: ما لا أضبطه (يَقُولُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ) أي: فهو من مسانيد ميمونة برواية ابن عبَّاسٍ كما في «المُوطَّأ» من رواية يحيى بن يحيى، وهو الصَّحيح، وقال الذُّهْليُّ في «الزُّهريَّات»: إنَّه أشهر، وليس هو من مسانيد ابن عبَّاسٍ وإن رواه القعنبيُّ وغيره في «المُوطَّأ»، وأسقط أشهب: ابن عبَّاسٍ، وأسقطه وميمونَة يحيى ابنُ بكيرٍ وأبو (٢) مصعبٍ، ولهذا الاختلاف على مالكٍ في إسناده، ذكر المؤلِّف معنى هذا بعد إسناده و (٣) سياق (٤) حديثه بنزولٍ بالنِّسبة للإسناد السَّابق مع موافقته له في السِّياق.
٢٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ) أي: ابن موسى المروزيُّ المعروف: بمَرْدُويَه، بفتح الميم وسكون الرَّاء وضمِّ المُهمَلة وسكون الواو وفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة (قَالَ: أَخْبَرَنَا) ولابن عساكر: «حدَّثنا» (عَبْدُ اللهِ) بن المُبارَك (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بميمين مفتوحتين بينهما عينٌ ساكنةٌ، ابن
راشدٍ (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) بكسر المُوَحَّدة المُشدَّدة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: كُلُّ كَلْمٍ) بفتح الكاف وسكون اللَّام (يُكْلَمُهُ المُسْلِمُ) بضمِّ أوَّله وسكون ثانيه وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول، ويجوز بناؤه للفاعل، أي: كلُّ جرحٍ يُجرَحه، وأصله: يُكلَم به، فحُذِف الجارُّ وأُضيف إلى الفعل توسُّعًا، وللقابسيِّ وابن عساكر في نسخةٍ: «كلُّ كَلْمَةٍ يُكْلَمها» أي: كلُّ جراحةٍ يُجرَحها المسلم (فِي سَبِيلِ اللهِ) قيدٌ يخرج به: ما إذا وقع الكَلْم في غير سبيل الله، وزاد المؤلِّف في «الجهاد» [خ¦٢٨٠٣]: «والله أعلم بمن يُكلَم في سبيله» (يَكُونُ) أي: الكَلْم (يَوْمَ القِيَامَةِ) وفي رواية الأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ: «تكون» بالمُثنَّاة الفوقيَّة (كَهَيْئَتِهَا) قال الحافظ ابن حجرٍ: أعاد الضَّمير مُؤنَّثًا لإرادة الجراحة. انتهى. وتعقَّبه العينيُّ فقال: ليس كذلك، بل باعتبار الكلمة لأنَّ الكَلْم والكَلْمة مصدران، والجراحة اسمٌ لا يُعبَّر به عن المصدر (إِذْ) بسكون الذَّال، أي: حين (طُعِنَتْ) قال الكِرمانيُّ: المطعون: هو المسلم وهو مُذَّكرٌ، لكن لمَّا أُريد «طُعِن بها» حذف الجارّ ثمَّ أوصل الضَّمير المجرور بالفعل، وصار المنفصل متَّصلًا، وتعقَّبه البرماويُّ بأنَّ التَّاء علامةٌ لا ضميرٌ (١)، فإن أراد الضَّمير المستتر فتسميته متَّصلًا طريقةٌ، والأجود أنَّ الاتِّصال والانفصال وصفٌ للبارز، وفي بعض أصول «البخاريِّ» كـ «مسلمٍ»: «إذا طُعِنْتَ» بالألف بعد الذَّال، وهي ههنا (٢) لمُجرَّد الظَّرفيَّة، أو هي (٣) بمعنى «إذ»، وقد يتقارضان، أو لاستحضار صورة الطَّعن
لأنَّ الاستحضار كما يكون بصريح لفظ المضارع نحو: ﴿وَاللهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ [فاطر: ٩] يكون بما في معنى المضارع كما فيما نحن فيه (تَفَجَّرُ دَمًا) بفتح الجيم المُشدَّدة، وقال البرماويُّ كالكِرمانيِّ: هو (١) بضمِّ الجيم من الثُّلاثيِّ، وبفتحها مُشدَّدةً من التَّفعُّل، قال العينيُّ: أشار بهذا إلى جواز الوجهين، لكنَّه مبنيٌّ على مجيء الرِّواية بهما، وأصله: تتفجَّر، فحُذِفت (٢) التَّاء الأولى تخفيفًا (اللَّوْنُ) ولأبي ذَرٍّ: «واللَّون» (لَوْنُ الدَّمِ) يشهد لصاحبه بفضله على بذل نفسه، وعلى ظالمه بفعله (وَالعَرْفُ عَرْفُ) بفتح العين المُهمَلة (٣) وسكون الرَّاء، أي: الرِّيح ريح (المِسْكِ) لينتشر في أهل الموقف إظهارًا لفضله، ومن ثمَّ لا يُغسَل دم الشَّهيد في المعركة ولا يُغسَّل، ولأبي ذَرٍّ: «عرف مسكٍ (٤)»، فإن قلت: ما وجه إدخال هذا الحديث في هذه التَّرجمة؟ أُجيب بأنَّ المسك طاهرٌ وأصله نجسٌ، فلمَّا تغيَّر خرج عن حكمه، وكذا الماء إذا تغيَّر خرج عن حكمه، أو أنَّ دم الشَّهيد لمَّا انتقل بطيب الرَّائحة من النَّجاسة، حتَّى حُكِمَ له في الآخرة بحكم المسك الطَّاهر، وجب أن ينتقل الماء الطَّاهر بخبث الرَّائحة إذا حلَّت (٥) فيه نجاسةٌ من حكم الطَّهارة إلى النَّجاسة، وتُعقِّب بأنَّ الحكم المذكور في دم الشَّهيد من أمور الآخرة، والحكم في الماء بالطَّهارة والنَّجاسة من أمور الدَّنيا
فكيف يُقاس عليه؟ انتهى. أو (١) أنَّ مُراد المؤلِّف تأكيد مذهبه، أنَّ الماء لا ينجس بمُجرَّد المُلاقاة ما لم يتغيَّر، فاستُدِلَّ بهذا الحديث على أنَّ تبدَّل الصِّفة يؤثِّر في الموصوف، فكما أنَّ تغيُّر صفة الدَّم بالرَّائحة الطَّيِّبة أخرجه من الذَّمِّ إلى المدح، فكذلك تغيُّر صفة الماء إذا تغيَّر بالنَّجاسة يخرجه عن صفة الطَّهارة إلى النَّجاسة، وتُعقِّب بأنَّ الغرض إثبات انحصار التَّنجُّس بالتَّغيُّر (٢)، وما ذُكِرَ يدلُّ على أنَّ التَّنجُّس (٣) يحصل بالتَّغيُّر، وهو وفاقٌ، لا أنَّه لا يحصل إلَّا به، وهو موضع (٤) النِّزاع، وبالجملة فقد وقع للنَّاس أجوبةٌ عن هذا الاستشكال (٥)، وأكثرها بل كلُّها مُتعقَّبٌ، والله أعلم.
وسيأتي مزيد البحث في هذا الحديث إن شاء الله تعالى في «باب الجهاد» [خ¦٢٨٠٣].
ورواته الخمسة ما بين مروزيٍّ وبصريٍّ ويمانيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الجهاد» [خ¦٢٨٠٣]، وكذا مسلمٌ (٦).
(٦٨) (بابُ المَاءِ الدَّائِمِ) بالجرِّ صفةٌ للمُضاف إليه، أي: الرَّاكد، ولفظ: «الباب» ساقطٌ عند الأَصيليِّ، ولابن عساكر: «باب البول في الماء الدَّائم» وللأَصيليِّ: «باب (٧) لا تبولوا في الماء الدائم».