الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٣٨
الحديث رقم ٢٣٨ من كتاب «كتاب الوضوء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب البول في الماء الدائم.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٢٣٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الزِّنَادِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الْأَعْرَجَ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَوْلُهُ: (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) قَيْدٌ يُخْرِجُ مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنَ الْجِرَاحَاتِ فِي غَيْرِ سَبِيلِ اللَّهِ، وَزَادَ فِي الْجِهَادِ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَحْصُلُ لِمَنْ خَلُصَتْ نِيَّتُهُ.
قَوْلُهُ: (تَكُونُ كَهَيْئَتِهَا) أَعَادَ الضَّمِيرَ مُؤَنَّثًا لِإِرَادَةِ الْجِرَاحَةِ، وَيُوَضِّحُهُ رِوَايَةُ الْقَابِسِيِّ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ كُلُّ كَلْمَةٍ يُكْلَمُهَا وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَسَاكِرَ.
قَوْلُهُ: (تَفَجَّرُ) بِفَتْحِ الْجِيمِ الْمُشَدَّدَةِ وَحَذْفِ التَّاءِ الْأُولَى إِذْ أَصْلُهُ تَتَفَجَّرُ.
قَوْلُهُ: (وَالْعَرْفُ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ الرِّيحُ، وَالْحِكْمَةُ فِي كَوْنِ الدَّمِ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى هَيْئَتِهِ أَنَّهُ يَشْهَدُ لِصَاحِبِهِ بِفَضْلِهِ وَعَلَى ظَالِمِهِ بِفِعْلِهِ، وَفَائِدَةُ رَائِحَتِهِ الطَّيِّبَةِ أَنْ تَنْتَشِرَ فِي أَهْلِ الْمَوْقِفِ إِظْهَارًا لِفَضِيلَتِهِ أَيْضًا، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يُشْرَعْ غَسْلُ الشَّهِيدِ فِي الْمَعْرَكَةِ.
وَقَدِ اسْتَشْكَلَ إِيرَادُ الْمُصَنِّفِ لِهَذَا الْحَدِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ، فَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ لَا يَدْخُلُ فِي طَهَارَةِ الدَّمِ وَلَا نَجَاسَتِهِ، وَإِنَّمَا وَرَدَ فِي فَضْلِ الْمَطْعُونِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَأُجِيبُ بِأَنَّ مَقْصُودَ الْمُصَنِّفِ بِإِيرَادِهِ تَأْكِيدُ مَذْهَبِهِ فِي أَنَّ الْمَاءَ لَا يَتَنَجَّسُ بِمُجَرَّدِ الْمُلَاقَاةِ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ، فَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ تَبَدُّلَ الصِّفَةِ يُؤَثِّرُ فِي الْمَوْصُوفِ، فَكَمَا أَنَّ تَغَيُّرَ صِفَةِ الدَّمِ بِالرَّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ أَخْرَجَهُ مِنَ الذَّمِّ إِلَى الْمَدْحِ فَكَذَلِكَ تَغَيُّرُ صِفَةِ الْمَاءِ إِذَا تَغَيَّرَ بِالنَّجَاسَةِ يُخْرِجُهُ عَنْ صِفَةِ الطَّهَارَةِ إِلَى النَّجَاسَةِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْغَرَضَ إِثْبَاتُ انْحِصَارِ التَّنْجِيسِ بِالتَّغَيُّرِ وَمَا ذَكَرَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّنْجِيسَ يَحْصُلُ بِالتَّغَيُّرِ وَهُوَ وِفَاقٌ، لَا أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِهِ وَهُوَ مَوْضِعُ النِّزَاعِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَقْصُودُ الْبُخَارِيِّ أَنْ يُبَيِّنَ طَهَارَةَ الْمِسْكِ رَدًّا عَلَى مَنْ يَقُولُ بِنَجَاسَتِهِ ; لِكَوْنِهِ دَمًا انْعَقَدَ فَلَمَّا تَغَيَّرَ عَنِ الْحَالَةِ الْمَكْرُوهَةِ مِنَ الدَّمِ وَهِيَ الزَّهَمُ وَقُبْحُ الرَّائِحَةِ إِلَى الْحَالَةِ الْمَمْدُوحَةِ وَهِيَ طِيبُ رَائِحَةِ الْمِسْكِ دَخَلَ عَلَيْهِ الْحِلُّ وَانْتَقَلَ مِنْ حَالَةِ النَّجَاسَةِ إِلَى حَالَةِ الطَّهَارَةِ، كَالْخَمْرَةِ إِذَا تَخَلَّلَتْ.
وَقَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: مُرَادُهُ أَنَّ انْتِقَالَ الدَّمِ إِلَى الرَّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ هُوَ الَّذِي نَقَلَهُ مِنْ حَالَةِ الذَّمِّ إِلَى حَالَةِ الْمَدْحِ، فَحَصَلَ مِنْ هَذَا تَغْلِيبُ وَصْفٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الرَّائِحَةُ عَلَى وَصْفَيْنِ وَهُمَا الطَّعْمُ وَاللَّوْنُ، فَيُسْتَنْبَطُ مِنْهُ أَنَّهُ مَتَى تَغَيَّرَ أَحَدُ الْأَوْصَافِ الثَّلَاثَةِ بِصَلَاحٍ أَوْ فَسَادٍ تَبِعَهُ الْوَصْفَانِ الْبَاقِيَانِ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى رَدِّ مَا نُقِلَ عَنْ رَبِيعَةَ وَغَيْرِهِ أَنَّ تَغَيُّرَ الْوَصْفِ الْوَاحِدِ لَا يُؤَثِّرُ حَتَّى يَجْتَمِعَ وَصْفَانِ، قَالَ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ إِذَا تَغَيَّرَ رِيحُهُ بِشَيْءٍ طَيِّبٍ لَا يَسْلُبُهُ اسْمَ الْمَاءِ، كَمَا أَنَّ الدَّمَ لَمْ يَنْتَقِلْ عَنِ اسْمِ الدَّمِ مَعَ تَغَيُّرِ رَائِحَتِهِ إِلَى رَائِحَةِ الْمِسْكِ ; لِأَنَّهُ قَدْ سَمَّاهُ دَمًا مَعَ تَغَيُّرِ الرِّيحِ، فَمَا دَامَ الِاسْمُ وَاقِعًا عَلَى الْمُسَمَّى فَالْحُكْمُ تَابِعٌ لَهُ. اهـ كَلَامُهُ. وَيَرُدُّ عَلَى الْأَوَّلِ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ الْمَاءَ إِذَا كَانَتْ أَوْصَافُهُ الثَّلَاثَةُ فَاسِدَةً ثُمَّ تَغَيَّرَتْ صِفَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْهَا إِلَى صَلَاحٍ أَنَّهُ يُحْكَمُ بِصَلَاحِهِ كُلِّهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْفَسَادِ. وَعَلَى الثَّانِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ لَمْ يُسْلَبِ اسْمَ الْمَاءِ أَنْ لَا يَكُونَ مَوْصُوفًا بِصِفَةٍ تَمْنَعُ مِنِ اسْتِعْمَالِهِ مَعَ بَقَاءِ اسْمِ الْمَاءِ عَلَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ لَمَّا نَقَلَ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إِنَّ الدَّمَ لَمَّا انْتَقَلَ بِطِيبِ رَائِحَتِهِ مِنْ حُكْمِ النَّجَاسَةِ إِلَى الطَّهَارَةِ وَمِنْ حُكْمِ الْقَذَارَةِ إِلَى الطِّيبِ لِتَغَيُّرِ رَائِحَتِهِ حَتَّى حَكَمَ لَهُ بِحُكْمِ الْمِسْكِ وَبِالطِّيبِ لِلشَّهِيدِ، فَكَذَلِكَ الْمَاءُ يَنْتَقِلُ بِتَغَيُّرِ رَائِحَتِهِ مِنَ الطَّهَارَةِ إِلَى النَّجَاسَةِ، قَالَ: هَذَا ضَعِيفٌ مَعَ تَكَلُّفِهِ.
٦٨ - بَاب الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ
٢٣٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الزِّنَادِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الْأَعْرَجَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ.
[الحديث ٢٣٨ - أطرافه في: ٧٤٩٥، ٧٠٣٦، ٦٨٨٧٦٦٢٤، ٣٤٨٦، ٢٩٥٦، ٨٩٦، ٨٧٦]
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٢٣٨ - ٢٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) بتخفيف الميم، الحكم بن نافعٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (قَالَ: أَخْبَرَنَا) ولابن عساكر: «حدَّثنا» (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الأَعْرَجَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّهُ سَمِعَ) وللأَصيليِّ: «قال: سمعت» ولابن عساكر: «يقول: سمعت» (رَسُولَ اللهِ) ولابن عساكر: «النَّبيَّ» (ﷺ يَقُولُ: نَحْنُ الآخِرُونَ) بكسر الخاء، أي: المُتأخِّرون في الدُّنيا (السَّابِقُونَ) أي: المُتقدِّمون في الآخرة.
(وَبِإِسْنَادِهِ) أي: إسناد هذا الحديث السابق (قَالَ: لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ)
بالمُهمَلة: الرَّاكد (١) القليل الغير القلَّتين، فإنَّه يَتَنَجَّسْ وإن لم يتغيَّر، وهذا مذهب الشَّافعيَّة، وقال المالكيَّة: لا ينجس (٢) إلَّا بالتَّغيُّر، قليلًا كان أو كثيرًا، جاريًا كان الماء أو راكدًا لحديث: «خلق اللهُ الماءَ طهورًا (٣) لا ينجِّسه شيءٌ … » الحديثَ (٤)، وعند الحنفيَّة: ينجس إذا (٥) لم يبلغ الغدير العظيم، وهو (٦) الذي لا يتحرَّك أحد أطرافه بتحرُّك أحدها (٧)، وعن (٨) أحمد روايةٌ صحَّحوها: في غير بول الآدميِّ وعذرته المائعة، فأمَّا هما فينجِّسان الماء وإن كان قلَّتين فأكثر (٩) على المشهور ما لم يكثر، أي: بحيث لا يمكن نزحه، وقوله: (الَّذِي لَا يَجْرِي) قِيلَ: هو تفسيرٌ لـ «الدَّائم» وإيضاحٌ لمعناه، وقِيلَ: احترز به عن الماء الدَّائر لأنَّه جارٍ من حيث الصُّورة، ساكنٌ من حيث المعنى، وقال ابن الأنباريِّ: «الدَّائم» من حروف الأضداد، يقال للسَّاكن والدَّائر، ويطلق (١٠) على البحار والأنهار الكبار التي (١١) لا ينقطع ماؤها: أنَّها دائمة، بمعنى: أنَّ ماءها غير منقطع، وقد اتفق على أنَّها غير مرادة هنا، وعلى هذين القولين، فقوله: الذي لا يجري صفة مخصِّصةٌ لأحد معنيي المُشتَرك، وهذا أولى من حمله على التَّوكيد الذي الأصل عدمه، ولا يخفى
أنَّه لو لم يقل: الذي لا يجري لكان مجملًا بحكم الاشتراك الدَّائر بين الدَّائر والدَّائم، وحينئذٍ (١) فلا يصحُّ الحمل على التَّأكيد، أو احترز (٢) به عن راكد يجري بعضه كالبرك (ثُمَّ) هو (يَغْتَسِلُ فِيهِ) أو يتوضَّأ وهو (٣) بضمِّ اللَّام على المَشهُور في الرِّواية، وجوَّز ابن مالكٍ في «توضيحه» صحَّة الجزم عطفًا على: «يبولن» المَجزُوم موضعًا بـ «لا» النَّاهية، ولكنَّه فُتِحَ بناءً؛ لتأكيده بالنُّون، والنَّصب على إضمار «أَنْ» إعطاءً لـ «ثم» حُكْمَ واوِ الجمع، وتعقَّبه القرطبيُّ في «المفهم»، والنَّوويُّ في «شرح مسلم» بأنَّه يقتضي أنَّ النَّهيَ للجمع بينهما (٤)، ولم يقله أحدٌ، بل البول منهيٌّ عنه أراد الغسل منه أو لا، وقال ابن هشامٍ: أجاز ابن مالكٍ الثَّلاثة، فتوهَّم تلميذه النَّوويُّ من قوله: «فأُعطِيَ حكم واو الجمع» أنَّ المراد إعطاء حكمها في معنى الجمع، فقال: لا يجوز بالنَّصب لأنَّه يقتضي أنَّ المَنهيَّ عنه الجمع بينهما دونَ إفراد أحدهما -إلى آخره- وإنَّما أراد ابن مالكٍ إعطاءها حكمها في النَّصب لا في المعيَّة (٥)، وأجاب ابن دقيق العيد بأنَّه لا يلزم أن يدلَّ على الأحكام المتعددة لفظٌ واحدٌ، فيُؤخَذ النَّهيُ عن الجمعِ بينهما من هذا الحديث، إن ثبتت رواية النَّصب، ويؤُخَذ النَّهي عن الإفراد من حديث آخر. انتهى. يعني كحديث مسلم عن جابر مرفوعًا: نهى عن البول في الماء الرَّاكد، وقال القرطبيُّ أبو العبَّاسِ: لا يحسن النَّصب (٦) لأنَّه لا يُنصَب بإضمار «أن» بعد «ثمَّ»،
وقال أيضًا: إنَّ الجزم ليس بشيء إذ لو أراد ذلك لقال: ثمَّ (١) لا يغتسلنَّ لأنَّه إذ ذاك يكون عطف فعلٍ على فعلٍ، لا عطف جملةٍ على جملةٍ، وحينئذٍ يكون الأصل مساواة (٢) الفعلين في النَّهي عنهما (٣) وتأكيدهما بالنُّون المشدَّدة (٤)، فإنَّ المحلَّ الذي تواردا (٥) عليه شيءٌ واحدٌ وهو «الماء»، فعدوله عن «ثم لا يغتسلنَّ (٦)» إلى (٧) «ثمَّ يغتسل» دليل على أنَّه لم يُرِد العطفَ، وإنَّما جاء «ثمَّ يغتسل» على التَّنبيه على مآل الحال، ومعناه: أنَّه إذا بال فيه قد يحتاج إليه، فيمتنع عليه (٨) استعمالُه لِمَا وقع فيه من البول، وتعقَّبه الزَّينُ العراقيُّ بأنَّه لا يلزم من (٩) عطف النَّهي على النَّهي ورود التَّأكيد فيهما معًا، كما (١٠) هو معروفٌ في العربيَّة، قال (١١): وفي رواية أبي داود: «لا يغتسل فيه من الجنابة» فأتى بأداة النَّهيِ ولم يؤكِّده (١٢)، وهذا كلُّه محمولٌ على القليل عند أهل العلم على اختلافهم في حدِّ القليل، وقد تقدَّم قول من لا يعتبر إلَّا التَّغيُّر وعدمه، وهو قويٌّ (١٣)، لكنَّ التَّفصيل بـ «القلَّتين» أقوى لصحَّة الحديث فيه، وقد نُقِل عن مالك أنَّه حمل النَّهيَ على التَّنزيه فيما لا يتغيَّر، وهو قول الباقين في الكثير، وقد وقع في رواية ابن عُيَيْنَة عن أبي الزِّناد: «ثمَّ يغتسل منه» -بالميم- بدل: «فيه»، وكلٌّ منهما يفيد حكمًا بالنَّصِّ وحكمًا بالاستنباط، فلفظة: «فيه» -بالفاء- تدلُّ على منع الانغماس بالنَّصِّ، وعلى منع التَّناول بالاستنباط، ولفظة (١٤): «منه» -بالميم - بعكس (١٥) ذلك، وكلُّ
ذلك (١) مبنيٌّ على أنَّ الماء ينجس بملاقاة النَّجاسة، فإن قلت: ما وجه دخول «نحن الآخرون» في التَّرجمة؟ وما المناسبة بين أوَّل الحديث وآخره (٢)؟ أُجيْب باحتمال أن يكون أبو هريرة سمعه من النِّبيِّ ﷺ مع ما بعده في نسقٍ واحدٍ، فحدَّث بهما جميعًا، وتبعه المؤلِّف، ويحتمل أن يكون همَّامٌ فعل ذلك وأنَّه (٣) سمعهما من أبي هريرة، وإِلَّا فليس في الحديث مناسبة للتَّرجمة، وتُعقِّب بأنَّ البخاريَّ إنَّما ساق الحديث من طريق الأعرج عن أبي هريرة لا من طريق همَّامٍ، فالاحتمال الثَّاني ساقطٌ، وقال في «فتح الباري»: والصَّواب أنَّ البخاريَّ في الغالب يذكر الشَّيء كما سمعه جملةً لتضمُّنه موضع الدَّلالة المطلوبة منه، وإن لم يكن باقيه مقصودًا.
ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين حمصيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث بالإفراد والجمع والإخبار والسَّماع، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه.
(٦٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا أُلْقِيَ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا لِمَا لم يُسَمَّ فاعله (عَلَى ظَهْرِ المُصَلِّي قَذَرٌ) بالذَّال المُعجَمَة المَفتُوحة، مرفوعٌ لكونه نائبًا عن الفاعل، أي: شيءٌ نجسٌ (أَوْ جِيفَةٌ) بالرَّفع عطفًا على السَّابق، وهي: جثَّةُ الميْتَة المريحة (٤) (لَمْ تَفْسُدْ عَلَيْهِ صَلَاتُهُ) جواب «إذا» (وَكَانَ)
ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «قال: وكان» (ابْنُ عُمَرَ) ﵄ ممَّا وصله ابن أبي شيبة في «مصنَّفه» بإسنادٍ صحيحٍ (إِذَا رَأَى فِي ثَوْبِهِ دَمًا وَهُوَ يُصَلِّي وَضَعَهُ) أي: ألقاه عنه (وَمَضَى فِي صَلَاتِهِ) ولم يذكر فيه إعادة الصَّلاة، ومذهب الشَّافعيِّ وأحمد: يعيدها، وقيَّدها مالك بالوقت، فإن خرج فلا قضاء.
(وَقَالَ ابْنُ المُسَيَّب) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة المُشدَّدة، واسمه: سعيدٌ (١) (وَالشَّعْبِيُّ) بفتح الشِّين، عامرٌ (٢) ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة بأسانيد مُفرَّقَة (٣): (إِذَا صَلَّى) المرء (وَفِي ثَوْبِهِ دَمٌ) لم يعلمه (٤)، وللمُستملي والسَّرخسيِّ: «وكان ابن المُسيَّب والشَّعبيُّ إذا صلَّى» أي: كلُّ واحد منهما، وفي ثوبه دم (أَوْ جَنَابَةٌ) أي: أثرها، وهو: المنيُّ، وهو مُقيَّدٌ عند القائل بنجاسته بعدم العلم كالدَّم (أَوْ لِغَيْرِ القِبْلَةِ) إذا كان باجتهاد ثمَّ أخطأ (أَوْ تَيَمَّمَ) عند عدم الماء (وَصَلَّى) وللهرويِّ والأَصيليِّ وابن عساكرٍ: «فصلَّى» (ثُمَّ أَدْرَكَ المَاءَ فِي وَقْتِهِ) أي: بعد أن فرغ (لَا يُعِيدُ) الصَّلاة، أمَّا الدَّمُ فيُعْفَى عنه إذا كان قليلًا من أجنبيٍّ، ومُطلَقًا من نفسه، وهو مذهب الشَّافعيِّ، وأمَّا القبلة فعند الثَّلاثة والشَّافعيِّ في «القديم»: لا يُعيد، وقال في «الجديد»: تجب الإعادة، وأمَّا التَّيَمُّم فعدم وجوب الإعادة بعد الفراغ من الصَّلاة، قول الأئمَّة الأربعة وأكثر السَّلف.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَوْلُهُ: (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) قَيْدٌ يُخْرِجُ مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنَ الْجِرَاحَاتِ فِي غَيْرِ سَبِيلِ اللَّهِ، وَزَادَ فِي الْجِهَادِ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَحْصُلُ لِمَنْ خَلُصَتْ نِيَّتُهُ.
قَوْلُهُ: (تَكُونُ كَهَيْئَتِهَا) أَعَادَ الضَّمِيرَ مُؤَنَّثًا لِإِرَادَةِ الْجِرَاحَةِ، وَيُوَضِّحُهُ رِوَايَةُ الْقَابِسِيِّ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ كُلُّ كَلْمَةٍ يُكْلَمُهَا وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَسَاكِرَ.
قَوْلُهُ: (تَفَجَّرُ) بِفَتْحِ الْجِيمِ الْمُشَدَّدَةِ وَحَذْفِ التَّاءِ الْأُولَى إِذْ أَصْلُهُ تَتَفَجَّرُ.
قَوْلُهُ: (وَالْعَرْفُ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ الرِّيحُ، وَالْحِكْمَةُ فِي كَوْنِ الدَّمِ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى هَيْئَتِهِ أَنَّهُ يَشْهَدُ لِصَاحِبِهِ بِفَضْلِهِ وَعَلَى ظَالِمِهِ بِفِعْلِهِ، وَفَائِدَةُ رَائِحَتِهِ الطَّيِّبَةِ أَنْ تَنْتَشِرَ فِي أَهْلِ الْمَوْقِفِ إِظْهَارًا لِفَضِيلَتِهِ أَيْضًا، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يُشْرَعْ غَسْلُ الشَّهِيدِ فِي الْمَعْرَكَةِ.
وَقَدِ اسْتَشْكَلَ إِيرَادُ الْمُصَنِّفِ لِهَذَا الْحَدِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ، فَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ لَا يَدْخُلُ فِي طَهَارَةِ الدَّمِ وَلَا نَجَاسَتِهِ، وَإِنَّمَا وَرَدَ فِي فَضْلِ الْمَطْعُونِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَأُجِيبُ بِأَنَّ مَقْصُودَ الْمُصَنِّفِ بِإِيرَادِهِ تَأْكِيدُ مَذْهَبِهِ فِي أَنَّ الْمَاءَ لَا يَتَنَجَّسُ بِمُجَرَّدِ الْمُلَاقَاةِ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ، فَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ تَبَدُّلَ الصِّفَةِ يُؤَثِّرُ فِي الْمَوْصُوفِ، فَكَمَا أَنَّ تَغَيُّرَ صِفَةِ الدَّمِ بِالرَّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ أَخْرَجَهُ مِنَ الذَّمِّ إِلَى الْمَدْحِ فَكَذَلِكَ تَغَيُّرُ صِفَةِ الْمَاءِ إِذَا تَغَيَّرَ بِالنَّجَاسَةِ يُخْرِجُهُ عَنْ صِفَةِ الطَّهَارَةِ إِلَى النَّجَاسَةِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْغَرَضَ إِثْبَاتُ انْحِصَارِ التَّنْجِيسِ بِالتَّغَيُّرِ وَمَا ذَكَرَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّنْجِيسَ يَحْصُلُ بِالتَّغَيُّرِ وَهُوَ وِفَاقٌ، لَا أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِهِ وَهُوَ مَوْضِعُ النِّزَاعِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَقْصُودُ الْبُخَارِيِّ أَنْ يُبَيِّنَ طَهَارَةَ الْمِسْكِ رَدًّا عَلَى مَنْ يَقُولُ بِنَجَاسَتِهِ ; لِكَوْنِهِ دَمًا انْعَقَدَ فَلَمَّا تَغَيَّرَ عَنِ الْحَالَةِ الْمَكْرُوهَةِ مِنَ الدَّمِ وَهِيَ الزَّهَمُ وَقُبْحُ الرَّائِحَةِ إِلَى الْحَالَةِ الْمَمْدُوحَةِ وَهِيَ طِيبُ رَائِحَةِ الْمِسْكِ دَخَلَ عَلَيْهِ الْحِلُّ وَانْتَقَلَ مِنْ حَالَةِ النَّجَاسَةِ إِلَى حَالَةِ الطَّهَارَةِ، كَالْخَمْرَةِ إِذَا تَخَلَّلَتْ.
وَقَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: مُرَادُهُ أَنَّ انْتِقَالَ الدَّمِ إِلَى الرَّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ هُوَ الَّذِي نَقَلَهُ مِنْ حَالَةِ الذَّمِّ إِلَى حَالَةِ الْمَدْحِ، فَحَصَلَ مِنْ هَذَا تَغْلِيبُ وَصْفٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الرَّائِحَةُ عَلَى وَصْفَيْنِ وَهُمَا الطَّعْمُ وَاللَّوْنُ، فَيُسْتَنْبَطُ مِنْهُ أَنَّهُ مَتَى تَغَيَّرَ أَحَدُ الْأَوْصَافِ الثَّلَاثَةِ بِصَلَاحٍ أَوْ فَسَادٍ تَبِعَهُ الْوَصْفَانِ الْبَاقِيَانِ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى رَدِّ مَا نُقِلَ عَنْ رَبِيعَةَ وَغَيْرِهِ أَنَّ تَغَيُّرَ الْوَصْفِ الْوَاحِدِ لَا يُؤَثِّرُ حَتَّى يَجْتَمِعَ وَصْفَانِ، قَالَ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ إِذَا تَغَيَّرَ رِيحُهُ بِشَيْءٍ طَيِّبٍ لَا يَسْلُبُهُ اسْمَ الْمَاءِ، كَمَا أَنَّ الدَّمَ لَمْ يَنْتَقِلْ عَنِ اسْمِ الدَّمِ مَعَ تَغَيُّرِ رَائِحَتِهِ إِلَى رَائِحَةِ الْمِسْكِ ; لِأَنَّهُ قَدْ سَمَّاهُ دَمًا مَعَ تَغَيُّرِ الرِّيحِ، فَمَا دَامَ الِاسْمُ وَاقِعًا عَلَى الْمُسَمَّى فَالْحُكْمُ تَابِعٌ لَهُ. اهـ كَلَامُهُ. وَيَرُدُّ عَلَى الْأَوَّلِ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ الْمَاءَ إِذَا كَانَتْ أَوْصَافُهُ الثَّلَاثَةُ فَاسِدَةً ثُمَّ تَغَيَّرَتْ صِفَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْهَا إِلَى صَلَاحٍ أَنَّهُ يُحْكَمُ بِصَلَاحِهِ كُلِّهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْفَسَادِ. وَعَلَى الثَّانِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ لَمْ يُسْلَبِ اسْمَ الْمَاءِ أَنْ لَا يَكُونَ مَوْصُوفًا بِصِفَةٍ تَمْنَعُ مِنِ اسْتِعْمَالِهِ مَعَ بَقَاءِ اسْمِ الْمَاءِ عَلَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ لَمَّا نَقَلَ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إِنَّ الدَّمَ لَمَّا انْتَقَلَ بِطِيبِ رَائِحَتِهِ مِنْ حُكْمِ النَّجَاسَةِ إِلَى الطَّهَارَةِ وَمِنْ حُكْمِ الْقَذَارَةِ إِلَى الطِّيبِ لِتَغَيُّرِ رَائِحَتِهِ حَتَّى حَكَمَ لَهُ بِحُكْمِ الْمِسْكِ وَبِالطِّيبِ لِلشَّهِيدِ، فَكَذَلِكَ الْمَاءُ يَنْتَقِلُ بِتَغَيُّرِ رَائِحَتِهِ مِنَ الطَّهَارَةِ إِلَى النَّجَاسَةِ، قَالَ: هَذَا ضَعِيفٌ مَعَ تَكَلُّفِهِ.
٦٨ - بَاب الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ
٢٣٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الزِّنَادِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الْأَعْرَجَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ.
[الحديث ٢٣٨ - أطرافه في: ٧٤٩٥، ٧٠٣٦، ٦٨٨٧٦٦٢٤، ٣٤٨٦، ٢٩٥٦، ٨٩٦، ٨٧٦]
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٢٣٨ - ٢٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) بتخفيف الميم، الحكم بن نافعٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (قَالَ: أَخْبَرَنَا) ولابن عساكر: «حدَّثنا» (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الأَعْرَجَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّهُ سَمِعَ) وللأَصيليِّ: «قال: سمعت» ولابن عساكر: «يقول: سمعت» (رَسُولَ اللهِ) ولابن عساكر: «النَّبيَّ» (ﷺ يَقُولُ: نَحْنُ الآخِرُونَ) بكسر الخاء، أي: المُتأخِّرون في الدُّنيا (السَّابِقُونَ) أي: المُتقدِّمون في الآخرة.
(وَبِإِسْنَادِهِ) أي: إسناد هذا الحديث السابق (قَالَ: لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ)
بالمُهمَلة: الرَّاكد (١) القليل الغير القلَّتين، فإنَّه يَتَنَجَّسْ وإن لم يتغيَّر، وهذا مذهب الشَّافعيَّة، وقال المالكيَّة: لا ينجس (٢) إلَّا بالتَّغيُّر، قليلًا كان أو كثيرًا، جاريًا كان الماء أو راكدًا لحديث: «خلق اللهُ الماءَ طهورًا (٣) لا ينجِّسه شيءٌ … » الحديثَ (٤)، وعند الحنفيَّة: ينجس إذا (٥) لم يبلغ الغدير العظيم، وهو (٦) الذي لا يتحرَّك أحد أطرافه بتحرُّك أحدها (٧)، وعن (٨) أحمد روايةٌ صحَّحوها: في غير بول الآدميِّ وعذرته المائعة، فأمَّا هما فينجِّسان الماء وإن كان قلَّتين فأكثر (٩) على المشهور ما لم يكثر، أي: بحيث لا يمكن نزحه، وقوله: (الَّذِي لَا يَجْرِي) قِيلَ: هو تفسيرٌ لـ «الدَّائم» وإيضاحٌ لمعناه، وقِيلَ: احترز به عن الماء الدَّائر لأنَّه جارٍ من حيث الصُّورة، ساكنٌ من حيث المعنى، وقال ابن الأنباريِّ: «الدَّائم» من حروف الأضداد، يقال للسَّاكن والدَّائر، ويطلق (١٠) على البحار والأنهار الكبار التي (١١) لا ينقطع ماؤها: أنَّها دائمة، بمعنى: أنَّ ماءها غير منقطع، وقد اتفق على أنَّها غير مرادة هنا، وعلى هذين القولين، فقوله: الذي لا يجري صفة مخصِّصةٌ لأحد معنيي المُشتَرك، وهذا أولى من حمله على التَّوكيد الذي الأصل عدمه، ولا يخفى
أنَّه لو لم يقل: الذي لا يجري لكان مجملًا بحكم الاشتراك الدَّائر بين الدَّائر والدَّائم، وحينئذٍ (١) فلا يصحُّ الحمل على التَّأكيد، أو احترز (٢) به عن راكد يجري بعضه كالبرك (ثُمَّ) هو (يَغْتَسِلُ فِيهِ) أو يتوضَّأ وهو (٣) بضمِّ اللَّام على المَشهُور في الرِّواية، وجوَّز ابن مالكٍ في «توضيحه» صحَّة الجزم عطفًا على: «يبولن» المَجزُوم موضعًا بـ «لا» النَّاهية، ولكنَّه فُتِحَ بناءً؛ لتأكيده بالنُّون، والنَّصب على إضمار «أَنْ» إعطاءً لـ «ثم» حُكْمَ واوِ الجمع، وتعقَّبه القرطبيُّ في «المفهم»، والنَّوويُّ في «شرح مسلم» بأنَّه يقتضي أنَّ النَّهيَ للجمع بينهما (٤)، ولم يقله أحدٌ، بل البول منهيٌّ عنه أراد الغسل منه أو لا، وقال ابن هشامٍ: أجاز ابن مالكٍ الثَّلاثة، فتوهَّم تلميذه النَّوويُّ من قوله: «فأُعطِيَ حكم واو الجمع» أنَّ المراد إعطاء حكمها في معنى الجمع، فقال: لا يجوز بالنَّصب لأنَّه يقتضي أنَّ المَنهيَّ عنه الجمع بينهما دونَ إفراد أحدهما -إلى آخره- وإنَّما أراد ابن مالكٍ إعطاءها حكمها في النَّصب لا في المعيَّة (٥)، وأجاب ابن دقيق العيد بأنَّه لا يلزم أن يدلَّ على الأحكام المتعددة لفظٌ واحدٌ، فيُؤخَذ النَّهيُ عن الجمعِ بينهما من هذا الحديث، إن ثبتت رواية النَّصب، ويؤُخَذ النَّهي عن الإفراد من حديث آخر. انتهى. يعني كحديث مسلم عن جابر مرفوعًا: نهى عن البول في الماء الرَّاكد، وقال القرطبيُّ أبو العبَّاسِ: لا يحسن النَّصب (٦) لأنَّه لا يُنصَب بإضمار «أن» بعد «ثمَّ»،
وقال أيضًا: إنَّ الجزم ليس بشيء إذ لو أراد ذلك لقال: ثمَّ (١) لا يغتسلنَّ لأنَّه إذ ذاك يكون عطف فعلٍ على فعلٍ، لا عطف جملةٍ على جملةٍ، وحينئذٍ يكون الأصل مساواة (٢) الفعلين في النَّهي عنهما (٣) وتأكيدهما بالنُّون المشدَّدة (٤)، فإنَّ المحلَّ الذي تواردا (٥) عليه شيءٌ واحدٌ وهو «الماء»، فعدوله عن «ثم لا يغتسلنَّ (٦)» إلى (٧) «ثمَّ يغتسل» دليل على أنَّه لم يُرِد العطفَ، وإنَّما جاء «ثمَّ يغتسل» على التَّنبيه على مآل الحال، ومعناه: أنَّه إذا بال فيه قد يحتاج إليه، فيمتنع عليه (٨) استعمالُه لِمَا وقع فيه من البول، وتعقَّبه الزَّينُ العراقيُّ بأنَّه لا يلزم من (٩) عطف النَّهي على النَّهي ورود التَّأكيد فيهما معًا، كما (١٠) هو معروفٌ في العربيَّة، قال (١١): وفي رواية أبي داود: «لا يغتسل فيه من الجنابة» فأتى بأداة النَّهيِ ولم يؤكِّده (١٢)، وهذا كلُّه محمولٌ على القليل عند أهل العلم على اختلافهم في حدِّ القليل، وقد تقدَّم قول من لا يعتبر إلَّا التَّغيُّر وعدمه، وهو قويٌّ (١٣)، لكنَّ التَّفصيل بـ «القلَّتين» أقوى لصحَّة الحديث فيه، وقد نُقِل عن مالك أنَّه حمل النَّهيَ على التَّنزيه فيما لا يتغيَّر، وهو قول الباقين في الكثير، وقد وقع في رواية ابن عُيَيْنَة عن أبي الزِّناد: «ثمَّ يغتسل منه» -بالميم- بدل: «فيه»، وكلٌّ منهما يفيد حكمًا بالنَّصِّ وحكمًا بالاستنباط، فلفظة: «فيه» -بالفاء- تدلُّ على منع الانغماس بالنَّصِّ، وعلى منع التَّناول بالاستنباط، ولفظة (١٤): «منه» -بالميم - بعكس (١٥) ذلك، وكلُّ
ذلك (١) مبنيٌّ على أنَّ الماء ينجس بملاقاة النَّجاسة، فإن قلت: ما وجه دخول «نحن الآخرون» في التَّرجمة؟ وما المناسبة بين أوَّل الحديث وآخره (٢)؟ أُجيْب باحتمال أن يكون أبو هريرة سمعه من النِّبيِّ ﷺ مع ما بعده في نسقٍ واحدٍ، فحدَّث بهما جميعًا، وتبعه المؤلِّف، ويحتمل أن يكون همَّامٌ فعل ذلك وأنَّه (٣) سمعهما من أبي هريرة، وإِلَّا فليس في الحديث مناسبة للتَّرجمة، وتُعقِّب بأنَّ البخاريَّ إنَّما ساق الحديث من طريق الأعرج عن أبي هريرة لا من طريق همَّامٍ، فالاحتمال الثَّاني ساقطٌ، وقال في «فتح الباري»: والصَّواب أنَّ البخاريَّ في الغالب يذكر الشَّيء كما سمعه جملةً لتضمُّنه موضع الدَّلالة المطلوبة منه، وإن لم يكن باقيه مقصودًا.
ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين حمصيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث بالإفراد والجمع والإخبار والسَّماع، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه.
(٦٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا أُلْقِيَ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا لِمَا لم يُسَمَّ فاعله (عَلَى ظَهْرِ المُصَلِّي قَذَرٌ) بالذَّال المُعجَمَة المَفتُوحة، مرفوعٌ لكونه نائبًا عن الفاعل، أي: شيءٌ نجسٌ (أَوْ جِيفَةٌ) بالرَّفع عطفًا على السَّابق، وهي: جثَّةُ الميْتَة المريحة (٤) (لَمْ تَفْسُدْ عَلَيْهِ صَلَاتُهُ) جواب «إذا» (وَكَانَ)
ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «قال: وكان» (ابْنُ عُمَرَ) ﵄ ممَّا وصله ابن أبي شيبة في «مصنَّفه» بإسنادٍ صحيحٍ (إِذَا رَأَى فِي ثَوْبِهِ دَمًا وَهُوَ يُصَلِّي وَضَعَهُ) أي: ألقاه عنه (وَمَضَى فِي صَلَاتِهِ) ولم يذكر فيه إعادة الصَّلاة، ومذهب الشَّافعيِّ وأحمد: يعيدها، وقيَّدها مالك بالوقت، فإن خرج فلا قضاء.
(وَقَالَ ابْنُ المُسَيَّب) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة المُشدَّدة، واسمه: سعيدٌ (١) (وَالشَّعْبِيُّ) بفتح الشِّين، عامرٌ (٢) ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة بأسانيد مُفرَّقَة (٣): (إِذَا صَلَّى) المرء (وَفِي ثَوْبِهِ دَمٌ) لم يعلمه (٤)، وللمُستملي والسَّرخسيِّ: «وكان ابن المُسيَّب والشَّعبيُّ إذا صلَّى» أي: كلُّ واحد منهما، وفي ثوبه دم (أَوْ جَنَابَةٌ) أي: أثرها، وهو: المنيُّ، وهو مُقيَّدٌ عند القائل بنجاسته بعدم العلم كالدَّم (أَوْ لِغَيْرِ القِبْلَةِ) إذا كان باجتهاد ثمَّ أخطأ (أَوْ تَيَمَّمَ) عند عدم الماء (وَصَلَّى) وللهرويِّ والأَصيليِّ وابن عساكرٍ: «فصلَّى» (ثُمَّ أَدْرَكَ المَاءَ فِي وَقْتِهِ) أي: بعد أن فرغ (لَا يُعِيدُ) الصَّلاة، أمَّا الدَّمُ فيُعْفَى عنه إذا كان قليلًا من أجنبيٍّ، ومُطلَقًا من نفسه، وهو مذهب الشَّافعيِّ، وأمَّا القبلة فعند الثَّلاثة والشَّافعيِّ في «القديم»: لا يُعيد، وقال في «الجديد»: تجب الإعادة، وأمَّا التَّيَمُّم فعدم وجوب الإعادة بعد الفراغ من الصَّلاة، قول الأئمَّة الأربعة وأكثر السَّلف.