الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٦٠٠
الحديث رقم ٢٦٠٠ من كتاب «كتاب الهبة وفضلها» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إذا وهب هبة فقبضها الآخر ولم يقل قبلت.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابٌ: إِذَا وَهَبَ دَيْنًا عَلَى رَجُلٍ قَالَ شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ هُوَ جَائِزٌ وَوَهَبَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ﵉ لِرَجُلٍ دَيْنَهُ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ فَلْيُعْطِهِ أَوْ لِيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ فَقَالَ جَابِرٌ قُتِلَ أَبِي وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَسَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ غُرَمَاءَهُ أَنْ يَقْبَلُوا ثَمَرَ حَائِطِي وَيُحَلِّلُوا أَبِي
٢٦٠٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَوْلُهُ: (بَابُ كَيْفَ يَقْبِضُ الْعَبْدَ والْمَتَاعَ) أَيِ الْمَوْهُوبَ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: كَيْفِيَّةُ الْقَبْضِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ بِإِسْلَامِ الْوَاهِبِ لَهَا إِلَى الْمَوْهُوبِ وَحِيَازَةِ الْمَوْهُوبِ لِذَلِكَ، قَالَ: وَاخْتَلَفُوا هَلْ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْهِبَةِ الْحِيَازَةُ أَمْ لَا؟ فَحُكِيَ الْخِلَافُ، وَتَحْرِيرُهُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ: إِنَّهَا لَا تَتِمُّ إِلَّا بِالْقَبْضِ، وَعَنِ الْقَدِيمِ - وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَدَاوُدُ - تَصِحُّ بِنَفْسِ الْعَقْدِ وَإِنْ لَمْ تُقْبَضْ، وَعَنْ أَحْمَدَ تَصِحُّ بِدُونِ الْقَبْضِ فِي الْعَيْنِ الْمُعَيَّنَةِ دُونَ الشَّائِعَةِ، وَعَنْ مَالِكٍ كَالْقَدِيمِ لَكِنْ قَالَ: إِنْ مَاتَ الْوَاهِبُ قَبْلَ الْقَبْضِ وَزَادَتْ عَلَى الثُّلُثِ افْتَقَرَ إِلَى إِجَازَةِ الْوَارِثِ. ثُمَّ إِنَّ التَّرْجَمَةَ فِي الْكَيْفِيَّةِ لَا فِي أَصْلِ الْقَبْضِ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ يُشْتَرَطُ فِي الْهِبَةِ حَقِيقَةُ الْقَبْضِ دُونَ التَّخْلِيَةِ، وَسَأُشِيرُ إِلَيْهِ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: كُنْتُ عَلَى بَكْرٍ صَعْبٍ) الْحَدِيثَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَشَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ فِي قِصَّةِ أَبِيهِ فِي الْقَبَاءِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ.
وَقَوْلُهُ: فَقَالَ: خَبَّأْنَا هَذَا لَكَ ; قَالَ فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ: رَضِيَ مَخْرَمَةُ؟ قَالَ الدَّاوُدِيُّ: هُوَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِفْهَامِ، أَيْ هَلْ رَضِيتَ؟ وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِ مَخْرَمَةَ. قُلْتُ: وَهُوَ الْمُتَبَادَرُ لِلذِّهْنِ.
٢٠ - بَاب إِذَا وَهَبَ هِبَةً فَقَبَضَهَا الْآخَرُ وَلَمْ يَقُلْ: قَبِلْتُ
٢٦٠٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: هَلَكْتُ فَقَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: وَقَعْتُ بِأَهْلِي فِي رَمَضَانَ قَالَ: أتَجِدُ رَقَبَةً؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ: لَا قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ بِعَرَقٍ، وَالْعَرَقُ الْمِكْتَلُ فِيهِ تَمْرٌ فَقَالَ: اذْهَبْ بِهَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ قَالَ: عَلَى أَحْوَجَ مِنَّا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ مِنَّا قَالَ: اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا وَهَبَ هِبَةً فَقَبَضَهَا الْآخَرُ وَلَمْ يَقُلْ: قَبِلْتُ) أَيْ جَازَتْ، وَنَقَلَ فِيهِ ابْنُ بَطَّالٍ اتِّفَاقَ الْعُلَمَاءِ، وَأَنَّ الْقَبْضَ فِي الْهِبَةِ هُوَ غَايَةُ الْقَبُولِ، وَغَفَلَ ﵀ عَنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّةَ يَشْتَرِطُونَ الْقَبُولَ فِي الْهِبَةِ دُونَ الْهَدِيَّةِ، إِلَّا إِنْ كَانَتِ الْهِبَةُ ضِمْنِيَّةً كَمَا لَوْ قَالَ: أَعْتِقْ عَبْدَكَ عَنِّي فَعَتَقَهُ عَنْهُ، فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ هِبَةً وَيُعْتَقُ عَنْهُ وَلَا يُشْتَرَطُ الْقَبُولُ، وَمُقَابِلُ إِطْلَاقِ ابْنِ بَطَّالٍ قَوْلُ الْمَاوَرْدِيِّ: قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لَا يُعْتَبَرُ الْقَبُولُ فِي الْهِبَةِ كَالْعِتْقِ، قَالَ: وَهُوَ قَوْلٌ شَذَّ بِهِ عَنِ الْجَمَاعَةِ وَخَالَفَ فِيهِ الْكَافَّةَ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ الْهَدِيَّةَ فَيُحْتَمَلُ اهـ، عَلَى أَنَّ فِي اشْتِرَاطِ الْقَبُولِ فِي الْهَدِيَّةِ وَجْهًا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
ثُمَّ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الْمُجَامِعِ فِي رَمَضَانَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي الصِّيَامِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ أَنَّهُ ﷺ أَعْطَى الرَّجُلَ التَّمْرَ فَقَبَضَهُ وَلَمْ يَقُلْ: قَبِلْتُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ. وَلِمَنِ اشْتَرَطَ الْقَبُولَ أَنْ يُجِيبَ عَنْ هَذَا بِأَنَّهَا وَاقِعَةُ عَيْنٍ فَلَا حُجَّةَ فِيهَا، وَلَمْ يُصَرِّحْ فِيهَا بِذِكْرِ الْقَبُولِ وَلَا بِنَفْيِهِ، وَقَدِ اعْتَرَضَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ هِبَةً، بَلْ لَعَلَّهُ كَانَ مِنَ الصَّدَقَةِ فَيَكُونُ قَاسِمًا لَا وَاهِبًا اهـ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الصَّوْمِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنَ الصَّدَقَةِ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ يَجْنَحُ إِلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الإبراء والعتق، والطَّلاق بلا قَبول لأنَّها إسقاط، ويُستثنى من اعتبار ذلك الهبةُ الضِّمنيَّة كأن قال لغيره: أعتق عبدك عنِّي ففعل، فإنَّه يدخل في ملكه هبةً، ويُعتَق عنه، ولا يُشتَرط القَبول، ولا يُشتَرط الإيجاب والقَبول في الهديَّة والصَّدقة ولو في غير المطعوم، بل يكفي البَعْث من المملِّك، والقبض من المتملِّك، كما جرى عليه النَّاس في الأعصار، ولهذا كانوا يبعثونهما على أيدي الصِّبيان الَّذين لا تصحُّ عقودهم. فإن قيل: كان هذا إباحةً لا هديَّة. أُجِيب: بأنَّه لو كان إباحةً، ما تصرَّفوا فيه تصرُّف المُلَّاك، ومعلوم أنَّه ليس كذلك.
٢٦٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ) أبو عبد الله البصريُّ البُنَانيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زياد قال: (حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزُّهريِّ المدنيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁) أنَّه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) سلمةُ بن صَخْر، أو سَلْمانُ بن صخر، أو أعرابيٌّ (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: هَلَكْتُ) فعلتُ ما هو سبب لهلالكي (فَقَالَ) ﵊: (وَمَا ذَاكَ؟) ولأحمد «وما الَّذي أهلكك؟» (قَالَ: وَقَعْتُ بِأَهْلِي) أي: وطِئت امرأتي (فِي رَمَضَانَ) نهارًا (قَالَ) ﵊: (تَجِدُ) ولأبي ذرٍّ: «أتجد» (رَقَبَةً؟) المراد: الوجود الشَّرعي، ليدخل فيه القدرة بالشِّراء ونحوه، ويخرج عنه مِلْك الرَّقبة المحتاج إليها بطريقٍ شرعيٍّ (قَالَ) الرَّجل: (لَا) أجد رقبة (قَالَ) ﵊: (فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَالَ) الرَّجل: (لَا) أستطيع ذلك (قَالَ) ﵊: (فَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ) الرَّجل: (لَا) أستطيع (قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ) قال في مقدِّمة «فتح الباري»: لم يُسَمَّ، وإن صحَّ أنَّ المحترق سلمةُ بن صخر، فالرَّجل هو فَرْوة بن عَمرو البياضيُّ (بِعَرَقٍ) بفتح العين والرَّاء المهملتين، قال أبو هريرة أو الزُّهريُّ أو غيره: (-وَالعَرَقُ: المِكْتَلُ-) بكسر الميم وسكون الكاف وفتح المثنَّاة الفوقيَّة، وهو الزِّنبيل (فِيهِ تَمْرٌ) وزاد ابن أبي حفصة عند أحمد: «فيه خمسة
عشر صاعًا» وعند ابن خزيمة من حديث عائشة: «فأتى بعَرَق، فيه عشرون صاعًا» وعند مسدَّد من (١) مرسل عطاءٍ: «فأمر له ببعضه»، وهو يجمع بين الرِّوايات، فمَنْ قال: عشرون، أراد أصلَ ما كان فيه، ومن قال: خمسةَ عشر، أراد قدر ما تقع به الكفَّارة (قَالَ) ﵊: (اذْهَبْ بِهَذَا) العَرَق (فَتَصَدَّقْ بِهِ) بالجزمِ على الأمر (فقَالَ) الرَّجل: أتصَدَّق به (عَلَى) ناسٍ (أَحْوَجَ مِنَّا يَا رَسُولَ اللهِ؟ وَ) الله (الَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا) بغير همزة، أي: حَرَّتَي المدينة المكتنفتين بها (أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ مِنَّا. قَالَ) ﵊، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «ثمَّ قال»: (اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ) مَنْ تلزمك نفقتُه أو زوجتك، وكان من مال الصَّدقة والكفَّارة باقيةٌ في ذمَّته، كما سبق تقريره في «الصِّيام» [خ¦١٩٣٧] قال في «الفتح»: والغَرَض منه هنا: أنَّه ﷺ أعطى الرَّجل التَّمر فقبضه، ولم يقل: قَبِلْتُ، ثمَّ قال: «اذهب فأطعمه أهلك» ولمن اشترط القَبول أن يجيب عن هذا: بأنَّها واقعةُ عَيْنٍ، فلا حجَّة فيها، ولم يُصرَّح فيها بذكر القبول ولا بنفيه.
(٢١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا وَهَبَ) رجل (دَيْنًا) له (عَلَى رَجُلٍ) لآخر أو لمن هو عليه (قَالَ شُعْبَةُ) بن الحجَّاج، فيما وصله ابن أبي شَيْبة: (عَنِ الحَكَمِ) بفتحتين ابن عُتَيْبة (٢) (هُوَ) أي: فِعْلُ هبةِ الدَّيْن لمن هو عليه (جَائِزٌ، وَوَهَبَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ) أي: ابن أبي طالب ﵉ لِرَجُلٍ) له عليه دَيْن (دَيْنَهُ) قال الحافظ ابن حَجَر: لم أقف على مَنْ وصله، ولم يُسَمَّ الرَّجل (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ) فيما وصله مسدَّد في «مسنده» من طريق سعيدٍ المَقبُريِّ عن أبي هريرة مرفوعًا: (مَنْ كَانَ لَهُ) أي: لأحد (عَلَيْهِ حَقٌّ فَلْيُعْطِهِ) إيَّاه (أَوْ لِيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ) بالجزم على الأمر، والضَّمير في «منه» لصاحب الحقِّ. قال الحافظ ابن حَجَر: ووجهُ الدَّلالة منه لجواز هبة الدَّيْن: أنَّه ﷺ سوّى بين أن يعطيه إيَّاه أو يحلِّله منه، ولم يشترط في التَّحليل قبضًا (فَقَالَ) بالفاء، وفي نسخةٍ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَوْلُهُ: (بَابُ كَيْفَ يَقْبِضُ الْعَبْدَ والْمَتَاعَ) أَيِ الْمَوْهُوبَ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: كَيْفِيَّةُ الْقَبْضِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ بِإِسْلَامِ الْوَاهِبِ لَهَا إِلَى الْمَوْهُوبِ وَحِيَازَةِ الْمَوْهُوبِ لِذَلِكَ، قَالَ: وَاخْتَلَفُوا هَلْ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْهِبَةِ الْحِيَازَةُ أَمْ لَا؟ فَحُكِيَ الْخِلَافُ، وَتَحْرِيرُهُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ: إِنَّهَا لَا تَتِمُّ إِلَّا بِالْقَبْضِ، وَعَنِ الْقَدِيمِ - وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَدَاوُدُ - تَصِحُّ بِنَفْسِ الْعَقْدِ وَإِنْ لَمْ تُقْبَضْ، وَعَنْ أَحْمَدَ تَصِحُّ بِدُونِ الْقَبْضِ فِي الْعَيْنِ الْمُعَيَّنَةِ دُونَ الشَّائِعَةِ، وَعَنْ مَالِكٍ كَالْقَدِيمِ لَكِنْ قَالَ: إِنْ مَاتَ الْوَاهِبُ قَبْلَ الْقَبْضِ وَزَادَتْ عَلَى الثُّلُثِ افْتَقَرَ إِلَى إِجَازَةِ الْوَارِثِ. ثُمَّ إِنَّ التَّرْجَمَةَ فِي الْكَيْفِيَّةِ لَا فِي أَصْلِ الْقَبْضِ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ يُشْتَرَطُ فِي الْهِبَةِ حَقِيقَةُ الْقَبْضِ دُونَ التَّخْلِيَةِ، وَسَأُشِيرُ إِلَيْهِ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: كُنْتُ عَلَى بَكْرٍ صَعْبٍ) الْحَدِيثَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَشَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ فِي قِصَّةِ أَبِيهِ فِي الْقَبَاءِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ.
وَقَوْلُهُ: فَقَالَ: خَبَّأْنَا هَذَا لَكَ ; قَالَ فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ: رَضِيَ مَخْرَمَةُ؟ قَالَ الدَّاوُدِيُّ: هُوَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِفْهَامِ، أَيْ هَلْ رَضِيتَ؟ وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِ مَخْرَمَةَ. قُلْتُ: وَهُوَ الْمُتَبَادَرُ لِلذِّهْنِ.
٢٠ - بَاب إِذَا وَهَبَ هِبَةً فَقَبَضَهَا الْآخَرُ وَلَمْ يَقُلْ: قَبِلْتُ
٢٦٠٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: هَلَكْتُ فَقَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: وَقَعْتُ بِأَهْلِي فِي رَمَضَانَ قَالَ: أتَجِدُ رَقَبَةً؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ: لَا قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ بِعَرَقٍ، وَالْعَرَقُ الْمِكْتَلُ فِيهِ تَمْرٌ فَقَالَ: اذْهَبْ بِهَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ قَالَ: عَلَى أَحْوَجَ مِنَّا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ مِنَّا قَالَ: اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا وَهَبَ هِبَةً فَقَبَضَهَا الْآخَرُ وَلَمْ يَقُلْ: قَبِلْتُ) أَيْ جَازَتْ، وَنَقَلَ فِيهِ ابْنُ بَطَّالٍ اتِّفَاقَ الْعُلَمَاءِ، وَأَنَّ الْقَبْضَ فِي الْهِبَةِ هُوَ غَايَةُ الْقَبُولِ، وَغَفَلَ ﵀ عَنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّةَ يَشْتَرِطُونَ الْقَبُولَ فِي الْهِبَةِ دُونَ الْهَدِيَّةِ، إِلَّا إِنْ كَانَتِ الْهِبَةُ ضِمْنِيَّةً كَمَا لَوْ قَالَ: أَعْتِقْ عَبْدَكَ عَنِّي فَعَتَقَهُ عَنْهُ، فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ هِبَةً وَيُعْتَقُ عَنْهُ وَلَا يُشْتَرَطُ الْقَبُولُ، وَمُقَابِلُ إِطْلَاقِ ابْنِ بَطَّالٍ قَوْلُ الْمَاوَرْدِيِّ: قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لَا يُعْتَبَرُ الْقَبُولُ فِي الْهِبَةِ كَالْعِتْقِ، قَالَ: وَهُوَ قَوْلٌ شَذَّ بِهِ عَنِ الْجَمَاعَةِ وَخَالَفَ فِيهِ الْكَافَّةَ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ الْهَدِيَّةَ فَيُحْتَمَلُ اهـ، عَلَى أَنَّ فِي اشْتِرَاطِ الْقَبُولِ فِي الْهَدِيَّةِ وَجْهًا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
ثُمَّ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الْمُجَامِعِ فِي رَمَضَانَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي الصِّيَامِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ أَنَّهُ ﷺ أَعْطَى الرَّجُلَ التَّمْرَ فَقَبَضَهُ وَلَمْ يَقُلْ: قَبِلْتُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ. وَلِمَنِ اشْتَرَطَ الْقَبُولَ أَنْ يُجِيبَ عَنْ هَذَا بِأَنَّهَا وَاقِعَةُ عَيْنٍ فَلَا حُجَّةَ فِيهَا، وَلَمْ يُصَرِّحْ فِيهَا بِذِكْرِ الْقَبُولِ وَلَا بِنَفْيِهِ، وَقَدِ اعْتَرَضَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ هِبَةً، بَلْ لَعَلَّهُ كَانَ مِنَ الصَّدَقَةِ فَيَكُونُ قَاسِمًا لَا وَاهِبًا اهـ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الصَّوْمِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنَ الصَّدَقَةِ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ يَجْنَحُ إِلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الإبراء والعتق، والطَّلاق بلا قَبول لأنَّها إسقاط، ويُستثنى من اعتبار ذلك الهبةُ الضِّمنيَّة كأن قال لغيره: أعتق عبدك عنِّي ففعل، فإنَّه يدخل في ملكه هبةً، ويُعتَق عنه، ولا يُشتَرط القَبول، ولا يُشتَرط الإيجاب والقَبول في الهديَّة والصَّدقة ولو في غير المطعوم، بل يكفي البَعْث من المملِّك، والقبض من المتملِّك، كما جرى عليه النَّاس في الأعصار، ولهذا كانوا يبعثونهما على أيدي الصِّبيان الَّذين لا تصحُّ عقودهم. فإن قيل: كان هذا إباحةً لا هديَّة. أُجِيب: بأنَّه لو كان إباحةً، ما تصرَّفوا فيه تصرُّف المُلَّاك، ومعلوم أنَّه ليس كذلك.
٢٦٠٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ) أبو عبد الله البصريُّ البُنَانيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زياد قال: (حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزُّهريِّ المدنيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁) أنَّه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) سلمةُ بن صَخْر، أو سَلْمانُ بن صخر، أو أعرابيٌّ (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: هَلَكْتُ) فعلتُ ما هو سبب لهلالكي (فَقَالَ) ﵊: (وَمَا ذَاكَ؟) ولأحمد «وما الَّذي أهلكك؟» (قَالَ: وَقَعْتُ بِأَهْلِي) أي: وطِئت امرأتي (فِي رَمَضَانَ) نهارًا (قَالَ) ﵊: (تَجِدُ) ولأبي ذرٍّ: «أتجد» (رَقَبَةً؟) المراد: الوجود الشَّرعي، ليدخل فيه القدرة بالشِّراء ونحوه، ويخرج عنه مِلْك الرَّقبة المحتاج إليها بطريقٍ شرعيٍّ (قَالَ) الرَّجل: (لَا) أجد رقبة (قَالَ) ﵊: (فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَالَ) الرَّجل: (لَا) أستطيع ذلك (قَالَ) ﵊: (فَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ) الرَّجل: (لَا) أستطيع (قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ) قال في مقدِّمة «فتح الباري»: لم يُسَمَّ، وإن صحَّ أنَّ المحترق سلمةُ بن صخر، فالرَّجل هو فَرْوة بن عَمرو البياضيُّ (بِعَرَقٍ) بفتح العين والرَّاء المهملتين، قال أبو هريرة أو الزُّهريُّ أو غيره: (-وَالعَرَقُ: المِكْتَلُ-) بكسر الميم وسكون الكاف وفتح المثنَّاة الفوقيَّة، وهو الزِّنبيل (فِيهِ تَمْرٌ) وزاد ابن أبي حفصة عند أحمد: «فيه خمسة
عشر صاعًا» وعند ابن خزيمة من حديث عائشة: «فأتى بعَرَق، فيه عشرون صاعًا» وعند مسدَّد من (١) مرسل عطاءٍ: «فأمر له ببعضه»، وهو يجمع بين الرِّوايات، فمَنْ قال: عشرون، أراد أصلَ ما كان فيه، ومن قال: خمسةَ عشر، أراد قدر ما تقع به الكفَّارة (قَالَ) ﵊: (اذْهَبْ بِهَذَا) العَرَق (فَتَصَدَّقْ بِهِ) بالجزمِ على الأمر (فقَالَ) الرَّجل: أتصَدَّق به (عَلَى) ناسٍ (أَحْوَجَ مِنَّا يَا رَسُولَ اللهِ؟ وَ) الله (الَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا) بغير همزة، أي: حَرَّتَي المدينة المكتنفتين بها (أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ مِنَّا. قَالَ) ﵊، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «ثمَّ قال»: (اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ) مَنْ تلزمك نفقتُه أو زوجتك، وكان من مال الصَّدقة والكفَّارة باقيةٌ في ذمَّته، كما سبق تقريره في «الصِّيام» [خ¦١٩٣٧] قال في «الفتح»: والغَرَض منه هنا: أنَّه ﷺ أعطى الرَّجل التَّمر فقبضه، ولم يقل: قَبِلْتُ، ثمَّ قال: «اذهب فأطعمه أهلك» ولمن اشترط القَبول أن يجيب عن هذا: بأنَّها واقعةُ عَيْنٍ، فلا حجَّة فيها، ولم يُصرَّح فيها بذكر القبول ولا بنفيه.
(٢١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا وَهَبَ) رجل (دَيْنًا) له (عَلَى رَجُلٍ) لآخر أو لمن هو عليه (قَالَ شُعْبَةُ) بن الحجَّاج، فيما وصله ابن أبي شَيْبة: (عَنِ الحَكَمِ) بفتحتين ابن عُتَيْبة (٢) (هُوَ) أي: فِعْلُ هبةِ الدَّيْن لمن هو عليه (جَائِزٌ، وَوَهَبَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ) أي: ابن أبي طالب ﵉ لِرَجُلٍ) له عليه دَيْن (دَيْنَهُ) قال الحافظ ابن حَجَر: لم أقف على مَنْ وصله، ولم يُسَمَّ الرَّجل (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ) فيما وصله مسدَّد في «مسنده» من طريق سعيدٍ المَقبُريِّ عن أبي هريرة مرفوعًا: (مَنْ كَانَ لَهُ) أي: لأحد (عَلَيْهِ حَقٌّ فَلْيُعْطِهِ) إيَّاه (أَوْ لِيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ) بالجزم على الأمر، والضَّمير في «منه» لصاحب الحقِّ. قال الحافظ ابن حَجَر: ووجهُ الدَّلالة منه لجواز هبة الدَّيْن: أنَّه ﷺ سوّى بين أن يعطيه إيَّاه أو يحلِّله منه، ولم يشترط في التَّحليل قبضًا (فَقَالَ) بالفاء، وفي نسخةٍ: