«أَنَّ بَنِي صُهَيْبٍ، مَوْلَى ابْنِ جُدْعَانَ، ادَّعَوْا بَيْتَيْنِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٦٢٤

الحديث رقم ٢٦٢٤ من كتاب «كتاب الهبة وفضلها» في صحيح البخاري، تحت باب: باب حدثنا إبراهيم بن موسى.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢٦٢٤ في صحيح البخاري

«أَنَّ بَنِي صُهَيْبٍ، مَوْلَى ابْنِ جُدْعَانَ، ادَّعَوْا بَيْتَيْنِ وَحُجْرَةً، أَنَّ رَسُولَ اللهِ أَعْطَى ذَلِكَ صُهَيْبًا، فَقَالَ مَرْوَانُ: مَنْ يَشْهَدُ لَكُمَا عَلَى ذَلِكَ، قَالُوا: ابْنُ عُمَرَ، فَدَعَاهُ، فَشَهِدَ لَأَعْطَى رَسُولُ اللهِ صُهَيْبًا بَيْتَيْنِ وَحُجْرَةً، فَقَضَى مَرْوَانُ بِشَهَادَتِهِ لَهُمْ.»

بَابُ مَا قِيلَ فِي الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى أَعْمَرْتُهُ الدَّارَ فَهِيَ عُمْرَى جَعَلْتُهَا لَهُ ﴿اسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ جَعَلَكُمْ عُمَّارًا

إسناد حديث رقم ٢٦٢٤ من صحيح البخاري

٢٦٢٤ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ: أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٢٦٢٤: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

فِي صُورَةِ الشِّرَاءِ عَلَى التَّنْزِيهِ، وَحَمَلَهُ قَوْمٌ عَلَى التَّحْرِيمِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ: وَهُوَ الظَّاهِرُ. ثُمَّ الزَّجْرُ الْمَذْكُورُ مَخْصُوصٌ بِالصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا، لَا مَا إِذَا رَدَّهُ إِلَيْهِ الْمِيرَاثُ مَثَلًا. قَالَ الطَّبَرِيُّ: يُخَصُّ مِنْ عُمُومِ هَذَا الْحَدِيثِ مَنْ وَهَبَ بِشَرْطِ الثَّوَابِ، وَمَنْ كَانَ وَالِدًا وَالْمَوْهُوبُ وَلَدُهُ، وَالْهِبَةُ الَّتِي لَمْ تُقْبَضْ، وَالَّتِي رَدَّهَا الْمِيرَاثُ إِلَى الْوَاهِبِ، لِثُبُوتِ الْأَخْبَارِ بِاسْتِثْنَاءِ كُلِّ ذَلِكَ. وَأَمَّا مَا عَدَا ذَلِكَ كَالْغَنِيِّ يُثِيبُ الْفَقِيرَ وَنَحْوِ مَنْ يَصِلُ رَحِمَهُ فَلَا رُجُوعَ لِهَؤُلَاءِ، قَالَ: وَمِمَّا لَا رُجُوعَ فِيهِ مُطْلَقًا الصَّدَقَةُ يُرَادُ بِهَا ثَوَابَ الْآخِرَةِ.

وَقَدِ اسْتَشْكَلَ ذِكْرُ عُمَرَ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ إِذَاعَةِ عَمَلِ الْبِرِّ، وَكِتْمَانُهُ أَرْجَحُ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ تَعَارَضَ عِنْدَهُ الْمَصْلَحَتَانِ - الْكِتْمَانُ وَتَبْلِيغُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ - فَرَجَّحَ الثَّانِيَ فَعَمِلَ بِهِ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنه أَنْ يَقُولَ: حَمَلَ رَجُلٌ عَلَى فَرَسٍ مَثَلًا، وَلَا يَقُولُ: حَمَلْتُ فَيَجْمَعُ بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَحَلَّ رُجْحَانِ الْكِتْمَانِ إِنَّمَا هُوَ قَبْلَ الْفِعْلِ وَعِنْدَهُ، وَأَمَّا بَعْدَ وُقُوعِهِ فَلَعَلَّ الَّذِي أُعْطِيَهُ أَذَاعَ ذَلِكَ فَانْتَفَى الْكِتْمَانُ، وَيُضَافُ إِلَيْهِ أَنَّ فِي إِضَافَتِهِ ذَلِكَ إِلَى نَفْسِهِ تَأْكِيدًا لِصِحَّةِ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ، لِأَنَّ الَّذِي تَقَعُ لَهُ الْقِصَّةُ أَجْدَرُ بِضَبْطِهَا مِمَّنْ لَيْسَ عِنْدَهُ إِلَّا وُقُوعُهَا بِحُضُورِهِ، فَلَمَّا أَمِنَ مَا يَخْشَى مِنَ الْإِعْلَانِ بِالْقَصْدِ صَرَّحَ بِإِضَافَةِ الْحُكْمِ إِلَى نَفْسِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ تَرْجِيحِ الْكِتْمَانِ لِمَنْ يَخْشَى عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الْإِعْلَانِ الْعُجْبَ وَالرِّيَاءَ، أَمَّا مَنْ أَمِنَ مِنْ ذَلِكَ كَعُمَرَ فَلَا.

[٣١ - باب]

٢٦٢٤ - حَدَّثَني إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ بَنِي صُهَيْبٍ مَوْلَى بني جُدْعَانَ ادَّعَوْا بَيْتَيْنِ وَحُجْرَةً أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَعْطَى ذَلِكَ صُهَيْبًا فَقَالَ مَرْوَانُ: مَنْ يَشْهَدُ لَكُمَا عَلَى ذَلِكَ؟ قَالُوا: ابْنُ عُمَرَ، فَدَعَاهُ فَشَهِدَ لَأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صُهَيْبًا بَيْتَيْنِ وَحُجْرَةً، فَقَضَى مَرْوَانُ بِشَهَادَتِهِ لَهُمْ.

قَوْلُهُ: (بَابٌ) كَذَا لِلْجَمِيعِ بِغَيْرِ تَرْجَمَةٍ، وَهُوَ كَالْفَصْلِ مِنَ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَمُنَاسَبَتُهُ لَهَا أَنَّ الصَّحَابَةَ بَعْدَ ثُبُوتِ عَطِيَّةِ النَّبِيِّ ذَلِكَ لِصُهَيْبٍ لَمْ يَسْتَفْصِلُوا هَلْ رَجَعَ أَمْ لَا؟ فَدَلَّ عَلَى أَنْ لَا أَثَرَ لِلرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ.

قَوْلُهُ: (إنَّ بَنِي صُهَيْبٍ) هُوَ ابْنُ سِنَانٍ الرُّومِيُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَصْلُهُ فِي الْعَرَبِ فِي بَابِ شِرَاءِ الْمَمْلُوكِ مِنَ الْحَرْبِيِّ مِنْ كِتَابِ الْبُيُوعِ. وَقَوْلُهُ: مَوْلَى بَنِي جُدْعَانَ كَذَا فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَلِلْبَاقِينَ مَوْلَى ابْنِ جُدْعَانَ وَهِيَ رِوَايَةُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ، وَابْنُ جُدْعَانَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُدْعَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ، وَأَمَّا صُهَيْبٌ فَكَانَ لَهُ مِنَ الْوَلَدِ مِمَّنْ رَوَى عَنْهُ: حَمْزَةُ، وَسَعْدٌ، وَصَالِحٌ، وَصَيْفِيٌّ، وَعَبَّادٌ، وَعُثْمَانُ، وَمُحَمَّدٌ، وَحَبِيبٌ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ مَرْوَانُ) هُوَ ابْنُ الْحَكَمِ حَيْثُ كَانَ أَمِيرَ الْمَدِينَةِ لِمُعَاوِيَةَ، وَكَانَ مَوْتُ صُهَيْبٍ بِالْمَدِينَةِ فِي أَوَاخِرِ خِلَافَةِ عَلِيٍّ.

قَوْلُهُ: (مَنْ يَشْهَدُ لَكُمَا) كَذَا فِيهِ بِالتَّثْنِيَةِ ; وَبَقِيَّةُ الْقِصَّةِ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْمُتَوَلِّيَ لِلدَّعْوَى بِذَلِكَ مِنْهُمْ كَانَا اثْنَيْنِ، وَرَضِيَ الْبَاقُونَ بِذَلِكَ، فَنُسِبَ إِلَيْهِمْ تَارَةً، بِصِيغَةِ الْجَمْعِ، وَتَارَةً بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ، عَلَى أَنَّ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فَقَالَ مَرْوَانُ: مَنْ يَشْهَدُ لَكُمْ؟ وَلَا إِشْكَالَ فِيهِ. وأَجَابَ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ.

قَوْلُهُ: (لَأَعْطَى) بِفَتْحِ اللَّامِ هِيَ لَامُ الْقَسَمِ، كَأَنَّهُ أَعْطَى الشَّهَادَةَ حُكْمَ الْقَسَمِ، أَوْ فِيهِ قَسَمٌ مُقَدَّرٌ، أَوْ عَبَّرَ عَنِ الْخَبَرِ بِالشَّهَادَةِ، وَالْخَبَرُ يُؤَكَّدُ بِالْقَسَمِ كَثِيرًا، وَإِنْ كَانَ السَّامِعُ غَيْرَ مُنْكِرٍ، وَيُؤَيِّدُ كَوْنَهُ خَبَرًا أَنَّ مَرْوَانَ قَضَى لَهُمْ بِشَهَادَةِ ابْنِ عُمَرَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٣١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين من غير ترجمة وهو كالفصل من السَّابق.

٢٦٢٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) الفرَّاء الرَّازيُّ المعروف بالصَّغير قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ) الصَّنعانيُّ اليمنيُّ قاضيها (أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (أَخْبَرَهُمْ، قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) بضمِّ الميم وفتح اللَّام، وتصغير «عبد» الثَّاني، المكيُّ (أَنَّ بَنِي صُهَيْبٍ) بضمِّ المهملة وفتح الهاء، ابن سنان الرُّوميِّ، لأنَّ الرُّوم سَبَوه صغيرًا، وبنوه هم: حمزة وحبيب وسعد (١) وصالح وصيفيٌّ وعبَّاد وعثمان (٢) ومحمَّد (مَوْلَى ابْنِ جُدْعَانَ) بضمِّ الجيم وسكون المهملة، عبد الله بن عمرو (٣) بن جُدْعان، كان اشتراه بمكَّة من رجلٍ من كَلْبٍ وأعتقه، وقيل: بل هرب من الرُّوم، فقدم مكَّة فحالف فيها (٤) ابن جُدعان، وللكُشْمِيهَنيِّ في نسخةٍ والحَمُّويي: «بني جُدْعان» (ادَّعَوْا) أي: بنو صُهَيب عند مروان (بَيْتَيْنِ) تثنية بَيْت (وَحُجْرَةً) بضمِّ الحاء المهملة وسكون الجيم: الموضع المنفرد في الدَّار (أَنَّ رَسُولَ اللهِ أَعْطَى ذَلِكَ) الَّذي ادَّعَوْه -من البيتين والحُجْرة- أباهم (صُهَيْبًا، فَقَالَ مَرْوَانُ: مَنْ يَشْهَدُ لَكُمَا عَلَى ذَلِكَ؟) الَّذي ادَّعيتماه، وعبَّر بالتَّثنية، وفي البقيَّة بالجمع، فيُحْمَل على أنَّ الَّذي تولَّى الدَّعوى منهم اثنان برضا الباقين، فخاطبهما مروان بالتَّثنية، لأنَّ الحاكم لا يخاطب إِلَّا المدَّعي، وعند الإسماعيليِّ:

«فقال مروان: من يشهد لكم؟» بصيغة الجمع (قَالُوا) كلُّهم: يشهد بذلك (ابْنُ عُمَرَ) عبد الله (فَدَعَاهُ) مروان (فَشَهِدَ لأَعْطَى رَسُولُ اللهِ ) بفتح لام «لَأعطى». قال الكِرْمانيُّ: كأنَّه جَعل للشَّهادة حُكْم القَسَم، أو يُقَدَّر قَسَمٌ، أي: والله لأعطى (١) (صُهَيْبًا بَيْتَيْنِ وَحُجْرَةً) وهي الَّتي ادَّعى بها (٢) (فَقَضَى مَرْوَانُ بِشَهَادَتِهِ لَهُمْ) أي: بشهادة ابن عمر وحده لبني صُهَيب بالبيتَين والحُجرة. فإن قيل: كيف قضى بشهادته وحده؟ أجاب ابن بطَّال: بأنَّه إنَّما قضى لهم بشهادته ويمينهم، وتُعُقِّبَ: بأنَّه لم يُذكَر ذلك في الحديث، بل عبَّر عن الخبر بالشَّهادة والخبر يُؤكَّد بالقَسَم كثيرًا، وإن كان السَّامع غير منكِر، ولو كانت شهادة حقيقيَّة لاحتاج إلى شاهد آخر، ولا يخفى ما في هذا، فليُتَأمَّل. والقاعدة المستمرَّة تنفي الحكم بشهادة الواحد، فلابدّ من اثنين أو شاهد ويمين، فالحَمْل على هذا أَولى من حمله على الخبر وكونِ الشَّهادة غير حقيقيَّة.

وهذا الحديث تفرَّد به البخاريُّ.

(٣٢) (بسم الله الرحمن الرحيم) سقطت البسملة لأبي ذرٍّ في «اليونينيَّة»، قال ابن حَجَر: وثبتت للأَصيليِّ وكُرَيمة قبل الباب.

(بابُ مَا قِيلَ) أي: ورد (فِي العُمْرَى) بضمِّ العين المهملة وسكون الميم مع القصر مأخوذة من العُمُر (وَالرُّقْبَى) بوزنها، مأخوذةٌ من الرُّقوب (٣)، لأنَّ كلًّا منهما يَرْقُب موت صاحبه، وكانا عقدين في الجاهليَّة، وتفسير «العمرى»: أن يقول الرَّجل لغيره: (أَعْمَرْتُهُ الدَّارَ، فَهْيَ عُمْرَى) أي: (جَعَلْتُهَا

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

فِي صُورَةِ الشِّرَاءِ عَلَى التَّنْزِيهِ، وَحَمَلَهُ قَوْمٌ عَلَى التَّحْرِيمِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ: وَهُوَ الظَّاهِرُ. ثُمَّ الزَّجْرُ الْمَذْكُورُ مَخْصُوصٌ بِالصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا، لَا مَا إِذَا رَدَّهُ إِلَيْهِ الْمِيرَاثُ مَثَلًا. قَالَ الطَّبَرِيُّ: يُخَصُّ مِنْ عُمُومِ هَذَا الْحَدِيثِ مَنْ وَهَبَ بِشَرْطِ الثَّوَابِ، وَمَنْ كَانَ وَالِدًا وَالْمَوْهُوبُ وَلَدُهُ، وَالْهِبَةُ الَّتِي لَمْ تُقْبَضْ، وَالَّتِي رَدَّهَا الْمِيرَاثُ إِلَى الْوَاهِبِ، لِثُبُوتِ الْأَخْبَارِ بِاسْتِثْنَاءِ كُلِّ ذَلِكَ. وَأَمَّا مَا عَدَا ذَلِكَ كَالْغَنِيِّ يُثِيبُ الْفَقِيرَ وَنَحْوِ مَنْ يَصِلُ رَحِمَهُ فَلَا رُجُوعَ لِهَؤُلَاءِ، قَالَ: وَمِمَّا لَا رُجُوعَ فِيهِ مُطْلَقًا الصَّدَقَةُ يُرَادُ بِهَا ثَوَابَ الْآخِرَةِ.

وَقَدِ اسْتَشْكَلَ ذِكْرُ عُمَرَ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ إِذَاعَةِ عَمَلِ الْبِرِّ، وَكِتْمَانُهُ أَرْجَحُ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ تَعَارَضَ عِنْدَهُ الْمَصْلَحَتَانِ - الْكِتْمَانُ وَتَبْلِيغُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ - فَرَجَّحَ الثَّانِيَ فَعَمِلَ بِهِ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنه أَنْ يَقُولَ: حَمَلَ رَجُلٌ عَلَى فَرَسٍ مَثَلًا، وَلَا يَقُولُ: حَمَلْتُ فَيَجْمَعُ بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَحَلَّ رُجْحَانِ الْكِتْمَانِ إِنَّمَا هُوَ قَبْلَ الْفِعْلِ وَعِنْدَهُ، وَأَمَّا بَعْدَ وُقُوعِهِ فَلَعَلَّ الَّذِي أُعْطِيَهُ أَذَاعَ ذَلِكَ فَانْتَفَى الْكِتْمَانُ، وَيُضَافُ إِلَيْهِ أَنَّ فِي إِضَافَتِهِ ذَلِكَ إِلَى نَفْسِهِ تَأْكِيدًا لِصِحَّةِ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ، لِأَنَّ الَّذِي تَقَعُ لَهُ الْقِصَّةُ أَجْدَرُ بِضَبْطِهَا مِمَّنْ لَيْسَ عِنْدَهُ إِلَّا وُقُوعُهَا بِحُضُورِهِ، فَلَمَّا أَمِنَ مَا يَخْشَى مِنَ الْإِعْلَانِ بِالْقَصْدِ صَرَّحَ بِإِضَافَةِ الْحُكْمِ إِلَى نَفْسِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ تَرْجِيحِ الْكِتْمَانِ لِمَنْ يَخْشَى عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الْإِعْلَانِ الْعُجْبَ وَالرِّيَاءَ، أَمَّا مَنْ أَمِنَ مِنْ ذَلِكَ كَعُمَرَ فَلَا.

[٣١ - باب]

٢٦٢٤ - حَدَّثَني إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ بَنِي صُهَيْبٍ مَوْلَى بني جُدْعَانَ ادَّعَوْا بَيْتَيْنِ وَحُجْرَةً أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَعْطَى ذَلِكَ صُهَيْبًا فَقَالَ مَرْوَانُ: مَنْ يَشْهَدُ لَكُمَا عَلَى ذَلِكَ؟ قَالُوا: ابْنُ عُمَرَ، فَدَعَاهُ فَشَهِدَ لَأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صُهَيْبًا بَيْتَيْنِ وَحُجْرَةً، فَقَضَى مَرْوَانُ بِشَهَادَتِهِ لَهُمْ.

قَوْلُهُ: (بَابٌ) كَذَا لِلْجَمِيعِ بِغَيْرِ تَرْجَمَةٍ، وَهُوَ كَالْفَصْلِ مِنَ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَمُنَاسَبَتُهُ لَهَا أَنَّ الصَّحَابَةَ بَعْدَ ثُبُوتِ عَطِيَّةِ النَّبِيِّ ذَلِكَ لِصُهَيْبٍ لَمْ يَسْتَفْصِلُوا هَلْ رَجَعَ أَمْ لَا؟ فَدَلَّ عَلَى أَنْ لَا أَثَرَ لِلرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ.

قَوْلُهُ: (إنَّ بَنِي صُهَيْبٍ) هُوَ ابْنُ سِنَانٍ الرُّومِيُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَصْلُهُ فِي الْعَرَبِ فِي بَابِ شِرَاءِ الْمَمْلُوكِ مِنَ الْحَرْبِيِّ مِنْ كِتَابِ الْبُيُوعِ. وَقَوْلُهُ: مَوْلَى بَنِي جُدْعَانَ كَذَا فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَلِلْبَاقِينَ مَوْلَى ابْنِ جُدْعَانَ وَهِيَ رِوَايَةُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ، وَابْنُ جُدْعَانَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُدْعَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ، وَأَمَّا صُهَيْبٌ فَكَانَ لَهُ مِنَ الْوَلَدِ مِمَّنْ رَوَى عَنْهُ: حَمْزَةُ، وَسَعْدٌ، وَصَالِحٌ، وَصَيْفِيٌّ، وَعَبَّادٌ، وَعُثْمَانُ، وَمُحَمَّدٌ، وَحَبِيبٌ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ مَرْوَانُ) هُوَ ابْنُ الْحَكَمِ حَيْثُ كَانَ أَمِيرَ الْمَدِينَةِ لِمُعَاوِيَةَ، وَكَانَ مَوْتُ صُهَيْبٍ بِالْمَدِينَةِ فِي أَوَاخِرِ خِلَافَةِ عَلِيٍّ.

قَوْلُهُ: (مَنْ يَشْهَدُ لَكُمَا) كَذَا فِيهِ بِالتَّثْنِيَةِ ; وَبَقِيَّةُ الْقِصَّةِ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْمُتَوَلِّيَ لِلدَّعْوَى بِذَلِكَ مِنْهُمْ كَانَا اثْنَيْنِ، وَرَضِيَ الْبَاقُونَ بِذَلِكَ، فَنُسِبَ إِلَيْهِمْ تَارَةً، بِصِيغَةِ الْجَمْعِ، وَتَارَةً بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ، عَلَى أَنَّ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فَقَالَ مَرْوَانُ: مَنْ يَشْهَدُ لَكُمْ؟ وَلَا إِشْكَالَ فِيهِ. وأَجَابَ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ.

قَوْلُهُ: (لَأَعْطَى) بِفَتْحِ اللَّامِ هِيَ لَامُ الْقَسَمِ، كَأَنَّهُ أَعْطَى الشَّهَادَةَ حُكْمَ الْقَسَمِ، أَوْ فِيهِ قَسَمٌ مُقَدَّرٌ، أَوْ عَبَّرَ عَنِ الْخَبَرِ بِالشَّهَادَةِ، وَالْخَبَرُ يُؤَكَّدُ بِالْقَسَمِ كَثِيرًا، وَإِنْ كَانَ السَّامِعُ غَيْرَ مُنْكِرٍ، وَيُؤَيِّدُ كَوْنَهُ خَبَرًا أَنَّ مَرْوَانَ قَضَى لَهُمْ بِشَهَادَةِ ابْنِ عُمَرَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٣١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين من غير ترجمة وهو كالفصل من السَّابق.

٢٦٢٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) الفرَّاء الرَّازيُّ المعروف بالصَّغير قال: (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ) الصَّنعانيُّ اليمنيُّ قاضيها (أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (أَخْبَرَهُمْ، قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) بضمِّ الميم وفتح اللَّام، وتصغير «عبد» الثَّاني، المكيُّ (أَنَّ بَنِي صُهَيْبٍ) بضمِّ المهملة وفتح الهاء، ابن سنان الرُّوميِّ، لأنَّ الرُّوم سَبَوه صغيرًا، وبنوه هم: حمزة وحبيب وسعد (١) وصالح وصيفيٌّ وعبَّاد وعثمان (٢) ومحمَّد (مَوْلَى ابْنِ جُدْعَانَ) بضمِّ الجيم وسكون المهملة، عبد الله بن عمرو (٣) بن جُدْعان، كان اشتراه بمكَّة من رجلٍ من كَلْبٍ وأعتقه، وقيل: بل هرب من الرُّوم، فقدم مكَّة فحالف فيها (٤) ابن جُدعان، وللكُشْمِيهَنيِّ في نسخةٍ والحَمُّويي: «بني جُدْعان» (ادَّعَوْا) أي: بنو صُهَيب عند مروان (بَيْتَيْنِ) تثنية بَيْت (وَحُجْرَةً) بضمِّ الحاء المهملة وسكون الجيم: الموضع المنفرد في الدَّار (أَنَّ رَسُولَ اللهِ أَعْطَى ذَلِكَ) الَّذي ادَّعَوْه -من البيتين والحُجْرة- أباهم (صُهَيْبًا، فَقَالَ مَرْوَانُ: مَنْ يَشْهَدُ لَكُمَا عَلَى ذَلِكَ؟) الَّذي ادَّعيتماه، وعبَّر بالتَّثنية، وفي البقيَّة بالجمع، فيُحْمَل على أنَّ الَّذي تولَّى الدَّعوى منهم اثنان برضا الباقين، فخاطبهما مروان بالتَّثنية، لأنَّ الحاكم لا يخاطب إِلَّا المدَّعي، وعند الإسماعيليِّ:

«فقال مروان: من يشهد لكم؟» بصيغة الجمع (قَالُوا) كلُّهم: يشهد بذلك (ابْنُ عُمَرَ) عبد الله (فَدَعَاهُ) مروان (فَشَهِدَ لأَعْطَى رَسُولُ اللهِ ) بفتح لام «لَأعطى». قال الكِرْمانيُّ: كأنَّه جَعل للشَّهادة حُكْم القَسَم، أو يُقَدَّر قَسَمٌ، أي: والله لأعطى (١) (صُهَيْبًا بَيْتَيْنِ وَحُجْرَةً) وهي الَّتي ادَّعى بها (٢) (فَقَضَى مَرْوَانُ بِشَهَادَتِهِ لَهُمْ) أي: بشهادة ابن عمر وحده لبني صُهَيب بالبيتَين والحُجرة. فإن قيل: كيف قضى بشهادته وحده؟ أجاب ابن بطَّال: بأنَّه إنَّما قضى لهم بشهادته ويمينهم، وتُعُقِّبَ: بأنَّه لم يُذكَر ذلك في الحديث، بل عبَّر عن الخبر بالشَّهادة والخبر يُؤكَّد بالقَسَم كثيرًا، وإن كان السَّامع غير منكِر، ولو كانت شهادة حقيقيَّة لاحتاج إلى شاهد آخر، ولا يخفى ما في هذا، فليُتَأمَّل. والقاعدة المستمرَّة تنفي الحكم بشهادة الواحد، فلابدّ من اثنين أو شاهد ويمين، فالحَمْل على هذا أَولى من حمله على الخبر وكونِ الشَّهادة غير حقيقيَّة.

وهذا الحديث تفرَّد به البخاريُّ.

(٣٢) (بسم الله الرحمن الرحيم) سقطت البسملة لأبي ذرٍّ في «اليونينيَّة»، قال ابن حَجَر: وثبتت للأَصيليِّ وكُرَيمة قبل الباب.

(بابُ مَا قِيلَ) أي: ورد (فِي العُمْرَى) بضمِّ العين المهملة وسكون الميم مع القصر مأخوذة من العُمُر (وَالرُّقْبَى) بوزنها، مأخوذةٌ من الرُّقوب (٣)، لأنَّ كلًّا منهما يَرْقُب موت صاحبه، وكانا عقدين في الجاهليَّة، وتفسير «العمرى»: أن يقول الرَّجل لغيره: (أَعْمَرْتُهُ الدَّارَ، فَهْيَ عُمْرَى) أي: (جَعَلْتُهَا

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.1 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
لا إله إلا الله