«كَانَ فَزَعٌ بِالْمَدِينَةِ، فَاسْتَعَارَ النَّبِيُّ ﷺ فَرَسًا مِنْ أَبِي…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٦٢٧

الحديث رقم ٢٦٢٧ من كتاب «كتاب الهبة وفضلها» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من استعار من الناس الفرس.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢٦٢٧ في صحيح البخاري

«كَانَ فَزَعٌ بِالْمَدِينَةِ، فَاسْتَعَارَ النَّبِيُّ فَرَسًا مِنْ أَبِي طَلْحَةَ يُقَالُ لَهُ الْمَنْدُوبُ فَرَكِبَ، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ: مَا رَأَيْنَا مِنْ شَيْءٍ، وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا.»

بَابُ الِاسْتِعَارَةِ لِلْعَرُوسِ عِنْدَ الْبِنَاءِ

إسناد حديث رقم ٢٦٢٧ من صحيح البخاري

٢٦٢٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ:

شرح حديث ٢٦٢٧: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مِثْلِهِ، وَطَرِيقُ عَطَاءٍ مَوْصُولَةٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْهُ، فَقَتَادَةُ هُوَ الْقَائِلُ: وَقَالَ عَطَاءٌ وَوَهَمَ مَنْ جَعَلَهُ مُعَلَّقًا، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ أَبُو الْوَلِيدِ، عَنْ هَمَّامٍ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجَهِ مِنْ طَرِيقِهِ بِالْإِسْنَادَيْنِ جَمِيعًا وَلَفْظُهُمَا وَاحِدٌ ; وَهُوَ يُقَوِّي رِوَايَةَ أَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ بِلَفْظِ: الْعُمْرَى مِيرَاثٌ لِأَهْلِهَا.

(تَنْبِيهٌ): تَرْجَمَ الْمُصَنِّفُ بِالرُّقْبَى وَلَمْ يَذْكُرْ إِلَّا الْحَدِيثَيْنِ الْوَارِدَيْنِ فِي الْعُمْرَى، وَكَأَنَّهُ يَرَى أَنَّهُمَا مُتَّحِدَا الْمَعْنَى وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَمَنَعَ الرُّقْبَى مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٌ، وَوَافَقَ أَبُو يُوسُفَ الْجُمْهُورَ ; وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى سَوَاءٌ وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ إِسْرَائِيلَ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنِ الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى. قُلْتُ: وَمَا الرُّقْبَى؟ قَالَ: يَقُولُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: هِيَ لَكَ حَيَاتَكَ، فَإِنْ فَعَلْتُمْ فَهُوَ جَائِزٌ هَكَذَا أَخْرَجَهُ مُرْسَلًا، وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: لَا عُمْرَى وَلَا رُقْبَى، فَمَنْ أَعْمَرَ شَيْئًا أَوْ أَرْقَبَهُ فَهُوَ لَهُ حَيَاتَهُ وَمَمَاتَهُ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ، لِكِنِ اخْتُلِفَ فِي سَمَاعِ حَبِيبٍ لَهُ مِنِ ابْنِ عُمَرَ: فَصَرَّحَ بِهِ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقٍ، وَمَعْنَاهُ فِي طَرِيقٍ أُخْرَى.

وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اخْتَلَفُوا إِلَى مَاذَا يُوَجَّهُ النَّهْيُ؟ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَتَوَجَّهُ إِلَى الْحُكْمِ، وَقِيلَ يَتَوَجَّهُ إِلَى اللَّفْظِ الْجَاهِلِيِّ وَالْحُكْمِ الْمَنْسُوخِ، وَقِيلَ النَّهْيُ إِنَّمَا يَمْنَعُ صِحَّةَ مَا يُفِيدُ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ فَائِدَةً، أَمَّا إِذَا كَانَ صِحَّةُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ ضَرَرًا عَلَى مُرْتَكِبِهِ فَلَا يَمْنَعُ صِحَّتَهُ كَالطَّلَاقِ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ، وَصِحَّةُ الْعُمْرَى ضَرَرٌ عَلَى الْمُعْمِرِ، فَإِنَّ مِلْكَهُ يَزُولُ بِغَيْرِ عِوَضٍ، هَذَا كُلُّهُ إِذَا حُمِلَ النَّهْيُ عَلَى التَّحْرِيمِ، فَإِنْ حُمِلَ عَلَى الْكَرَاهَةِ أَوِ الْإِرْشَا. لَمْ يَحْتَجْ إِلَى ذَلِكَ، وَالْقَرِينَةُ الصَّارِفَةُ مَا ذُكِرَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ مِنْ بَيَانِ حُكْمِهِ، وَيُصَرِّحُ بِذَلِكَ قَوْلُهُ: الْعُمْرَى جَائِزَةٌ وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَب ي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ رَفَعَهُ الْعُمْرَى جَائِزَةٌ لِأَهْلِهَا، وَالرُّقْبَى جَائِزَةٌ لِأَهْلِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَالَ بَعْضُ الْحُذَّاقِ: إِجَازَةُ الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى بَعِيدٌ عَنْ قِيَاسِ الْأُصُولِ، وَلَكِنَّ الْحَدِيثَ مُقَدَّمٌ، وَلَوْ قِيلَ بِتَحْرِيمِهِمَا لِلنَّهْيِ، وَصِحَّتِهِمَا لِلْحَدِيثِ لَمْ يَبْعُدْ، وَكَأَنَّ النَّهْيَ لِأَمْرٍ خَارِجٍ وَهُوَ حِفْظُ الْأَمْوَالِ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ فِيهِمَا الْمَنْفَعَةَ كَمَا قَالَ مَالِكٌ لَمْ يَنْهَ عَنْهُمَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَا كَانَ مَقْصُودُ الْعَرَبِ بِهِمَا إِلَّا تَمْلِيكَ الرَّقَبَةِ بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ، فَجَاءَ الشَّرْعُ بِمُرَاغَمَتِهِمْ فَصَحَّحَ الْعَقْدَ عَلَى نَعْتِ الْهِبَةِ الْمَحْمُودَةِ، وَأَبْطَلَ الشَّرْطَ الْمُضَادَّ لِذَلِكَ فَإِنَّهُ يُشْبِهُ الرُّجُوعَ فِي الْهِبَةِ، وَقَدْ صَحَّ النَّهْيُ عَنْهُ وَشُبِّهَ بِالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ. وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ الْعُمْرَى لِمَنْ أَعْمَرَهَا وَالرُّقْبَى لِمَنْ أَرْقَبَهَا، وَالْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ فَشَرْطُ الرُّجُوعِ الْمُقَارِنُ لِلْعَقْدِ مِثْلُ الرُّجُوعِ الطَّارِئِ بَعْدَهُ فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ، وَأَمَرَ أَنْ يُبْقِيَهَا مُطْلَقًا أَوْ يُخْرِجَهَا مُطْلَقًا، فَإِنْ أَخْرَجَهَا عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ بَطَلَ الشَّرْطُ وَصَحَّ الْعَقْدُ مُرَاغَمَةً لَهُ. وَهُوَ نَحْوُ إِبْطَالِ شَرْطِ الْوَلَاءِ لِمَنْ بَاعَ عَبْدًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ.

٣٣ - باب مَنْ اسْتَعَارَ مِنْ النَّاسِ الْفَرَسَ

٢٦٢٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: كَانَ فَزَعٌ بِالْمَدِينَةِ فَاسْتَعَارَ النَّبِيُّ فَرَسًا مِنْ أَبِي طَلْحَةَ يُقَالُ لَهُ الْمَنْدُوبُ، فَرَكِبَه فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ: مَا رَأَيْنَا مِنْ شَيْءٍ، وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا.

[الحديث ٢٦٢٧ - أطرافه في: ٢٨٢٠، ٢٨٥٧، ٢٨٦٦، ٢٨٦٧، ٢٩٠٨، ٢٩٦٨، ٢٩٦٩، ٣٠٤٠، ٦٠٣٣، ٦٢١٢]

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنِ اسْتَعَارَ مِنَ النَّاسِ الْفَرَسَ) زَادَ أَبُو ذَرٍّ عَنْ مَشَايِخِهِ وَالدَّابَّةَ وَزَادَ عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَغَيْرَهَا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٣٣) (بابُ مَنِ اسْتَعَارَ مِنَ النَّاسِ الفَرَسَ) زاد أبو ذرٍّ: «والدَّابَّةَ»، وزاد الكُشْمِيهَنِيِّ: «وغيرَها»، قال الحافظ ابن حَجَر: وثبت مثله (١) لابن شَبُّويَه، لكنْ قال: «وغيرَهما» بالتَّثنية، وعند بعض الشُّرَّاح قبل الباب: «كتابُ العاريَّة» ولم أره لغيره، والعاريَّة: بتشديد الياء وقد تُخفَّف، وفيها لغةٌ ثالثة: عارةٌ: بوزن غارة (٢)، وهي اسم لما يُعَار، مأخوذةٌ من: عارَ إذا ذهب وجاء، ومنه قيل للغلام الخفيف: عَيَّار لكثرة ذهابه ومجيئه، وقيل: من التَّعاور، وهو التَّناوب. وقال الجوهريُّ: كأنَّها منسوبة إلى العار، لأنَّ طلبها عارٌ وعيب، وحقيقتها شرعًا: إباحة الانتفاع بما يحلُّ الانتفاع به مع بقاء عينه، والأصل فيها قبل الإجماع قوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٧] فسَّره جمهور المفسِّرين بما يستعيره الجيران بعضهم من بعض.

٢٦٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياس قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا) هو ابن مالك (يَقُولُ: كَانَ فَزَعٌ) بفتح الفاء والزَّاي: خوفٌ من عدوٍّ (بِالمَدِينَةِ، فَاسْتَعَارَ النَّبِيُّ فَرَسًا مِنْ أَبِي طَلْحَةَ) زيد بن سهل زوجِ أمِّ أنس (يُقَالُ لَهُ: المَنْدُوبُ) زاد في «الجهاد» [خ¦٢٨٦٧] من طريق سعيد عن قتادة: «كان يقطف أو كان فيه قطاف»، بالشَّكِّ، أي: بطيء المشي. وقال ابن الأثير: المندوب، أي: المطلوب، وهو من النَّدب: الرَّهن الذي يُجعَل في السِّباق، وقيل: سُمِّيَ به لندبٍ كان في جسمه، وهو أثر الجرح، وقال عياضٌ: يحتمل أنَّه لقبٌ أو اسم بغير معنًى كسائر الأسماء (فَرَكِبَ) ، زاد في رواية جرير

بن حازم عن محمَّد عن أنس في «الجهاد» [خ¦٢٩٦٩] «ثمَّ خرج يركض وحده، فركب النَّاس يركضون خلفه» (فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ: مَا رَأَيْنَا مِنْ شَيْءٍ) يوجب الفزَع (وَإِنْ وَجَدْنَاهُ) أي: الفرسَ (لَبَحْرًا) أي: واسع الجري، ومنه سُمِّي البحر بحرًا لسعته، وتبحَّر فلان في العلم، إذا اتَّسع فيه، وقيل: شبَّهه بالبحر؛ لأنَّ جريه لا ينفد، كما لا ينفد ماء البحر، قال الخطَّابيُّ: و «إنْ» هنا نافيةٌ، واللَّام بمعنى «إلَّا» أي: ما وجدناه إلَّا بحرًا، وعليه اقتصر الزَّركَشيُّ، قال في «التَّوضيح» (١): وهو قصور، وهذا إنَّما هو مذهب كوفيٌّ، ومذهبُ البصريِّين: أنَّ «إنْ» مخفَّفة من الثَّقيلة، واللَّام فارقة بينها وبين النَّافية. انتهى. وقد سبقه إليه ابن التِّين. قال الحافظ ابن حَجَر: وفي رواية المُستملي: «وإِنْ وَجدْنا» بحذف الضَّمير، وفي رواية حمَّاد عن ثابتٍ عن أنسٍ في «الجهاد» [خ¦٢٨٦٦] أيضًا: «استقبلهم النَّبيُّ على فرسٍ عُرْيٍ، ما عليه سرجٌ، وفي عنقه سيفٌ». وأخرجه الإسماعيليُّ عن حمَّادٍ، وفي أوَّله: «فزعَ أهل المدينة ليلةً، فتلقَّاهم النَّبيُّ قد سبقهم إلى الصَّوت، وهو على فرس بغير سرج»، واستُدِلَّ به: على مشروعيَّة العاريَّة، وكانت -كما قاله الرُّويانيُّ- واجبةً أوَّلَ الإسلام للآية السَّابقة (٢)، ثم نُسِخَ وجوبها فصارت مستحبَّةً، أي: أصالة، فقد تجب كإعارة الثَّوب لدفع حَرٍّ أو برد، وإعارة الحبل (٣) لإنقاذ غريق، والسِّكين لذبح حيوانٍ محترم يُخشَى موته، وقد تحرُمُ كإعارة الصَّيد من المحرِم، والأَمَة من الأجنبيِّ، وقد تُكْرَه كإعارة العبد المسلم من كافر، ويُشتَرط في المُعير (٤) أن يملك المنفعة، فتصحُّ الإعارة من المستأجر لا من المستعير، لأنَّه غير مالك لها، وإنَّما أُبيحَ له الانتفاع، لكنّ للمستعير استيفاء المنفعة بنفسه وبوكيله، كأن يُرْكِبَ الدابَّة المستعارة وكيلَه في حاجته أو زوجتَه أو خادمَه، لأنَّ الانتفاع راجع إليه بواسطة المباشِر. وحكمُ العارية -إذا تلفت في يد المستعير بآفة سماوية، أو أتلفها هو أو غيره ولو بلا تقصير- الضَّمانُ، لحديث أبي داود وغيره: «العارية مضمونة» ولأنها (٥) مال يجب ردُّه لمالكه، فيضمن عند تلفه كالمأخوذ بجهة السَّوْم، فإن تلفت باستعمالٍ مأذونٍ فيه كاللُّبس

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مِثْلِهِ، وَطَرِيقُ عَطَاءٍ مَوْصُولَةٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْهُ، فَقَتَادَةُ هُوَ الْقَائِلُ: وَقَالَ عَطَاءٌ وَوَهَمَ مَنْ جَعَلَهُ مُعَلَّقًا، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ أَبُو الْوَلِيدِ، عَنْ هَمَّامٍ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجَهِ مِنْ طَرِيقِهِ بِالْإِسْنَادَيْنِ جَمِيعًا وَلَفْظُهُمَا وَاحِدٌ ; وَهُوَ يُقَوِّي رِوَايَةَ أَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ بِلَفْظِ: الْعُمْرَى مِيرَاثٌ لِأَهْلِهَا.

(تَنْبِيهٌ): تَرْجَمَ الْمُصَنِّفُ بِالرُّقْبَى وَلَمْ يَذْكُرْ إِلَّا الْحَدِيثَيْنِ الْوَارِدَيْنِ فِي الْعُمْرَى، وَكَأَنَّهُ يَرَى أَنَّهُمَا مُتَّحِدَا الْمَعْنَى وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَمَنَعَ الرُّقْبَى مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٌ، وَوَافَقَ أَبُو يُوسُفَ الْجُمْهُورَ ; وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى سَوَاءٌ وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ إِسْرَائِيلَ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنِ الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى. قُلْتُ: وَمَا الرُّقْبَى؟ قَالَ: يَقُولُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: هِيَ لَكَ حَيَاتَكَ، فَإِنْ فَعَلْتُمْ فَهُوَ جَائِزٌ هَكَذَا أَخْرَجَهُ مُرْسَلًا، وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: لَا عُمْرَى وَلَا رُقْبَى، فَمَنْ أَعْمَرَ شَيْئًا أَوْ أَرْقَبَهُ فَهُوَ لَهُ حَيَاتَهُ وَمَمَاتَهُ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ، لِكِنِ اخْتُلِفَ فِي سَمَاعِ حَبِيبٍ لَهُ مِنِ ابْنِ عُمَرَ: فَصَرَّحَ بِهِ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقٍ، وَمَعْنَاهُ فِي طَرِيقٍ أُخْرَى.

وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اخْتَلَفُوا إِلَى مَاذَا يُوَجَّهُ النَّهْيُ؟ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَتَوَجَّهُ إِلَى الْحُكْمِ، وَقِيلَ يَتَوَجَّهُ إِلَى اللَّفْظِ الْجَاهِلِيِّ وَالْحُكْمِ الْمَنْسُوخِ، وَقِيلَ النَّهْيُ إِنَّمَا يَمْنَعُ صِحَّةَ مَا يُفِيدُ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ فَائِدَةً، أَمَّا إِذَا كَانَ صِحَّةُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ ضَرَرًا عَلَى مُرْتَكِبِهِ فَلَا يَمْنَعُ صِحَّتَهُ كَالطَّلَاقِ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ، وَصِحَّةُ الْعُمْرَى ضَرَرٌ عَلَى الْمُعْمِرِ، فَإِنَّ مِلْكَهُ يَزُولُ بِغَيْرِ عِوَضٍ، هَذَا كُلُّهُ إِذَا حُمِلَ النَّهْيُ عَلَى التَّحْرِيمِ، فَإِنْ حُمِلَ عَلَى الْكَرَاهَةِ أَوِ الْإِرْشَا. لَمْ يَحْتَجْ إِلَى ذَلِكَ، وَالْقَرِينَةُ الصَّارِفَةُ مَا ذُكِرَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ مِنْ بَيَانِ حُكْمِهِ، وَيُصَرِّحُ بِذَلِكَ قَوْلُهُ: الْعُمْرَى جَائِزَةٌ وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَب ي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ رَفَعَهُ الْعُمْرَى جَائِزَةٌ لِأَهْلِهَا، وَالرُّقْبَى جَائِزَةٌ لِأَهْلِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَالَ بَعْضُ الْحُذَّاقِ: إِجَازَةُ الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى بَعِيدٌ عَنْ قِيَاسِ الْأُصُولِ، وَلَكِنَّ الْحَدِيثَ مُقَدَّمٌ، وَلَوْ قِيلَ بِتَحْرِيمِهِمَا لِلنَّهْيِ، وَصِحَّتِهِمَا لِلْحَدِيثِ لَمْ يَبْعُدْ، وَكَأَنَّ النَّهْيَ لِأَمْرٍ خَارِجٍ وَهُوَ حِفْظُ الْأَمْوَالِ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ فِيهِمَا الْمَنْفَعَةَ كَمَا قَالَ مَالِكٌ لَمْ يَنْهَ عَنْهُمَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَا كَانَ مَقْصُودُ الْعَرَبِ بِهِمَا إِلَّا تَمْلِيكَ الرَّقَبَةِ بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ، فَجَاءَ الشَّرْعُ بِمُرَاغَمَتِهِمْ فَصَحَّحَ الْعَقْدَ عَلَى نَعْتِ الْهِبَةِ الْمَحْمُودَةِ، وَأَبْطَلَ الشَّرْطَ الْمُضَادَّ لِذَلِكَ فَإِنَّهُ يُشْبِهُ الرُّجُوعَ فِي الْهِبَةِ، وَقَدْ صَحَّ النَّهْيُ عَنْهُ وَشُبِّهَ بِالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ. وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ الْعُمْرَى لِمَنْ أَعْمَرَهَا وَالرُّقْبَى لِمَنْ أَرْقَبَهَا، وَالْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ فَشَرْطُ الرُّجُوعِ الْمُقَارِنُ لِلْعَقْدِ مِثْلُ الرُّجُوعِ الطَّارِئِ بَعْدَهُ فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ، وَأَمَرَ أَنْ يُبْقِيَهَا مُطْلَقًا أَوْ يُخْرِجَهَا مُطْلَقًا، فَإِنْ أَخْرَجَهَا عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ بَطَلَ الشَّرْطُ وَصَحَّ الْعَقْدُ مُرَاغَمَةً لَهُ. وَهُوَ نَحْوُ إِبْطَالِ شَرْطِ الْوَلَاءِ لِمَنْ بَاعَ عَبْدًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ.

٣٣ - باب مَنْ اسْتَعَارَ مِنْ النَّاسِ الْفَرَسَ

٢٦٢٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: كَانَ فَزَعٌ بِالْمَدِينَةِ فَاسْتَعَارَ النَّبِيُّ فَرَسًا مِنْ أَبِي طَلْحَةَ يُقَالُ لَهُ الْمَنْدُوبُ، فَرَكِبَه فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ: مَا رَأَيْنَا مِنْ شَيْءٍ، وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا.

[الحديث ٢٦٢٧ - أطرافه في: ٢٨٢٠، ٢٨٥٧، ٢٨٦٦، ٢٨٦٧، ٢٩٠٨، ٢٩٦٨، ٢٩٦٩، ٣٠٤٠، ٦٠٣٣، ٦٢١٢]

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنِ اسْتَعَارَ مِنَ النَّاسِ الْفَرَسَ) زَادَ أَبُو ذَرٍّ عَنْ مَشَايِخِهِ وَالدَّابَّةَ وَزَادَ عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَغَيْرَهَا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٣٣) (بابُ مَنِ اسْتَعَارَ مِنَ النَّاسِ الفَرَسَ) زاد أبو ذرٍّ: «والدَّابَّةَ»، وزاد الكُشْمِيهَنِيِّ: «وغيرَها»، قال الحافظ ابن حَجَر: وثبت مثله (١) لابن شَبُّويَه، لكنْ قال: «وغيرَهما» بالتَّثنية، وعند بعض الشُّرَّاح قبل الباب: «كتابُ العاريَّة» ولم أره لغيره، والعاريَّة: بتشديد الياء وقد تُخفَّف، وفيها لغةٌ ثالثة: عارةٌ: بوزن غارة (٢)، وهي اسم لما يُعَار، مأخوذةٌ من: عارَ إذا ذهب وجاء، ومنه قيل للغلام الخفيف: عَيَّار لكثرة ذهابه ومجيئه، وقيل: من التَّعاور، وهو التَّناوب. وقال الجوهريُّ: كأنَّها منسوبة إلى العار، لأنَّ طلبها عارٌ وعيب، وحقيقتها شرعًا: إباحة الانتفاع بما يحلُّ الانتفاع به مع بقاء عينه، والأصل فيها قبل الإجماع قوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٧] فسَّره جمهور المفسِّرين بما يستعيره الجيران بعضهم من بعض.

٢٦٢٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياس قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا) هو ابن مالك (يَقُولُ: كَانَ فَزَعٌ) بفتح الفاء والزَّاي: خوفٌ من عدوٍّ (بِالمَدِينَةِ، فَاسْتَعَارَ النَّبِيُّ فَرَسًا مِنْ أَبِي طَلْحَةَ) زيد بن سهل زوجِ أمِّ أنس (يُقَالُ لَهُ: المَنْدُوبُ) زاد في «الجهاد» [خ¦٢٨٦٧] من طريق سعيد عن قتادة: «كان يقطف أو كان فيه قطاف»، بالشَّكِّ، أي: بطيء المشي. وقال ابن الأثير: المندوب، أي: المطلوب، وهو من النَّدب: الرَّهن الذي يُجعَل في السِّباق، وقيل: سُمِّيَ به لندبٍ كان في جسمه، وهو أثر الجرح، وقال عياضٌ: يحتمل أنَّه لقبٌ أو اسم بغير معنًى كسائر الأسماء (فَرَكِبَ) ، زاد في رواية جرير

بن حازم عن محمَّد عن أنس في «الجهاد» [خ¦٢٩٦٩] «ثمَّ خرج يركض وحده، فركب النَّاس يركضون خلفه» (فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ: مَا رَأَيْنَا مِنْ شَيْءٍ) يوجب الفزَع (وَإِنْ وَجَدْنَاهُ) أي: الفرسَ (لَبَحْرًا) أي: واسع الجري، ومنه سُمِّي البحر بحرًا لسعته، وتبحَّر فلان في العلم، إذا اتَّسع فيه، وقيل: شبَّهه بالبحر؛ لأنَّ جريه لا ينفد، كما لا ينفد ماء البحر، قال الخطَّابيُّ: و «إنْ» هنا نافيةٌ، واللَّام بمعنى «إلَّا» أي: ما وجدناه إلَّا بحرًا، وعليه اقتصر الزَّركَشيُّ، قال في «التَّوضيح» (١): وهو قصور، وهذا إنَّما هو مذهب كوفيٌّ، ومذهبُ البصريِّين: أنَّ «إنْ» مخفَّفة من الثَّقيلة، واللَّام فارقة بينها وبين النَّافية. انتهى. وقد سبقه إليه ابن التِّين. قال الحافظ ابن حَجَر: وفي رواية المُستملي: «وإِنْ وَجدْنا» بحذف الضَّمير، وفي رواية حمَّاد عن ثابتٍ عن أنسٍ في «الجهاد» [خ¦٢٨٦٦] أيضًا: «استقبلهم النَّبيُّ على فرسٍ عُرْيٍ، ما عليه سرجٌ، وفي عنقه سيفٌ». وأخرجه الإسماعيليُّ عن حمَّادٍ، وفي أوَّله: «فزعَ أهل المدينة ليلةً، فتلقَّاهم النَّبيُّ قد سبقهم إلى الصَّوت، وهو على فرس بغير سرج»، واستُدِلَّ به: على مشروعيَّة العاريَّة، وكانت -كما قاله الرُّويانيُّ- واجبةً أوَّلَ الإسلام للآية السَّابقة (٢)، ثم نُسِخَ وجوبها فصارت مستحبَّةً، أي: أصالة، فقد تجب كإعارة الثَّوب لدفع حَرٍّ أو برد، وإعارة الحبل (٣) لإنقاذ غريق، والسِّكين لذبح حيوانٍ محترم يُخشَى موته، وقد تحرُمُ كإعارة الصَّيد من المحرِم، والأَمَة من الأجنبيِّ، وقد تُكْرَه كإعارة العبد المسلم من كافر، ويُشتَرط في المُعير (٤) أن يملك المنفعة، فتصحُّ الإعارة من المستأجر لا من المستعير، لأنَّه غير مالك لها، وإنَّما أُبيحَ له الانتفاع، لكنّ للمستعير استيفاء المنفعة بنفسه وبوكيله، كأن يُرْكِبَ الدابَّة المستعارة وكيلَه في حاجته أو زوجتَه أو خادمَه، لأنَّ الانتفاع راجع إليه بواسطة المباشِر. وحكمُ العارية -إذا تلفت في يد المستعير بآفة سماوية، أو أتلفها هو أو غيره ولو بلا تقصير- الضَّمانُ، لحديث أبي داود وغيره: «العارية مضمونة» ولأنها (٥) مال يجب ردُّه لمالكه، فيضمن عند تلفه كالمأخوذ بجهة السَّوْم، فإن تلفت باستعمالٍ مأذونٍ فيه كاللُّبس

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.1 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله وبحمده