الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٦٧١
الحديث رقم ٢٦٧١ من كتاب «كتاب الشهادات» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إذا ادعى أو قذف.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ الْيَمِينِ بَعْدَ الْعَصْرِ
٢٦٧١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ هِشَامٍ: حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
ابْنِ عَبَّاسٍ، فَكَتَبَ إِلَيَّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى رِجَالٌ أَمْوَالَ قَوْمٍ وَدِمَاءَهُمْ، وَلَكِنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ لَيْسَتْ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَإِسْنَادُهَا حَسَنٌ.
وَقَدْ بَيَّنَ ﷺ الْحِكْمَةَ فِي كَوْنِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﷺ: لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ آلِ عِمْرَانَ. وَقَالَ الْعُلَمَاءُ: الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ جَانِبَ الْمُدَّعِي ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ يَقُولُ خِلَافَ الظَّاهِرِ فَكُلِّفَ الْحُجَّةَ الْقَوِيَّةَ، وَهِيَ الْبَيِّنَةُ؛ لِأَنَّهَا لَا تَجْلِبُ لِنَفْسِهَا نَفْعًا وَلَا تَدْفَعُ عَنْهَا ضَرَرًا فَيَقْوَى بِهَا ضَعْفُ الْمُدَّعِي، وَجَانِبُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَوِيٌّ لِأَنَّ الْأَصْلَ فَرَاغُ ذِمَّتِهِ فَاكْتُفِيَ مِنْهُ بِالْيَمِينِ، وَهِيَ حُجَّةٌ ضَعِيفَةٌ لِأَنَّ الْحَالِفَ يَجْلِبُ لِنَفْسِهِ النَّفْعَ وَيَدْفَعُ الضَّرَرَ فَكَانَ ذَلِكَ فِي غَايَةِ الْحِكْمَةِ.
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَعْرِيفِ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَالْمَشْهُورُ فِيهِ تَعْرِيفَانِ: الْأَوَّلُ: الْمُدَّعِي مَنْ يُخَالِفُ قَوْلُهُ الظَّاهِرَ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِخِلَافِهِ. وَالثَّانِي: مَنْ إِذَا سَكَتَ تُرِكَ وَسُكُوتَهُ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ لَا يُخَلَّى إِذَا سَكَتَ، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ، وَالثَّانِي أَسْلَمُ. وَقَدْ أُوْرِدَ عَلَى الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْمُودَعَ إِذَا ادَّعَى الرَّدَّ أَوِ التَّلَفَ فَإِنَّ دَعْوَاهُ تُخَالِفُ الظَّاهِرَ، وَمَعَ ذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَقِيلَ فِي تَعْرِيفِهِمَا غَيْرُ ذَلِكَ. وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِلْجُمْهُورِ بِحَمْلِهِ عَلَى عُمُومِهِ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ سَوَاءٌ كَانَ بَيْنَ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ اخْتِلَاطٌ أَمْ لَا، وَعَنْ مَالِكٍ لَا تَتَوَجَّهُ الْيَمِينُ إِلَّا عَلَى مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُدَّعِي اخْتِلَاطٌ لِئَلَّا يَبْتَذِلَ أَهْلُ السَّفَهِ أَهْلَ الْفَضْلِ بِتَحْلِيفِهِمْ مِرَارًا، وَقَرِيبٌ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ قَوْلُ الْإِصْطَخْرِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنَّ قَرَائِنَ الْحَالِ إِذَا شَهِدَتْ بِكَذِبِ الْمُدَّعِي لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَى دَعْوَاهُ، وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ نَاسٍ وَأَمْوَالَهُمْ عَلَى إِبْطَالِ قَوْلِ الْمَالِكِيَّةِ فِي التَّدْمِيَةِ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ تَسْوِيَتُهُ ﷺ بَيْنَ الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُمْ لَمْ يُسْنِدُوا الْقِصَاصَ مَثَلًا إِلَى قَوْلِ الْمُدَّعِي بَلْ لِلْقَسَامَةِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ ذَلِكَ لَوْثًا يُقَوِّي جَانِبَ الْمُدَّعِي فِي بُدَاءَتِهِ بِالْأَيْمَانِ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ حَدِيثُ الْأَشْعَثِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي سَبَبِ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ الْآيَةَ. وَقَدْ مَضَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ قَبْلُ بِبَابٍ. وَالْمُرَادُ مِنْهُ قَوْلُهُ: شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ وَقَدْ رَوَى نَحْوَ هَذِهِ الْقِصَّةِ وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ وَزَادَ فِيهَا: لَيْسَ لَكَ إِلَّا ذَلِكَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَاسْتُدِلَّ بِهَا الْحَصْر عَلَى رَدِّ الْقَضَاءِ بِالْيَمِينِ وَالشَّاهِدِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ ﷺ: شَاهِدَاكَ أَيْ بَيِّنَتُكَ سَوَاءٌ كَانَتْ رَجُلَا أَوْ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ وَيَمِينَ الطَّالِبِ، وَإِنَّمَا خَصَّ الشَّاهِدَيْنِ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ الْأَكْثَرُ الْأَغْلَبُ، فَالْمَعْنَى شَاهِدَاكَ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُمَا، وَلَوْ لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ رَدُّ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ لِكَوْنِهِ لَمْ يُذْكَرْ لَلَزِمَ رَدُّ الشَّاهِدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ لِكَوْنِهِ لَمْ يُذْكَرْ فَوَضَحَ التَّأْوِيلُ الْمَذْكُورُ، وَالْمُلْجِئُ إِلَيْهِ ثُبُوتُ الْخَبَرِ بِاعْتِبَارِ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ظَاهِرَ لَفْظِ الشَّاهِدَيْنِ غَيْرُ مُرَادٍ بَلِ الْمُرَادُ هُوَ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ.
٢١ - بَاب إِذَا ادَّعَى أَوْ قَذَفَ فَلَهُ أَنْ يَلْتَمِسَ الْبَيِّنَةَ وَيَنْطَلِقَ لِطَلَبِ الْبَيِّنَةِ
٢٦٧١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ هِشَامٍ عن عِكْرِمَةُ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: الْبَيِّنَةُ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا رَأَى أَحَدُنَا عَلَى امْرَأَتِهِ رَجُلًا يَنْطَلِقُ يَلْتَمِسُ الْبَيِّنَةَ؟ فَجَعَلَ يَقُولُ: الْبَيِّنَةَ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ. فَذَكَرَ حَدِيثَ اللِّعَانِ.
[الحديث ٢٦٧١ - أطرافه في: ٤٧٤٧، ٥٢٠٧]
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٢٦٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحَّدة والمعجمة المشدَّدة، ابن عثمان العبديُّ البصريُّ أبو بكر بُنْدَار قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو محمَّد، واسم أبي عديٍّ إبراهيمُ (عَنْ هِشَامٍ) هو ابن حسَّان القردوسيُّ البصريُّ أنَّه قال: (حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ) مولى ابن عبَّاس، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «عن عكرمة» (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ) الأنصاريَّ الواقفيَّ (قَذَفَ امْرَأَتَهُ) قيل: اسمها خولة بنت عاصم، رواه ابن منده، أي: رماها بالزِّنا (عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاءَ) بفتح السِّين وسكون الحاء المهملتين، اسم أمِّه، وأما أبوه فعَبَدة -بفتح العين المهملة والموحَّدة- ابن مُعَتِّب -بضمِّ الميم وفتح العين المهملة وتشديد الفوقيَّة آخره موحَّدة- كذا ضبطه النَّوويُّ، وضبطه الدَّارقطنيُّ: مُغيْث، بالغين المعجمة وسكون التَّحتيَّة آخره مثلَّثة (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: البَيِّنَةَُ) نصبٌ، أي: أحضر البيِّنةَ، ويجوز الرَّفعُ، أي: الواجب عليك البيِّنة (أَوْ حَدًّا) بالنَّصب بفعل مقدَّر، والرَّفع، أي: الواجب عند عدم البيِّنة حدٌّ (فِي ظَهْرِكَ) أي: على ظهرك، كقوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] (فَقَالَ) هلال، ولأبي ذَرٍّ: «قال»: (يَا رَسُولَ اللهِ، إِذَا رَأَى أَحَدُنَا عَلَى امْرَأَتِهِ رَجُلًا يَنْطَلِقُ) حال كونه (يَلْتَمِسُ) يطلب (البَيِّنَةَ؟! فَجَعَلَ) ﵊ (يَقُولُ: البَيِّنَةَ وَإِلَّا حَدٌّ) بنصب «البيِّنة» ورفع «حدٌّ» أي: تحضر البيِّنة، وإن لم تحضرها فجزاؤك حدٌّ (فِي ظَهْرِكَ) فحُذِفَ ناصب «البيِّنة» وفعل الشَّرط والجزء الأوَّل من الجملة الجزائيَّة والفاء. قال ابن مالك: وحَذْف مثل هذا لم يذكر النُّحاة أنَّه يجوز إلَّا في الشِّعر، لكنَّه يَرِدُ عليهم وروده في هذا الحديث الصَّحيح،
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
ابْنِ عَبَّاسٍ، فَكَتَبَ إِلَيَّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى رِجَالٌ أَمْوَالَ قَوْمٍ وَدِمَاءَهُمْ، وَلَكِنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ لَيْسَتْ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَإِسْنَادُهَا حَسَنٌ.
وَقَدْ بَيَّنَ ﷺ الْحِكْمَةَ فِي كَوْنِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﷺ: لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ آلِ عِمْرَانَ. وَقَالَ الْعُلَمَاءُ: الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ جَانِبَ الْمُدَّعِي ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ يَقُولُ خِلَافَ الظَّاهِرِ فَكُلِّفَ الْحُجَّةَ الْقَوِيَّةَ، وَهِيَ الْبَيِّنَةُ؛ لِأَنَّهَا لَا تَجْلِبُ لِنَفْسِهَا نَفْعًا وَلَا تَدْفَعُ عَنْهَا ضَرَرًا فَيَقْوَى بِهَا ضَعْفُ الْمُدَّعِي، وَجَانِبُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَوِيٌّ لِأَنَّ الْأَصْلَ فَرَاغُ ذِمَّتِهِ فَاكْتُفِيَ مِنْهُ بِالْيَمِينِ، وَهِيَ حُجَّةٌ ضَعِيفَةٌ لِأَنَّ الْحَالِفَ يَجْلِبُ لِنَفْسِهِ النَّفْعَ وَيَدْفَعُ الضَّرَرَ فَكَانَ ذَلِكَ فِي غَايَةِ الْحِكْمَةِ.
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَعْرِيفِ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَالْمَشْهُورُ فِيهِ تَعْرِيفَانِ: الْأَوَّلُ: الْمُدَّعِي مَنْ يُخَالِفُ قَوْلُهُ الظَّاهِرَ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِخِلَافِهِ. وَالثَّانِي: مَنْ إِذَا سَكَتَ تُرِكَ وَسُكُوتَهُ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ لَا يُخَلَّى إِذَا سَكَتَ، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ، وَالثَّانِي أَسْلَمُ. وَقَدْ أُوْرِدَ عَلَى الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْمُودَعَ إِذَا ادَّعَى الرَّدَّ أَوِ التَّلَفَ فَإِنَّ دَعْوَاهُ تُخَالِفُ الظَّاهِرَ، وَمَعَ ذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَقِيلَ فِي تَعْرِيفِهِمَا غَيْرُ ذَلِكَ. وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِلْجُمْهُورِ بِحَمْلِهِ عَلَى عُمُومِهِ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ سَوَاءٌ كَانَ بَيْنَ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ اخْتِلَاطٌ أَمْ لَا، وَعَنْ مَالِكٍ لَا تَتَوَجَّهُ الْيَمِينُ إِلَّا عَلَى مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُدَّعِي اخْتِلَاطٌ لِئَلَّا يَبْتَذِلَ أَهْلُ السَّفَهِ أَهْلَ الْفَضْلِ بِتَحْلِيفِهِمْ مِرَارًا، وَقَرِيبٌ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ قَوْلُ الْإِصْطَخْرِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنَّ قَرَائِنَ الْحَالِ إِذَا شَهِدَتْ بِكَذِبِ الْمُدَّعِي لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَى دَعْوَاهُ، وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ نَاسٍ وَأَمْوَالَهُمْ عَلَى إِبْطَالِ قَوْلِ الْمَالِكِيَّةِ فِي التَّدْمِيَةِ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ تَسْوِيَتُهُ ﷺ بَيْنَ الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُمْ لَمْ يُسْنِدُوا الْقِصَاصَ مَثَلًا إِلَى قَوْلِ الْمُدَّعِي بَلْ لِلْقَسَامَةِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ ذَلِكَ لَوْثًا يُقَوِّي جَانِبَ الْمُدَّعِي فِي بُدَاءَتِهِ بِالْأَيْمَانِ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ حَدِيثُ الْأَشْعَثِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي سَبَبِ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ الْآيَةَ. وَقَدْ مَضَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ قَبْلُ بِبَابٍ. وَالْمُرَادُ مِنْهُ قَوْلُهُ: شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ وَقَدْ رَوَى نَحْوَ هَذِهِ الْقِصَّةِ وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ وَزَادَ فِيهَا: لَيْسَ لَكَ إِلَّا ذَلِكَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَاسْتُدِلَّ بِهَا الْحَصْر عَلَى رَدِّ الْقَضَاءِ بِالْيَمِينِ وَالشَّاهِدِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ ﷺ: شَاهِدَاكَ أَيْ بَيِّنَتُكَ سَوَاءٌ كَانَتْ رَجُلَا أَوْ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ وَيَمِينَ الطَّالِبِ، وَإِنَّمَا خَصَّ الشَّاهِدَيْنِ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ الْأَكْثَرُ الْأَغْلَبُ، فَالْمَعْنَى شَاهِدَاكَ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُمَا، وَلَوْ لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ رَدُّ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ لِكَوْنِهِ لَمْ يُذْكَرْ لَلَزِمَ رَدُّ الشَّاهِدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ لِكَوْنِهِ لَمْ يُذْكَرْ فَوَضَحَ التَّأْوِيلُ الْمَذْكُورُ، وَالْمُلْجِئُ إِلَيْهِ ثُبُوتُ الْخَبَرِ بِاعْتِبَارِ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ظَاهِرَ لَفْظِ الشَّاهِدَيْنِ غَيْرُ مُرَادٍ بَلِ الْمُرَادُ هُوَ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ.
٢١ - بَاب إِذَا ادَّعَى أَوْ قَذَفَ فَلَهُ أَنْ يَلْتَمِسَ الْبَيِّنَةَ وَيَنْطَلِقَ لِطَلَبِ الْبَيِّنَةِ
٢٦٧١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ هِشَامٍ عن عِكْرِمَةُ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: الْبَيِّنَةُ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا رَأَى أَحَدُنَا عَلَى امْرَأَتِهِ رَجُلًا يَنْطَلِقُ يَلْتَمِسُ الْبَيِّنَةَ؟ فَجَعَلَ يَقُولُ: الْبَيِّنَةَ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ. فَذَكَرَ حَدِيثَ اللِّعَانِ.
[الحديث ٢٦٧١ - أطرافه في: ٤٧٤٧، ٥٢٠٧]
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٢٦٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحَّدة والمعجمة المشدَّدة، ابن عثمان العبديُّ البصريُّ أبو بكر بُنْدَار قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو محمَّد، واسم أبي عديٍّ إبراهيمُ (عَنْ هِشَامٍ) هو ابن حسَّان القردوسيُّ البصريُّ أنَّه قال: (حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ) مولى ابن عبَّاس، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «عن عكرمة» (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ) الأنصاريَّ الواقفيَّ (قَذَفَ امْرَأَتَهُ) قيل: اسمها خولة بنت عاصم، رواه ابن منده، أي: رماها بالزِّنا (عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاءَ) بفتح السِّين وسكون الحاء المهملتين، اسم أمِّه، وأما أبوه فعَبَدة -بفتح العين المهملة والموحَّدة- ابن مُعَتِّب -بضمِّ الميم وفتح العين المهملة وتشديد الفوقيَّة آخره موحَّدة- كذا ضبطه النَّوويُّ، وضبطه الدَّارقطنيُّ: مُغيْث، بالغين المعجمة وسكون التَّحتيَّة آخره مثلَّثة (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: البَيِّنَةَُ) نصبٌ، أي: أحضر البيِّنةَ، ويجوز الرَّفعُ، أي: الواجب عليك البيِّنة (أَوْ حَدًّا) بالنَّصب بفعل مقدَّر، والرَّفع، أي: الواجب عند عدم البيِّنة حدٌّ (فِي ظَهْرِكَ) أي: على ظهرك، كقوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] (فَقَالَ) هلال، ولأبي ذَرٍّ: «قال»: (يَا رَسُولَ اللهِ، إِذَا رَأَى أَحَدُنَا عَلَى امْرَأَتِهِ رَجُلًا يَنْطَلِقُ) حال كونه (يَلْتَمِسُ) يطلب (البَيِّنَةَ؟! فَجَعَلَ) ﵊ (يَقُولُ: البَيِّنَةَ وَإِلَّا حَدٌّ) بنصب «البيِّنة» ورفع «حدٌّ» أي: تحضر البيِّنة، وإن لم تحضرها فجزاؤك حدٌّ (فِي ظَهْرِكَ) فحُذِفَ ناصب «البيِّنة» وفعل الشَّرط والجزء الأوَّل من الجملة الجزائيَّة والفاء. قال ابن مالك: وحَذْف مثل هذا لم يذكر النُّحاة أنَّه يجوز إلَّا في الشِّعر، لكنَّه يَرِدُ عليهم وروده في هذا الحديث الصَّحيح،