الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٧٧٩
الحديث رقم ٢٧٧٩ من كتاب «كتاب الوصايا» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إذا وقف أرضا أو بئرا واشترط لنفسه مثل دلاء المسلمين.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الآثِمِينَ * فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ * ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَاسْمَعُوا وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾
٢٧٧٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ عَنْ أَنَسٍ ﵁: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَقَدِ ادَّعَى الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي أَحَادِيثِ الْبَابِ شَيْءٌ يُوَافِقُ مَا تَرْجَمَ بِهِ إِلَّا أَثَرَ أَنَسٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ فَإِنَّ جَمِيعَ مَا ذَكَرَهُ مُطَابِقٌ لَهَا، فَأَمَّا قِصَّةُ أَنَسٍ فَظَاهِرَةٌ فِي التَّرْجَمَةِ، وَأَمَّا قِصَّةُ الزُّبَيْرِ فَمِنْ جِهَةِ أَنَّ الْبِنْتَ رُبَّمَا كَانَتْ بِكْرًا فَطُلِّقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ فَتَكُونُ مُؤْنَتُهَا عَلَى أَبِيهَا، فَيَلْزَمُهُ إِسْكَانُهَا، فَإِذَا أَسْكَنَهَا فِي وَقْفِهِ فَكَأَنَّهُ اشْتَرَطَ عَلَى نَفْسِهِ رَفْعَ كَلَفِهِ. وَأَمَّا قِصَّةُ ابْنِ عُمَرَ فَتُخَرَّجُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ الْآلَ يَدْخُلُ فِيهِمُ الْأَوْلَادُ كِبَارُهُمْ وَصِغَارُهُمْ. وَأَمَّا قِصَّةُ عُثْمَانَ فَأَشَارَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ فِيمَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ ثُمَامَةَ بْنِ حَزْنٍ، قَالَ: شَهِدْتُ الدَّارَ حِينَ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ عُثْمَانُ فَقَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ وَبِالْإِسْلَامِ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَلَيْسَ فِيهَا مَاءٌ يُسْتَعْذَبُ غَيْرَ بِئْرِ رُومَةَ فَقَالَ: مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ يَجْعَلُ دَلْوَهُ مَعَ دِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ بِخَيْرٍ لَهُ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ؟ فَاشْتَرَيْتُهَا مِنْ صُلْبِ مَالِي … الْحَدِيثَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الشُّرْبِ. وَأَمَّا قِصَّةُ عُمَرَ فَقَدْ تَرْجَمَ لَهَا بِخُصُوصِهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُ ذَلِكَ قَبْلَ أَبْوَابٍ.
٣٤ - بَاب إِذَا قَالَ الْوَاقِفُ: لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ فَهُوَ جَائِزٌ
٢٧٧٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: يَا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ، قَالُوا: لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا قَالَ الْوَاقِفُ: لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَنَسٍ فِي قَوْلِ بَنِي النَّجَّارِ، لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ، أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا جِدًّا، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِسَنَدِهِ وَزِيَادَةٍ فِي مَتْنِهِ قَبْلَ خَمْسَةِ أَبْوَابٍ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: الْمَعْنَى أَنَّهُمْ لَمْ يَبِيعُوهُ ثُمَّ جَعَلُوهُ مَسْجِدًا، إِلَّا أَنَّ قَوْلَ الْمَالِكِ: لَا أَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ لَا يُصَيِّرُهُ وَقْفًا، وَقَدْ يَقُولُ الرَّجُلُ هَذَا لِعَبْدٍ فَلَا يَصِيرُه وَقْفًا، وَيَقُولُهُ لِلْمُدَبَّرِ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: مُرَادُ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الْوَقْفَ يَصِحُّ بِأَيِّ لَفْظٍ دَلَّ عَلَيْهِ إِمَّا بِمُجَرَّدِهِ، وَإِمَّا بِقَرِينَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، كَذَا قَالَ، وَفِي الْجَزْمِ بِأَنَّ هَذَا مُرَادَهُ نَظَرٌ، بَلْ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ وَقْفًا.
٣٥ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الآثِمِينَ * فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ * ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾، ﴿الأَوْلَيَانِ﴾: وَاحِدُهُمَا أَوْلَى، وَمِنْهُ: أَوْلَى بِهِ. ﴿عُثِرَ﴾ ظُهِرَ. ﴿أَعْثَرْنَا﴾: أَظْهَرْنَا
٢٧٨٠ - وَقَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ:، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَهْمٍ مَعَ تَمِيمٍ
الدَّارِيِّ، وَعَدِيِّ بْنِ بَدَّاءٍ، فَمَاتَ السَّهْمِيُّ بِأَرْضٍ لَيْسَ بِهَا مُسْلِمٌ، فَلَمَّا قَدِمَا بِتَرِكَتِهِ فَقَدُوا جَامًا مِنْ فِضَّةٍ مُخَوَّصًا مِنْ ذَهَبٍ، فَأَحْلَفَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ وُجِدَ الْجَامُ بِمَكَّةَ، فَقَالُوا: ابْتَعْنَاهُ مِنْ تَمِيمٍ، وَعَدِيٍّ، فَقَامَ رَجُلَانِ مِنْ أَوْلِيَاءِ السَّهْمِيِّ فَحَلَفَا: ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾، وَإِنَّ الْجَامَ لِصَاحِبِهِمْ، قَالَ: وَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ الْآيَاتِ الثَّلَاثَ، قَالَ الزَّجَّاجُ فِي الْمَعَانِي: هَذِهِ الْآيَاتُ الثَّلَاثُ مِنْ أَشْكَلِ مَا فِي الْقُرْآنِ إِعْرَابًا وَحُكْمًا وَمَعْنًى.
قَوْلُهُ: ﴿الأَوْلَيَانِ﴾ وَاحَدُهُمَا أَوْلَى، وَمِنْهُ أَوْلَى بِهِ) أَيْ: أَحَقُّ بِهِ، وَوَقَعَ هَذَا فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، لِأَبِي ذَرٍّ وَحْدَهُ، وَكَذَا الَّذِي بَعْدَهُ، وَالْمَعْنَى وَآخَرَانِ أَيْ شَاهِدَانِ آخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَ الشَّاهِدَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ: أَيْ مِنَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمْ، وَهُمْ أَهْلُ الْمَيِّتِ وَعَشِيرَتُهُ، وَالْأَوْلَيَانِ أَيِ الْأَحَقَّانِ بِالشَّهَادَةِ لِقَرَابَتِهِمَا وَمَعْرِفَتِهِمَا، وَارْتَفَعَ الْأَوْلَيَانِ بِتَقْدِيرِ هُمَا، كَأَنَّهُ قِيلَ: مَنِ الشَّاهِدَانِ؟ فَأُجِيبَ الْأَوْلَيَانِ، أَوْ هُمَا بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي يَقُومَانِ أَوْ مِنْ آخَرَانِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَرْتَفِعَا بِاسْتَحَقَّ أَيْ مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ انْتِدَابُ الْأَوْلَيَيْنِ مِنْهُمْ لِلشَّهَادَةِ لِاطِّلَاعِهِمْ عَلَى حَقِيقَةِ الْحَالِ، وَلِهَذَا قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ: هَذَا الْمَوْضِعُ مِنْ أَصْعَبِ مَا فِي الْقُرْآنِ إِعْرَابًا، قَالَ الشِّهَابُ السَّمِينُ: وَلَقَدْ صَدَقَ وَاللَّهِ فِيمَا قَالَ. ثُمَّ بَسَطَ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ وَخَتَمَهُ بِأَنْ قَالَ: وَقَدْ جَمَعَ الزَّمَخْشَرِيُّ مَا قُلْتُهُ بِأَوْجَزِ عِبَارَةٍ فَقَالَ - فَذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ - فَلِذَلِكَ اقْتَصَرْتُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: ﴿عُثِرَ﴾ ظَهَرَ، أَعَثَرْنَا: أَظْهَرْنَا) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي الْمَجَازِ قَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ أَيْ: فَإِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ إِنِ اطُّلِعَ مِنْهُمَا عَلَى خِيَانَةٍ، وَأَمَّا تَفْسِيرُ أَعَثَرْنَا فَقَالَ الْفَرَّاءُ: قَوْلُهُ ﴿أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ أَيْ أَظْهَرْنَا وَاطَّلَعْنَا، قَالَ: وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ عُثِرَ﴾ أَيِ اطُّلِعَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) أَيِ ابْنِ الْمَدِينِيِّ، كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَالْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ: وَقَالَ عَلِيٌّ بِحَذْفِ الْمُحَاوَرَةِ، وَكَذَا جَزَمَ بِهِ أَبُو نُعَيْمٍ، لَكِنْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّارِيخِ فَقَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ ابْنُ الْمَدِينِيِّ وَهَذَا مِمَّا يُقَوِّي مَا قَرَّرْتُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنْ أَنَّهُ يُعَبِّرُ بِقَوْلِهِ: وَقَالَ لِي فِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي سَمِعَهَا، لَكِنْ حَيْثُ يَكُونُ فِي إِسْنَادِهَا عِنْدَهُ نَظَرٌ أَوْ حَيْثُ تَكُونُ مَوْقُوفَةً، وَأَمَّا مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُعَبِّرُ بِهَا فِيمَا أَخَذَهُ فِي الْمُذَاكَرَةِ أَوْ بِالْمُنَاوَلَةِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ.
قَوْلُهُ: (ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ) هُوَ يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ يُقَالُ لَهُ: الطَّوِيلُ، وَلَا يُعْرَفُ اسْمُ أَبِيهِ، وَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَأَبُو حَاتِمٍ وَتَوَقَّفَ فِيهِ الْبُخَارِيُّ مَعَ كَوْنِهِ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ هَذَا هُنَا، فَرَوَى النَّسَفِيُّ، عَنِ الْبُخَارِيِّ قَالَ: لَا أَعْرِفُ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي الْقَاسِمِ هَذَا كَمَا يَنْبَغِي. وَفِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ: كَمَا أَشْتَهِي. وَقَدْ رَوَى عَنْهُ أَيْضًا أَبُو أُسَامَةَ: وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ الْمَدِينِيِّ - اسْتَحْسَنَهُ. وَزَادَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ أَنَّ الْفَرَبْرِيَّ قَالَ: قُلْتُ لِلْبُخَارِيِّ رَوَاهُ غَيْرُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ؟ قَالَ: لَا. وَقَدْ رَوَى عَنْهُ أَبُو أُسَامَةَ أَيْضًا لَكِنَّهُ لَيْسَ بِمَشْهُورٍ، وَرَوَى عُمَرُ الْبُجَيْرِيُّ - بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْجِيمِ مُصَغَّرًا - عَنِ الْبُخَارِيِّ نَحْوَ هَذَا وَزَادَ: قِيلَ لَهُ رَوَاهُ - يَعْنِي هَذَا الْحَدِيثَ - غَيْرُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ؟ فَقَالَ: لَا، وَهُوَ غَيْرُ مَشْهُورٍ. قُلْتُ: وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ وَلَا لِشَيْخِهِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ، وَرِجَالُ الْإِسْنَادِ مَا بَيْنَ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ كُوفِيُّونَ.
قَوْلُهُ: (خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَهْمٍ) هُوَ بُزَيْلٌ بِمُوَحَّدَةٍ وَزَايٍ
مُصَغَّرٌ، وَكَذَا ضَبَطَهُ ابْنُ مَاكُولَا، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ تَمِيمٍ نَفْسِهِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، وَالطَّبَرِيِّ بُدَيْلٌ بِدَالٍ بَدَلَ الزَّايِ، وَرَأَيْتُهُ فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ مِنْ تَفْسِيرِ الطَّبَرِيِّ بُرَيْلٌ بِرَاءٍ بِغَيْرِ نُقْطَةٍ، وَلِابْنِ مَنْدَهْ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ، عَنِ الْكَلْبِيِّ بُدَيْلُ بْنُ أَبِي مَارِيَةَ، وَمِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ وَغَيْرِهِ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ مُرْسَلًا لَكِنَّهُ لَمْ يُسَمِّهِ، وَوَهَمَ مَنْ قَالَ فِيهِ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ فَإِنَّهُ خُزَاعِيٌّ وَهَذَا سَهْمِيٌّ، وَكَذَا وَهَمَ مَنْ ضَبَطَهُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا، وَكَذَا أَخْرَجَهُ بِسَنَدِهِ فِي تَفْسِيرِهِ.
قَوْلُهُ: (مَعَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ) أَيِ الصَّحَابِيِّ الْمَشْهُورِ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ تَمِيمٌ كَمَا سَيَأْتِي، وَعَلَى هَذَا فَهُوَ مِنْ مُرْسَلِ الصَّحَابِيِّ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمْ يَحْضُرْ هَذِهِ الْقِصَّةَ، وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ أَنَّهُ رَوَاهَا عَنْ تَمِيمٍ نَفْسِهِ، بَيَّنَ ذَلِكَ الْكَلْبِيُّ فِي رِوَايَتِهِ الْمَذْكُورَةِ فَقَالَ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ قَالَ: بَرِئَ النَّاسُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ غَيْرِي وَغَيْرَ عَدِيِّ بْنِ بَدَّاءٍ. وَكَانَا نَصْرَانِيَّيْنِ يَخْتَلِفَانِ إِلَى الشَّامِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، فَأَتَيَا الشَّامَ فِي تِجَارَتِهِمَا، وَقَدِمَ عَلَيْهِمَا مَوْلًى لِبَنِي سَهْمٍ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْقِصَّةُ وَقَعَتْ قَبْلَ الْإِسْلَامِ ثُمَّ تَأَخَّرَتِ الْمُحَاكَمَةُ حَتَّى أَسْلَمُوا كُلُّهُمْ، فَإِنَّ فِي الْقِصَّةِ مَا يُشْعِرُ بِأَنَّ الْجَمِيعَ تَحَاكَمُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَلَعَلَّهَا كَانَتْ بِمَكَّةَ سَنَةَ الْفَتْحِ.
قَوْلُهُ: (وَعَدِيِّ بْنِ بَدَّاءٍ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَةِ مَعَ الْمَدِّ، لَمْ تَخْتَلِفِ الرِّوَايَاتُ فِي ذَلِكَ إِلَّا مَا رَأَيْتُهُ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ لِلْكَرَابِيسِيِّ؛ فَإِنَّهُ سَمَّاهُ الْبَدَّاءَ بْنَ عَاصِمٍ، وَأَخْرَجَهُ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْوَاقِدِيِّ أَنَّ عَدِيَّ بْنَ بَدَّاءٍ كَانَ أَخَا تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، فَإِنْ ثَبَتَ فَلَعَلَّهُ أَخُوهُ لِأُمِّهِ أَوْ مِنَ الرَّضَاعَةِ، لَكِنْ فِي تَفْسِيرِ مُقَاتِلِ بْنِ حِبَّانَ أَنَّ رَجُلَيْنِ نَصْرَانِيَّيْنِ مِنْ أَهْلِ دَارِينِ أَحَدُهُمَا تَمِيمٌ وَالْآخَرُ يَمَانِيٌّ.
قَوْلُهُ: (فَمَاتَ السَّهْمِيُّ بِأَرْضٍ لَيْسَ بِهَا مُسْلِمٌ) فِي رِوَايَةِ الْكَلْبِيِّ، فَمَرِضَ السَّهْمِيُّ فَأَوْصَى إِلَيْهِمَا، وَأَمَرَهُمَا أَنْ يُبَلِّغَا مَا تَرَكَ أَهْلَهُ، قَالَ تَمِيمٌ: فَلَمَّا مَاتَ أَخَذْنَا مِنْ تَرِكَتِهِ جَامًا وَهُوَ أَعْظَمُ تِجَارَتِهِ فَبِعْنَاهُ بِأَلِفِ دِرْهَمٍ فَاقْتَسَمْتُهَا أَنَا وَعَدِيٌّ.
قَوْلُهُ: (فَلَمَّا قَدِمَا بِتَرِكَتِهِ فَقَدُوا جَامًا) فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ السَّهْمِيَّ الْمَذْكُورَ مَرِضَ، فَكَتَبَ وَصِيَّتَهُ بِيَدِهِ ثُمَّ دَسَّهَا فِي مَتَاعِهِ ثُمَّ أَوْصَى إِلَيْهِمَا، فَلَمَّا مَاتَ فَتَحَا مَتَاعَهُ ثُمَّ قَدِمَا عَلَى أَهْلِهِ فَدَفَعَا إِلَيْهِمْ مَا أَرَادَا، فَفَتَحَ أَهْلُهُ مَتَاعَهُ فَوَجَدُوا الْوَصِيَّةَ وَفَقَدُوا أَشْيَاءَ فَسَأَلُوهُمَا عَنْهَا فَجَحَدَا، فَرَفَعُوهُمَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَحْلِفُوهُمَا.
قَوْلُهُ: (جَامًا) بِالْجِيمِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ أَيْ إِنَاءً.
قَوْلُهُ: (مُخَوَّصًا) بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ وَوَاوٍ ثَقِيلَةٍ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ، أَيْ مَنْقُوشًا فِيهِ صِفَةُ الْخُوصِ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ أَبِي دَاوُدَ مُخَوَّضًا بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ مُمَوَّهًا وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ إِنَاءٌ مِنْ فِضَّةٍ مَنْقُوشٌ بِذَهَبٍ وَزَادَ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّ تَمِيمًا، وَعَدِيًّا لَمَّا سُئِلَا عَنْهُ قَالَا اشْتَرَيْنَاهُ مِنْهُ، فَارْتَفَعُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَنَزَلَتْ: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ تَمِيمٍ: فَلَمَّا أَسْلَمْتُ تَأَثَّمْتُ، فَأَتَيْتُ أَهْلَهُ فَأَخْبَرْتُهُمُ الْخَبَرَ وَأَدَّيْتُ إِلَيْهِمْ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ وَأَخْبَرْتُهُمْ أَنَّ عِنْدَ صَاحِبِي مِثْلَهَا.
قَوْلُهُ: (فَقَامَ رَجُلَانِ مِنْ أَوْلِيَاءِ السَّهْمِيِّ) أَيِ الْمَيِّتِ، وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكَلْبِيِّ فَقَامَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَرَجُلٌ آخَرُ مِنْهُمْ، وَسَمَّى مُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ فِي تَفْسِيرٍ الْآخَرَ الْمُطَّلِبَ بْنَ أَبِي وَدَاعَةَ وَهُوَ سَهْمِيٌّ أَيْضًا، لَكِنَّهُ سَمَّى الْأَوَّلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَكَذَا جَزَمَ بِهِ يَحْيَى بْنُ سَلَّامٍ فِي تَفْسِيرِهِ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ أَظْهَرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِجَوَازِ رَدِّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي فَيَحْلِفُ وَيَسْتَحِقُّ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ سُرَيْجٍ الشَّافِعِيُّ الْمَشْهُورُ لِلْحُكْمِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، وَتَكَلَّفَ فِي انْتِزَاعِهِ فَقَالَ: إِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يُقِرَّا أَوْ يَشْهَدَ عَلَيْهِمَا شَاهِدَانِ، أَوْ شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ، أَوْ شَاهِدٌ وَاحِدٌ، قَالَ: وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْإِقْرَارَ بَعْدَ الْإِنْكَارِ
لَا يُوجِبُ يَمِينًا عَلَى الطَّالِبِ، وَكَذَلِكَ مَعَ الشَّاهِدَيْنِ، وَمَعَ الشَّاهِدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا شَاهِدٌ وَاحِدٌ، فَلِذَلِكَ اسْتَحَقَّ الطَّالِبَانِ يَمِينَهُمَا مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ.
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مُتَعَقَّبٌ بِأَنَّ الْقِصَّةَ وَرَدَتْ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ فِي سَبَبِ النُّزُولِ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا أَنَّهُ كَانَ هُنَاكَ مَنْ يَشْهَدُ، بَلْ فِي رِوَايَةِ الْكَلْبِيِّ فَسَأَلَهُمُ الْبَيِّنَةَ فَلَمْ يَجِدُوا، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَحْلِفُوهُ - أَيْ عَدِيًّا - بِمَا يَعْظُمُ عَلَى أَهْلِ دِينِهِ. وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ شَهَادَةِ الْكُفَّارِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْغَيْرِ الْكُفَّارُ، وَالْمَعْنَى: مِنْكُمْ أَيْ: مِنْ أَهْلِ دِينِكُمْ.
﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ أَيْ: مِنْ غَيْرِ أَهْلِ دِينِكُمْ، وَبِذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا يَقُولُ بِظَاهِرِهَا، فَلَا يُجِيزُ شَهَادَةَ الْكُفَّارِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا يُجِيزُ شَهَادَةَ بَعْضِ الْكُفَّارِ عَلَى بَعْضٍ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ بِمَنْطُوقِهَا عَلَى قَبُولِ شَهَادَةِ الْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ، وَبِإِيمَائِهَا عَلَى قَبُولِ شَهَادَةِ الْكَافِرِ عَلَى الْكَافِرِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، ثُمَّ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ شَهَادَةَ الْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، فَبَقِيَتْ شَهَادَةُ الْكَافِرِ عَلَى الْكَافِرِ عَلَى حَالِهَا، وَخَصَّ جَمَاعَةٌ الْقَبُولَ بِأَهْلِ الْكِتَابِ وَبِالْوَصِيَّةِ وَبِفَقْدِ الْمُسْلِمِ حِينَئِذٍ، مِنْهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَشُرَيْحٌ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَحْمَدُ، وَهَؤُلَاءِ أَخَذُوا بِظَاهِرِ الْآيَةِ، وَقَوَّى ذَلِكَ عِنْدَهُمْ حَدِيثُ الْبَابِ؛ فَإِنَّ سِيَاقَهُ مُطَابِقٌ لِظَاهِرِ الْآيَةِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْغَيْرِ الْعَشِيرَةُ، وَالْمَعْنَى: مِنْكُمْ أَوْ مِنْ عَشِيرَتِكُمْ، أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِ عَشِيرَتِكُمْ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَاحْتَجَّ لَهُ النَّحَّاسُ بِأَنَّ لَفْظَ آخَرَ لَا بُدَّ أَنْ يُشَارِكَ الَّذِي قَبْلَهُ فِي الصِّفَةِ حَتَّى لَا يَسُوغَ أَنْ تَقُولَ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ كَرِيمٍ وَلَئِيمٍ آخَرَ، فَعَلَى هَذَا فَقَدْ وُصِفَ الِاثْنَانِ بِالْعَدَالَةِ، فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ الْآخَرَانِ كَذَلِكَ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ هَذَا وَإِنْ سَاغَ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ لَكِنَّ الْحَدِيثَ دَلَّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَالصَّحَابِيُّ إِذَا حَكَى سَبَبَ النُّزُولِ كَانَ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ اتِّفَاقًا، وَأَيْضًا فَفِي مَا قَالَ رَدُّ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ
بِالْمُخْتَلَفِ فِيهِ لِأَنَّ اتِّصَافَ الْكَافِرِ بِالْعَدَالَةِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَهُوَ فَرْعُ قَبُولِ شَهَادَتِهِ فَمَنْ قَبِلَهَا وَصَفَهُ بِهَا وَمَنْ لَا فَلَا، وَاعْتَرَضَ أَبُو حِبَّانَ عَلَى الْمِثَالِ الَّذِي ذَكَرَهُ النَّحَّاسُ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُطَابِقٍ، فَلَوْ قُلْتَ: جَاءَنِي رَجُلٌ مُسْلِمٌ وَآخَرُ كَافِرٌ، صَحَّ بِخِلَافِ مَا لَوْ قُلْتَ: جَاءَنِي رَجُلٌ مُسْلِمٌ وَكَافِرٌ آخَرُ، وَالْآيَةُ مِنْ قَبِيلِ الْأَوَّلِ لَا الثَّانِي؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: أَوْ آخَرَانِ مِنْ جِنْسِ قَوْلِهِ اثْنَانِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا صِفَةُ (رَجُلَانِ) فَكَأَنَّهُ قَالَ: فَرَجُلَانِ اثْنَانِ وَرَجُلَانِ آخَرَانِ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ، وَأَنَّ نَاسِخَهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ وَاحْتَجُّوا بِالْإِجْمَاعِ عَلَى رَدِّ شَهَادَةِ الْفَاسِقِ، وَالْكَافِرُ شَرٌّ مِنَ الْفَاسِقِ. وَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ بِأَنَّ النَّسْخَ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ، وَأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ أَوْلَى مِنْ إِلْغَاءِ أَحَدِهِمَا، وَبِأَنَّ سُورَةَ الْمَائِدَةِ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ حَتَّى صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ، وَعَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ وَجَمْعٍ مِنَ السَّلَفِ أَنَّ سُورَةَ الْمَائِدَةِ مُحْكَمَةٌ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيمَنْ مَاتَ مُسَافِرًا وَلَيْسَ عِنْدَهُ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنِ اتُّهِمَا اسْتُحْلِفَا.
أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَأَنْكَرَ أَحْمَدُ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ، وَصَحَّ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ: أَنَّهُ عَمِلَ بِذَلِكَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَرَوَى أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: حَضَرَتْ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْوَفَاةُ بِدُقُوقَا وَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَشْهَدَ رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَقَدِمَا الْكُوفَةَ بِتَرِكَتِهِ وَوَصِيَّتِهِ فَأَخْبَرَ الْأَشْعَرِيَّ فَقَالَ: هَذَا لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الَّذِي كَانَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَحْلَفَهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ مَا خَانَا وَلَا كَذَبَا وَلَا كَتَمَا وَلَ بَدَّلَا وَأَمْضَى شَهَادَتَهُمَا، وَرَجَّحَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ وَسَبَقَهُ الطَّبَرِيُّ لِذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خِطَابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَلَمَّا قَالَ: ﴿أَوْ آخَرَانِ﴾ وَصَحَّ أَنَّهُ أَرَادَ غَيْرَ الْمُخَاطَبِينَ فَتَعَيَّنَ أَنَّهُمَا مِنْ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَيْضًا فَجَوَازُ اسْتِشْهَادِ الْمُسْلِمِ لَيْسَ مَشْرُوطًا بِالسَّفَرِ وَأَنَّ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
لا إثم (عَلَى مَنْ وَلِيَهُ) من ناظرٍ ومتحدثٍ (أَنْ يَأْكُلَ) أي: منه (١) بالمعروف، قال البخاريُّ: (وَقَدْ يَلِيهِ) أي: الوقف (الوَاقِفُ وَغَيْرُهُ، فَهْوَ وَاسِعٌ لِكُلٍّ) من الواقف وغيره. وقد استدلَّ المؤلِّف بما ذكره: على جواز اشتراط الواقف لنفسه منفعةً مِنْ وقفه، وهو مقيَّد بما إذا كانت المنفعة عامَّةً؛ كالصَّلاة في بقعةٍ جعلها مسجدًا، والشُّرب من بئرٍ وقفها، وكذا كتابٌ وقفه على المسلمين للقراءة فيه ونحوها، وقِدْرٌ للطَّبخ فيها وكيزانٌ للشُّرب، ونحو ذلك، والفرق بين العامَّة والخاصَّة: أنَّ العامَّة عادت إلى ما كانت عليه من الإباحة بخلاف الخاصَّة.
(٣٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا قَالَ الوَاقِفُ: لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللهِ فَهْوَ جَائِزٌ).
٢٧٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ العنبريُّ مولاهم التَّنوريُّ (عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ) يزيد بن حُمَيد الضُّبَعيِّ (عَنْ أَنَسٍ ﵁) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ) لمَّا أراد بناء مسجده: (يَا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي) بالمثلَّثة، أي: ساوموني (بِحَائِطِكُمْ) ببستانكم (قَالُوا: لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللهِ) ﷿، أي: منه، ولا يصير الملك وقفًا بقول مالكه: لا أطلب (٢) ثمنه إلَّا إلى الله، لكنْ أجاب ابن المُنَيِّر: بأنَّ مراد البخاريِّ: أنَّ الوقف يصحُّ بأيِّ لفظٍ دلَّ عليه، إمَّا بمجرَّده أو بقرينةٍ. انتهى. وألفاظ الوقف صريحةٌ؛ كوقفت كذا (٣)، وحبَّست، وسبَّلت، أو أرضي موقوفة، أو محبَّسة، أو مسبَّلة، وكنايةٌ، كحرَّمت هذه البقعة للمساكين، أو أبَّدتها، أو داري محرَّمةٌ أو مؤبَّدةٌ، ولو قال: تصدَّقت به على المساكين ونوى الوقف؛ فوجهان، أصحهما أنَّ النِّيَّة تلتحق باللَّفظ، ويصير وقفًا، وإن أضاف إلى معيَّن، فقال: تصدَّقت عليك، أو قاله (٤) لجماعةٍ معيَّنين، لم يكن وقفًا على الصَّحيح، بل ينفذ فيما
هو صريحٌ فيه، وهو التَّمليك المحض، ولو قال: جعلت هذا المكان مسجدًا، صار مسجدًا على الأصحِّ، لإشعاره بالمقصود واشتهاره فيه.
(٣٥) (بابُ) بيان سبب نزول (قَولِ اللهِ تَعَالَى) ولأبي ذرٍّ: «﷿»: (﴿يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾) أي: شهادة اثنين، فحُذِف المضاف، وأُقيمَ المضاف إليه مُقامه، والتَّقدير: فيما أُمِرتُم شهادةُ بينكم، والمراد بالشهادة: الإشهاد، وأضافها (١) إلى الظَّرف على الاتِّساع (﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾) ﴿أَحَدَكُمُ﴾: نصبٌ على المفعوليَّة، و ﴿إِذَا حَضَرَ﴾: ظرفٌ لـ «الشَّهادة» وحضور الموت: مشارفته، وظهور أمارات بلوغ الأجل (﴿حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾) بدلٌ مِن ﴿إِذَا حَضَرَ﴾ قال في «الكشَّاف»: وفي إبداله منه دليلٌ على وجوب الوصيَّة، وأنَّها من الأمور اللَّازمة الَّتي ما ينبغي أن يتهاون بها المسلم ويذهل عنها، وخبر المبتدأ الَّذي هو ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ قوله: (﴿اثْنَانِ﴾) وجوَّز
الزمخشري: أن يكون ﴿اثْنَانِ﴾ فاعل ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ على معنى (١): فيما فُرِض عليكم أن يشهد اثنان (﴿ذَوَا عَدْلٍ﴾) أي: أمانةٍ وعقلٍ (﴿مِّنكُمْ﴾) من المسلمين أو من أقاربكم (﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾) من غير المسلمين، يعني: أهل الكتاب عند فقد المسلمين؛ أو من غير أقاربكم (﴿إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾) أي: سافرتم فيها (﴿فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾) أي: قاربتموه (٢) وهذان شرطان (٣) لجواز استشهاد الذِّميِّين عند فقد المسلمين أن يكون ذلك في سفرٍ وأن يكون في وصيَّةٍ، وهذا مرويٌّ عن الإمام أحمد، وهو من أفراده، وخالفه الأئمَّة الثَّلاثة في ذلك، وأنَّ هذه الآية منسوخةٌ بقوله تعالى: ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقد أجمعوا على ردِّ شهادة الفاسق، والكافرُ شرٌّ من الفاسق، نعم، جوَّز أبو حنيفة شهادة الكفَّار بعضِهم على بعضٍ (﴿تَحْبِسُونَهُمَا﴾) تمسكونهما لليمين، ليحلفا (﴿مِن بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾) صلاة العصر أو صلاة أهل دينهما (﴿فَيُقْسِمَانِ﴾) فيحلفان (﴿بِاللّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾) أي: ظهرت لكم ريبةٌ من اللَّذين ليسا من أهل ملَّتكم أنَّهما خانا، فيحلفان حينئذٍ (٤) بالله (﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ﴾) بالقسم (﴿ثَمَنًا﴾) لا نعتاض عنه بعوضٍ قليلٍ من الدُّنيا الفانية الزَّائلة (﴿وَلَوْ كَانَ﴾) المشهود عليه (﴿ذَا قُرْبَى﴾) أي: قريبًا إلينا، وجوابه محذوفٌ، أي: ﴿لَا نَشْتَرِي﴾ (﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللّهِ﴾) أي: الشَّهادة الَّتي أمر الله بإقامتها (﴿إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الآثِمِينَ﴾) إن كتمناها (﴿فَإِنْ عُثِرَ﴾) فإن اطُّلِع (﴿عَلَى أَنَّهُمَا﴾) أي: الشَّاهدين (﴿اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾) أي: استوجباه بالخيانة والحنث في اليمين (﴿فَآخَرَانِ﴾) فشاهدان آخران من قرابة الميت (﴿يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾) الإثم، أي: فيهم ولأجلهم، وهم ورثة الميِّت، استحقَّ الحالفان بسببهم الإثم، فـ «على» بمعنى: «في» كقوله: ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] أي: في ملك سليمان (﴿الأَوْلَيَانِ﴾) بالرَّفع خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، أي: هما الأوليان، كأنَّه قيل: ومَن هما (٥)؟ فقيل: هما الأوليان. وقيل: بدلٌ من الضَّمير في ﴿يِقُومَانُ﴾ أو من ﴿آخَرَانِ﴾ أي: الأحقَّان بالشَّهادة لقرابتهما ومعرفتهما من
الأجانب (﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا﴾) أي: أصدق منهما وأولى بأن تُقبَل (﴿وَمَا اعْتَدَيْنَا﴾) فيما قلنا فيهما من الخيانة (﴿إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾) إن كنَّا قد كذَّبنا عليهما. ومعنى الآيتين -كما قاله القاضي-: أنَّ المحتَضِر إذا أراد الوصيَّة ينبغي أن يُشْهِد عدلين من ذوي نسبه أو دينه على وصيَّته، أو يوصي إليهما احتياطًا، فإن لم يجدهما بأن كان في سفر فآخران من غيرهم، ثمَّ إن وقع نزاعٌ وارتيابٌ، أقسما على صدق ما يقولان بالتَّغليظ في الوقت، فإن اطُّلِعَ على أنَّهما كذبا بأمارةٍ ومظنَّةٍ، حلف آخران من أولياء الميِّت، والحكم منسوخٌ إن كان الاثنان شاهدين، فإنَّه لا يحلف الشَّاهد ولا يعارِض يمينه بيمين الوارث، وثابتٌ إن كانا وصيَّين ورُدَّ اليمين إلى الورثة إمَّا لظهور خيانة الوصيين، فإنَّ تصديق الوصيِّ باليمين لأمانته أو لتغيير الدَّعوى (﴿ذَلِكَ﴾) الَّذي تقدَّم من بيان الحكم (﴿أَدْنَى﴾) أقرب (﴿أَن يَأْتُواْ﴾) أي: الشُّهداء على نحو تلك الحادثة (﴿بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾) من غير تحريفٍ ولا خيانةٍ فيها (﴿أَوْ يَخَافُواْ أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾) أي: أقرب إلى أن يخافوا ردَّ اليمين بعد يمينهم على المدَّعين، فيحلفون على خيانتهم وكذبهم، فيفتضحون ويُغرَّمون (١)، وإنَّما جمع الضَّمير (٢)؛ لأنَّه حكمٌ يعمُّ الشُّهود كلَّهم (﴿وَاتَّقُوا اللّهَ﴾) أن تحلفوا كاذبين أو تخونوا (﴿وَاسْمَعُواْ﴾) الموعظة (﴿وَاللّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ١٠٦ - ١٠٨]) أي: لا يرشد من كان على معصيةٍ، وساق في رواية أبي ذرٍّ من قوله: «﴿يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾» ثمَّ قال: «إلى قوله: ﴿وَاللّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾». وقال المؤلِّف: (﴿الأَوْلَيَانِ﴾: واحدهما أَوْلَى، ومنه: أولى به) أي: أحقُّ به، وقوله: (﴿عُثِرَ﴾) أي: (أُظهِر) قاله أبو عبيدة في «المجاز» (﴿أَعْثَرْنَا﴾ [الكهف: ٢١]) أي: (أظهرنا) قاله الفرَّاء، وهذا كلُّه ثابتٌ في رواية الكُشْمِيهَنِيِّ فقط.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَقَدِ ادَّعَى الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي أَحَادِيثِ الْبَابِ شَيْءٌ يُوَافِقُ مَا تَرْجَمَ بِهِ إِلَّا أَثَرَ أَنَسٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ فَإِنَّ جَمِيعَ مَا ذَكَرَهُ مُطَابِقٌ لَهَا، فَأَمَّا قِصَّةُ أَنَسٍ فَظَاهِرَةٌ فِي التَّرْجَمَةِ، وَأَمَّا قِصَّةُ الزُّبَيْرِ فَمِنْ جِهَةِ أَنَّ الْبِنْتَ رُبَّمَا كَانَتْ بِكْرًا فَطُلِّقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ فَتَكُونُ مُؤْنَتُهَا عَلَى أَبِيهَا، فَيَلْزَمُهُ إِسْكَانُهَا، فَإِذَا أَسْكَنَهَا فِي وَقْفِهِ فَكَأَنَّهُ اشْتَرَطَ عَلَى نَفْسِهِ رَفْعَ كَلَفِهِ. وَأَمَّا قِصَّةُ ابْنِ عُمَرَ فَتُخَرَّجُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ الْآلَ يَدْخُلُ فِيهِمُ الْأَوْلَادُ كِبَارُهُمْ وَصِغَارُهُمْ. وَأَمَّا قِصَّةُ عُثْمَانَ فَأَشَارَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ فِيمَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ ثُمَامَةَ بْنِ حَزْنٍ، قَالَ: شَهِدْتُ الدَّارَ حِينَ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ عُثْمَانُ فَقَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ وَبِالْإِسْلَامِ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَلَيْسَ فِيهَا مَاءٌ يُسْتَعْذَبُ غَيْرَ بِئْرِ رُومَةَ فَقَالَ: مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ يَجْعَلُ دَلْوَهُ مَعَ دِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ بِخَيْرٍ لَهُ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ؟ فَاشْتَرَيْتُهَا مِنْ صُلْبِ مَالِي … الْحَدِيثَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الشُّرْبِ. وَأَمَّا قِصَّةُ عُمَرَ فَقَدْ تَرْجَمَ لَهَا بِخُصُوصِهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُ ذَلِكَ قَبْلَ أَبْوَابٍ.
٣٤ - بَاب إِذَا قَالَ الْوَاقِفُ: لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ فَهُوَ جَائِزٌ
٢٧٧٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: يَا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ، قَالُوا: لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا قَالَ الْوَاقِفُ: لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَنَسٍ فِي قَوْلِ بَنِي النَّجَّارِ، لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ، أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا جِدًّا، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِسَنَدِهِ وَزِيَادَةٍ فِي مَتْنِهِ قَبْلَ خَمْسَةِ أَبْوَابٍ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: الْمَعْنَى أَنَّهُمْ لَمْ يَبِيعُوهُ ثُمَّ جَعَلُوهُ مَسْجِدًا، إِلَّا أَنَّ قَوْلَ الْمَالِكِ: لَا أَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ لَا يُصَيِّرُهُ وَقْفًا، وَقَدْ يَقُولُ الرَّجُلُ هَذَا لِعَبْدٍ فَلَا يَصِيرُه وَقْفًا، وَيَقُولُهُ لِلْمُدَبَّرِ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: مُرَادُ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الْوَقْفَ يَصِحُّ بِأَيِّ لَفْظٍ دَلَّ عَلَيْهِ إِمَّا بِمُجَرَّدِهِ، وَإِمَّا بِقَرِينَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، كَذَا قَالَ، وَفِي الْجَزْمِ بِأَنَّ هَذَا مُرَادَهُ نَظَرٌ، بَلْ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ وَقْفًا.
٣٥ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الآثِمِينَ * فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ * ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾، ﴿الأَوْلَيَانِ﴾: وَاحِدُهُمَا أَوْلَى، وَمِنْهُ: أَوْلَى بِهِ. ﴿عُثِرَ﴾ ظُهِرَ. ﴿أَعْثَرْنَا﴾: أَظْهَرْنَا
٢٧٨٠ - وَقَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ:، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَهْمٍ مَعَ تَمِيمٍ
الدَّارِيِّ، وَعَدِيِّ بْنِ بَدَّاءٍ، فَمَاتَ السَّهْمِيُّ بِأَرْضٍ لَيْسَ بِهَا مُسْلِمٌ، فَلَمَّا قَدِمَا بِتَرِكَتِهِ فَقَدُوا جَامًا مِنْ فِضَّةٍ مُخَوَّصًا مِنْ ذَهَبٍ، فَأَحْلَفَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ وُجِدَ الْجَامُ بِمَكَّةَ، فَقَالُوا: ابْتَعْنَاهُ مِنْ تَمِيمٍ، وَعَدِيٍّ، فَقَامَ رَجُلَانِ مِنْ أَوْلِيَاءِ السَّهْمِيِّ فَحَلَفَا: ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾، وَإِنَّ الْجَامَ لِصَاحِبِهِمْ، قَالَ: وَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ الْآيَاتِ الثَّلَاثَ، قَالَ الزَّجَّاجُ فِي الْمَعَانِي: هَذِهِ الْآيَاتُ الثَّلَاثُ مِنْ أَشْكَلِ مَا فِي الْقُرْآنِ إِعْرَابًا وَحُكْمًا وَمَعْنًى.
قَوْلُهُ: ﴿الأَوْلَيَانِ﴾ وَاحَدُهُمَا أَوْلَى، وَمِنْهُ أَوْلَى بِهِ) أَيْ: أَحَقُّ بِهِ، وَوَقَعَ هَذَا فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، لِأَبِي ذَرٍّ وَحْدَهُ، وَكَذَا الَّذِي بَعْدَهُ، وَالْمَعْنَى وَآخَرَانِ أَيْ شَاهِدَانِ آخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَ الشَّاهِدَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ: أَيْ مِنَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمْ، وَهُمْ أَهْلُ الْمَيِّتِ وَعَشِيرَتُهُ، وَالْأَوْلَيَانِ أَيِ الْأَحَقَّانِ بِالشَّهَادَةِ لِقَرَابَتِهِمَا وَمَعْرِفَتِهِمَا، وَارْتَفَعَ الْأَوْلَيَانِ بِتَقْدِيرِ هُمَا، كَأَنَّهُ قِيلَ: مَنِ الشَّاهِدَانِ؟ فَأُجِيبَ الْأَوْلَيَانِ، أَوْ هُمَا بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي يَقُومَانِ أَوْ مِنْ آخَرَانِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَرْتَفِعَا بِاسْتَحَقَّ أَيْ مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ انْتِدَابُ الْأَوْلَيَيْنِ مِنْهُمْ لِلشَّهَادَةِ لِاطِّلَاعِهِمْ عَلَى حَقِيقَةِ الْحَالِ، وَلِهَذَا قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ: هَذَا الْمَوْضِعُ مِنْ أَصْعَبِ مَا فِي الْقُرْآنِ إِعْرَابًا، قَالَ الشِّهَابُ السَّمِينُ: وَلَقَدْ صَدَقَ وَاللَّهِ فِيمَا قَالَ. ثُمَّ بَسَطَ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ وَخَتَمَهُ بِأَنْ قَالَ: وَقَدْ جَمَعَ الزَّمَخْشَرِيُّ مَا قُلْتُهُ بِأَوْجَزِ عِبَارَةٍ فَقَالَ - فَذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ - فَلِذَلِكَ اقْتَصَرْتُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: ﴿عُثِرَ﴾ ظَهَرَ، أَعَثَرْنَا: أَظْهَرْنَا) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي الْمَجَازِ قَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ أَيْ: فَإِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ إِنِ اطُّلِعَ مِنْهُمَا عَلَى خِيَانَةٍ، وَأَمَّا تَفْسِيرُ أَعَثَرْنَا فَقَالَ الْفَرَّاءُ: قَوْلُهُ ﴿أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ أَيْ أَظْهَرْنَا وَاطَّلَعْنَا، قَالَ: وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ عُثِرَ﴾ أَيِ اطُّلِعَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) أَيِ ابْنِ الْمَدِينِيِّ، كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَالْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ: وَقَالَ عَلِيٌّ بِحَذْفِ الْمُحَاوَرَةِ، وَكَذَا جَزَمَ بِهِ أَبُو نُعَيْمٍ، لَكِنْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّارِيخِ فَقَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ ابْنُ الْمَدِينِيِّ وَهَذَا مِمَّا يُقَوِّي مَا قَرَّرْتُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنْ أَنَّهُ يُعَبِّرُ بِقَوْلِهِ: وَقَالَ لِي فِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي سَمِعَهَا، لَكِنْ حَيْثُ يَكُونُ فِي إِسْنَادِهَا عِنْدَهُ نَظَرٌ أَوْ حَيْثُ تَكُونُ مَوْقُوفَةً، وَأَمَّا مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُعَبِّرُ بِهَا فِيمَا أَخَذَهُ فِي الْمُذَاكَرَةِ أَوْ بِالْمُنَاوَلَةِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ.
قَوْلُهُ: (ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ) هُوَ يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ يُقَالُ لَهُ: الطَّوِيلُ، وَلَا يُعْرَفُ اسْمُ أَبِيهِ، وَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَأَبُو حَاتِمٍ وَتَوَقَّفَ فِيهِ الْبُخَارِيُّ مَعَ كَوْنِهِ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ هَذَا هُنَا، فَرَوَى النَّسَفِيُّ، عَنِ الْبُخَارِيِّ قَالَ: لَا أَعْرِفُ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي الْقَاسِمِ هَذَا كَمَا يَنْبَغِي. وَفِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ: كَمَا أَشْتَهِي. وَقَدْ رَوَى عَنْهُ أَيْضًا أَبُو أُسَامَةَ: وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ الْمَدِينِيِّ - اسْتَحْسَنَهُ. وَزَادَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ أَنَّ الْفَرَبْرِيَّ قَالَ: قُلْتُ لِلْبُخَارِيِّ رَوَاهُ غَيْرُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ؟ قَالَ: لَا. وَقَدْ رَوَى عَنْهُ أَبُو أُسَامَةَ أَيْضًا لَكِنَّهُ لَيْسَ بِمَشْهُورٍ، وَرَوَى عُمَرُ الْبُجَيْرِيُّ - بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْجِيمِ مُصَغَّرًا - عَنِ الْبُخَارِيِّ نَحْوَ هَذَا وَزَادَ: قِيلَ لَهُ رَوَاهُ - يَعْنِي هَذَا الْحَدِيثَ - غَيْرُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ؟ فَقَالَ: لَا، وَهُوَ غَيْرُ مَشْهُورٍ. قُلْتُ: وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ وَلَا لِشَيْخِهِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ، وَرِجَالُ الْإِسْنَادِ مَا بَيْنَ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ كُوفِيُّونَ.
قَوْلُهُ: (خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَهْمٍ) هُوَ بُزَيْلٌ بِمُوَحَّدَةٍ وَزَايٍ
مُصَغَّرٌ، وَكَذَا ضَبَطَهُ ابْنُ مَاكُولَا، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ تَمِيمٍ نَفْسِهِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، وَالطَّبَرِيِّ بُدَيْلٌ بِدَالٍ بَدَلَ الزَّايِ، وَرَأَيْتُهُ فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ مِنْ تَفْسِيرِ الطَّبَرِيِّ بُرَيْلٌ بِرَاءٍ بِغَيْرِ نُقْطَةٍ، وَلِابْنِ مَنْدَهْ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ، عَنِ الْكَلْبِيِّ بُدَيْلُ بْنُ أَبِي مَارِيَةَ، وَمِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ وَغَيْرِهِ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ مُرْسَلًا لَكِنَّهُ لَمْ يُسَمِّهِ، وَوَهَمَ مَنْ قَالَ فِيهِ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ فَإِنَّهُ خُزَاعِيٌّ وَهَذَا سَهْمِيٌّ، وَكَذَا وَهَمَ مَنْ ضَبَطَهُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا، وَكَذَا أَخْرَجَهُ بِسَنَدِهِ فِي تَفْسِيرِهِ.
قَوْلُهُ: (مَعَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ) أَيِ الصَّحَابِيِّ الْمَشْهُورِ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ تَمِيمٌ كَمَا سَيَأْتِي، وَعَلَى هَذَا فَهُوَ مِنْ مُرْسَلِ الصَّحَابِيِّ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمْ يَحْضُرْ هَذِهِ الْقِصَّةَ، وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ أَنَّهُ رَوَاهَا عَنْ تَمِيمٍ نَفْسِهِ، بَيَّنَ ذَلِكَ الْكَلْبِيُّ فِي رِوَايَتِهِ الْمَذْكُورَةِ فَقَالَ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ قَالَ: بَرِئَ النَّاسُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ غَيْرِي وَغَيْرَ عَدِيِّ بْنِ بَدَّاءٍ. وَكَانَا نَصْرَانِيَّيْنِ يَخْتَلِفَانِ إِلَى الشَّامِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، فَأَتَيَا الشَّامَ فِي تِجَارَتِهِمَا، وَقَدِمَ عَلَيْهِمَا مَوْلًى لِبَنِي سَهْمٍ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْقِصَّةُ وَقَعَتْ قَبْلَ الْإِسْلَامِ ثُمَّ تَأَخَّرَتِ الْمُحَاكَمَةُ حَتَّى أَسْلَمُوا كُلُّهُمْ، فَإِنَّ فِي الْقِصَّةِ مَا يُشْعِرُ بِأَنَّ الْجَمِيعَ تَحَاكَمُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَلَعَلَّهَا كَانَتْ بِمَكَّةَ سَنَةَ الْفَتْحِ.
قَوْلُهُ: (وَعَدِيِّ بْنِ بَدَّاءٍ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَةِ مَعَ الْمَدِّ، لَمْ تَخْتَلِفِ الرِّوَايَاتُ فِي ذَلِكَ إِلَّا مَا رَأَيْتُهُ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ لِلْكَرَابِيسِيِّ؛ فَإِنَّهُ سَمَّاهُ الْبَدَّاءَ بْنَ عَاصِمٍ، وَأَخْرَجَهُ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْوَاقِدِيِّ أَنَّ عَدِيَّ بْنَ بَدَّاءٍ كَانَ أَخَا تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، فَإِنْ ثَبَتَ فَلَعَلَّهُ أَخُوهُ لِأُمِّهِ أَوْ مِنَ الرَّضَاعَةِ، لَكِنْ فِي تَفْسِيرِ مُقَاتِلِ بْنِ حِبَّانَ أَنَّ رَجُلَيْنِ نَصْرَانِيَّيْنِ مِنْ أَهْلِ دَارِينِ أَحَدُهُمَا تَمِيمٌ وَالْآخَرُ يَمَانِيٌّ.
قَوْلُهُ: (فَمَاتَ السَّهْمِيُّ بِأَرْضٍ لَيْسَ بِهَا مُسْلِمٌ) فِي رِوَايَةِ الْكَلْبِيِّ، فَمَرِضَ السَّهْمِيُّ فَأَوْصَى إِلَيْهِمَا، وَأَمَرَهُمَا أَنْ يُبَلِّغَا مَا تَرَكَ أَهْلَهُ، قَالَ تَمِيمٌ: فَلَمَّا مَاتَ أَخَذْنَا مِنْ تَرِكَتِهِ جَامًا وَهُوَ أَعْظَمُ تِجَارَتِهِ فَبِعْنَاهُ بِأَلِفِ دِرْهَمٍ فَاقْتَسَمْتُهَا أَنَا وَعَدِيٌّ.
قَوْلُهُ: (فَلَمَّا قَدِمَا بِتَرِكَتِهِ فَقَدُوا جَامًا) فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ السَّهْمِيَّ الْمَذْكُورَ مَرِضَ، فَكَتَبَ وَصِيَّتَهُ بِيَدِهِ ثُمَّ دَسَّهَا فِي مَتَاعِهِ ثُمَّ أَوْصَى إِلَيْهِمَا، فَلَمَّا مَاتَ فَتَحَا مَتَاعَهُ ثُمَّ قَدِمَا عَلَى أَهْلِهِ فَدَفَعَا إِلَيْهِمْ مَا أَرَادَا، فَفَتَحَ أَهْلُهُ مَتَاعَهُ فَوَجَدُوا الْوَصِيَّةَ وَفَقَدُوا أَشْيَاءَ فَسَأَلُوهُمَا عَنْهَا فَجَحَدَا، فَرَفَعُوهُمَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَحْلِفُوهُمَا.
قَوْلُهُ: (جَامًا) بِالْجِيمِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ أَيْ إِنَاءً.
قَوْلُهُ: (مُخَوَّصًا) بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ وَوَاوٍ ثَقِيلَةٍ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ، أَيْ مَنْقُوشًا فِيهِ صِفَةُ الْخُوصِ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ أَبِي دَاوُدَ مُخَوَّضًا بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ مُمَوَّهًا وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ إِنَاءٌ مِنْ فِضَّةٍ مَنْقُوشٌ بِذَهَبٍ وَزَادَ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّ تَمِيمًا، وَعَدِيًّا لَمَّا سُئِلَا عَنْهُ قَالَا اشْتَرَيْنَاهُ مِنْهُ، فَارْتَفَعُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَنَزَلَتْ: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ تَمِيمٍ: فَلَمَّا أَسْلَمْتُ تَأَثَّمْتُ، فَأَتَيْتُ أَهْلَهُ فَأَخْبَرْتُهُمُ الْخَبَرَ وَأَدَّيْتُ إِلَيْهِمْ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ وَأَخْبَرْتُهُمْ أَنَّ عِنْدَ صَاحِبِي مِثْلَهَا.
قَوْلُهُ: (فَقَامَ رَجُلَانِ مِنْ أَوْلِيَاءِ السَّهْمِيِّ) أَيِ الْمَيِّتِ، وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكَلْبِيِّ فَقَامَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَرَجُلٌ آخَرُ مِنْهُمْ، وَسَمَّى مُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ فِي تَفْسِيرٍ الْآخَرَ الْمُطَّلِبَ بْنَ أَبِي وَدَاعَةَ وَهُوَ سَهْمِيٌّ أَيْضًا، لَكِنَّهُ سَمَّى الْأَوَّلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَكَذَا جَزَمَ بِهِ يَحْيَى بْنُ سَلَّامٍ فِي تَفْسِيرِهِ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ أَظْهَرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِجَوَازِ رَدِّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي فَيَحْلِفُ وَيَسْتَحِقُّ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ سُرَيْجٍ الشَّافِعِيُّ الْمَشْهُورُ لِلْحُكْمِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، وَتَكَلَّفَ فِي انْتِزَاعِهِ فَقَالَ: إِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يُقِرَّا أَوْ يَشْهَدَ عَلَيْهِمَا شَاهِدَانِ، أَوْ شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ، أَوْ شَاهِدٌ وَاحِدٌ، قَالَ: وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْإِقْرَارَ بَعْدَ الْإِنْكَارِ
لَا يُوجِبُ يَمِينًا عَلَى الطَّالِبِ، وَكَذَلِكَ مَعَ الشَّاهِدَيْنِ، وَمَعَ الشَّاهِدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا شَاهِدٌ وَاحِدٌ، فَلِذَلِكَ اسْتَحَقَّ الطَّالِبَانِ يَمِينَهُمَا مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ.
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مُتَعَقَّبٌ بِأَنَّ الْقِصَّةَ وَرَدَتْ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ فِي سَبَبِ النُّزُولِ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا أَنَّهُ كَانَ هُنَاكَ مَنْ يَشْهَدُ، بَلْ فِي رِوَايَةِ الْكَلْبِيِّ فَسَأَلَهُمُ الْبَيِّنَةَ فَلَمْ يَجِدُوا، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَحْلِفُوهُ - أَيْ عَدِيًّا - بِمَا يَعْظُمُ عَلَى أَهْلِ دِينِهِ. وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ شَهَادَةِ الْكُفَّارِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْغَيْرِ الْكُفَّارُ، وَالْمَعْنَى: مِنْكُمْ أَيْ: مِنْ أَهْلِ دِينِكُمْ.
﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ أَيْ: مِنْ غَيْرِ أَهْلِ دِينِكُمْ، وَبِذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا يَقُولُ بِظَاهِرِهَا، فَلَا يُجِيزُ شَهَادَةَ الْكُفَّارِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا يُجِيزُ شَهَادَةَ بَعْضِ الْكُفَّارِ عَلَى بَعْضٍ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ بِمَنْطُوقِهَا عَلَى قَبُولِ شَهَادَةِ الْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ، وَبِإِيمَائِهَا عَلَى قَبُولِ شَهَادَةِ الْكَافِرِ عَلَى الْكَافِرِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، ثُمَّ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ شَهَادَةَ الْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، فَبَقِيَتْ شَهَادَةُ الْكَافِرِ عَلَى الْكَافِرِ عَلَى حَالِهَا، وَخَصَّ جَمَاعَةٌ الْقَبُولَ بِأَهْلِ الْكِتَابِ وَبِالْوَصِيَّةِ وَبِفَقْدِ الْمُسْلِمِ حِينَئِذٍ، مِنْهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَشُرَيْحٌ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَحْمَدُ، وَهَؤُلَاءِ أَخَذُوا بِظَاهِرِ الْآيَةِ، وَقَوَّى ذَلِكَ عِنْدَهُمْ حَدِيثُ الْبَابِ؛ فَإِنَّ سِيَاقَهُ مُطَابِقٌ لِظَاهِرِ الْآيَةِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْغَيْرِ الْعَشِيرَةُ، وَالْمَعْنَى: مِنْكُمْ أَوْ مِنْ عَشِيرَتِكُمْ، أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِ عَشِيرَتِكُمْ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَاحْتَجَّ لَهُ النَّحَّاسُ بِأَنَّ لَفْظَ آخَرَ لَا بُدَّ أَنْ يُشَارِكَ الَّذِي قَبْلَهُ فِي الصِّفَةِ حَتَّى لَا يَسُوغَ أَنْ تَقُولَ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ كَرِيمٍ وَلَئِيمٍ آخَرَ، فَعَلَى هَذَا فَقَدْ وُصِفَ الِاثْنَانِ بِالْعَدَالَةِ، فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ الْآخَرَانِ كَذَلِكَ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ هَذَا وَإِنْ سَاغَ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ لَكِنَّ الْحَدِيثَ دَلَّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَالصَّحَابِيُّ إِذَا حَكَى سَبَبَ النُّزُولِ كَانَ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ اتِّفَاقًا، وَأَيْضًا فَفِي مَا قَالَ رَدُّ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ
بِالْمُخْتَلَفِ فِيهِ لِأَنَّ اتِّصَافَ الْكَافِرِ بِالْعَدَالَةِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَهُوَ فَرْعُ قَبُولِ شَهَادَتِهِ فَمَنْ قَبِلَهَا وَصَفَهُ بِهَا وَمَنْ لَا فَلَا، وَاعْتَرَضَ أَبُو حِبَّانَ عَلَى الْمِثَالِ الَّذِي ذَكَرَهُ النَّحَّاسُ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُطَابِقٍ، فَلَوْ قُلْتَ: جَاءَنِي رَجُلٌ مُسْلِمٌ وَآخَرُ كَافِرٌ، صَحَّ بِخِلَافِ مَا لَوْ قُلْتَ: جَاءَنِي رَجُلٌ مُسْلِمٌ وَكَافِرٌ آخَرُ، وَالْآيَةُ مِنْ قَبِيلِ الْأَوَّلِ لَا الثَّانِي؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: أَوْ آخَرَانِ مِنْ جِنْسِ قَوْلِهِ اثْنَانِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا صِفَةُ (رَجُلَانِ) فَكَأَنَّهُ قَالَ: فَرَجُلَانِ اثْنَانِ وَرَجُلَانِ آخَرَانِ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ، وَأَنَّ نَاسِخَهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ وَاحْتَجُّوا بِالْإِجْمَاعِ عَلَى رَدِّ شَهَادَةِ الْفَاسِقِ، وَالْكَافِرُ شَرٌّ مِنَ الْفَاسِقِ. وَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ بِأَنَّ النَّسْخَ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ، وَأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ أَوْلَى مِنْ إِلْغَاءِ أَحَدِهِمَا، وَبِأَنَّ سُورَةَ الْمَائِدَةِ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ حَتَّى صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ، وَعَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ وَجَمْعٍ مِنَ السَّلَفِ أَنَّ سُورَةَ الْمَائِدَةِ مُحْكَمَةٌ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيمَنْ مَاتَ مُسَافِرًا وَلَيْسَ عِنْدَهُ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنِ اتُّهِمَا اسْتُحْلِفَا.
أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَأَنْكَرَ أَحْمَدُ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ، وَصَحَّ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ: أَنَّهُ عَمِلَ بِذَلِكَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَرَوَى أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: حَضَرَتْ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْوَفَاةُ بِدُقُوقَا وَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَشْهَدَ رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَقَدِمَا الْكُوفَةَ بِتَرِكَتِهِ وَوَصِيَّتِهِ فَأَخْبَرَ الْأَشْعَرِيَّ فَقَالَ: هَذَا لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الَّذِي كَانَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَحْلَفَهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ مَا خَانَا وَلَا كَذَبَا وَلَا كَتَمَا وَلَ بَدَّلَا وَأَمْضَى شَهَادَتَهُمَا، وَرَجَّحَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ وَسَبَقَهُ الطَّبَرِيُّ لِذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خِطَابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَلَمَّا قَالَ: ﴿أَوْ آخَرَانِ﴾ وَصَحَّ أَنَّهُ أَرَادَ غَيْرَ الْمُخَاطَبِينَ فَتَعَيَّنَ أَنَّهُمَا مِنْ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَيْضًا فَجَوَازُ اسْتِشْهَادِ الْمُسْلِمِ لَيْسَ مَشْرُوطًا بِالسَّفَرِ وَأَنَّ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
لا إثم (عَلَى مَنْ وَلِيَهُ) من ناظرٍ ومتحدثٍ (أَنْ يَأْكُلَ) أي: منه (١) بالمعروف، قال البخاريُّ: (وَقَدْ يَلِيهِ) أي: الوقف (الوَاقِفُ وَغَيْرُهُ، فَهْوَ وَاسِعٌ لِكُلٍّ) من الواقف وغيره. وقد استدلَّ المؤلِّف بما ذكره: على جواز اشتراط الواقف لنفسه منفعةً مِنْ وقفه، وهو مقيَّد بما إذا كانت المنفعة عامَّةً؛ كالصَّلاة في بقعةٍ جعلها مسجدًا، والشُّرب من بئرٍ وقفها، وكذا كتابٌ وقفه على المسلمين للقراءة فيه ونحوها، وقِدْرٌ للطَّبخ فيها وكيزانٌ للشُّرب، ونحو ذلك، والفرق بين العامَّة والخاصَّة: أنَّ العامَّة عادت إلى ما كانت عليه من الإباحة بخلاف الخاصَّة.
(٣٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا قَالَ الوَاقِفُ: لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللهِ فَهْوَ جَائِزٌ).
٢٧٧٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيدٍ العنبريُّ مولاهم التَّنوريُّ (عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ) يزيد بن حُمَيد الضُّبَعيِّ (عَنْ أَنَسٍ ﵁) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ) لمَّا أراد بناء مسجده: (يَا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي) بالمثلَّثة، أي: ساوموني (بِحَائِطِكُمْ) ببستانكم (قَالُوا: لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللهِ) ﷿، أي: منه، ولا يصير الملك وقفًا بقول مالكه: لا أطلب (٢) ثمنه إلَّا إلى الله، لكنْ أجاب ابن المُنَيِّر: بأنَّ مراد البخاريِّ: أنَّ الوقف يصحُّ بأيِّ لفظٍ دلَّ عليه، إمَّا بمجرَّده أو بقرينةٍ. انتهى. وألفاظ الوقف صريحةٌ؛ كوقفت كذا (٣)، وحبَّست، وسبَّلت، أو أرضي موقوفة، أو محبَّسة، أو مسبَّلة، وكنايةٌ، كحرَّمت هذه البقعة للمساكين، أو أبَّدتها، أو داري محرَّمةٌ أو مؤبَّدةٌ، ولو قال: تصدَّقت به على المساكين ونوى الوقف؛ فوجهان، أصحهما أنَّ النِّيَّة تلتحق باللَّفظ، ويصير وقفًا، وإن أضاف إلى معيَّن، فقال: تصدَّقت عليك، أو قاله (٤) لجماعةٍ معيَّنين، لم يكن وقفًا على الصَّحيح، بل ينفذ فيما
هو صريحٌ فيه، وهو التَّمليك المحض، ولو قال: جعلت هذا المكان مسجدًا، صار مسجدًا على الأصحِّ، لإشعاره بالمقصود واشتهاره فيه.
(٣٥) (بابُ) بيان سبب نزول (قَولِ اللهِ تَعَالَى) ولأبي ذرٍّ: «﷿»: (﴿يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾) أي: شهادة اثنين، فحُذِف المضاف، وأُقيمَ المضاف إليه مُقامه، والتَّقدير: فيما أُمِرتُم شهادةُ بينكم، والمراد بالشهادة: الإشهاد، وأضافها (١) إلى الظَّرف على الاتِّساع (﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾) ﴿أَحَدَكُمُ﴾: نصبٌ على المفعوليَّة، و ﴿إِذَا حَضَرَ﴾: ظرفٌ لـ «الشَّهادة» وحضور الموت: مشارفته، وظهور أمارات بلوغ الأجل (﴿حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾) بدلٌ مِن ﴿إِذَا حَضَرَ﴾ قال في «الكشَّاف»: وفي إبداله منه دليلٌ على وجوب الوصيَّة، وأنَّها من الأمور اللَّازمة الَّتي ما ينبغي أن يتهاون بها المسلم ويذهل عنها، وخبر المبتدأ الَّذي هو ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ قوله: (﴿اثْنَانِ﴾) وجوَّز
الزمخشري: أن يكون ﴿اثْنَانِ﴾ فاعل ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ على معنى (١): فيما فُرِض عليكم أن يشهد اثنان (﴿ذَوَا عَدْلٍ﴾) أي: أمانةٍ وعقلٍ (﴿مِّنكُمْ﴾) من المسلمين أو من أقاربكم (﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾) من غير المسلمين، يعني: أهل الكتاب عند فقد المسلمين؛ أو من غير أقاربكم (﴿إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾) أي: سافرتم فيها (﴿فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾) أي: قاربتموه (٢) وهذان شرطان (٣) لجواز استشهاد الذِّميِّين عند فقد المسلمين أن يكون ذلك في سفرٍ وأن يكون في وصيَّةٍ، وهذا مرويٌّ عن الإمام أحمد، وهو من أفراده، وخالفه الأئمَّة الثَّلاثة في ذلك، وأنَّ هذه الآية منسوخةٌ بقوله تعالى: ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقد أجمعوا على ردِّ شهادة الفاسق، والكافرُ شرٌّ من الفاسق، نعم، جوَّز أبو حنيفة شهادة الكفَّار بعضِهم على بعضٍ (﴿تَحْبِسُونَهُمَا﴾) تمسكونهما لليمين، ليحلفا (﴿مِن بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾) صلاة العصر أو صلاة أهل دينهما (﴿فَيُقْسِمَانِ﴾) فيحلفان (﴿بِاللّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾) أي: ظهرت لكم ريبةٌ من اللَّذين ليسا من أهل ملَّتكم أنَّهما خانا، فيحلفان حينئذٍ (٤) بالله (﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ﴾) بالقسم (﴿ثَمَنًا﴾) لا نعتاض عنه بعوضٍ قليلٍ من الدُّنيا الفانية الزَّائلة (﴿وَلَوْ كَانَ﴾) المشهود عليه (﴿ذَا قُرْبَى﴾) أي: قريبًا إلينا، وجوابه محذوفٌ، أي: ﴿لَا نَشْتَرِي﴾ (﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللّهِ﴾) أي: الشَّهادة الَّتي أمر الله بإقامتها (﴿إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الآثِمِينَ﴾) إن كتمناها (﴿فَإِنْ عُثِرَ﴾) فإن اطُّلِع (﴿عَلَى أَنَّهُمَا﴾) أي: الشَّاهدين (﴿اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾) أي: استوجباه بالخيانة والحنث في اليمين (﴿فَآخَرَانِ﴾) فشاهدان آخران من قرابة الميت (﴿يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾) الإثم، أي: فيهم ولأجلهم، وهم ورثة الميِّت، استحقَّ الحالفان بسببهم الإثم، فـ «على» بمعنى: «في» كقوله: ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] أي: في ملك سليمان (﴿الأَوْلَيَانِ﴾) بالرَّفع خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، أي: هما الأوليان، كأنَّه قيل: ومَن هما (٥)؟ فقيل: هما الأوليان. وقيل: بدلٌ من الضَّمير في ﴿يِقُومَانُ﴾ أو من ﴿آخَرَانِ﴾ أي: الأحقَّان بالشَّهادة لقرابتهما ومعرفتهما من
الأجانب (﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا﴾) أي: أصدق منهما وأولى بأن تُقبَل (﴿وَمَا اعْتَدَيْنَا﴾) فيما قلنا فيهما من الخيانة (﴿إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾) إن كنَّا قد كذَّبنا عليهما. ومعنى الآيتين -كما قاله القاضي-: أنَّ المحتَضِر إذا أراد الوصيَّة ينبغي أن يُشْهِد عدلين من ذوي نسبه أو دينه على وصيَّته، أو يوصي إليهما احتياطًا، فإن لم يجدهما بأن كان في سفر فآخران من غيرهم، ثمَّ إن وقع نزاعٌ وارتيابٌ، أقسما على صدق ما يقولان بالتَّغليظ في الوقت، فإن اطُّلِعَ على أنَّهما كذبا بأمارةٍ ومظنَّةٍ، حلف آخران من أولياء الميِّت، والحكم منسوخٌ إن كان الاثنان شاهدين، فإنَّه لا يحلف الشَّاهد ولا يعارِض يمينه بيمين الوارث، وثابتٌ إن كانا وصيَّين ورُدَّ اليمين إلى الورثة إمَّا لظهور خيانة الوصيين، فإنَّ تصديق الوصيِّ باليمين لأمانته أو لتغيير الدَّعوى (﴿ذَلِكَ﴾) الَّذي تقدَّم من بيان الحكم (﴿أَدْنَى﴾) أقرب (﴿أَن يَأْتُواْ﴾) أي: الشُّهداء على نحو تلك الحادثة (﴿بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾) من غير تحريفٍ ولا خيانةٍ فيها (﴿أَوْ يَخَافُواْ أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾) أي: أقرب إلى أن يخافوا ردَّ اليمين بعد يمينهم على المدَّعين، فيحلفون على خيانتهم وكذبهم، فيفتضحون ويُغرَّمون (١)، وإنَّما جمع الضَّمير (٢)؛ لأنَّه حكمٌ يعمُّ الشُّهود كلَّهم (﴿وَاتَّقُوا اللّهَ﴾) أن تحلفوا كاذبين أو تخونوا (﴿وَاسْمَعُواْ﴾) الموعظة (﴿وَاللّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ١٠٦ - ١٠٨]) أي: لا يرشد من كان على معصيةٍ، وساق في رواية أبي ذرٍّ من قوله: «﴿يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾» ثمَّ قال: «إلى قوله: ﴿وَاللّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾». وقال المؤلِّف: (﴿الأَوْلَيَانِ﴾: واحدهما أَوْلَى، ومنه: أولى به) أي: أحقُّ به، وقوله: (﴿عُثِرَ﴾) أي: (أُظهِر) قاله أبو عبيدة في «المجاز» (﴿أَعْثَرْنَا﴾ [الكهف: ٢١]) أي: (أظهرنا) قاله الفرَّاء، وهذا كلُّه ثابتٌ في رواية الكُشْمِيهَنِيِّ فقط.