الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٧٩٧
الحديث رقم ٢٧٩٧ من كتاب «كتاب الجهاد والسير» في صحيح البخاري، تحت باب: باب تمني الشهادة.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٢٧٩٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قال: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الشَّهِيدُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: لَا تَجِفُّ الْأَرْضُ مِنْ دَمِ الشَّهِيدِ حَتَّى تَبْتَدِرُهُ زَوْجَاتُهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ وَفِي يَدِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا حُلَّةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلِأَحْمَدَ، وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ مَرْفُوعًا أَنَّ لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ سَبْعَ خِصَالٍ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ وَيُزَوَّجُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيَكْرِبَ وَصَحَّحَهُ.
٧ - بَاب تَمَنِّي الشَّهَادَةِ
٢٧٩٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا أَنَّ رِجَالًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي وَلَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ.
٢٧٩٨ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الصَّفَّارُ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ "خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ ثُمَّ أَخَذَهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ غَيْرِ إِمْرَةٍ فَفُتِحَ لَهُ وَقَالَ مَا يَسُرُّنَا أَنَّهُمْ عِنْدَنَا" قَالَ أَيُّوبُ أَوْ قَالَ "مَا يَسُرُّهُمْ أَنَّهُمْ عِنْدَنَا وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ"
قَوْلُهُ: (بَابُ تَمَنِّي الشَّهَادَةِ) تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْجِهَادِ وَأَنَّ تَمَنِّيَهَا وَالْقَصْدَ لَهَا مُرَغَّبٌ فِيهِ مَطْلُوبٌ. وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ صَرِيحَةٌ فِي ذَلِكَ مِنْهَا عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا مَنْ طَلَبَ الشَّهَادَةَ صَادِقًا أُعْطِيَهَا وَلَوْ لَمْ يُصِبْهَا أَيْ أُعْطِيَ ثَوَابَهَا وَلَوْ لَمْ يُقْتَلْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَصْرَحُ مِنْهُ فِي الْمُرَادِ مَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ بِلَفْظِ مَنْ سَأَلَ الْقَتْلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ صَادِقًا ثُمَّ مَاتَ أَعْطَاهُ اللَّهُ أَجْرَ شَهِيدٍ وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذٍ مِثْلُهُ، وَلِلْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ ابْنِ حُنَيْفٍ مَرْفُوعًا مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ هُنَا وَأَبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرٍو فِي بَابِ الْجِهَادِ مِنَ الْإِيمَانِ مِنْ كِتَابِ الْإِيمَانِ، وَأَبُو صَالِحٍ وَهُوَ فِي بَابِ الْجَعَائِلِ وَالْحُمْلَانِ فِي أَثْنَاءِ كِتَابِ الْجِهَادِ، وَالْأَعْرَجُ وَهُوَ فِي كِتَابِ التَّمَنِّي، وَهَمَّامٌ وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَسَأَذْكُرُ مَا فِي رِوَايَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ زِيَادَةِ فَائِدَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا أَنَّ رِجَالًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ) فِي رِوَايَةِ أَبِي زُرْعَةَ، وَأَبِي صَالِحٍ لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي وَرِوَايَةُ الْبَابِ تُفَسِّرُ الْمُرَادَ بِالْمَشَقَّةِ الْمَذْكُورَةِ وَهِيَ أَنَّ نُفُوسَهُمْ لَا تَطِيبُ بِالتَّخَلُّفِ وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى التَّأَهُّبِ لِعَجْزِهِمْ عَنْ آلَةِ السَّفَرِ مِنْ مَرْكُوبٍ وَغَيْرِهِ وَتَعَذُّرِ وُجُودِهِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ وَلَفْظُهُ لَكِنْ لَا أَجِدُ سَعَةً فَأَحْمِلُهُمْ، وَلَا يَجِدُونَ سَعَةً فَيَتَّبِعُونِي، وَلَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَقْعُدُوا بَعْدِي وَفِي رِوَايَةِ أَبِي زُرْعَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ نَحْوُهُ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ وَفِيهِ وَلَوْ خَرَجْتُ مَا بَقِيَ أَحَدٌ فِيهِ خَيْرٌ إِلَّا انْطَلَقَ مَعِي، وَذَلِكَ يَشُقُّ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ مِنَ الزِّيَادَةِ وَيَشُقُّ عَلَيَّ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي.
قَوْلُهُ: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي
زُرْعَةَ الْمَذْكُورَةِ بِلَفْظِ وَلَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ بِحَذْفِ الْقَسَمِ، وَهُوَ مُقَدَّرٌ لِمَا بَيَّنَتْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةُ، فَظَهَرَ أَنَّ اللَّامَ لَامُ الْقَسَمِ وَلَيْسَتْ بِجَوَابِ لَوْلَا، وَفَهِمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّ قَوْلَهُ لَوَدِدْتُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ مَا قَعَدْتُ فَقَالَ: يَجُوزُ حَذْفُ اللَّامِ وَإِثْبَاتُهَا مِنْ جَوَابِ لَوْلَا، وَجَعَلَ الْوِدَادَةَ مُمْتَنِعَةً خَشْيَةَ وُجُودِ الْمَشَقَّةِ لَوْ وُجِدَتْ، وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ عِنْدَهُ: لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّفُ اسْتِشْكَالَ ذَلِكَ وَالْجَوَابَ عَنْهُ، وَقَدْ بَيَّنَتْ رِوَايَةُ الْبَابِ أَنَّهَا جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ وَأَنَّ اللَّامَ جَوَابُ الْقَسَمِ. ثُمَّ النُّكْتَةُ فِي إِيرَادِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ عَقِبَ تِلْكَ إِرَادَةُ تَسْلِيَةِ الْخَارِجِينَ فِي الْجِهَادِ عَنْ مُرَافَقَتِهِ لَهُمْ، وَكَأَنَّهُ قَالَ: الْوَجْهُ الَّذِي يَسِيرُونَ لَهُ فِيهِ مِنَ الْفَضْلِ مَا أَتَمَنَّى لِأَجْلِهِ أَنِّي أُقْتَلُ مَرَّاتٍ، فَمَهْمَا فَاتَكُمْ مِنْ مُرَافَقَتِي وَالْقُعُودِ مَعِي مِنَ الْفَضْلِ يَحْصُلُ لَكُمْ مِثْلُهُ أَوْ فَوْقَهُ مِنْ فَضْلِ الْجِهَادِ، فَرَاعَى خَوَاطِرَ الْجَمِيعِ. وَقَدْ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فِي بَعْضِ الْمَغَازِي وَتَخَلَّفَ عَنْهُ الْمُشَارُ إِلَيْهِمْ، وَكَانَ ذَلِكَ حَيْثُ رَجَحَتْ مَصْلَحَةُ خُرُوجِهِ عَلَى مُرَاعَاةِ حَالِهِمْ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي بَابِ مَنْ حَبَسَهُ الْعُذْرُ.
قَوْلُهُ: (أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) اسْتَشْكَلَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ صُدُورَ هَذَا التَّمَنِّي مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ لَا يُقْتَلُ، وَأَجَابَ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّ ذَلِكَ لَعَلَّهُ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ وَهُوَ مُتَعَقَّبٌ فَإِنَّ نُزُولَهَا كَانَ فِي أَوَائِلِ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ، وَهَذَا الْحَدِيثُ صَرَّحَ أَبُو هُرَيْرَةَ بِأَنَّهُ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، وَإِنَّمَا قَدِمَ أَبُو هُرَيْرَةَ فِي أَوَائِلِ سَنَةِ سَبْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ فِي الْجَوَابِ أَنَّ تَمَنِّيَ الْفَضْلِ وَالْخَيْرِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْوُقُوعَ، فَقَدْ قَالَ ﷺ وَدِدْتُ لَوْ أَنَّ مُوسَى صَبَرَ كَمَا سَيَأْتِي فِي مَكَانِهِ، وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ التَّمَنِّي نَظَائِرُ لِذَلِكَ، وَكَأَنَّهُ ﷺ أَرَادَ الْمُبَالَغَةَ فِي بَيَانِ فَضْلِ الْجِهَادِ وَتَحْرِيضِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَهَذَا أَشْبَهُ.
وَحَكَى شَيْخُنَا ابْنُ الْمُلَقِّنِ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ زَعَمَ أَنَّ قَوْلَهُ: وَلَوَدِدْتُ مُدْرَجٌ مِنْ كَلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: وَهُوَ بَعِيدٌ، قَالَ النَّوَوِيُّ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْحَضُّ عَلَى حُسْنِ النِّيَّةِ، وَبَيَانُ شِدَّةِ شَفَقَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى أُمَّتِهِ وَرَأْفَتِهِ بِهِمْ وَاسْتِحْبَابُ طَلَبِ الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَجَوَازُ قَوْلِ وَدِدْتُ حُصُولَ كَذَا مِنَ الْخَيْرِ وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ. وَفِيهِ تَرْكُ بَعْضِ الْمَصَالِحِ لِمَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ أَوْ أَرْجَحَ أَوْ لِدَفْعِ مَفْسَدَةٍ، وَفِيهِ جَوَازُ تَمَنِّي مَا يَمْتَنِعُ فِي الْعَادَةِ، وَالسَّعْيُ فِي إِزَالَةِ الْمَكْرُوهِ عَنِ الْمُسْلِمِينَ. وَفِيهِ أَنَّ الْجِهَادَ عَلَى الْكِفَايَةِ إِذْ لَوْ كَانَ عَلَى الْأَعْيَانِ مَا تَخَلَّفَ عَنْهُ أَحَدٌ قُلْتُ: وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الْخِطَابَ إِنَّمَا يَتَوَجَّهُ لِلْقَادِرِ، وَأَمَّا الْعَاجِزُ فَمَعْذُورٌ، وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ وَأَدِلَّةُ كَوْنِ الْجِهَادِ فَرْضَ كِفَايَةٍ تُؤْخَذُ مِنْ غَيْرِ هَذَا، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي بَابِ وُجُوبِ النَّفِيرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الصَّفَّارُ) بِالْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ، كُوفِيٌّ ثِقَةٌ يُكَنَّى أَبَا يَعْقُوبَ، لَمْ يُخَرِّجْ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَرِجَالُ الْإِسْنَادِ مِنْ شَيْخِهِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ فَصَاعِدًا بَصْرِيُّونَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُ الْمَتْنِ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي، وَوَجْهُ دُخُولِهِ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ مِنْ قَوْلِهِ مَا يَسُرُّهُمْ أَنَّهُمْ عِنْدَنَا أَيْ لَمَّا رَأَوْا مِنَ الْكَرَامَةِ بِالشَّهَادَةِ فَلَا يُعْجِبُهُمْ أَنْ يَعُودُوا إِلَى الدُّنْيَا كَمَا كَانُوا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَشْهِدُوا مَرَّةً أُخْرَى، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَ حَدِيثَيِ الْبَابِ، وَدَلِيلُ مَا ذَكَرْتُهُ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ مَا سَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَيْضًا مَرْفُوعًا مَا أَحَدٌ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا إِلَّا الشَّهِيدُ الْحَدِيثَ.
٨ - بَاب فَضْلِ مَنْ يُصْرَعُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمَاتَ فَهُوَ مِنْهُمْ. وَقَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ وَقَعَ: وَجَبَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
أو المراد: أنَّ إنفاق الدُّنيا وما فيها لا يوازن ثوابه ثواب هذا، فيكون التَّوازن بين ثوابي عملين، فليس فيه تمثيل الباقي بالفاني (١) (وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ اطَّلَعَتْ) بتشديد الطَّاء المفتوحة وفتح اللَّام (إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ لأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا) أي: بين السَّماء والأرض (وَلَمَلأَتْهُ رِيحًا) وعن ابن عبَّاسٍ فيما ذكره ابن الملقِّن في «شرحه»: خُلِقَت الحوراء (٢) من أصابع رجليها إلى ركبتيها من الزَّعفران، ومن ركبتيها إلى ثديها من المسك الأذفر، ومن ثديها إلى عنقها من العنبر الأشهب، ومن عنقها من الكافور الأبيض (وَلَنَصِيْفُهَا) بفتح لام التَّأكيد والنُّون وكسر الصَّاد المهملة وسكون التَّحتيَّة وبالفاء، أي: خمارها (عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) وعند الطَّبرانيِّ من حديث أنسٍ مرفوعًا للنَّبيِّ ﷺ عن جبريل: «لو أنَّ بعض بنانها بدا لغلبَ ضوؤُه ضوءَ (٣) الشَّمس والقمر، ولو أنَّ طاقةً من شعرها بدت لملأت ما بين المشرق والمغرب من طيب ريحها … » الحديث.
(٧) (بابُ (٤) تَمَنِّي الشَّهَادَةِ).
٢٧٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (٥) أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) بسكون الفاء، قال
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الشَّهِيدُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: لَا تَجِفُّ الْأَرْضُ مِنْ دَمِ الشَّهِيدِ حَتَّى تَبْتَدِرُهُ زَوْجَاتُهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ وَفِي يَدِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا حُلَّةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلِأَحْمَدَ، وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ مَرْفُوعًا أَنَّ لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ سَبْعَ خِصَالٍ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ وَيُزَوَّجُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيَكْرِبَ وَصَحَّحَهُ.
٧ - بَاب تَمَنِّي الشَّهَادَةِ
٢٧٩٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا أَنَّ رِجَالًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي وَلَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ.
٢٧٩٨ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الصَّفَّارُ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ "خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ ثُمَّ أَخَذَهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ غَيْرِ إِمْرَةٍ فَفُتِحَ لَهُ وَقَالَ مَا يَسُرُّنَا أَنَّهُمْ عِنْدَنَا" قَالَ أَيُّوبُ أَوْ قَالَ "مَا يَسُرُّهُمْ أَنَّهُمْ عِنْدَنَا وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ"
قَوْلُهُ: (بَابُ تَمَنِّي الشَّهَادَةِ) تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْجِهَادِ وَأَنَّ تَمَنِّيَهَا وَالْقَصْدَ لَهَا مُرَغَّبٌ فِيهِ مَطْلُوبٌ. وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ صَرِيحَةٌ فِي ذَلِكَ مِنْهَا عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا مَنْ طَلَبَ الشَّهَادَةَ صَادِقًا أُعْطِيَهَا وَلَوْ لَمْ يُصِبْهَا أَيْ أُعْطِيَ ثَوَابَهَا وَلَوْ لَمْ يُقْتَلْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَصْرَحُ مِنْهُ فِي الْمُرَادِ مَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ بِلَفْظِ مَنْ سَأَلَ الْقَتْلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ صَادِقًا ثُمَّ مَاتَ أَعْطَاهُ اللَّهُ أَجْرَ شَهِيدٍ وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذٍ مِثْلُهُ، وَلِلْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ ابْنِ حُنَيْفٍ مَرْفُوعًا مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ هُنَا وَأَبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرٍو فِي بَابِ الْجِهَادِ مِنَ الْإِيمَانِ مِنْ كِتَابِ الْإِيمَانِ، وَأَبُو صَالِحٍ وَهُوَ فِي بَابِ الْجَعَائِلِ وَالْحُمْلَانِ فِي أَثْنَاءِ كِتَابِ الْجِهَادِ، وَالْأَعْرَجُ وَهُوَ فِي كِتَابِ التَّمَنِّي، وَهَمَّامٌ وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَسَأَذْكُرُ مَا فِي رِوَايَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ زِيَادَةِ فَائِدَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا أَنَّ رِجَالًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ) فِي رِوَايَةِ أَبِي زُرْعَةَ، وَأَبِي صَالِحٍ لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي وَرِوَايَةُ الْبَابِ تُفَسِّرُ الْمُرَادَ بِالْمَشَقَّةِ الْمَذْكُورَةِ وَهِيَ أَنَّ نُفُوسَهُمْ لَا تَطِيبُ بِالتَّخَلُّفِ وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى التَّأَهُّبِ لِعَجْزِهِمْ عَنْ آلَةِ السَّفَرِ مِنْ مَرْكُوبٍ وَغَيْرِهِ وَتَعَذُّرِ وُجُودِهِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ وَلَفْظُهُ لَكِنْ لَا أَجِدُ سَعَةً فَأَحْمِلُهُمْ، وَلَا يَجِدُونَ سَعَةً فَيَتَّبِعُونِي، وَلَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَقْعُدُوا بَعْدِي وَفِي رِوَايَةِ أَبِي زُرْعَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ نَحْوُهُ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ وَفِيهِ وَلَوْ خَرَجْتُ مَا بَقِيَ أَحَدٌ فِيهِ خَيْرٌ إِلَّا انْطَلَقَ مَعِي، وَذَلِكَ يَشُقُّ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ مِنَ الزِّيَادَةِ وَيَشُقُّ عَلَيَّ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي.
قَوْلُهُ: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي
زُرْعَةَ الْمَذْكُورَةِ بِلَفْظِ وَلَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ بِحَذْفِ الْقَسَمِ، وَهُوَ مُقَدَّرٌ لِمَا بَيَّنَتْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةُ، فَظَهَرَ أَنَّ اللَّامَ لَامُ الْقَسَمِ وَلَيْسَتْ بِجَوَابِ لَوْلَا، وَفَهِمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّ قَوْلَهُ لَوَدِدْتُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ مَا قَعَدْتُ فَقَالَ: يَجُوزُ حَذْفُ اللَّامِ وَإِثْبَاتُهَا مِنْ جَوَابِ لَوْلَا، وَجَعَلَ الْوِدَادَةَ مُمْتَنِعَةً خَشْيَةَ وُجُودِ الْمَشَقَّةِ لَوْ وُجِدَتْ، وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ عِنْدَهُ: لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّفُ اسْتِشْكَالَ ذَلِكَ وَالْجَوَابَ عَنْهُ، وَقَدْ بَيَّنَتْ رِوَايَةُ الْبَابِ أَنَّهَا جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ وَأَنَّ اللَّامَ جَوَابُ الْقَسَمِ. ثُمَّ النُّكْتَةُ فِي إِيرَادِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ عَقِبَ تِلْكَ إِرَادَةُ تَسْلِيَةِ الْخَارِجِينَ فِي الْجِهَادِ عَنْ مُرَافَقَتِهِ لَهُمْ، وَكَأَنَّهُ قَالَ: الْوَجْهُ الَّذِي يَسِيرُونَ لَهُ فِيهِ مِنَ الْفَضْلِ مَا أَتَمَنَّى لِأَجْلِهِ أَنِّي أُقْتَلُ مَرَّاتٍ، فَمَهْمَا فَاتَكُمْ مِنْ مُرَافَقَتِي وَالْقُعُودِ مَعِي مِنَ الْفَضْلِ يَحْصُلُ لَكُمْ مِثْلُهُ أَوْ فَوْقَهُ مِنْ فَضْلِ الْجِهَادِ، فَرَاعَى خَوَاطِرَ الْجَمِيعِ. وَقَدْ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فِي بَعْضِ الْمَغَازِي وَتَخَلَّفَ عَنْهُ الْمُشَارُ إِلَيْهِمْ، وَكَانَ ذَلِكَ حَيْثُ رَجَحَتْ مَصْلَحَةُ خُرُوجِهِ عَلَى مُرَاعَاةِ حَالِهِمْ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي بَابِ مَنْ حَبَسَهُ الْعُذْرُ.
قَوْلُهُ: (أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) اسْتَشْكَلَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ صُدُورَ هَذَا التَّمَنِّي مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ لَا يُقْتَلُ، وَأَجَابَ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّ ذَلِكَ لَعَلَّهُ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ وَهُوَ مُتَعَقَّبٌ فَإِنَّ نُزُولَهَا كَانَ فِي أَوَائِلِ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ، وَهَذَا الْحَدِيثُ صَرَّحَ أَبُو هُرَيْرَةَ بِأَنَّهُ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، وَإِنَّمَا قَدِمَ أَبُو هُرَيْرَةَ فِي أَوَائِلِ سَنَةِ سَبْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ فِي الْجَوَابِ أَنَّ تَمَنِّيَ الْفَضْلِ وَالْخَيْرِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْوُقُوعَ، فَقَدْ قَالَ ﷺ وَدِدْتُ لَوْ أَنَّ مُوسَى صَبَرَ كَمَا سَيَأْتِي فِي مَكَانِهِ، وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ التَّمَنِّي نَظَائِرُ لِذَلِكَ، وَكَأَنَّهُ ﷺ أَرَادَ الْمُبَالَغَةَ فِي بَيَانِ فَضْلِ الْجِهَادِ وَتَحْرِيضِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَهَذَا أَشْبَهُ.
وَحَكَى شَيْخُنَا ابْنُ الْمُلَقِّنِ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ زَعَمَ أَنَّ قَوْلَهُ: وَلَوَدِدْتُ مُدْرَجٌ مِنْ كَلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: وَهُوَ بَعِيدٌ، قَالَ النَّوَوِيُّ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْحَضُّ عَلَى حُسْنِ النِّيَّةِ، وَبَيَانُ شِدَّةِ شَفَقَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى أُمَّتِهِ وَرَأْفَتِهِ بِهِمْ وَاسْتِحْبَابُ طَلَبِ الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَجَوَازُ قَوْلِ وَدِدْتُ حُصُولَ كَذَا مِنَ الْخَيْرِ وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ. وَفِيهِ تَرْكُ بَعْضِ الْمَصَالِحِ لِمَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ أَوْ أَرْجَحَ أَوْ لِدَفْعِ مَفْسَدَةٍ، وَفِيهِ جَوَازُ تَمَنِّي مَا يَمْتَنِعُ فِي الْعَادَةِ، وَالسَّعْيُ فِي إِزَالَةِ الْمَكْرُوهِ عَنِ الْمُسْلِمِينَ. وَفِيهِ أَنَّ الْجِهَادَ عَلَى الْكِفَايَةِ إِذْ لَوْ كَانَ عَلَى الْأَعْيَانِ مَا تَخَلَّفَ عَنْهُ أَحَدٌ قُلْتُ: وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الْخِطَابَ إِنَّمَا يَتَوَجَّهُ لِلْقَادِرِ، وَأَمَّا الْعَاجِزُ فَمَعْذُورٌ، وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ وَأَدِلَّةُ كَوْنِ الْجِهَادِ فَرْضَ كِفَايَةٍ تُؤْخَذُ مِنْ غَيْرِ هَذَا، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي بَابِ وُجُوبِ النَّفِيرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الصَّفَّارُ) بِالْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ، كُوفِيٌّ ثِقَةٌ يُكَنَّى أَبَا يَعْقُوبَ، لَمْ يُخَرِّجْ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَرِجَالُ الْإِسْنَادِ مِنْ شَيْخِهِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ فَصَاعِدًا بَصْرِيُّونَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُ الْمَتْنِ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي، وَوَجْهُ دُخُولِهِ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ مِنْ قَوْلِهِ مَا يَسُرُّهُمْ أَنَّهُمْ عِنْدَنَا أَيْ لَمَّا رَأَوْا مِنَ الْكَرَامَةِ بِالشَّهَادَةِ فَلَا يُعْجِبُهُمْ أَنْ يَعُودُوا إِلَى الدُّنْيَا كَمَا كَانُوا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَشْهِدُوا مَرَّةً أُخْرَى، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَ حَدِيثَيِ الْبَابِ، وَدَلِيلُ مَا ذَكَرْتُهُ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ مَا سَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَيْضًا مَرْفُوعًا مَا أَحَدٌ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا إِلَّا الشَّهِيدُ الْحَدِيثَ.
٨ - بَاب فَضْلِ مَنْ يُصْرَعُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمَاتَ فَهُوَ مِنْهُمْ. وَقَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ وَقَعَ: وَجَبَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
أو المراد: أنَّ إنفاق الدُّنيا وما فيها لا يوازن ثوابه ثواب هذا، فيكون التَّوازن بين ثوابي عملين، فليس فيه تمثيل الباقي بالفاني (١) (وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ اطَّلَعَتْ) بتشديد الطَّاء المفتوحة وفتح اللَّام (إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ لأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا) أي: بين السَّماء والأرض (وَلَمَلأَتْهُ رِيحًا) وعن ابن عبَّاسٍ فيما ذكره ابن الملقِّن في «شرحه»: خُلِقَت الحوراء (٢) من أصابع رجليها إلى ركبتيها من الزَّعفران، ومن ركبتيها إلى ثديها من المسك الأذفر، ومن ثديها إلى عنقها من العنبر الأشهب، ومن عنقها من الكافور الأبيض (وَلَنَصِيْفُهَا) بفتح لام التَّأكيد والنُّون وكسر الصَّاد المهملة وسكون التَّحتيَّة وبالفاء، أي: خمارها (عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) وعند الطَّبرانيِّ من حديث أنسٍ مرفوعًا للنَّبيِّ ﷺ عن جبريل: «لو أنَّ بعض بنانها بدا لغلبَ ضوؤُه ضوءَ (٣) الشَّمس والقمر، ولو أنَّ طاقةً من شعرها بدت لملأت ما بين المشرق والمغرب من طيب ريحها … » الحديث.
(٧) (بابُ (٤) تَمَنِّي الشَّهَادَةِ).
٢٧٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (٥) أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) بسكون الفاء، قال