الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٨٠٣
الحديث رقم ٢٨٠٣ من كتاب «كتاب الجهاد والسير» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب من يجرح في سبيل الله ﷿.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ وَالْحَرْبُ سِجَالٌ
٢٨٠٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ
⦗١٩⦘
رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
أَوْ بَعِيرُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ لَدَغَتْهُ هَامَّةٌ أَوْ مَاتَ عَلَى أَيِّ حَتْفٍ شَاءَ اللَّهُ فَهُوَ شَهِيدٌ.
١٠ - بَاب مَنْ يُجْرَحُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﷿
٢٨٠٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ - إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ يُجْرَحُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أَيْ فَضْلُهُ.
قَوْلُهُ: (لَا يُكْلَمُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْكَافِ وَفَتْحِ اللَّامِ أَيْ يُجْرَحُ.
قَوْلُهُ: (أَحَدٌ) قَيَّدَهُ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِالْمُسْلِمِ.
قَوْلُهُ: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلهِ) جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ قَصَدَ بِهَا التَّنْبِيهَ عَلَى شَرْطِيَّةِ الْإِخْلَاصِ فِي نَيْلِ هَذَا الثَّوَابِ.
قَوْلُهُ: (إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ) فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَاضِيَةِ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ تَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَهَيْئَتِهَا إِذَا طُعِنَتْ تُفَجَّرُ دَمًا.
قَوْلُهُ: (وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ) فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ وَالْعَرْفُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا فَاءٌ وَهُوَ الرَّائِحَةُ، وَلِأَصْحَابِ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ مَنْ جُرِحَ جُرْحًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ نُكِبَ نَكْبَةً فَإِنَّهَا تَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَغْزَرِ مَا كَانَتْ، لَوْنُهَا الزَّعْفَرَانُ وَرِيحُهَا الْمِسْكُ وَعُرِفَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ أَنَّ الصِّفَةَ الْمَذْكُورَةَ لَا تَخْتَصُّ بِالشَّهِيدِ بَلْ هِيَ حَاصِلَةٌ لِكُلِّ مَنْ جُرِحَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَذَا الْجُرْحِ هُوَ مَا يَمُوتُ صَاحِبُهُ بِسَبَبِهِ قَبْلَ انْدِمَالِهِ لَا مَا يَنْدَمِلُ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ أَثَرَ الْجِرَاحَةِ وَسَيَلَانَ الدَّمِ يَزُولُ، وَلَا يَنْفِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ لَهُ فَضْلٌ فِي الْجُمْلَةِ، لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الَّذِي يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَمًا مَنْ فَارَقَ الدُّنْيَا وَجُرْحُهُ كَذَلِكَ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ الْمَذْكُورِ عَلَيْهِ طَابِعُ الشُّهَدَاءِ وَقَوْلُهُ كَأَغْزَرِ مَا كَانَتْ لَا يُنَافِي قَوْلَهُ كَهَيْئَتِهَا لِأَنَّ الْمُرَادَ لَا يُنْقَصُ شَيْئًا بِطُولِ الْعَهْدِ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْحِكْمَةُ فِي بَعْثِهِ كَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ شَاهِدٌ بِفَضِيلَتِهِ بِبَذْلِهِ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الشَّهِيدَ يُدْفَنُ بِدِمَائِهِ وَثِيَابِهِ وَلَا يُزَالُ عَنْهُ الدَّمُ بِغُسْلٍ وَلَا غَيْرِهِ، لِيَجِيءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا وَصَفَ النَّبِيُّ ﷺ. وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ غَسْلِ الدَّمِ فِي الدُّنْيَا أَنْ لَا يُبْعَثَ كَذَلِكَ، وَيُغْنِي عَنْ الِاسْتِدْلَالِ لِتَرْكِ غُسْلِ الشَّهِيدِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلُهُ ﷺ فِي شُهَدَاءِ أُحُدٍ زَمِّلُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ كَمَا سَيَأْتِي بَسْطُهُ فِي مَكَانِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
١١ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ ﷿ ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ وَالْحَرْبُ سِجَالٌ
٢٨٠٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ لَهُ: سَأَلْتُكَ كَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ فَزَعَمْتَ أَنَّ الْحَرْبَ سِجَالٌ وَدُوَلٌ، فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى ثُمَّ تَكُونُ لَهُمْ الْعَاقِبَةُ.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ ﷿ ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ سَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ بَرَاءَةٌ تَفْسِيرُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
لا يكون إلَّا بيتًا تامًّا مقفًّى على أحد أنواع العَروض المشهورة، وبأنَّ الشِّعر لا بدَّ فيه من قصد ذلك، فما لم يكن مصدره عن نيَّةٍ له ورويَّةٍ (١) فيه، وإنَّما هو اتِّفاق كلامٍ يقع موزونًا ليس منه، فالمنفيُّ صنعة الشاعريَّة لا غير.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الأدب» [خ¦٦١٤٦]، ومسلمٌ في «المغازي»، والتِّرمذيُّ في «التَّفسير»، والنَّسائيُّ في «اليوم واللَّيلة».
(١٠) (بابُ) فضل (مَنْ يُجْرَحُ فِي سَبِيلِ اللهِ ﷿ بضمِّ التَّحتيَّة وسكون الجيم.
٢٨٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: وَ) الله (الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) بقدرته أو في ملكه (لَا يُكْلَمُ) بضمِّ التَّحتيَّة وسكون الكاف وفتح اللَّام، أي: لا يُجرَح (أَحَدٌ) مسلمٌ (فِي سَبِيلِ اللهِ) أي: في الجهاد، ويشمل من جُرِحَ في ذات الله، وكلّ ما دافع فيه المرء بحقٍّ فأصيب فهو مجاهدٌ، كقتال البغاة وقُطَّاع الطَّريق وإقامة الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، وعند مسلمٍ من طريق هَمَّام عن أبي هريرة: «كلُّ كَلْمٍ يُكْلَمُه المسلمُ» (-وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ) يُجرَح (فِي سَبِيلِهِ-) جملةٌ معترضةٌ بين المستثنى منه والمستثنى، مؤكِّدةٌ مقرِّرةٌ لمعنى المعترض فيه، وتفخيم شأن من يُكلَم في سبيل الله، ومعناه -والله أعلم-: تعظيم شأن من يُكلَم في سبيل الله، ونظيره قوله تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى﴾ [آل عمران: ٣٦] أي: والله أعلم بالشَّيء الَّذي وضعت وما عُلِّقَ به من عظائم الأمور، ويجوز أن يكون تتميمًا للصِّيانة عن الرِّياء والسُّمعة، وتنبيهًا على الإخلاص في الغزو، وأنَّ الثَّواب المذكور إنَّما هو لمن أخلص فيه، وقاتل لتكون كلمة الله هي
العليا (إِلَّا جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَ) جرحه يَثْعَبُ -بالمثلَّثة والعين المهملة- يجري دمًا (اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالرِّيحُ رِيحُ المِسْكِ) أي: كريح المسك؛ إذ ليس هو مِسكًا حقيقةً، بخلاف اللَّون لون الدَّم، فلا حاجة فيه لتقدير ذلك؛ لأنَّه دمٌ حقيقة (١) فليس له من أحكام الدُّنيا والصِّفات فيها إلَّا اللَّون فقط، وظاهر قوله في رواية مسلمٍ: «كلُّ كَلْمٍ يُكْلَمُه المسلم» أنَّه لا فرق في ذلك بين أن يُستَشهَد، أو تبرأ جراحته، لكنَّ الظَّاهر أنَّ الَّذي يجيء يوم القيامة وجرحه يثعب دمًا مَن فارق الدُّنيا وجرحه كذلك، ويؤيِّده ما رواه ابن حبَّان في حديث معاذٍ: «عليه طابع الشُّهداء» والحكمة في بعثته كذلك: أن يكون معه شاهدُ فضيلته ببذله نفسه في طاعة الله ﷿، ولأصحاب السُّنن، وصحَّحه التِّرمذيُّ وابن حبَّان والحاكم من حديث معاذ بن جبلٍ: «من جُرِحَ جرحًا في سبيل الله أو نُكب نكبةً، فإنها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت، لونها الزَّعفران، وريحها المسك». قال الحافظ ابن حجرٍ: وعُرِفَ بهذه الزِّيادة أنَّ الصِّفة المذكورة لا تختصُّ بالشَّهيد، بل هي حاصلةٌ لكلِّ من جُرِحَ كذا قال، فليُتأمَّل. وقال النَّوويُّ: قالوا: وهذا الفضل وإن كان ظاهره أنَّه في قتال الكفَّار، فيدخل فيه من جُرِح في سبيل الله في قتال البغاة وقطَّاع الطَّريق، وفي إقامة الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر ونحو ذلك، وكذا قال ابن عبد البرِّ، واستشهد على ذلك بقوله ﵊: «من قُتِل دون ماله فهو شهيدٌ». لكن قال الوليُّ ابن العراقيِّ: قد يُتوقَّف في دخول المقاتل دون ماله في هذا الفضل لإشارة النبيِّ ﷺ إلى اعتبار الإخلاص في ذلك بقوله: «والله أعلم بمن يُكْلَم في سبيله»، والمقاتل دون ماله لا يقصد بذلك وجهَ الله، وإنَّما يقصد صون ماله وحفظه، فهو يفعل ذلك بداعية الطَّبع لا بداعية الشَّرع، ولا يلزم من كونه شهيدًا أن يكون دمه يوم القيامة كريح المسك، وأَيُّ بَذْلٍ بَذَلَ نفسه فيه لله حتَّى يستحقَّ هذا الفضل؟!
وهذا الحديث أورده (٢) المؤلِّف في «باب ما يقع من النَّجاسات في السَّمن والماء» من «كتاب الطَّهارة» [خ¦٢٣٧] وسبق البحث في وجه ذكره ثَمَّ.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
أَوْ بَعِيرُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ لَدَغَتْهُ هَامَّةٌ أَوْ مَاتَ عَلَى أَيِّ حَتْفٍ شَاءَ اللَّهُ فَهُوَ شَهِيدٌ.
١٠ - بَاب مَنْ يُجْرَحُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﷿
٢٨٠٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ - إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ يُجْرَحُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أَيْ فَضْلُهُ.
قَوْلُهُ: (لَا يُكْلَمُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْكَافِ وَفَتْحِ اللَّامِ أَيْ يُجْرَحُ.
قَوْلُهُ: (أَحَدٌ) قَيَّدَهُ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِالْمُسْلِمِ.
قَوْلُهُ: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلهِ) جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ قَصَدَ بِهَا التَّنْبِيهَ عَلَى شَرْطِيَّةِ الْإِخْلَاصِ فِي نَيْلِ هَذَا الثَّوَابِ.
قَوْلُهُ: (إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ) فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَاضِيَةِ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ تَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَهَيْئَتِهَا إِذَا طُعِنَتْ تُفَجَّرُ دَمًا.
قَوْلُهُ: (وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ) فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ وَالْعَرْفُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا فَاءٌ وَهُوَ الرَّائِحَةُ، وَلِأَصْحَابِ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ مَنْ جُرِحَ جُرْحًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ نُكِبَ نَكْبَةً فَإِنَّهَا تَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَغْزَرِ مَا كَانَتْ، لَوْنُهَا الزَّعْفَرَانُ وَرِيحُهَا الْمِسْكُ وَعُرِفَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ أَنَّ الصِّفَةَ الْمَذْكُورَةَ لَا تَخْتَصُّ بِالشَّهِيدِ بَلْ هِيَ حَاصِلَةٌ لِكُلِّ مَنْ جُرِحَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَذَا الْجُرْحِ هُوَ مَا يَمُوتُ صَاحِبُهُ بِسَبَبِهِ قَبْلَ انْدِمَالِهِ لَا مَا يَنْدَمِلُ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ أَثَرَ الْجِرَاحَةِ وَسَيَلَانَ الدَّمِ يَزُولُ، وَلَا يَنْفِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ لَهُ فَضْلٌ فِي الْجُمْلَةِ، لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الَّذِي يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَمًا مَنْ فَارَقَ الدُّنْيَا وَجُرْحُهُ كَذَلِكَ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ الْمَذْكُورِ عَلَيْهِ طَابِعُ الشُّهَدَاءِ وَقَوْلُهُ كَأَغْزَرِ مَا كَانَتْ لَا يُنَافِي قَوْلَهُ كَهَيْئَتِهَا لِأَنَّ الْمُرَادَ لَا يُنْقَصُ شَيْئًا بِطُولِ الْعَهْدِ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْحِكْمَةُ فِي بَعْثِهِ كَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ شَاهِدٌ بِفَضِيلَتِهِ بِبَذْلِهِ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الشَّهِيدَ يُدْفَنُ بِدِمَائِهِ وَثِيَابِهِ وَلَا يُزَالُ عَنْهُ الدَّمُ بِغُسْلٍ وَلَا غَيْرِهِ، لِيَجِيءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا وَصَفَ النَّبِيُّ ﷺ. وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ غَسْلِ الدَّمِ فِي الدُّنْيَا أَنْ لَا يُبْعَثَ كَذَلِكَ، وَيُغْنِي عَنْ الِاسْتِدْلَالِ لِتَرْكِ غُسْلِ الشَّهِيدِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلُهُ ﷺ فِي شُهَدَاءِ أُحُدٍ زَمِّلُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ كَمَا سَيَأْتِي بَسْطُهُ فِي مَكَانِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
١١ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ ﷿ ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ وَالْحَرْبُ سِجَالٌ
٢٨٠٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ لَهُ: سَأَلْتُكَ كَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ فَزَعَمْتَ أَنَّ الْحَرْبَ سِجَالٌ وَدُوَلٌ، فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى ثُمَّ تَكُونُ لَهُمْ الْعَاقِبَةُ.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ ﷿ ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ سَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ بَرَاءَةٌ تَفْسِيرُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
لا يكون إلَّا بيتًا تامًّا مقفًّى على أحد أنواع العَروض المشهورة، وبأنَّ الشِّعر لا بدَّ فيه من قصد ذلك، فما لم يكن مصدره عن نيَّةٍ له ورويَّةٍ (١) فيه، وإنَّما هو اتِّفاق كلامٍ يقع موزونًا ليس منه، فالمنفيُّ صنعة الشاعريَّة لا غير.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الأدب» [خ¦٦١٤٦]، ومسلمٌ في «المغازي»، والتِّرمذيُّ في «التَّفسير»، والنَّسائيُّ في «اليوم واللَّيلة».
(١٠) (بابُ) فضل (مَنْ يُجْرَحُ فِي سَبِيلِ اللهِ ﷿ بضمِّ التَّحتيَّة وسكون الجيم.
٢٨٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: وَ) الله (الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) بقدرته أو في ملكه (لَا يُكْلَمُ) بضمِّ التَّحتيَّة وسكون الكاف وفتح اللَّام، أي: لا يُجرَح (أَحَدٌ) مسلمٌ (فِي سَبِيلِ اللهِ) أي: في الجهاد، ويشمل من جُرِحَ في ذات الله، وكلّ ما دافع فيه المرء بحقٍّ فأصيب فهو مجاهدٌ، كقتال البغاة وقُطَّاع الطَّريق وإقامة الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، وعند مسلمٍ من طريق هَمَّام عن أبي هريرة: «كلُّ كَلْمٍ يُكْلَمُه المسلمُ» (-وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ) يُجرَح (فِي سَبِيلِهِ-) جملةٌ معترضةٌ بين المستثنى منه والمستثنى، مؤكِّدةٌ مقرِّرةٌ لمعنى المعترض فيه، وتفخيم شأن من يُكلَم في سبيل الله، ومعناه -والله أعلم-: تعظيم شأن من يُكلَم في سبيل الله، ونظيره قوله تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى﴾ [آل عمران: ٣٦] أي: والله أعلم بالشَّيء الَّذي وضعت وما عُلِّقَ به من عظائم الأمور، ويجوز أن يكون تتميمًا للصِّيانة عن الرِّياء والسُّمعة، وتنبيهًا على الإخلاص في الغزو، وأنَّ الثَّواب المذكور إنَّما هو لمن أخلص فيه، وقاتل لتكون كلمة الله هي
العليا (إِلَّا جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَ) جرحه يَثْعَبُ -بالمثلَّثة والعين المهملة- يجري دمًا (اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالرِّيحُ رِيحُ المِسْكِ) أي: كريح المسك؛ إذ ليس هو مِسكًا حقيقةً، بخلاف اللَّون لون الدَّم، فلا حاجة فيه لتقدير ذلك؛ لأنَّه دمٌ حقيقة (١) فليس له من أحكام الدُّنيا والصِّفات فيها إلَّا اللَّون فقط، وظاهر قوله في رواية مسلمٍ: «كلُّ كَلْمٍ يُكْلَمُه المسلم» أنَّه لا فرق في ذلك بين أن يُستَشهَد، أو تبرأ جراحته، لكنَّ الظَّاهر أنَّ الَّذي يجيء يوم القيامة وجرحه يثعب دمًا مَن فارق الدُّنيا وجرحه كذلك، ويؤيِّده ما رواه ابن حبَّان في حديث معاذٍ: «عليه طابع الشُّهداء» والحكمة في بعثته كذلك: أن يكون معه شاهدُ فضيلته ببذله نفسه في طاعة الله ﷿، ولأصحاب السُّنن، وصحَّحه التِّرمذيُّ وابن حبَّان والحاكم من حديث معاذ بن جبلٍ: «من جُرِحَ جرحًا في سبيل الله أو نُكب نكبةً، فإنها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت، لونها الزَّعفران، وريحها المسك». قال الحافظ ابن حجرٍ: وعُرِفَ بهذه الزِّيادة أنَّ الصِّفة المذكورة لا تختصُّ بالشَّهيد، بل هي حاصلةٌ لكلِّ من جُرِحَ كذا قال، فليُتأمَّل. وقال النَّوويُّ: قالوا: وهذا الفضل وإن كان ظاهره أنَّه في قتال الكفَّار، فيدخل فيه من جُرِح في سبيل الله في قتال البغاة وقطَّاع الطَّريق، وفي إقامة الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر ونحو ذلك، وكذا قال ابن عبد البرِّ، واستشهد على ذلك بقوله ﵊: «من قُتِل دون ماله فهو شهيدٌ». لكن قال الوليُّ ابن العراقيِّ: قد يُتوقَّف في دخول المقاتل دون ماله في هذا الفضل لإشارة النبيِّ ﷺ إلى اعتبار الإخلاص في ذلك بقوله: «والله أعلم بمن يُكْلَم في سبيله»، والمقاتل دون ماله لا يقصد بذلك وجهَ الله، وإنَّما يقصد صون ماله وحفظه، فهو يفعل ذلك بداعية الطَّبع لا بداعية الشَّرع، ولا يلزم من كونه شهيدًا أن يكون دمه يوم القيامة كريح المسك، وأَيُّ بَذْلٍ بَذَلَ نفسه فيه لله حتَّى يستحقَّ هذا الفضل؟!
وهذا الحديث أورده (٢) المؤلِّف في «باب ما يقع من النَّجاسات في السَّمن والماء» من «كتاب الطَّهارة» [خ¦٢٣٧] وسبق البحث في وجه ذكره ثَمَّ.