العشَّاق»: «مَن عشق فظفر فعفَّ فمات مات شهيدًا» والمراد بشهادة (١) هؤلاء كلِّهم غير المقتول في سبيل الله أن يكون لهم في الآخرة ثواب الشُّهداء فضلًا منه ﷾.
وقد قسَّم العلماء الشُّهداء ثلاثة أقسامٍ: شهيدٌ في الدُّنيا والآخرة وهو المقتول في حرب الكفَّار، وشهيدٌ في الآخرة دون أحكام الدنيا وهم المذكورون هنا، وشهيدٌ في الدُّنيا دون الآخرة؛ وهو من غلَّ في الغنيمة، أو قُتِل مدبرًا. والشَّهيد: فَعِيلٌ، من الشُّهود بمعنى: مَفْعول، لأنَّ الملائكة تحضره وتبشِّره بالفوز والكرامة، أو بمعنى: فاعل، لأنَّه يلقى ربَّه، ويحضر عنده كما قال تعالى: ﴿وَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [الحديد: ١٩] أو من الشَّهادة فإنَّه بيَّن صدقه في الإيمان والإخلاص في الطَّاعة ببذل النَّفس في سبيل الله، أو يكون تِلْوَ الرُّسل في الشَّهادة على الأمم يوم القيامة، ومن مات بالطَّاعون أو بوجع البطن، أو نحوهما ممَّا مرَّ يلحق بمن قُتِل في سبيل الله لمشاركته إيَّاه في بعض ما ينال من الكرامة بسبب ما كابده من الشِّدَّة، لا في جملة الأحكام والفضائل.
وهذا الحديث قد سبق في «الصَّلاة» [خ¦٦٥٣]، وأخرجه التِّرمذيُّ في «الجنائز»، والنَّسائيُّ في «الطِّب».
٢٨٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بكسر الموحَّدة وسكون الشِّين المعجمة، السَّختيانيُّ المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) هو ابن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ) هو ابن سليمان (٢) الأحول (عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ) أخت محمَّد بن سيرين (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ) وفي حديث أبي عَسِيبٍ عند أحمدَ مرفوعًا: «ورِجْزٌ على الكافر (٣)» وفي حديث عُتبة بن عَبدٍ عند الطَّبرانيِّ في «الكبير» بإسنادٍ لا بأس به مرفوعًا: «يأتي الشُّهداء والمتوفَّون بالطَّاعون، فيقول أصحاب الطَّاعون: نحن
شهداء (١) فيقال: انظروا، فإن كان جراحتهم كجراح الشُّهداء تسيل دمًا كريح المسك فهم شهداء، فيجدونهم كذلك».
وحديث الباب أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الطِّبِّ» [خ¦٥٧٣٢]، ومسلمٌ في «الجهاد».
(٣١) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى) ولأبي ذرٍّ: «﷿»: (﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ﴾) عن الجهاد (﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾) في موضع الحال من القاعدين أو من الضَّمير الَّذي فيه و ﴿مِنَ﴾ للبيان، والمراد بالجهاد غزوة بدر، قاله ابن عبَّاسٍ. وقال مقاتلٌ: غزوة تبوك (﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾) برفع ﴿غَيْرُ﴾ صفة للقاعدين، والضَّرر كالعمى والعرج والمرض (﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ﴾) عطفٌ على قوله: ﴿الْقَاعِدُونَ﴾ أي (٢): لا مساواة بينهم وبين من قعد عن الجهاد من غير علَّةٍ، وفائدته تذكير ما بينهما من التَّفاوت؛ ليرغب القاعد في الجهاد رفعًا لرتبته وأنفةً عن انحطاط منزلته (﴿فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾) نصبٌ بنزع الخافض، أي: بدرجةٍ، والجملة موضِّحةٌ للجملة الأولى الَّتي فيها عدم استواء القاعدين والمجاهدين، كأنَّه قيل: ما بالهم (٣) لا يستوون؟ فأُجيبَ بقوله: ﴿فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ﴾ (﴿وَكُلاًّ﴾) من القاعدين والمجاهدين (﴿وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى﴾) المثوبة الحسنى؛ وهي الجنَّة لحسن عقيدتهم وخلوص نيَّتهم، وإنَّما التَّفاوت في زيادة (٤) العمل المقتضي لمزيد الثَّواب (﴿وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ﴾) كأنَّه قيل (٥): وأعطاهم زيادةً على القاعدين ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ وأراد بقوله: (إِلَى قَوْلِهِ: ﴿غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ٩٥ - ٩٦]) تمام الآية،