الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٨٥٨
الحديث رقم ٢٨٥٨ من كتاب «كتاب الجهاد والسير» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ما يذكر من شؤم الفرس.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٢٨٥٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
بِشَيْءٍ.
قَوْلُهُ: (أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَنْ تَعْبُدُوا بِحَذْفِ الْمَفْعُولِ.
قَوْلُهُ: (فَيَتَّكِلُوا) بِتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِسُكُونِ النُّونِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ ذَلِكَ فِي أَوَاخِرَ كِتَابِ الْعِلْمِ، وَسَيَأْتِي هَذَا الْحَدِيثُ فِي الرِّقَاقِ مِنْ طَرِيقِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ مُعَاذٍ وَلَمْ يُسَمِّ فِيهِ الْحِمَارَ، وَنَسْتَكْمِلُ بَقِيَّةَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَتَقَدَّمَ فِي الْعِلْمِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَيْضًا لَكِنْ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَهَذَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِحَقِّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ فَهُمَا حَدِيثَانِ، وَوَهِمَ الْحُمَيْدِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ حَيْثُ جَعَلُوهُمَا حَدِيثًا وَاحِدًا. نَعَمْ وَقَعَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا مَنْعُهُ ﷺ أَنْ يُخْبِرَ بِذَلِكَ النَّاسَ لِئَلَّا يَتَكَلَّمُوا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَا حَدِيثًا وَاحِدًا. وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي فِي الْعِلْمِ فَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذًا عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ هُنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: حَدِيثُ أَنَسٍ فِي فَرَسِ أَبِي طَلْحَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الْهِبَةِ مَعَ شَرْحِهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا تَرْجَمَ بِهِ هُنَا.
٤٧ - بَاب مَا يُذْكَرُ مِنْ شُؤْمِ الْفَرَسِ
٢٨٥٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: إِنَّمَا الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ فِي الْفَرَسِ وَالْمَرْأَةِ وَالدَّارِ.
٢٨٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ فَفِي الْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ وَالْمَسْكَنِ".
[الحديث ٢٨٥٩ - طرفه في: ٥٠٩٥]
قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يُذْكَرُ مِنْ شُؤْمِ الْفَرَسِ) أَيْ هَلْ هُوَ عَلَى عُمُومِهِ، أَوْ مَخْصُوصٌ بِبَعْضِ الْخَيْلِ؟ وَهَلْ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ أَوْ مُؤَوَّلٌ؟ وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُ ذَلِكَ. وَقَدْ أَشَارَ بِإِيرَادِ حَدِيثِ سَهْلٍ بَعْدَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ إِلَّا أَنَّ الْحَصْرَ الَّذِي فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَبِتَرْجَمَةِ الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ وَهِيَ الْخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ إِلى أَنَّ الشُّؤْمَ مَخْصُوصٌ بِبَعْضِ الْخَيْلِ دُونَ بَعْضٍ وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ لَطِيفِ نَظَرِهِ وَدَقِيقِ فِكْرِهِ.
قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنِي سَالِمٌ) كَذَا صَرَّحَ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِإِخْبَارِ سَالِمٍ لَهُ، وَشَذَّ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ فَأَدْخَلَ بَيْنَ الزُّهْرِيِّ، وَسَالِمٍ، مُحَمَّدَ بْنَ زُبَيْدِ بْنِ قُنْقُد، وَاقْتَصَرَ شُعَيْبٌ عَلَى سَالِمٍ وَتَابَعَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ وَكَذَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ كَمَا سَيَأْتِي فِي الطِّبِّ، وَكَذَا قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ سُفْيَانَ عَنْهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَنَقَلَ التِّرْمِذِيُّ، عَنِ ابْنِ الْمَدِينِيِّ، وَالْحُمَيْدِيِّ أَنَّ سُفْيَانَ كَانَ يَقُولُ: لَمْ يَرْوِ الزُّهْرِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَّا عَنْ سَالِمٍ انْتَهَى. وَكَذَا قَالَ أَحْمَدُ، عَنْ سُفْيَانَ: إِنَّمَا نَحْفَظُهُ عَنْ سَالِمٍ. لَكِنَّ هَذَا الْحَصْرَ مَرْدُودٌ فَقَدْ حَدَّثَ بِهِ مَالِكٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، وَحَمْزَةَ ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِمَا، وَمَالِكٌ مِنْ كِبَارِ الْحُفَّاظِ وَلَا سِيَّمَا فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ نَفْسِهِ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْهُ، وَهُوَ يَقْتَضِي رُجُوعَ سُفْيَانَ عَمَّا سَبَقَ مِنَ الْحَضرِ.
وَأَمَّا التِّرْمِذِيُّ فَجَعَلَ رِوَايَةَ ابْنِ أَبِي عُمَرَ هَذِهِ مَرْجُوحَةً، وَقَدْ تَابَعَ مَالِكًا أَيْضًا يُونُسُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْهُ كَمَا سَيَأْتِي فِي الطِّبِّ، وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَأَبُو أُوَيْسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ أَبِي عَتِيقٍ، وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ثَلَاثَتُهُمْ عِنْدَ النَّسَائِيِّ كُلُّهمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْهُمَا، وَرَوَاهُ إِسْحَاقُ بنُ رَاشِدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَاقْتَصَرَ عَلَى حَمْزَةَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَأَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ عُقَيْلٍ، وَأَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ شَبِيبِ بْنِ
سَعِيدٍ كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَرَوَاهُ الْقَاسِمُ بْنُ مَبْرُورٍ، عَنْ يُونُسَ فَاقْتَصَرَ عَلَى حَمْزَةَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا. وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ رَبَاحِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ مَعْمَرٍ مُقْتَصِرًا عَلَى حَمْزَةَ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَاحِدِ، عَنْ مَعْمَرٍ فَاقْتَصَرَ عَلَى سَالِمٍ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الزُّهْرِيَّ يَجْمَعُهُمَا تَارَةً وَيُفْرِدُ أَحَدَهُمَا أُخْرَى، وَقَدْ رَوَاهُ إِسْحَاقُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ: عَنْ سَالِمٍ أَوْ حَمْزَةَ أَوْ كِلَاهُمَا وَلَهُ أَصْلٌ عَنْ حَمْزَةَ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عُتْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (إِنَّمَا الشُّؤْمُ) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْهَمْزَةِ وَقَدْ تُسَهَّلُ فَتَصِيرُ وَاوًا.
قَوْلُهُ: (فِي ثَلَاثٍ) يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ كَائِنٌ قَالَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ، قَالَ: وَالْحَصْرُ فِيهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَادَةِ لَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْخِلْقَةِ انْتَهَى. وَقَالَ غَيْرُهُ: إِنَّمَا خُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِطُولِ مُلَازَمَتِهَا، وَقَدْ رَوَاهُ مَالِكٌ، وَسُفْيَانُ وَسَائِرُ الرُّوَاةِ بِحَذْفِ إِنَّمَا لَكِنْ فِي رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ وَإِنَّمَا الشُّؤْمُ فِي الثَّلَاثَةِ قَالَ مُسْلِمٌ لَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ لَا عَدْوَى إِلَّا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ. قُلْتُ: وَمِثْلُهُ فِي حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، لَكِنْ قَالَ فِيهِ: إِنْ تَكُنِ الطِّيَرَةُ فِي شَيْءٍ الْحَدِيثَ، وَالطِّيَرَةُ وَالشُّؤْمُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ فِي أَوَاخِرِ شَرْحِ الطِّبِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ الشُّؤْمَ وَالطِّيرَةَ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وَوَجْهُهُ أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَتَطَيَّرُونَ فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ وَأَعْلَمَهُمْ أَنْ لَا طِيرَةَ، فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهَوا بَقِيَتِ الطِّيرَةُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ.
قُلْتُ: فَمَشَى ابْنُ قُتَيْبَةَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَيَلْزَمُ عَلَى قَوْلِهِ أَنَّ مَنْ تَشَاءَمَ بِشَيْءٍ مِنْهَا نَزَلَ بِهِ مَا يَكْرَهُ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَلَا يَظُنُّ بِهِ أَنَّهُ يَحْمِلُهُ عَلَى مَا كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ تَعْتَقِدُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ ذَلِكَ يَضُرُّ وَيَنْفَعُ بِذَاتِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ خَطَأٌ وَإِنَّمَا عَنَى أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ هِيَ أَكْثَرُ مَا يَتَطَيَّرُ بِهِ النَّاسُ، فَمَنْ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ شَيْءٌ أُبِيحَ لَهُ أَنْ يَتْرُكَهُ وَيَسْتَبْدِلَ بِهِ غَيْرَهُ، قُلْتُ: وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُمَرَ الْعَسْقَلَانِيِّ - وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ كَمَا سَيَأْتِي فِي النِّكَاحِ بِلَفْظِ: ذَكَرُوا الشُّؤْمَ فَقَالَ: إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ فَفِي: وَلِمُسْلِمٍ: إِنْ يَكُ مِنَ الشُّؤْمِ شَيْءٌ حَقٌّ وَفِي رِوَايَةِ عُتْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ: إِنْ كَانَ الشُّؤْمُ فِي شَيْءٍ وَكَذَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ثَانِي حَدِيثَيِ الْبَابِ، وَهُوَ يَقْتَضِي عَدَمَ الْجَزْمِ بِذَلِكَ بِخِلَافِ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: مَعْنَاهُ إِنْ كَانَ خَلَقَ اللَّهُ الشُّؤْمَ فِي شَيْءٍ مِمَّا جَرَى مِنْ بَعْضِ الْعَادَةِ فَإِنَّمَا يَخْلُقُهُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، قَالَ الْمَازِرِيُّ: بحمل هَذِهِ الرِّوَايَةِ إِنْ يَكُنِ الشُّؤْمُ حَقًّا فَهَذِهِ الثَّلَاثُ أَحَقُّ بِهِ، بِمَعْنَى أَنَّ النُّفُوسَ يَقَعُ فِيهَا التَّشَاؤُمُ بِهَذِهِ أَكْثَرُ مِمَّا يَقَعُ بِغَيْرِهَا.
وَجَاءَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا أَنْكَرَتْ هَذَا الْحَدِيثَ، فَرَوَى أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: قِيلَ لِعَائِشَةَ إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ فَقَالَتْ: لَمْ يَحْفَظْ، إِنَّهُ دَخَلَ وَهُوَ يَقُولُ: قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ يَقُولُونَ الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ: فَسَمِعَ آخِرَ الْحَدِيثِ وَلَمْ يَسْمَعْ أَوَّلَهُ. قُلْتُ: وَمَكْحُولٌ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَائِشَةَ، فَهُوَ مُنْقَطِعٌ لَكِنْ رَوَى أَحْمَدُ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي حَسَّانَ: أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي عَامِرٍ دَخَلَا عَلَى عَائِشَةَ فَقَالَا: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: الطِّيرَةُ فِي الْفَرَسِ وَالْمَرْأَةِ وَالدَّارِ فَغَضِبَتْ غَضَبًا شَدِيدًا وَقَالَتْ: مَا قَالَهُ، وَإِنَّمَا قَالَ: إِنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَتَطَيَّرُونَ مِنْ ذَلِكَ انْتَهَى، وَلَا مَعْنَى لِإِنْكَارِ ذَلِكَ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ مَعَ مُوَافَقَةِ مَنْ ذَكَرْنَا مِنَ الصَّحَابَةِ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ تَأَوَّلَهُ غَيْرُهَا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ سِيقَ لِبَيَانِ اعْتِقَادِ النَّاسِ فِي ذَلِكَ، لَا أَنَّهُ إِخْبَارٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بِثُبُوتِ ذَلِكَ، وَسِيَاقُ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا يُبْعِدُ هَذَا التَّأْوِيلَ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: هَذَا جَوَابٌ سَاقِطٌ؛ لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يُبْعَثْ لِيُخْبِرَ النَّاسَ عَنْ مُعْتَقَدَاتِهِمُ الْمَاضِيَةِ وَالْحَاصِلَةِ، وَإِنَّمَا بُعِثَ لِيُعَلِّمَهُمْ مَا يَلْزَمُهُمْ أَنْ يَعْتَقِدُوهُ انْتَهَى.
وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ قَالَ: سَمِعَتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَا شُؤْمَ، وَقَدْ يَكُونُ اليمن فِي الْمَرْأَةِ وَالدَّارِ وَالْفَرَسِ فَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ مَعْمَرٍ سَمِعْتُ مَنْ يُفَسِّرُ هَذَا الْحَدِيثَ يَقُولُ: شُؤْمُ الْمَرْأَةِ إِذَا كَانَتْ غَيْرَ وَلُودٍ، وَشُؤْمُ الْفَرَسِ إِذَا لَمْ يُغْزَ عَلَيْهِ، وَشُؤْمُ الدَّارِ جَارُ السَّوْءِ. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي الطِّبِّ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْهُ فَقَالَ: كَمْ مِنْ دَارٍ سَكَنَهَا نَاسٌ فَهَلَكُوا. قَالَ الْمَازِرِيُّ: فَيَحْمِلُهُ مَالِكٌ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ قَدَرَ اللَّهِ رُبَمَا اتَّفَقَ مَا يُكْرَهُ عِنْدَ سُكْنَى الدَّارِ فَتَصِيرُ فِي ذَلِكَ كَالسَّبَبِ فَتَسَامَحَ فِي إِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَيْهِ اتِّسَاعًا.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: لَمْ يُرِدْ مَالِكٌ إِضَافَةَ الشُّؤْمِ إِلَى الدَّارِ، وَإِنَّمَا هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ جَرْيِ الْعَادَةِ فِيهَا فَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ الْخُرُوجُ عَنْهَا صِيَانَةً لِاعْتِقَادِهِ عَنِ التَّعَلُّقِ بِالْبَاطِلِ. وَقِيلَ: مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ يَطُولُ تَعْذِيبُ الْقَلْبِ بِهَا مَعَ كَرَاهَةِ أَمْرِهَا لِمُلَازَمَتِهَا بِالسُّكْنَى وَالصُّحْبَيةِ وَلَوْ لَمْ يَعْتَقِدِ الْإِنْسَانُ الشُّؤْمَ فِيهَا، فَأَشَارَ الْحَدِيثُ إِلَى الْأَمْرِ بِفِرَاقِهَا لِيَزُولَ التَّعْذِيبُ. قُلْتُ: وَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي تَأْوِيلِ كَلَامِ مَالِكٍ أَوْلَى، وَهُوَ نَظِيرُ الْأَمْرِ بِالْفِرَارِ مِنَ الْمَجْذُومِ مَعَ صِحَّةِ نَفْيِ الْعَدْوَى، وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ حَسْمُ الْمَادَّةِ وَسَدُّ الذَّرِيعَةِ لِئَلَّا يُوَافِقَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ الْقَدَرَ فَيَعْتَقِدُ مَنْ وَقَعَ لَهُ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْعَدْوَى أَوْ مِنَ الطِّيرَةِ فَيَقَعُ فِي اعْتِقَادِ مَا نُهِيَ عَنِ اعْتِقَادِهِ، فَأُشِيرَ إِلَى اجْتِنَابِ مِثْلِ ذَلِكَ. وَالطَّرِيقُ فِيمَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ فِي الدَّارِ مَثَلًا أَنْ يُبَادِرَ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْهَا، لِأَنَّهُ مَتَى اسْتَمَرَّ فِيهَا رُبَّمَا حَمَلَهُ ذَلِكَ عَلَى اعْتِقَادِ صِحَّةِ الطِّيرَةِ وَالتَّشَاؤُمِ.
وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا فِي دَارٍ كَثِيرٌ فِيهَا عَدَدُنَا وَأَمْوَالُنَا، فَتَحَوَّلْنَا إِلَى أُخْرَى فَقَلَّ فِيهَا ذَلِكَ، فَقَالَ: ذَرُوهَا ذَمِيمَةً وَأَخْرَجَ مِنْ حَدِيثِ فَرْوَةَ بْنِ مُسَيْكٍ بِالْمُهْلَةِ مُصَغَّرٌ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ هُوَ السَّائِلُ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ أَحَدِ كِبَارِ التَّابِعِينَ، وَلَهُ رِوَايَةٌ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَيْهِ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، قَالَ ابْنُ العَرْبِيِّ: وَرَوَاهُ مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ مُنْقَطِعًا قَالَ: وَالدَّارُ الْمَذْكُورَةُ فِي حَدِيثِهِ كَانَتْ دَارَ مُكْمِلٍ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْكَافِ وَكَسْرِ الْمِيمِ بَعْدَهَا لَامٌ - وَهُوَ ابْنُ عَوْفٍ أَخُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - قَالَ: وَإِنَّمَا أَمَرَهُمْ بِالْخُرُوجِ مِنْهَا لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ ذَلِكَ مِنْهَا، وَلَيْسَ كَمَا ظَنُّوا، لَكِنَّ الْخَالِقَ جَلَّ وَعَلَا جَعَلَ ذَلِكَ وَفْقًا لِظُهُورِ قَضَائِهِ، وَأَمَرَهُمْ بِالْخُرُوجِ مِنْهَا لِئَلَّا يَقَعَ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْءٌ فَيَسْتَمِرَّ اعْتِقَادُهُمْ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَأَفَادَ وَصْفُهَا بِكَوْنِهَا ذَمِيمَةً جَوَازَ ذَلِكَ، وَأَنَّ ذِكْرَهَا بِقَبِيحٍ مَا وَقَعَ فِيهَا سَائِغٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْهَا، وَلَا يَمْتَنِعُ ذَمُّ مَحَلِّ الْمَكْرُوهِ وَإِنْ كَانَ لَيْسَ مِنْهُ شَرْعًا كَمَا يُذَمُّ الْعَاصِي عَلَى مَعْصِيَتِهِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ وَمَعْنَاهُ إِبْطَالُ مَذْهَبِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي التَّطَيُّرِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِنْ كَانَتْ لِأَحَدِكُمْ دَارٌ يَكْرَهُ سُكْنَاهَا أَوِ امْرَأَةٌ يَكْرَهُ صُحْبَتَهَا أَوْ فَرَسٌ يَكْرَهُ سَيْرَهُ فَلْيُفَارِقْهُ.
قَالَ: وَقِيلَ: إِنَّ شُؤْمَ الدَّارِ ضِيقُهَا وَسُوءُ جِوَارِهَا، وَشُؤْمَ الْمَرْأَةِ أَنْ لَا تَلِدَ، وَشُؤْمَ الْفَرَسِ أَنْ لَا يُغَزَى عَلَيْهِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى مَا جَاءَ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ رَوَاهُ الدِّمْيَاطِيُّ فِي الْخَيْلِ: إِذَا كَانَ الْفَرَسُ ضَرُوبًا فَهُوَ مَشْئُومٌ، وَإِذَا حَنَّتِ الْمَرْأَةُ إِلَى بَعْلِهَا الْأَوَّلِ فَهِيَ مَشْئُومَةٌ، وَإِذَا كَانَتِ الدَّارُ بَعِيدَةً مِنَ الْمَسْجِدِ لَا يُسْمَعُ مِنْهَا الْأَذَانُ فَهِيَ مَشْئُومَةٌ.
وَقِيلَ: كَانَ قَوْلُهُ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ﴾ الْآيَةَ، حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَالنَّسْخُ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ لَا سِيَّمَا مَعَ إِمْكَانِ الْجَمْعِ وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ وَرَدَ فِي نَفْسِ هَذَا الْخَبَرِ نَفْيُ التَّطَيُّرِ ثُمَّ إِثْبَاتُهُ فِي الْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ. وَقِيلَ: يُحْمَلُ الشُّؤْمُ عَلَى قِلَّةِ الْمُوَافَقَةِ وَسُوءِ الطِّبَاعِ، وَهُوَ كَحَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَفَعَهُ مِنْ سَعَادَةِ الْمَرْءِ الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ وَالْمَسْكَنُ الصَّالِحُ وَالْمَرْكَبُ الْهَنِيءُ. وَمِنْ شَقَاوَةِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد كان للنَّبيِّ ﷺ أربعةٌ وعشرون فرسًا، لكلِّ (١) واحدةٍ (٢) منهنَّ (٣) اسمٌ مخصوصٌ يعيِّنه (٤) ويميِّزه (٥) عن غيره من جنسه، وكان له بغلةٌ تُسمَّى: دُلْدُل (٦)، وناقةٌ تسمَّى: القَصْواء، وأخرى تُسمَّى: العَضْباء، وغير ذلك.
(٤٧) (بابُ مَا يُذْكَرُ) في الحديث (مِنْ شُؤْمِ الفَرَسِ) بالهمزة وتُخفَّف واوًا (٧)، وهو ضدُّ اليُمْن.
٢٨٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزةَ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَنَّ) أباه (عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: إِنَّمَا الشُّؤْمُ) كائنٌ (فِي ثَلَاثَةٍ: فِي الفَرَسِ) أي: إذا لم يغزَ عليه، أو كان (٨) شموسًا (وَالمَرْأَةِ) إذا كانت غير ولودٍ، أو غير قانعةٍ أو سليطةً (وَالدَّارِ) ذات الجار السُّوء، أو الضَّيِّقة، أو البعيدة من المسجد لا تسمع الأذان، وقد يكون الشُّؤْمُ في غير هذه الثَّلاثة، فالحصر فيها -كما قاله (٩) ابن العربيِّ- بالنِّسبة إلى العادة، لا بالنِّسبة إلى الخِلْقة. وقال الخطَّابيُّ: اليُمْن والشُّؤْم علامتان لما يصيب الإنسان من الخير
والشَّرِّ، ولا يكون (١) شيءٌ من ذلك إلَّا بقضاء الله، وهذه الأشياء الثَّلاثة ظروفٌ، جُعِلَت مواقع لأقضيةٍ (٢) ليس لها بأنفسها وطبائعها (٣) فعلٌ، ولا تأثيرٌ في شيءٍ إلَّا أنَّها لمَّا كانت أعمَّ الأشياء الَّتي يقتنيها الإنسان، و (٤) كان في غالب أحواله لا يستغني عن دارٍ يسكنها، وزوجةٍ يعاشرها، وفرسٍ مرتبطةٍ، ولا يخلو عن عارضٍ مكروهٍ في زمانه، أضيف (٥) اليُمْن والشُّؤْم إليها إضافةَ مكانٍ، وهما صادران عن مشيئة الله ﷿. انتهى. وقد روى الحديثَ مالكٌ وسفيانُ وسائر الرُّواة بدون «إنَّما» واتَّفقت الطُّرق كلُّها على الاقتصار على الثَّلاثة المذكورة. نعم، زادت أمُّ سلمة في حديثها المرويِّ في «ابن ماجه»: «السَّيف» (٦) ولمسلمٍ من طريق (٧) يونس عن ابن شهابٍ: «لا عَدوى ولا طِيَرة، وإنَّما الشُّؤْم في ثلاثةٍ: المرأةِ، والفرسِ، والدَّارِ» وظاهره أنَّ الشُّؤم والطِّيرة في هذه الثَّلاثة. وعند أبي داود من حديث سعد بن مالكٍ مرفوعًا: «لا هامَّة ولا عَدوى ولا طِيَرة، وإن تكن الطِّيرة في شيءٍ ففي الدَّار والفرس والمرأة» قال الخطَّابيُّ وكثيرون: هو في معنى الاستثناء من الطِّيرة، أي: الطِّيرة منهيٌّ عنها إلَّا في هذه الثَّلاثة. وقال الطِّيبيُّ في «شرح المشكاة»: يُحتمَل أن يكون معنى الاستثناء على حقيقته، وتكون هذه الثَّلاثة خارجةً من (٨) حكم المستثنى منه، أي: الشُّؤم ليس في شيءٍ من الأشياء إلَّا في هذه الثَّلاثة، قال: ويحتمل أن ينزل (٩) على قوله ﷺ: «لو كان شيءٌ سابق القدر سبقه (١٠) العين» والمعنى: أَنْ لو فُرِضَ شيءٌ له قوَّةٌ وتأثيرٌ عظيمٌ يسبق القدر لكان عينًا، والعين لا تَسبقُ فكيف بغيرها. وعليه كلام القاضي عياضٍ، حيث قال: وجه تعقيبِ
قولِه: «ولا طيرة» بهذه الشَّريطة (١) يدلُّ على أنَّ الشُّؤم أيضًا منفيٌّ عنها، والمعنى: أنَّ الشُّؤم لو كان له وجود في شيءٍ لكان في هذه الأشياء، فإنَّها أَقْبل الأشياء له (٢)، لكنْ لا وجود له فيها، فلا وجود له أصلًا. انتهى. قال الطِّيبيُّ: فعلى هذا: الشُّؤمُ في الأحاديث المستشهَد بها محمولٌ على الكراهة الَّتي سببُها ما في الأشياء من مخالفة الشَّرع أو الطَّبع، كما قيل: شؤم الدَّار ضيقُها وسوء جيرانها، وشؤم المرأة عدم ولادتها وسلاطة لسانها ونحوهما، وشؤم الفرس ألَّا يُغزَى عليها، فالشُّؤم فيها عدم موافقتها له شرعًا أو طبعًا. ويؤيِّده ما ذكره في «شرح السُّنَّة» كأنَّه يقول: إِنْ كان لأحدكم (٣) دارٌ يكره سكناها، أو امرأةٌ يكره صحبتها، أو فرسٌ لا تعجبه، فليفارقْها بأن ينتقل عن الدَّار، ويطلِّق المرأة، ويبيع الفرس، حتَّى يزول عنه ما يجده في نفسه من الكراهة، كما قال ﷺ في -جواب مَن قال: يا رسول الله إنَّا كنَّا في دارٍ كثيرٍ فيها عددنا وأموالنا، فتحوَّلْنا إلى أخرى، فقَلَّ فيها ذلك- «ذروها ذميمةً» (٤). رواه أبو داود، وصحَّحه الحاكم، فأمرهم بالتَّحُّول عنها؛ لأنَّهم كانوا فيها على استثقالٍ واستيحاشٍ، فأمرهم ﷺ بالانتقال عنها لِيزولَ عنهم ما يجدون من الكراهة، لا أنَّها (٥) سببٌ في ذلك، وقيل: يُحمَل الشُّؤم هنا على معنى قلَّة الموافقة وسوء الطِّباع، كما في حديث سعد بن أبي وقَّاصٍ عند أحمدَ مرفوعًا: «من سعادة المرء المرأةُ الصَّالحةُ، والمسكن الصَّالح، والمركب الهنيء، ومن شقاوة المرء المرأة السُّوء، والمسكن السُّوء، والمركب السُّوء» وقد جاء عن عائشة ﵂: أنَّها أنكرت على أبي هريرة تحديثه بذلك، فعند أبي داود الطَّيالسيِّ في «مسنده» عن مكحولٍ قال: قيل لعائشة: إنَّ أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «الشُّؤم في ثلاثةٍ» فقالت: لم يَحْفَظ (٦)،
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
بِشَيْءٍ.
قَوْلُهُ: (أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَنْ تَعْبُدُوا بِحَذْفِ الْمَفْعُولِ.
قَوْلُهُ: (فَيَتَّكِلُوا) بِتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِسُكُونِ النُّونِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ ذَلِكَ فِي أَوَاخِرَ كِتَابِ الْعِلْمِ، وَسَيَأْتِي هَذَا الْحَدِيثُ فِي الرِّقَاقِ مِنْ طَرِيقِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ مُعَاذٍ وَلَمْ يُسَمِّ فِيهِ الْحِمَارَ، وَنَسْتَكْمِلُ بَقِيَّةَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَتَقَدَّمَ فِي الْعِلْمِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَيْضًا لَكِنْ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَهَذَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِحَقِّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ فَهُمَا حَدِيثَانِ، وَوَهِمَ الْحُمَيْدِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ حَيْثُ جَعَلُوهُمَا حَدِيثًا وَاحِدًا. نَعَمْ وَقَعَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا مَنْعُهُ ﷺ أَنْ يُخْبِرَ بِذَلِكَ النَّاسَ لِئَلَّا يَتَكَلَّمُوا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَا حَدِيثًا وَاحِدًا. وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي فِي الْعِلْمِ فَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذًا عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ هُنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: حَدِيثُ أَنَسٍ فِي فَرَسِ أَبِي طَلْحَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الْهِبَةِ مَعَ شَرْحِهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا تَرْجَمَ بِهِ هُنَا.
٤٧ - بَاب مَا يُذْكَرُ مِنْ شُؤْمِ الْفَرَسِ
٢٨٥٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: إِنَّمَا الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ فِي الْفَرَسِ وَالْمَرْأَةِ وَالدَّارِ.
٢٨٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ فَفِي الْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ وَالْمَسْكَنِ".
[الحديث ٢٨٥٩ - طرفه في: ٥٠٩٥]
قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يُذْكَرُ مِنْ شُؤْمِ الْفَرَسِ) أَيْ هَلْ هُوَ عَلَى عُمُومِهِ، أَوْ مَخْصُوصٌ بِبَعْضِ الْخَيْلِ؟ وَهَلْ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ أَوْ مُؤَوَّلٌ؟ وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُ ذَلِكَ. وَقَدْ أَشَارَ بِإِيرَادِ حَدِيثِ سَهْلٍ بَعْدَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ إِلَّا أَنَّ الْحَصْرَ الَّذِي فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَبِتَرْجَمَةِ الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ وَهِيَ الْخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ إِلى أَنَّ الشُّؤْمَ مَخْصُوصٌ بِبَعْضِ الْخَيْلِ دُونَ بَعْضٍ وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ لَطِيفِ نَظَرِهِ وَدَقِيقِ فِكْرِهِ.
قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنِي سَالِمٌ) كَذَا صَرَّحَ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِإِخْبَارِ سَالِمٍ لَهُ، وَشَذَّ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ فَأَدْخَلَ بَيْنَ الزُّهْرِيِّ، وَسَالِمٍ، مُحَمَّدَ بْنَ زُبَيْدِ بْنِ قُنْقُد، وَاقْتَصَرَ شُعَيْبٌ عَلَى سَالِمٍ وَتَابَعَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ وَكَذَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ كَمَا سَيَأْتِي فِي الطِّبِّ، وَكَذَا قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ سُفْيَانَ عَنْهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَنَقَلَ التِّرْمِذِيُّ، عَنِ ابْنِ الْمَدِينِيِّ، وَالْحُمَيْدِيِّ أَنَّ سُفْيَانَ كَانَ يَقُولُ: لَمْ يَرْوِ الزُّهْرِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَّا عَنْ سَالِمٍ انْتَهَى. وَكَذَا قَالَ أَحْمَدُ، عَنْ سُفْيَانَ: إِنَّمَا نَحْفَظُهُ عَنْ سَالِمٍ. لَكِنَّ هَذَا الْحَصْرَ مَرْدُودٌ فَقَدْ حَدَّثَ بِهِ مَالِكٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، وَحَمْزَةَ ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِمَا، وَمَالِكٌ مِنْ كِبَارِ الْحُفَّاظِ وَلَا سِيَّمَا فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ نَفْسِهِ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْهُ، وَهُوَ يَقْتَضِي رُجُوعَ سُفْيَانَ عَمَّا سَبَقَ مِنَ الْحَضرِ.
وَأَمَّا التِّرْمِذِيُّ فَجَعَلَ رِوَايَةَ ابْنِ أَبِي عُمَرَ هَذِهِ مَرْجُوحَةً، وَقَدْ تَابَعَ مَالِكًا أَيْضًا يُونُسُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْهُ كَمَا سَيَأْتِي فِي الطِّبِّ، وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَأَبُو أُوَيْسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ أَبِي عَتِيقٍ، وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ثَلَاثَتُهُمْ عِنْدَ النَّسَائِيِّ كُلُّهمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْهُمَا، وَرَوَاهُ إِسْحَاقُ بنُ رَاشِدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَاقْتَصَرَ عَلَى حَمْزَةَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَأَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ عُقَيْلٍ، وَأَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ شَبِيبِ بْنِ
سَعِيدٍ كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَرَوَاهُ الْقَاسِمُ بْنُ مَبْرُورٍ، عَنْ يُونُسَ فَاقْتَصَرَ عَلَى حَمْزَةَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا. وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ رَبَاحِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ مَعْمَرٍ مُقْتَصِرًا عَلَى حَمْزَةَ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَاحِدِ، عَنْ مَعْمَرٍ فَاقْتَصَرَ عَلَى سَالِمٍ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الزُّهْرِيَّ يَجْمَعُهُمَا تَارَةً وَيُفْرِدُ أَحَدَهُمَا أُخْرَى، وَقَدْ رَوَاهُ إِسْحَاقُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ: عَنْ سَالِمٍ أَوْ حَمْزَةَ أَوْ كِلَاهُمَا وَلَهُ أَصْلٌ عَنْ حَمْزَةَ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عُتْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (إِنَّمَا الشُّؤْمُ) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْهَمْزَةِ وَقَدْ تُسَهَّلُ فَتَصِيرُ وَاوًا.
قَوْلُهُ: (فِي ثَلَاثٍ) يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ كَائِنٌ قَالَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ، قَالَ: وَالْحَصْرُ فِيهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَادَةِ لَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْخِلْقَةِ انْتَهَى. وَقَالَ غَيْرُهُ: إِنَّمَا خُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِطُولِ مُلَازَمَتِهَا، وَقَدْ رَوَاهُ مَالِكٌ، وَسُفْيَانُ وَسَائِرُ الرُّوَاةِ بِحَذْفِ إِنَّمَا لَكِنْ فِي رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ وَإِنَّمَا الشُّؤْمُ فِي الثَّلَاثَةِ قَالَ مُسْلِمٌ لَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ لَا عَدْوَى إِلَّا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ. قُلْتُ: وَمِثْلُهُ فِي حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، لَكِنْ قَالَ فِيهِ: إِنْ تَكُنِ الطِّيَرَةُ فِي شَيْءٍ الْحَدِيثَ، وَالطِّيَرَةُ وَالشُّؤْمُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ فِي أَوَاخِرِ شَرْحِ الطِّبِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ الشُّؤْمَ وَالطِّيرَةَ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وَوَجْهُهُ أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَتَطَيَّرُونَ فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ وَأَعْلَمَهُمْ أَنْ لَا طِيرَةَ، فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهَوا بَقِيَتِ الطِّيرَةُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ.
قُلْتُ: فَمَشَى ابْنُ قُتَيْبَةَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَيَلْزَمُ عَلَى قَوْلِهِ أَنَّ مَنْ تَشَاءَمَ بِشَيْءٍ مِنْهَا نَزَلَ بِهِ مَا يَكْرَهُ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَلَا يَظُنُّ بِهِ أَنَّهُ يَحْمِلُهُ عَلَى مَا كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ تَعْتَقِدُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ ذَلِكَ يَضُرُّ وَيَنْفَعُ بِذَاتِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ خَطَأٌ وَإِنَّمَا عَنَى أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ هِيَ أَكْثَرُ مَا يَتَطَيَّرُ بِهِ النَّاسُ، فَمَنْ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ شَيْءٌ أُبِيحَ لَهُ أَنْ يَتْرُكَهُ وَيَسْتَبْدِلَ بِهِ غَيْرَهُ، قُلْتُ: وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُمَرَ الْعَسْقَلَانِيِّ - وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ كَمَا سَيَأْتِي فِي النِّكَاحِ بِلَفْظِ: ذَكَرُوا الشُّؤْمَ فَقَالَ: إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ فَفِي: وَلِمُسْلِمٍ: إِنْ يَكُ مِنَ الشُّؤْمِ شَيْءٌ حَقٌّ وَفِي رِوَايَةِ عُتْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ: إِنْ كَانَ الشُّؤْمُ فِي شَيْءٍ وَكَذَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ثَانِي حَدِيثَيِ الْبَابِ، وَهُوَ يَقْتَضِي عَدَمَ الْجَزْمِ بِذَلِكَ بِخِلَافِ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: مَعْنَاهُ إِنْ كَانَ خَلَقَ اللَّهُ الشُّؤْمَ فِي شَيْءٍ مِمَّا جَرَى مِنْ بَعْضِ الْعَادَةِ فَإِنَّمَا يَخْلُقُهُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، قَالَ الْمَازِرِيُّ: بحمل هَذِهِ الرِّوَايَةِ إِنْ يَكُنِ الشُّؤْمُ حَقًّا فَهَذِهِ الثَّلَاثُ أَحَقُّ بِهِ، بِمَعْنَى أَنَّ النُّفُوسَ يَقَعُ فِيهَا التَّشَاؤُمُ بِهَذِهِ أَكْثَرُ مِمَّا يَقَعُ بِغَيْرِهَا.
وَجَاءَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا أَنْكَرَتْ هَذَا الْحَدِيثَ، فَرَوَى أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: قِيلَ لِعَائِشَةَ إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ فَقَالَتْ: لَمْ يَحْفَظْ، إِنَّهُ دَخَلَ وَهُوَ يَقُولُ: قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ يَقُولُونَ الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ: فَسَمِعَ آخِرَ الْحَدِيثِ وَلَمْ يَسْمَعْ أَوَّلَهُ. قُلْتُ: وَمَكْحُولٌ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَائِشَةَ، فَهُوَ مُنْقَطِعٌ لَكِنْ رَوَى أَحْمَدُ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي حَسَّانَ: أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي عَامِرٍ دَخَلَا عَلَى عَائِشَةَ فَقَالَا: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: الطِّيرَةُ فِي الْفَرَسِ وَالْمَرْأَةِ وَالدَّارِ فَغَضِبَتْ غَضَبًا شَدِيدًا وَقَالَتْ: مَا قَالَهُ، وَإِنَّمَا قَالَ: إِنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَتَطَيَّرُونَ مِنْ ذَلِكَ انْتَهَى، وَلَا مَعْنَى لِإِنْكَارِ ذَلِكَ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ مَعَ مُوَافَقَةِ مَنْ ذَكَرْنَا مِنَ الصَّحَابَةِ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ تَأَوَّلَهُ غَيْرُهَا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ سِيقَ لِبَيَانِ اعْتِقَادِ النَّاسِ فِي ذَلِكَ، لَا أَنَّهُ إِخْبَارٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بِثُبُوتِ ذَلِكَ، وَسِيَاقُ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا يُبْعِدُ هَذَا التَّأْوِيلَ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: هَذَا جَوَابٌ سَاقِطٌ؛ لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يُبْعَثْ لِيُخْبِرَ النَّاسَ عَنْ مُعْتَقَدَاتِهِمُ الْمَاضِيَةِ وَالْحَاصِلَةِ، وَإِنَّمَا بُعِثَ لِيُعَلِّمَهُمْ مَا يَلْزَمُهُمْ أَنْ يَعْتَقِدُوهُ انْتَهَى.
وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ قَالَ: سَمِعَتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَا شُؤْمَ، وَقَدْ يَكُونُ اليمن فِي الْمَرْأَةِ وَالدَّارِ وَالْفَرَسِ فَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ مَعْمَرٍ سَمِعْتُ مَنْ يُفَسِّرُ هَذَا الْحَدِيثَ يَقُولُ: شُؤْمُ الْمَرْأَةِ إِذَا كَانَتْ غَيْرَ وَلُودٍ، وَشُؤْمُ الْفَرَسِ إِذَا لَمْ يُغْزَ عَلَيْهِ، وَشُؤْمُ الدَّارِ جَارُ السَّوْءِ. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي الطِّبِّ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْهُ فَقَالَ: كَمْ مِنْ دَارٍ سَكَنَهَا نَاسٌ فَهَلَكُوا. قَالَ الْمَازِرِيُّ: فَيَحْمِلُهُ مَالِكٌ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ قَدَرَ اللَّهِ رُبَمَا اتَّفَقَ مَا يُكْرَهُ عِنْدَ سُكْنَى الدَّارِ فَتَصِيرُ فِي ذَلِكَ كَالسَّبَبِ فَتَسَامَحَ فِي إِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَيْهِ اتِّسَاعًا.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: لَمْ يُرِدْ مَالِكٌ إِضَافَةَ الشُّؤْمِ إِلَى الدَّارِ، وَإِنَّمَا هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ جَرْيِ الْعَادَةِ فِيهَا فَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ الْخُرُوجُ عَنْهَا صِيَانَةً لِاعْتِقَادِهِ عَنِ التَّعَلُّقِ بِالْبَاطِلِ. وَقِيلَ: مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ يَطُولُ تَعْذِيبُ الْقَلْبِ بِهَا مَعَ كَرَاهَةِ أَمْرِهَا لِمُلَازَمَتِهَا بِالسُّكْنَى وَالصُّحْبَيةِ وَلَوْ لَمْ يَعْتَقِدِ الْإِنْسَانُ الشُّؤْمَ فِيهَا، فَأَشَارَ الْحَدِيثُ إِلَى الْأَمْرِ بِفِرَاقِهَا لِيَزُولَ التَّعْذِيبُ. قُلْتُ: وَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي تَأْوِيلِ كَلَامِ مَالِكٍ أَوْلَى، وَهُوَ نَظِيرُ الْأَمْرِ بِالْفِرَارِ مِنَ الْمَجْذُومِ مَعَ صِحَّةِ نَفْيِ الْعَدْوَى، وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ حَسْمُ الْمَادَّةِ وَسَدُّ الذَّرِيعَةِ لِئَلَّا يُوَافِقَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ الْقَدَرَ فَيَعْتَقِدُ مَنْ وَقَعَ لَهُ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْعَدْوَى أَوْ مِنَ الطِّيرَةِ فَيَقَعُ فِي اعْتِقَادِ مَا نُهِيَ عَنِ اعْتِقَادِهِ، فَأُشِيرَ إِلَى اجْتِنَابِ مِثْلِ ذَلِكَ. وَالطَّرِيقُ فِيمَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ فِي الدَّارِ مَثَلًا أَنْ يُبَادِرَ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْهَا، لِأَنَّهُ مَتَى اسْتَمَرَّ فِيهَا رُبَّمَا حَمَلَهُ ذَلِكَ عَلَى اعْتِقَادِ صِحَّةِ الطِّيرَةِ وَالتَّشَاؤُمِ.
وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا فِي دَارٍ كَثِيرٌ فِيهَا عَدَدُنَا وَأَمْوَالُنَا، فَتَحَوَّلْنَا إِلَى أُخْرَى فَقَلَّ فِيهَا ذَلِكَ، فَقَالَ: ذَرُوهَا ذَمِيمَةً وَأَخْرَجَ مِنْ حَدِيثِ فَرْوَةَ بْنِ مُسَيْكٍ بِالْمُهْلَةِ مُصَغَّرٌ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ هُوَ السَّائِلُ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ أَحَدِ كِبَارِ التَّابِعِينَ، وَلَهُ رِوَايَةٌ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَيْهِ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، قَالَ ابْنُ العَرْبِيِّ: وَرَوَاهُ مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ مُنْقَطِعًا قَالَ: وَالدَّارُ الْمَذْكُورَةُ فِي حَدِيثِهِ كَانَتْ دَارَ مُكْمِلٍ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْكَافِ وَكَسْرِ الْمِيمِ بَعْدَهَا لَامٌ - وَهُوَ ابْنُ عَوْفٍ أَخُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - قَالَ: وَإِنَّمَا أَمَرَهُمْ بِالْخُرُوجِ مِنْهَا لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ ذَلِكَ مِنْهَا، وَلَيْسَ كَمَا ظَنُّوا، لَكِنَّ الْخَالِقَ جَلَّ وَعَلَا جَعَلَ ذَلِكَ وَفْقًا لِظُهُورِ قَضَائِهِ، وَأَمَرَهُمْ بِالْخُرُوجِ مِنْهَا لِئَلَّا يَقَعَ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْءٌ فَيَسْتَمِرَّ اعْتِقَادُهُمْ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَأَفَادَ وَصْفُهَا بِكَوْنِهَا ذَمِيمَةً جَوَازَ ذَلِكَ، وَأَنَّ ذِكْرَهَا بِقَبِيحٍ مَا وَقَعَ فِيهَا سَائِغٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْهَا، وَلَا يَمْتَنِعُ ذَمُّ مَحَلِّ الْمَكْرُوهِ وَإِنْ كَانَ لَيْسَ مِنْهُ شَرْعًا كَمَا يُذَمُّ الْعَاصِي عَلَى مَعْصِيَتِهِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ وَمَعْنَاهُ إِبْطَالُ مَذْهَبِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي التَّطَيُّرِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِنْ كَانَتْ لِأَحَدِكُمْ دَارٌ يَكْرَهُ سُكْنَاهَا أَوِ امْرَأَةٌ يَكْرَهُ صُحْبَتَهَا أَوْ فَرَسٌ يَكْرَهُ سَيْرَهُ فَلْيُفَارِقْهُ.
قَالَ: وَقِيلَ: إِنَّ شُؤْمَ الدَّارِ ضِيقُهَا وَسُوءُ جِوَارِهَا، وَشُؤْمَ الْمَرْأَةِ أَنْ لَا تَلِدَ، وَشُؤْمَ الْفَرَسِ أَنْ لَا يُغَزَى عَلَيْهِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى مَا جَاءَ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ رَوَاهُ الدِّمْيَاطِيُّ فِي الْخَيْلِ: إِذَا كَانَ الْفَرَسُ ضَرُوبًا فَهُوَ مَشْئُومٌ، وَإِذَا حَنَّتِ الْمَرْأَةُ إِلَى بَعْلِهَا الْأَوَّلِ فَهِيَ مَشْئُومَةٌ، وَإِذَا كَانَتِ الدَّارُ بَعِيدَةً مِنَ الْمَسْجِدِ لَا يُسْمَعُ مِنْهَا الْأَذَانُ فَهِيَ مَشْئُومَةٌ.
وَقِيلَ: كَانَ قَوْلُهُ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ﴾ الْآيَةَ، حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَالنَّسْخُ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ لَا سِيَّمَا مَعَ إِمْكَانِ الْجَمْعِ وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ وَرَدَ فِي نَفْسِ هَذَا الْخَبَرِ نَفْيُ التَّطَيُّرِ ثُمَّ إِثْبَاتُهُ فِي الْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ. وَقِيلَ: يُحْمَلُ الشُّؤْمُ عَلَى قِلَّةِ الْمُوَافَقَةِ وَسُوءِ الطِّبَاعِ، وَهُوَ كَحَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَفَعَهُ مِنْ سَعَادَةِ الْمَرْءِ الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ وَالْمَسْكَنُ الصَّالِحُ وَالْمَرْكَبُ الْهَنِيءُ. وَمِنْ شَقَاوَةِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد كان للنَّبيِّ ﷺ أربعةٌ وعشرون فرسًا، لكلِّ (١) واحدةٍ (٢) منهنَّ (٣) اسمٌ مخصوصٌ يعيِّنه (٤) ويميِّزه (٥) عن غيره من جنسه، وكان له بغلةٌ تُسمَّى: دُلْدُل (٦)، وناقةٌ تسمَّى: القَصْواء، وأخرى تُسمَّى: العَضْباء، وغير ذلك.
(٤٧) (بابُ مَا يُذْكَرُ) في الحديث (مِنْ شُؤْمِ الفَرَسِ) بالهمزة وتُخفَّف واوًا (٧)، وهو ضدُّ اليُمْن.
٢٨٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزةَ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَنَّ) أباه (عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: إِنَّمَا الشُّؤْمُ) كائنٌ (فِي ثَلَاثَةٍ: فِي الفَرَسِ) أي: إذا لم يغزَ عليه، أو كان (٨) شموسًا (وَالمَرْأَةِ) إذا كانت غير ولودٍ، أو غير قانعةٍ أو سليطةً (وَالدَّارِ) ذات الجار السُّوء، أو الضَّيِّقة، أو البعيدة من المسجد لا تسمع الأذان، وقد يكون الشُّؤْمُ في غير هذه الثَّلاثة، فالحصر فيها -كما قاله (٩) ابن العربيِّ- بالنِّسبة إلى العادة، لا بالنِّسبة إلى الخِلْقة. وقال الخطَّابيُّ: اليُمْن والشُّؤْم علامتان لما يصيب الإنسان من الخير
والشَّرِّ، ولا يكون (١) شيءٌ من ذلك إلَّا بقضاء الله، وهذه الأشياء الثَّلاثة ظروفٌ، جُعِلَت مواقع لأقضيةٍ (٢) ليس لها بأنفسها وطبائعها (٣) فعلٌ، ولا تأثيرٌ في شيءٍ إلَّا أنَّها لمَّا كانت أعمَّ الأشياء الَّتي يقتنيها الإنسان، و (٤) كان في غالب أحواله لا يستغني عن دارٍ يسكنها، وزوجةٍ يعاشرها، وفرسٍ مرتبطةٍ، ولا يخلو عن عارضٍ مكروهٍ في زمانه، أضيف (٥) اليُمْن والشُّؤْم إليها إضافةَ مكانٍ، وهما صادران عن مشيئة الله ﷿. انتهى. وقد روى الحديثَ مالكٌ وسفيانُ وسائر الرُّواة بدون «إنَّما» واتَّفقت الطُّرق كلُّها على الاقتصار على الثَّلاثة المذكورة. نعم، زادت أمُّ سلمة في حديثها المرويِّ في «ابن ماجه»: «السَّيف» (٦) ولمسلمٍ من طريق (٧) يونس عن ابن شهابٍ: «لا عَدوى ولا طِيَرة، وإنَّما الشُّؤْم في ثلاثةٍ: المرأةِ، والفرسِ، والدَّارِ» وظاهره أنَّ الشُّؤم والطِّيرة في هذه الثَّلاثة. وعند أبي داود من حديث سعد بن مالكٍ مرفوعًا: «لا هامَّة ولا عَدوى ولا طِيَرة، وإن تكن الطِّيرة في شيءٍ ففي الدَّار والفرس والمرأة» قال الخطَّابيُّ وكثيرون: هو في معنى الاستثناء من الطِّيرة، أي: الطِّيرة منهيٌّ عنها إلَّا في هذه الثَّلاثة. وقال الطِّيبيُّ في «شرح المشكاة»: يُحتمَل أن يكون معنى الاستثناء على حقيقته، وتكون هذه الثَّلاثة خارجةً من (٨) حكم المستثنى منه، أي: الشُّؤم ليس في شيءٍ من الأشياء إلَّا في هذه الثَّلاثة، قال: ويحتمل أن ينزل (٩) على قوله ﷺ: «لو كان شيءٌ سابق القدر سبقه (١٠) العين» والمعنى: أَنْ لو فُرِضَ شيءٌ له قوَّةٌ وتأثيرٌ عظيمٌ يسبق القدر لكان عينًا، والعين لا تَسبقُ فكيف بغيرها. وعليه كلام القاضي عياضٍ، حيث قال: وجه تعقيبِ
قولِه: «ولا طيرة» بهذه الشَّريطة (١) يدلُّ على أنَّ الشُّؤم أيضًا منفيٌّ عنها، والمعنى: أنَّ الشُّؤم لو كان له وجود في شيءٍ لكان في هذه الأشياء، فإنَّها أَقْبل الأشياء له (٢)، لكنْ لا وجود له فيها، فلا وجود له أصلًا. انتهى. قال الطِّيبيُّ: فعلى هذا: الشُّؤمُ في الأحاديث المستشهَد بها محمولٌ على الكراهة الَّتي سببُها ما في الأشياء من مخالفة الشَّرع أو الطَّبع، كما قيل: شؤم الدَّار ضيقُها وسوء جيرانها، وشؤم المرأة عدم ولادتها وسلاطة لسانها ونحوهما، وشؤم الفرس ألَّا يُغزَى عليها، فالشُّؤم فيها عدم موافقتها له شرعًا أو طبعًا. ويؤيِّده ما ذكره في «شرح السُّنَّة» كأنَّه يقول: إِنْ كان لأحدكم (٣) دارٌ يكره سكناها، أو امرأةٌ يكره صحبتها، أو فرسٌ لا تعجبه، فليفارقْها بأن ينتقل عن الدَّار، ويطلِّق المرأة، ويبيع الفرس، حتَّى يزول عنه ما يجده في نفسه من الكراهة، كما قال ﷺ في -جواب مَن قال: يا رسول الله إنَّا كنَّا في دارٍ كثيرٍ فيها عددنا وأموالنا، فتحوَّلْنا إلى أخرى، فقَلَّ فيها ذلك- «ذروها ذميمةً» (٤). رواه أبو داود، وصحَّحه الحاكم، فأمرهم بالتَّحُّول عنها؛ لأنَّهم كانوا فيها على استثقالٍ واستيحاشٍ، فأمرهم ﷺ بالانتقال عنها لِيزولَ عنهم ما يجدون من الكراهة، لا أنَّها (٥) سببٌ في ذلك، وقيل: يُحمَل الشُّؤم هنا على معنى قلَّة الموافقة وسوء الطِّباع، كما في حديث سعد بن أبي وقَّاصٍ عند أحمدَ مرفوعًا: «من سعادة المرء المرأةُ الصَّالحةُ، والمسكن الصَّالح، والمركب الهنيء، ومن شقاوة المرء المرأة السُّوء، والمسكن السُّوء، والمركب السُّوء» وقد جاء عن عائشة ﵂: أنَّها أنكرت على أبي هريرة تحديثه بذلك، فعند أبي داود الطَّيالسيِّ في «مسنده» عن مكحولٍ قال: قيل لعائشة: إنَّ أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «الشُّؤم في ثلاثةٍ» فقالت: لم يَحْفَظ (٦)،