الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٨٦٠
الحديث رقم ٢٨٦٠ من كتاب «كتاب الجهاد والسير» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الخيل لثلاثة.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
⦗٣٠⦘
ﷺ عَنِ الْحُمُرِ فَقَالَ: مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهَا إِلَّا هَذِهِ الْآيَةُ الْجَامِعَةُ الْفَاذَّةُ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾.
بَابُ مَنْ ضَرَبَ دَابَّةَ غَيْرِهِ فِي الْغَزْوِ
٢٨٦٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْمَرْءِ الْمَرْأَةُ السُّوءُ وَالْمَسْكَنُ السُّوءُ وَالْمَرْكَبُ السُّوءُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ. وَهَذَا يَخْتَصُّ بِبَعْضِ أَنْوَاعِ الْأَجْنَاسِ الْمَذْكُورَةِ دُونَ بَعْضٍ، وَبِهِ صَرَّحَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فَقَالَ: يَكُونُ لِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ، وَذَلِكَ كُلُّهُ بِقَدَرِ اللَّهِ. وَقَالَ الْمُهَلَّبُ مَا حَاصِلُهُ: أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِقَوْلِهِ: الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ مَنِ الْتَزَمَ التَّطَيُّرَ وَلَمْ يَسْتَطِعْ صَرْفَهُ عَنْ نَفْسِهِ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّمَا يَقَعُ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تُلَازِمُ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَاتْرُكُوهَا عَنْكُمْ وَلَا تُعَذِّبُوا أَنْفُسَكُمْ بِهَا. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ تَصْدِيرُهُ الْحَدِيثَ بِنَفْيِ الطِّيرَةِ.
وَاسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ، عَنْ أَنَسٍ رَفَعَهُ: لَا طِيرَةَ، وَالطِّيرَةُ عَلَى مَنْ تَطَيَّرَ، وَإِنْ تَكُنْ فِي شَيْءٍ فَفِي الْمَرْأَةِ الْحَدِيثَ، وفِي صِحَّتِهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ عُتْبَةَ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَنَسٍ، وَعُتْبَةُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَسَيَكُونُ لَنَا عَوْدَةٌ إِلَى بَقِيَّةِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّطَيُّرِ وَالْفَأْلِ فِي آخِرِ كِتَابِ الطِّبِّ حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(تَكْمِيلٌ):
اتَّفَقَتِ الطُّرْقُ كُلُّهَا عَلَى الِاقْتِصَارِ عَلَى الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الْمَذْكُورَةِ: قَالَ مَعْمَرٌ: قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: وَالسَّيْفُ قَالَ أَبُو عُمَرَ: رَوَاهُ جُوَيْرِيَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قُلْتُ: أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ إِلَى الزُّهْرِيِّ، وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ جُوَيْرِيَةُ بَلْ تَابَعَهُ سَعِيدُ بْنُ دَاوُدَ، عَنْ مَالِكٍ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا قَالَ: وَالْمُبْهَمُ الْمَذْكُورُ هُوَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ، سَمَّاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي رِوَايَتِهِ. قُلْتُ: أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مَوْصُولًا فقال: عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا حَدَّثَتْ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ وَزَادَتْ فِيهِنَّ وَالسَّيْفِ وَأَبُو عُبَيْدَةَ الْمَذْكُورُ هُوَ ابْنُ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ أُمُّهُ زَيْنَبُ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ، وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ حَدِيثَ الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَأَدْرَجَ فِيهِ السَّيْفَ وَخَالَفَ فِيهِ فِي الْإِسْنَادِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) هُوَ سَلَمَةُ بْنُ دِينَارٍ.
قَوْلُهُ: (إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ فَفِي الْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ وَالْمَسْكَنِ) كَذَا فِي جَمِيعِ النُّسَخِ، وَكَذَا هُوَ فِي الْمُوَطَّإِ، لَكِنْ زَادَ فِي آخِرِهِ: يَعْنِي الشُّؤْمَ وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَرَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ مَالِكٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْحَرَّانِيُّ، عَنْ مَالِكٍ بِلَفْظِ: إِنْ كَانَ الشُّؤْمُ فِي شَيْءٍ فَفِي الْمَرْأَةِ إِلَخْ أَخْرَجَهُمَا الدَّارَقُطْنِيُّ، لَكِنْ لَمْ يَقُلْ إِسْمَاعِيلُ فِي شَيْءٍ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: ذَكَرُوا الشُّؤْمَ عِنْدَ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فقال: فَذَكَرَهُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ لَكِنْ لَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ.
٤٨ - بَاب الْخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ وَقَوْلُ الله ﷿: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾
٢٨٦٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: الْخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ لِرَجُلٍ أَجْرٌ وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ فَأَمَّا الَّذِي لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَطَالَ فِي مَرْجٍ أَوْ رَوْضَةٍ فَمَا أَصَابَتْ فِي طِيَلِهَا ذَلِكَ مِنْ الْمَرْجِ أَوْ الرَّوْضَةِ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٍ وَلَوْ أَنَّهَا قَطَعَتْ طِيَلَهَا فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ كَانَتْ أَرْوَاثُهَا وَآثَارُهَا حَسَنَاتٍ لَهُ وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهَرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَهَا كَانَ ذَلِكَ حَسَنَاتٍ لَهُ وَرَجُلٌ
رَبَطَهَا فَخْرًا وَرِئَاءً وَنِوَاءً لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ فَهِيَ وِزْرٌ عَلَى ذَلِكَ، وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْحُمُرِ فَقَالَ: مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهَا إِلَّا هَذِهِ الْآيَةُ الْجَامِعَةُ الْفَاذَّةُ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ قَوْلُهُ: (بَابُ الْخَيْلِ لِثَلَاثَةٍ) هَكَذَا اقْتَصَرَ عَلَى صَدْرِ الْحَدِيثِ، وَأَحَالَ بِتَفْسِيرِهِ عَلَى مَا وَرَدَ فِيهِ، وَقَدْ فَهِمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِنْهُ الْحَصْرَ فَقَالَ: اتِّخَاذُ الْخَيْلِ لَا يَخْرُجُ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَطْلُوبًا أَوْ مُبَاحًا أَوْ مَمْنُوعًا، فَيَدْخُلُ فِي الْمَطْلُوبِ الْوَاجِبُ وَالْمَنْدُوبُ، وَيَدْخُلُ فِي الْمَمْنُوعِ الْمَكْرُوهُ وَالْحَرَامُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْمَقَاصِدِ.
وَاعْتَرَضَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْمُبَاحَ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْحَدِيثِ لِأَنَّ الْقِسْمَ الثَّانِيَ الَّذِي يُتَخَيَّلُ فِيهِ ذَلِكَ جَاءَ مُقَيَّدًا بِقَوْلِهِ: وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِيهَا، فَيَلْتَحِقُ بِالْمَنْدُوبِ قَالَ: وَالسِّرُّ فِيهِ أَنَّهُ ﷺ غَالِبًا إِنَّمَا يَعْتَنِي بِذِكْرِ مَا فِيهِ حَضٌّ أَوْ مَنْعٌ، وَأَمَّا الْمُبَاحُ الصِّرْفُ فَيَسْكُتُ عَنْهُ لِمَا عُرِفَ أَنَّ سُكُوتَهُ عَنْهُ عَفْوٌ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْقِسْمُ الثَّانِي هُوَ فِي الْأَصْلِ الْمُبَاحُ إِلَّا أَنَّهُ رُبَّمَا ارْتَقَى إِلَى النَّدْبِ بِالْقَصْدِ بِخِلَافِ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ مِنَ ابْتِدَائِهِ مَطْلُوبٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (وَقَوْلُ اللَّهِ ﷿: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ﴾ الْآيَةَ، أَيْ: أَنَّ اللَّهَ خَلَقَهَا لِلرُّكُوبِ وَالزِّينَةِ فَمَنِ اسْتَعْمَلَهَا فِي ذَلِكَ فَعَلَ مَا أُبِيحَ لَهُ، فَإِنِ اقْتَرَنَ بِفِعْلِهِ قَصْدُ طَاعَةٍ ارْتَقَى إِلَى النَّدْبِ، أَوْ قَصْدُ مَعْصِيَةٍ حَصَلَ لَهُ الْإِثْمُ وَقَدْ دَلَّ حَدِيثُ الْبَابِ عَلَى هَذَا التَّقْسِيمِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) الْإِسْنَادُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ.
قَوْلُهُ: (الْخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ الْخَيْلُ ثَلَاثَةٌ وَوَجْهُ الْحَصْرِ فِي الثَّلَاثَةِ أَنَّ الَّذِي يَقْتَنِي الْخَيْلَ إِمَّا أَنْ يَقْتَنِيَهَا لِلرُّكُوبِ أَوْ لِلتِّجَارَةِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا إِمَّا أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ فِعْلُ طَاعَةِ اللَّهِ وَهُوَ الْأَوَّلُ، أوَ مَعْصِيَتُهُ وَهُوَ الْأَخِيرُ، أَوْ يَتَجَرَّدَ عَنْ ذَلِكَ وَهُوَ الثَّانِي.
قَوْلُهُ: (فِي مَرْجٍ أَوْ رَوْضَةٍ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَالْمَرْجُ مَوْضِعُ الْكَلَإِ، وَأَكْثَرُ مَا يُطْلَقُ عَلَى الْمَوْضِعِ الْمُطْمَئِنِّ، وَالرَّوْضَةُ أَكْثَرُ مَا يُطْلَقُ فِي الْمَوْضِعِ الْمُرْتَفِعِ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ: أَرْوَاثُهَا وَآثَارُهَا قَبْلَ بَابَيْنِ.
قَوْلُهُ: (فَمَا أَصَابَتْ فِي طِيَلِهَا) بِكَسْرِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا لَامٌ هُوَ الْحَبْلُ الَّذِي تُرْبَطُ بِهِ وَيُطَوَّلُ لَهَا لِتَرْعَى، وَيُقَالُ لَهُ: طِوَلٌ بِالْوَاو الْمَفْتُوحَةِ أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْجِهَادِ، وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الِاسْتِنَانِ هُنَاكَ.
وَقَوْلُهُ: وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَهَا فِيهِ أَنَّ الْإِنْسَانَ يُؤْجَرُ عَلَى التَّفَاصِيلِ الَّتِي تَقَعُ فِي فِعْلِ الطَّاعَةِ إِذَا قَصَدَ أَصْلَهَا وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ تِلْكَ التَّفَاصِيلَ، وَقَدْ تَأَوَّلَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ فَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: قِيلَ: إِنَّمَا أُجِرَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَقْتٌ لَا يَنْتَفِعُ بِشُرْبِهَا فِيهِ فَيَغْتَمُّ صَاحِبُهَا بِذَلِكَ فَيُؤْجَرُ، وَقِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ حَيْثُ تَشْرَبُ مِنْ مَاءِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَيَغْتَمُّ صَاحِبُهَا لِذَلِكَ فَيُؤْجَرُ، وَكُلُّ ذَلِكَ عُدُولٌ عَنِ الْقَصْدِ.
قَوْلُهُ: (رَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا) هَكَذَا وَقَعَ بِحَذْفِ أَحَدِ الثَّلَاثَةِ وَهُوَ مَنْ رَبَطَهَا تَغَنِّيًا، وَسَيَأْتِي بِتَمَامِهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِعَيْنِهِ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ، وَتَقَدَّمَ تَامًّا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مَالِكٍ فِي أَوَاخِرَ كِتَابٍ الشُّرْبِ، وَقَوْلُهُ: تَغَنِّيًا بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَالْمُعْجَمَةِ ثُمَّ نَونٍ ثَقِيلَةٍ مَكْسُورَةٍ وَتَحْتَانِيَّةٍ أَيِ اسْتِغْنَاءً عَنِ النَّاسِ تَقُولُ: تَغَنَّيْتُ بِمَا رَزَقَنِي اللَّهُ تَغَنِّيًا وَتَغَانَيْتُ تَغَانِيًا وَاسْتَغْنَيْتُ اسْتِغْنَاءً كُلُّهَا بِمَعْنًى، وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ: لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ وَقَوْلُهُ: تَعَفُّفًا أَيْ: عَنِ السُّؤَالِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَطْلُبُ بِنِتَاجِهَا أَوْ بِمَا يَحْصُلُ مِنْ أُجْرَتِهَا مِمَّنْ يَرْكَبُهَا أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ الْغِنَى عَنِ النَّاسِ وَالتَّعَفُّفَ عَنْ مَسْأَلَتِهِمْ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ: وَأَمَّا الَّذِي هِيَ لَهُ سِتْرٌ فَالرَّجُلُ يَتَّخِذُهَا تَعَفُّفًا وَتَكَرُّمًا وَتَجَمُّلًا، وَقَوْلُهُ: وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي رِقَابِهَا قِيلَ: الْمُرَادُ حُسْنُ مِلْكِهَا وَتَعَهُّدُ شِبَعِهَا وَرِيِّهَا وَالشَّفَقَةُ عَلَيْهَا فِي الرُّكُوبِ، وَإِنَّمَا خَصَّ رِقَابَهَا بِالذِّكْرِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٤٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكر فيه (الخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى) ولأبي ذَرٍّ: «وقول الله ﷿»: (﴿وَالْخَيْلَ﴾) أي: وخلق الخيل (﴿وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾) مفعولٌ له، عُطِفَ على محلِّ ﴿لِتَرْكَبُوهَا﴾، واستُدلَّ به على حرمة لحومها ولا دليل فيه؛ إذ لا يلزم من تعليل الفعل بما يقصد منه (١) غالبًا ألَّا يُقصَد منه غيره أصلًا، ويدلُّ له أنَّ الآية مكيَّةٌ، وعامَّةُ المفسِّرين والمحدِّثين على أنَّ الحُمُر الأهليَّة حُرِّمت عام خيبر، وزاد أبو ذرٍّ: «﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾» [النحل: ٨].
٢٨٦٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) هو إمام دار الهجرة ابن أنسٍ (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) العدويِّ المدنيِّ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان (السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: الخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ) جارٌّ ومجرورٌ، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «ثلاثةٌ» بإسقاط حرف الجرِّ والرَّفع: (لِرَجُلٍ أَجْرٌ، وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ. فَأَمَّا) الرَّجل (الَّذِي) هي (لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا) للجهاد (فِي سَبِيلِ اللهِ) ﷿ (فَأَطَالَ) في الحبل الذي ربطها (٢) به حتَّى تسرح للرَّعي (فِي مَرْجٍ) بفتح الميم، وبعد الرَّاء السَّاكنة جيمٌ: موضعِ كَلَأٍ (أَوْ رَوْضَةٍ) بالشَّكِّ من الرَّاوي
كالآتي (فَمَا أَصَابَتْ) أي: ما أكلت وشربت ومشت (فِي طِيَلِهَا ذَلِكَ) بكسر الطَّاء المهملة وفتح التَّحتيَّة، حبلُها المربوطة فيه (مِنَ المَرْجِ أَوِ الرَّوْضَةِ كَانَتْ لَهُ) أي: لصاحبها (حَسَنَاتٍ) يوم القيامة، يجدها موفورةً (وَلَوْ أَنَّهَا قَطَعَتْ طِيَلَهَا) حبلها المذكور (فَاسْتَنَّتْ) بفتح الفوقيَّة وتشديد النُّون، عَدَتْ بمرحٍ ونشاطٍ (شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ) بفتح الشِّين المعجمة والرَّاء والفاء فيهما، شوطًا أو شوطين فبعدت عن الموضع الَّذي ربطها صاحبها فيه ترعى، ورعت في غيره (كَانَتْ أَرْوَاثُهَا) بالمثلَّثة (وَآثَارُهَا) بالمثلَّثة في الأرض بحوافرها عند خطواتها (حَسَنَاتٍ لَهُ) أي: لصاحبها يوم القيامة (وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهَْرٍ) بفتح الهاء وسكونها (فَشَرِبَتْ مِنْهُ) بغير قصد صاحبها (وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَهَا كَانَ ذَلِكَ) أي: شربها وعدم (١) إرادته أن يسقيها (حَسَنَاتٍ لَهُ، وَ) أمَّا الرَّجل الَّذي هي عليه وزرٌ فهو (رَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا) بالنَّصب: للتَّعليل، أي: لأجل الفخر، أي: تعاظُمًا (وَرِياءً) أي: إظهارًا للطَّاعة والباطن بخلافه (وَنِوَاءً) بكسر النُّون وفتح الواو والمدِّ (٢)، عداوةً (لأَهْلِ الإِسْلَامِ فَهْيَ وِزْرٌ) أي: إثمٌ (عَلَى ذَلِكَ) الرَّجل، وقيل: الواو في «و (٣) رياءً ونواءً» بمعنى: «أو» لأنَّ هذه الثَّلاثة قد (٤) تفترق (٥) في الأشخاص، وكلُّ واحدٍ منها مذمومٌ على حدته، وحُذِف من هذه الرِّواية أحد هذه الثَّلاثة اختصارًا، وهو كما ثبت في آخر «كتاب الشُّرب» [خ¦٢٣٧١] «رجلٌ ربطها تغنِّيًا وتعفُّفًا، ثمَّ لم ينسَ حقَّ الله في رقابها ولا ظهورها فهي لذلك سِترٌ» وسيأتي في «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٦٤٦].
(وسُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ) السَّائل صَعْصعةُ بن ناجية جدُّ الفرزدق (عَنِ الحُمُرِ) أي: عن صدقتها (فَقَالَ) ﵊: (مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهَا) شيءٌ منصوصٌ (٦) (إِلَّا هَذِهِ الآيَةُ الجَامِعَةُ) العامَّة الشَّاملة (الفَاذَّةُ) بالفاء والذَّال المعجمة المشدَّدة: القليلة المثل، المنفردة في معناها (﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]) وفي هذه الآية
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْمَرْءِ الْمَرْأَةُ السُّوءُ وَالْمَسْكَنُ السُّوءُ وَالْمَرْكَبُ السُّوءُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ. وَهَذَا يَخْتَصُّ بِبَعْضِ أَنْوَاعِ الْأَجْنَاسِ الْمَذْكُورَةِ دُونَ بَعْضٍ، وَبِهِ صَرَّحَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فَقَالَ: يَكُونُ لِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ، وَذَلِكَ كُلُّهُ بِقَدَرِ اللَّهِ. وَقَالَ الْمُهَلَّبُ مَا حَاصِلُهُ: أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِقَوْلِهِ: الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ مَنِ الْتَزَمَ التَّطَيُّرَ وَلَمْ يَسْتَطِعْ صَرْفَهُ عَنْ نَفْسِهِ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّمَا يَقَعُ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تُلَازِمُ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَاتْرُكُوهَا عَنْكُمْ وَلَا تُعَذِّبُوا أَنْفُسَكُمْ بِهَا. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ تَصْدِيرُهُ الْحَدِيثَ بِنَفْيِ الطِّيرَةِ.
وَاسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ، عَنْ أَنَسٍ رَفَعَهُ: لَا طِيرَةَ، وَالطِّيرَةُ عَلَى مَنْ تَطَيَّرَ، وَإِنْ تَكُنْ فِي شَيْءٍ فَفِي الْمَرْأَةِ الْحَدِيثَ، وفِي صِحَّتِهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ عُتْبَةَ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَنَسٍ، وَعُتْبَةُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَسَيَكُونُ لَنَا عَوْدَةٌ إِلَى بَقِيَّةِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّطَيُّرِ وَالْفَأْلِ فِي آخِرِ كِتَابِ الطِّبِّ حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(تَكْمِيلٌ):
اتَّفَقَتِ الطُّرْقُ كُلُّهَا عَلَى الِاقْتِصَارِ عَلَى الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الْمَذْكُورَةِ: قَالَ مَعْمَرٌ: قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: وَالسَّيْفُ قَالَ أَبُو عُمَرَ: رَوَاهُ جُوَيْرِيَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قُلْتُ: أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ إِلَى الزُّهْرِيِّ، وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ جُوَيْرِيَةُ بَلْ تَابَعَهُ سَعِيدُ بْنُ دَاوُدَ، عَنْ مَالِكٍ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا قَالَ: وَالْمُبْهَمُ الْمَذْكُورُ هُوَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ، سَمَّاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي رِوَايَتِهِ. قُلْتُ: أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مَوْصُولًا فقال: عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا حَدَّثَتْ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ وَزَادَتْ فِيهِنَّ وَالسَّيْفِ وَأَبُو عُبَيْدَةَ الْمَذْكُورُ هُوَ ابْنُ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ أُمُّهُ زَيْنَبُ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ، وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ حَدِيثَ الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَأَدْرَجَ فِيهِ السَّيْفَ وَخَالَفَ فِيهِ فِي الْإِسْنَادِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) هُوَ سَلَمَةُ بْنُ دِينَارٍ.
قَوْلُهُ: (إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ فَفِي الْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ وَالْمَسْكَنِ) كَذَا فِي جَمِيعِ النُّسَخِ، وَكَذَا هُوَ فِي الْمُوَطَّإِ، لَكِنْ زَادَ فِي آخِرِهِ: يَعْنِي الشُّؤْمَ وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَرَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ مَالِكٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْحَرَّانِيُّ، عَنْ مَالِكٍ بِلَفْظِ: إِنْ كَانَ الشُّؤْمُ فِي شَيْءٍ فَفِي الْمَرْأَةِ إِلَخْ أَخْرَجَهُمَا الدَّارَقُطْنِيُّ، لَكِنْ لَمْ يَقُلْ إِسْمَاعِيلُ فِي شَيْءٍ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: ذَكَرُوا الشُّؤْمَ عِنْدَ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فقال: فَذَكَرَهُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ لَكِنْ لَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ.
٤٨ - بَاب الْخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ وَقَوْلُ الله ﷿: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾
٢٨٦٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: الْخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ لِرَجُلٍ أَجْرٌ وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ فَأَمَّا الَّذِي لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَطَالَ فِي مَرْجٍ أَوْ رَوْضَةٍ فَمَا أَصَابَتْ فِي طِيَلِهَا ذَلِكَ مِنْ الْمَرْجِ أَوْ الرَّوْضَةِ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٍ وَلَوْ أَنَّهَا قَطَعَتْ طِيَلَهَا فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ كَانَتْ أَرْوَاثُهَا وَآثَارُهَا حَسَنَاتٍ لَهُ وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهَرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَهَا كَانَ ذَلِكَ حَسَنَاتٍ لَهُ وَرَجُلٌ
رَبَطَهَا فَخْرًا وَرِئَاءً وَنِوَاءً لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ فَهِيَ وِزْرٌ عَلَى ذَلِكَ، وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْحُمُرِ فَقَالَ: مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهَا إِلَّا هَذِهِ الْآيَةُ الْجَامِعَةُ الْفَاذَّةُ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ قَوْلُهُ: (بَابُ الْخَيْلِ لِثَلَاثَةٍ) هَكَذَا اقْتَصَرَ عَلَى صَدْرِ الْحَدِيثِ، وَأَحَالَ بِتَفْسِيرِهِ عَلَى مَا وَرَدَ فِيهِ، وَقَدْ فَهِمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِنْهُ الْحَصْرَ فَقَالَ: اتِّخَاذُ الْخَيْلِ لَا يَخْرُجُ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَطْلُوبًا أَوْ مُبَاحًا أَوْ مَمْنُوعًا، فَيَدْخُلُ فِي الْمَطْلُوبِ الْوَاجِبُ وَالْمَنْدُوبُ، وَيَدْخُلُ فِي الْمَمْنُوعِ الْمَكْرُوهُ وَالْحَرَامُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْمَقَاصِدِ.
وَاعْتَرَضَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْمُبَاحَ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْحَدِيثِ لِأَنَّ الْقِسْمَ الثَّانِيَ الَّذِي يُتَخَيَّلُ فِيهِ ذَلِكَ جَاءَ مُقَيَّدًا بِقَوْلِهِ: وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِيهَا، فَيَلْتَحِقُ بِالْمَنْدُوبِ قَالَ: وَالسِّرُّ فِيهِ أَنَّهُ ﷺ غَالِبًا إِنَّمَا يَعْتَنِي بِذِكْرِ مَا فِيهِ حَضٌّ أَوْ مَنْعٌ، وَأَمَّا الْمُبَاحُ الصِّرْفُ فَيَسْكُتُ عَنْهُ لِمَا عُرِفَ أَنَّ سُكُوتَهُ عَنْهُ عَفْوٌ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْقِسْمُ الثَّانِي هُوَ فِي الْأَصْلِ الْمُبَاحُ إِلَّا أَنَّهُ رُبَّمَا ارْتَقَى إِلَى النَّدْبِ بِالْقَصْدِ بِخِلَافِ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ مِنَ ابْتِدَائِهِ مَطْلُوبٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (وَقَوْلُ اللَّهِ ﷿: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ﴾ الْآيَةَ، أَيْ: أَنَّ اللَّهَ خَلَقَهَا لِلرُّكُوبِ وَالزِّينَةِ فَمَنِ اسْتَعْمَلَهَا فِي ذَلِكَ فَعَلَ مَا أُبِيحَ لَهُ، فَإِنِ اقْتَرَنَ بِفِعْلِهِ قَصْدُ طَاعَةٍ ارْتَقَى إِلَى النَّدْبِ، أَوْ قَصْدُ مَعْصِيَةٍ حَصَلَ لَهُ الْإِثْمُ وَقَدْ دَلَّ حَدِيثُ الْبَابِ عَلَى هَذَا التَّقْسِيمِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) الْإِسْنَادُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ.
قَوْلُهُ: (الْخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ الْخَيْلُ ثَلَاثَةٌ وَوَجْهُ الْحَصْرِ فِي الثَّلَاثَةِ أَنَّ الَّذِي يَقْتَنِي الْخَيْلَ إِمَّا أَنْ يَقْتَنِيَهَا لِلرُّكُوبِ أَوْ لِلتِّجَارَةِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا إِمَّا أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ فِعْلُ طَاعَةِ اللَّهِ وَهُوَ الْأَوَّلُ، أوَ مَعْصِيَتُهُ وَهُوَ الْأَخِيرُ، أَوْ يَتَجَرَّدَ عَنْ ذَلِكَ وَهُوَ الثَّانِي.
قَوْلُهُ: (فِي مَرْجٍ أَوْ رَوْضَةٍ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَالْمَرْجُ مَوْضِعُ الْكَلَإِ، وَأَكْثَرُ مَا يُطْلَقُ عَلَى الْمَوْضِعِ الْمُطْمَئِنِّ، وَالرَّوْضَةُ أَكْثَرُ مَا يُطْلَقُ فِي الْمَوْضِعِ الْمُرْتَفِعِ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ: أَرْوَاثُهَا وَآثَارُهَا قَبْلَ بَابَيْنِ.
قَوْلُهُ: (فَمَا أَصَابَتْ فِي طِيَلِهَا) بِكَسْرِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا لَامٌ هُوَ الْحَبْلُ الَّذِي تُرْبَطُ بِهِ وَيُطَوَّلُ لَهَا لِتَرْعَى، وَيُقَالُ لَهُ: طِوَلٌ بِالْوَاو الْمَفْتُوحَةِ أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْجِهَادِ، وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الِاسْتِنَانِ هُنَاكَ.
وَقَوْلُهُ: وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَهَا فِيهِ أَنَّ الْإِنْسَانَ يُؤْجَرُ عَلَى التَّفَاصِيلِ الَّتِي تَقَعُ فِي فِعْلِ الطَّاعَةِ إِذَا قَصَدَ أَصْلَهَا وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ تِلْكَ التَّفَاصِيلَ، وَقَدْ تَأَوَّلَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ فَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: قِيلَ: إِنَّمَا أُجِرَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَقْتٌ لَا يَنْتَفِعُ بِشُرْبِهَا فِيهِ فَيَغْتَمُّ صَاحِبُهَا بِذَلِكَ فَيُؤْجَرُ، وَقِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ حَيْثُ تَشْرَبُ مِنْ مَاءِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَيَغْتَمُّ صَاحِبُهَا لِذَلِكَ فَيُؤْجَرُ، وَكُلُّ ذَلِكَ عُدُولٌ عَنِ الْقَصْدِ.
قَوْلُهُ: (رَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا) هَكَذَا وَقَعَ بِحَذْفِ أَحَدِ الثَّلَاثَةِ وَهُوَ مَنْ رَبَطَهَا تَغَنِّيًا، وَسَيَأْتِي بِتَمَامِهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِعَيْنِهِ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ، وَتَقَدَّمَ تَامًّا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مَالِكٍ فِي أَوَاخِرَ كِتَابٍ الشُّرْبِ، وَقَوْلُهُ: تَغَنِّيًا بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَالْمُعْجَمَةِ ثُمَّ نَونٍ ثَقِيلَةٍ مَكْسُورَةٍ وَتَحْتَانِيَّةٍ أَيِ اسْتِغْنَاءً عَنِ النَّاسِ تَقُولُ: تَغَنَّيْتُ بِمَا رَزَقَنِي اللَّهُ تَغَنِّيًا وَتَغَانَيْتُ تَغَانِيًا وَاسْتَغْنَيْتُ اسْتِغْنَاءً كُلُّهَا بِمَعْنًى، وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ: لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ وَقَوْلُهُ: تَعَفُّفًا أَيْ: عَنِ السُّؤَالِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَطْلُبُ بِنِتَاجِهَا أَوْ بِمَا يَحْصُلُ مِنْ أُجْرَتِهَا مِمَّنْ يَرْكَبُهَا أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ الْغِنَى عَنِ النَّاسِ وَالتَّعَفُّفَ عَنْ مَسْأَلَتِهِمْ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ: وَأَمَّا الَّذِي هِيَ لَهُ سِتْرٌ فَالرَّجُلُ يَتَّخِذُهَا تَعَفُّفًا وَتَكَرُّمًا وَتَجَمُّلًا، وَقَوْلُهُ: وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي رِقَابِهَا قِيلَ: الْمُرَادُ حُسْنُ مِلْكِهَا وَتَعَهُّدُ شِبَعِهَا وَرِيِّهَا وَالشَّفَقَةُ عَلَيْهَا فِي الرُّكُوبِ، وَإِنَّمَا خَصَّ رِقَابَهَا بِالذِّكْرِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٤٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكر فيه (الخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى) ولأبي ذَرٍّ: «وقول الله ﷿»: (﴿وَالْخَيْلَ﴾) أي: وخلق الخيل (﴿وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾) مفعولٌ له، عُطِفَ على محلِّ ﴿لِتَرْكَبُوهَا﴾، واستُدلَّ به على حرمة لحومها ولا دليل فيه؛ إذ لا يلزم من تعليل الفعل بما يقصد منه (١) غالبًا ألَّا يُقصَد منه غيره أصلًا، ويدلُّ له أنَّ الآية مكيَّةٌ، وعامَّةُ المفسِّرين والمحدِّثين على أنَّ الحُمُر الأهليَّة حُرِّمت عام خيبر، وزاد أبو ذرٍّ: «﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾» [النحل: ٨].
٢٨٦٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) هو إمام دار الهجرة ابن أنسٍ (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) العدويِّ المدنيِّ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان (السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: الخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ) جارٌّ ومجرورٌ، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «ثلاثةٌ» بإسقاط حرف الجرِّ والرَّفع: (لِرَجُلٍ أَجْرٌ، وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ. فَأَمَّا) الرَّجل (الَّذِي) هي (لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا) للجهاد (فِي سَبِيلِ اللهِ) ﷿ (فَأَطَالَ) في الحبل الذي ربطها (٢) به حتَّى تسرح للرَّعي (فِي مَرْجٍ) بفتح الميم، وبعد الرَّاء السَّاكنة جيمٌ: موضعِ كَلَأٍ (أَوْ رَوْضَةٍ) بالشَّكِّ من الرَّاوي
كالآتي (فَمَا أَصَابَتْ) أي: ما أكلت وشربت ومشت (فِي طِيَلِهَا ذَلِكَ) بكسر الطَّاء المهملة وفتح التَّحتيَّة، حبلُها المربوطة فيه (مِنَ المَرْجِ أَوِ الرَّوْضَةِ كَانَتْ لَهُ) أي: لصاحبها (حَسَنَاتٍ) يوم القيامة، يجدها موفورةً (وَلَوْ أَنَّهَا قَطَعَتْ طِيَلَهَا) حبلها المذكور (فَاسْتَنَّتْ) بفتح الفوقيَّة وتشديد النُّون، عَدَتْ بمرحٍ ونشاطٍ (شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ) بفتح الشِّين المعجمة والرَّاء والفاء فيهما، شوطًا أو شوطين فبعدت عن الموضع الَّذي ربطها صاحبها فيه ترعى، ورعت في غيره (كَانَتْ أَرْوَاثُهَا) بالمثلَّثة (وَآثَارُهَا) بالمثلَّثة في الأرض بحوافرها عند خطواتها (حَسَنَاتٍ لَهُ) أي: لصاحبها يوم القيامة (وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهَْرٍ) بفتح الهاء وسكونها (فَشَرِبَتْ مِنْهُ) بغير قصد صاحبها (وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَهَا كَانَ ذَلِكَ) أي: شربها وعدم (١) إرادته أن يسقيها (حَسَنَاتٍ لَهُ، وَ) أمَّا الرَّجل الَّذي هي عليه وزرٌ فهو (رَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا) بالنَّصب: للتَّعليل، أي: لأجل الفخر، أي: تعاظُمًا (وَرِياءً) أي: إظهارًا للطَّاعة والباطن بخلافه (وَنِوَاءً) بكسر النُّون وفتح الواو والمدِّ (٢)، عداوةً (لأَهْلِ الإِسْلَامِ فَهْيَ وِزْرٌ) أي: إثمٌ (عَلَى ذَلِكَ) الرَّجل، وقيل: الواو في «و (٣) رياءً ونواءً» بمعنى: «أو» لأنَّ هذه الثَّلاثة قد (٤) تفترق (٥) في الأشخاص، وكلُّ واحدٍ منها مذمومٌ على حدته، وحُذِف من هذه الرِّواية أحد هذه الثَّلاثة اختصارًا، وهو كما ثبت في آخر «كتاب الشُّرب» [خ¦٢٣٧١] «رجلٌ ربطها تغنِّيًا وتعفُّفًا، ثمَّ لم ينسَ حقَّ الله في رقابها ولا ظهورها فهي لذلك سِترٌ» وسيأتي في «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٦٤٦].
(وسُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ) السَّائل صَعْصعةُ بن ناجية جدُّ الفرزدق (عَنِ الحُمُرِ) أي: عن صدقتها (فَقَالَ) ﵊: (مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهَا) شيءٌ منصوصٌ (٦) (إِلَّا هَذِهِ الآيَةُ الجَامِعَةُ) العامَّة الشَّاملة (الفَاذَّةُ) بالفاء والذَّال المعجمة المشدَّدة: القليلة المثل، المنفردة في معناها (﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]) وفي هذه الآية