«دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٩٠٦

الحديث رقم ٢٩٠٦ من كتاب «كتاب الجهاد والسير» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الدرق.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢٩٠٦ في صحيح البخاري

«دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاثَ فَاضْطَجَعَ عَلَى الْفِرَاشِ وَحَوَّلَ وَجْهَهُ فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَانْتَهَرَنِي وَقَالَ: مِزْمَارَةُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ . فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ فَقَالَ: دَعْهُمَا. فَلَمَّا غَفَلَ غَمَزْتُهُمَا فَخَرَجَتَا. ٢٩٠٧ - قَالَتْ: وَكَانَ يَوْمُ عِيدٍ يَلْعَبُ السُّودَانُ بِالدَّرَقِ وَالْحِرَابِ فَإِمَّا سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ وَإِمَّا قَالَ: تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ. فَقَالَتْ: نَعَمْ فَأَقَامَنِي وَرَاءَهُ خَدِّي عَلَى خَدِّهِ وَيَقُولُ: دُونَكُمْ بَنِي أَرْفِدَةَ. حَتَّى إِذَا مَلِلْتُ قَالَ: حَسْبُكِ. قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: فَاذْهَبِي.»

قَالَ أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ فَلَمَّا غَفَلَ.

بَابُ الْحَمَائِلِ وَتَعْلِيقِ السَّيْفِ بِالْعُنُقِ

إسناد حديث رقم ٢٩٠٦ من صحيح البخاري

٢٩٠٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ: قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنِي أَبُو الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٢٩٠٦: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ يُفَدِّي رَجُلًا بَعْدَ سَعْدٍ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي.

[الحديث ٢٩٠٥ - أطرافه في: ٤٠٥٨، ٤٠٥٩، ٦١٨٤]

قَوْلُهُ: (بَابُ الْمِجَنِّ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ شَبُّوَيْهِ: التِّرَسَةِ جَمْعُ تُرْسٍ، وَالْمِجَنُّ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْجِيمِ وَتَثْقِيلِ النُّونِ أَيِ الدَّرَقَةُ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: وَجْهُ هَذِهِ التَّرَاجِمِ دَفْعُ مَنْ يَتَخَيَّلُ أَنَّ اتِّخَاذَهُ هَذِهِ الْآلَاتِ يُنَافِي التَّوَكُّلَ، وَالْحَقُّ أَنَّ الْحَذَرَ لَا يَرُدُّ الْقَدَرَ، وَلَكِنْ يُضَيِّقُ مَسَالِكَ الْوَسْوَسَةِ لِمَا طُبِعَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ.

قَوْلُهُ: (وَمَنْ يَتَّرِسُ بِتُرْسِ صَاحِبِهِ) أَيْ فَلَا بَأْسَ بِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ:

الْأَوَّلُ: حَدِيثُ أَنَسٍ كَانَ أَبُو طَلْحَةَ يَتَرِّسُ مَعَ النَّبِيِّ بِتُرْسٍ وَاحِدٍ الْحَدِيثَ، أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَسَيَأْتِي بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ فِي الْمَنَاقِبِ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ، قِيلَ: إِنَّ الرَّامِيَ يَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يَسْتُرُهُ لِشَغْلِهِ يَدَيْهِ جَمِيعًا بِالرَّمْيِ، فَلِذَلِكَ كَانَ النَّبِيُّ يَتْرُسُهُ بِتُرْسِهِ.

ثَانِيهَا: حَدِيثُ سَهْلٍ وَهُوَ ابْنُ سَعْدٍ "لَمَّا كُسِرَتْ بَيْضَةُ النَّبِيِّ عَلَى رَأْسِهِ الْحَدِيثَ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ: وَكَانَ عَلِيٌّ يَخْتَلِفُ بِالْمَاءِ فِي الْمِجَنِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ لَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى قَرِيبًا، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

ثَالِثُهَا: حَدِيثُ عُمَرَ كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ الْحَدِيثَ، ذَكَرَ مِنْهُ طَرَفًا، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ فَرْضِ الْخُمُسِ وَفِي الْفَرَائِضِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ هُنَا: ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ فِي السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ عُدَّةً، لِأَنَّ الْمِجَنَّ مِنْ جُمْلَةِ آلَاتِ السِّلَاحِ كَمَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَتْ عِنْدَهُ دَرَقَةٌ فَقَالَ: لَوْلَا أَنَّ عُمَرَ قَالَ لِي: احْبِسْ سِلَاحَكَ لَأَعْطَيْتُ هَذِهِ الدَّرَقَةَ لِبَعْضِ أَوْلَادِي.

رابعها: حَدِيثُ عَلِيٍّ فِي قَوْلِهِ لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: ارْمِ فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي الْمَنَاقِبِ وَفِي غَزْوَةِ أُحُدٍ وَقَوْلُهُ فِيهِ: حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ هُوَ ابْنُ عُقْبَةَ، وَسُفْيَانُ) هُوَ الثَّوْرِيُّ وَزَعَمَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ أَنَّ لَفْظَ قَبِيصَةَ هُنَا تَصْحِيفٌ مِمَّنْ دُونَ الْبُخَارِيِّ وَأَنَّ الصَّوَابَ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَعَلَى هَذَا فَسُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ؛ لِأَنَّ قُتَيْبَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ الثَّوْرِيِّ، لَكِنْ لَا أَعْرِفُ لِإِنْكَارِهِ مَعْنًى إِذْ لَا مَانِعَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ السُّفْيَانَيْنِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَدَبِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ هُنَا عَنْ مُسَدَّدٍ، عَنْ يَحْيَى أَيْضًا، وَدُخُولُ هَذَا الْحَدِيثِ هُنَا غَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوَافِقُ وَاحِدًا مِنْ رُكْنَيِ التَّرْجَمَةِ، وَقَدْ أَثْبَتَ ابْنُ شَبُّوَيْهِ فِي رِوَايَتِهِ قَبْلَهُ لَفْظَ: بَابٌ بِغَيْرِ تَرْجَمَةٍ، وَلَهُ مُنَاسَبَةٌ بِالتَّرْجَمَةِ الَّتِي قَبْلَهُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الرَّامِيَ لَا يَسْتَغْنِي عَنْ شَيْءٍ يَقِي بِهِ عَنْ نَفْسِهِ سِهَامَ مَنْ يُرَامِيهِ، وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ جَوَازُ التَّفْدِيَةِ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ بِأَدِلَّتِهِ وَبَيَانُ مَا يُعَارِضُهُ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

٨١ - بَاب الدَّرَقِ

٢٩٠٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ عَمْرٌو:، حَدَّثَنِي أَبُو الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ، دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاثَ فَاضْطَجَعَ عَلَى الْفِرَاشِ وَحَوَّلَ وَجْهَهُ فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَانْتَهَرَنِي وَقَالَ: مِزْمَارَةُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ: دَعْهُمَا فَلَمَّا غَفَلَ غَمَزْتُهُمَا فَخَرَجَتَا.

٢٩٠٧ - قَالَتْ: وَكَانَ يَوْمُ عِيدٍ يَلْعَبُ السُّودَانُ بِالدَّرَقِ وَالْحِرَابِ فَإِمَّا سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَإِمَّا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

قال يوم الأحزاب: «من يأتِ بني قريظة فيأتيني بخبرهم» انطلق الزُّبير إليهم، فلمَّا رجع جمع له بين أبويه، وغزوةُ الأحزابِ -المفدَّى فيها الزُّبير- كانت سنة أربعٍ أو خمسٍ، وأُحُدٍ -المفدَّى فيها سعدٌ- كانت سنة ثلاثٍ اتِّفاقًا، فوقوع ذلك للزُّبير كان بعد سعدٍ بلا خلافٍ كما لا يخفى، ولم تظهر المناسبة بين الحديث والتَّرجمة، فليُتَأمَّل.

وهذا الحديث أخرجه في «المغازي» [خ¦٤٠٥٩] ومسلمٌ في «الفضائل» والتِّرمذيُّ في «المناقب» وابن ماجه في «السِّير».

(٨١) (بابُ) مشروعية اتِّخاذ (الدَّرَقِ).

٢٩٠٦ - ٢٩٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ (قَالَ عَمْرٌو) بفتح العين، ابن الحارث المصريُّ (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو الأَسْوَدِ) محمَّد بن عبد الرَّحمن، المعروف بيتيم عروة، وكان وصيَّه (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ) أنَّها (قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ) أي: أيَّام مِنًى (وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ) أي: دون البلوغ من جواري الأنصار، إحداهما لحسَّان بن ثابتٍ كما في «الطَّبرانيِّ» أو كلتاهما (١) لعبد الله بن سلام كما في «الأربعين» للسُّلَميِّ (تُغَنِّيَانِ) أي: ترفعان أصواتهما (بِغِنَاءِ بُعَاثَ) بضمِّ الموحَّدة وفتح العين المهملة، وبعد الألف مثلَّثةٌ، غير مصروفٍ، اسم حصنٍ كان عنده وقعةٌ بين الأوس والخزرج قبل الهجرة بثلاث سنين كما هو المعتمد، وكان كلٌّ من الفريقين ينشد الشِّعر، يذكر

مفاخر نفسه (فَاضْطَجَعَ عَلَى الفِرَاشِ وَحَوَّلَ وَجْهَهُ) للإعراض عن ذلك، لكن عدم إنكاره يدلُّ على تسويغ مثله على الوجه الَّذي أقرَّه (فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (فَانْتَهَرَنِي) أي: لتقريرها لهما على الغناء (١) (وَقَالَ: مِزْمَارَةُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ) بحذف أداة الاستفهام وكسر الميم، آخره هاء تأنيثٍ، يعني (٢): الغناء أو الصَّوت الذي له صفيرٌ أو الصَّوت الحسن، وأضافها إلى الشَّيطان لأنَّها تلهي القلب عن ذكر الله، وإنَّما قال ذلك؛ لأنَّه لم يعلم أنَّه أقرَّهنَّ على هذا القدر اليسير لكونه ظنَّه نائمًا لمَّا رآه مضطجعًا (فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ (٣) رَسُولُ اللهِ (٤) فَقَالَ: دَعْهُمَا) وزاد هشامُ بن عروة عن أبيه عند ابن أبي الدُّنيا في «العيدين» له بإسنادٍ صحيحٍ: «يا أبا بكر إنَّ لكلِّ قومٍ عيدًا وهذا عيدنا» [خ¦٩٤٩]، فعرَّفه الشَّأن مع بيان الحكمة بأنَّه يوم عيدٍ، أي: يوم سرورٍ شرعيٍّ فلا يُنكَر فيه مثل هذا، كما لا يُنكَر في الأعراس. قالت عائشة: (فَلَمَّا غَفَلَ) بفتح الغين المعجمة والفاء، وللحَمُّويي والمُستملي: «عمِل» بميمٍ مكسورةٍ بدل الفاء، أي: اشتغل أبو بكرٍ بعملٍ (غَمَزْتُهُمَا، فَخَرَجَتَا، قَالَتْ) عائشة: (وَكَانَ يَوْمَ عِيدٍ) بفتح «يومَ»، وفي نسخةٍ: «يومُ» بالرَّفع، والفتح أفصح، وللحَمُّويي والمُستملي: «وكان يومًا عندي» (يَلْعَبُ السُّودَانُ) الحبوش (بِالدَّرَقِ وَالحِرَابِ، فَإِمَّا سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ) النَّظر إلى لعبهم (وَإِمَّا قَالَ: تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ؟ فَقَالَتْ) ولأبوَي الوقت وذَرٍّ والأَصيليِّ: «أن تنظري» أي: النَّظر إلى لعب السُّودان؟ فقلت: (نَعَمْ. فَأَقَامَنِي وَرَاءَهُ) حال كون (خَدِّي عَلَى خَدِّهِ) متلاصقين (وَيَقُولُ) أي: للسُّودان، وفي «العيدين» [خ¦٩٤٩]

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ يُفَدِّي رَجُلًا بَعْدَ سَعْدٍ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي.

[الحديث ٢٩٠٥ - أطرافه في: ٤٠٥٨، ٤٠٥٩، ٦١٨٤]

قَوْلُهُ: (بَابُ الْمِجَنِّ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ شَبُّوَيْهِ: التِّرَسَةِ جَمْعُ تُرْسٍ، وَالْمِجَنُّ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْجِيمِ وَتَثْقِيلِ النُّونِ أَيِ الدَّرَقَةُ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: وَجْهُ هَذِهِ التَّرَاجِمِ دَفْعُ مَنْ يَتَخَيَّلُ أَنَّ اتِّخَاذَهُ هَذِهِ الْآلَاتِ يُنَافِي التَّوَكُّلَ، وَالْحَقُّ أَنَّ الْحَذَرَ لَا يَرُدُّ الْقَدَرَ، وَلَكِنْ يُضَيِّقُ مَسَالِكَ الْوَسْوَسَةِ لِمَا طُبِعَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ.

قَوْلُهُ: (وَمَنْ يَتَّرِسُ بِتُرْسِ صَاحِبِهِ) أَيْ فَلَا بَأْسَ بِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ:

الْأَوَّلُ: حَدِيثُ أَنَسٍ كَانَ أَبُو طَلْحَةَ يَتَرِّسُ مَعَ النَّبِيِّ بِتُرْسٍ وَاحِدٍ الْحَدِيثَ، أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَسَيَأْتِي بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ فِي الْمَنَاقِبِ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ، قِيلَ: إِنَّ الرَّامِيَ يَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يَسْتُرُهُ لِشَغْلِهِ يَدَيْهِ جَمِيعًا بِالرَّمْيِ، فَلِذَلِكَ كَانَ النَّبِيُّ يَتْرُسُهُ بِتُرْسِهِ.

ثَانِيهَا: حَدِيثُ سَهْلٍ وَهُوَ ابْنُ سَعْدٍ "لَمَّا كُسِرَتْ بَيْضَةُ النَّبِيِّ عَلَى رَأْسِهِ الْحَدِيثَ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ: وَكَانَ عَلِيٌّ يَخْتَلِفُ بِالْمَاءِ فِي الْمِجَنِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ لَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى قَرِيبًا، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

ثَالِثُهَا: حَدِيثُ عُمَرَ كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ الْحَدِيثَ، ذَكَرَ مِنْهُ طَرَفًا، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ فَرْضِ الْخُمُسِ وَفِي الْفَرَائِضِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ هُنَا: ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ فِي السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ عُدَّةً، لِأَنَّ الْمِجَنَّ مِنْ جُمْلَةِ آلَاتِ السِّلَاحِ كَمَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَتْ عِنْدَهُ دَرَقَةٌ فَقَالَ: لَوْلَا أَنَّ عُمَرَ قَالَ لِي: احْبِسْ سِلَاحَكَ لَأَعْطَيْتُ هَذِهِ الدَّرَقَةَ لِبَعْضِ أَوْلَادِي.

رابعها: حَدِيثُ عَلِيٍّ فِي قَوْلِهِ لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: ارْمِ فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي الْمَنَاقِبِ وَفِي غَزْوَةِ أُحُدٍ وَقَوْلُهُ فِيهِ: حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ هُوَ ابْنُ عُقْبَةَ، وَسُفْيَانُ) هُوَ الثَّوْرِيُّ وَزَعَمَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ أَنَّ لَفْظَ قَبِيصَةَ هُنَا تَصْحِيفٌ مِمَّنْ دُونَ الْبُخَارِيِّ وَأَنَّ الصَّوَابَ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَعَلَى هَذَا فَسُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ؛ لِأَنَّ قُتَيْبَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ الثَّوْرِيِّ، لَكِنْ لَا أَعْرِفُ لِإِنْكَارِهِ مَعْنًى إِذْ لَا مَانِعَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ السُّفْيَانَيْنِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَدَبِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ هُنَا عَنْ مُسَدَّدٍ، عَنْ يَحْيَى أَيْضًا، وَدُخُولُ هَذَا الْحَدِيثِ هُنَا غَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوَافِقُ وَاحِدًا مِنْ رُكْنَيِ التَّرْجَمَةِ، وَقَدْ أَثْبَتَ ابْنُ شَبُّوَيْهِ فِي رِوَايَتِهِ قَبْلَهُ لَفْظَ: بَابٌ بِغَيْرِ تَرْجَمَةٍ، وَلَهُ مُنَاسَبَةٌ بِالتَّرْجَمَةِ الَّتِي قَبْلَهُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الرَّامِيَ لَا يَسْتَغْنِي عَنْ شَيْءٍ يَقِي بِهِ عَنْ نَفْسِهِ سِهَامَ مَنْ يُرَامِيهِ، وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ جَوَازُ التَّفْدِيَةِ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ بِأَدِلَّتِهِ وَبَيَانُ مَا يُعَارِضُهُ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

٨١ - بَاب الدَّرَقِ

٢٩٠٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ عَمْرٌو:، حَدَّثَنِي أَبُو الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ، دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاثَ فَاضْطَجَعَ عَلَى الْفِرَاشِ وَحَوَّلَ وَجْهَهُ فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَانْتَهَرَنِي وَقَالَ: مِزْمَارَةُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ: دَعْهُمَا فَلَمَّا غَفَلَ غَمَزْتُهُمَا فَخَرَجَتَا.

٢٩٠٧ - قَالَتْ: وَكَانَ يَوْمُ عِيدٍ يَلْعَبُ السُّودَانُ بِالدَّرَقِ وَالْحِرَابِ فَإِمَّا سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَإِمَّا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

قال يوم الأحزاب: «من يأتِ بني قريظة فيأتيني بخبرهم» انطلق الزُّبير إليهم، فلمَّا رجع جمع له بين أبويه، وغزوةُ الأحزابِ -المفدَّى فيها الزُّبير- كانت سنة أربعٍ أو خمسٍ، وأُحُدٍ -المفدَّى فيها سعدٌ- كانت سنة ثلاثٍ اتِّفاقًا، فوقوع ذلك للزُّبير كان بعد سعدٍ بلا خلافٍ كما لا يخفى، ولم تظهر المناسبة بين الحديث والتَّرجمة، فليُتَأمَّل.

وهذا الحديث أخرجه في «المغازي» [خ¦٤٠٥٩] ومسلمٌ في «الفضائل» والتِّرمذيُّ في «المناقب» وابن ماجه في «السِّير».

(٨١) (بابُ) مشروعية اتِّخاذ (الدَّرَقِ).

٢٩٠٦ - ٢٩٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ (قَالَ عَمْرٌو) بفتح العين، ابن الحارث المصريُّ (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو الأَسْوَدِ) محمَّد بن عبد الرَّحمن، المعروف بيتيم عروة، وكان وصيَّه (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ) أنَّها (قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ) أي: أيَّام مِنًى (وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ) أي: دون البلوغ من جواري الأنصار، إحداهما لحسَّان بن ثابتٍ كما في «الطَّبرانيِّ» أو كلتاهما (١) لعبد الله بن سلام كما في «الأربعين» للسُّلَميِّ (تُغَنِّيَانِ) أي: ترفعان أصواتهما (بِغِنَاءِ بُعَاثَ) بضمِّ الموحَّدة وفتح العين المهملة، وبعد الألف مثلَّثةٌ، غير مصروفٍ، اسم حصنٍ كان عنده وقعةٌ بين الأوس والخزرج قبل الهجرة بثلاث سنين كما هو المعتمد، وكان كلٌّ من الفريقين ينشد الشِّعر، يذكر

مفاخر نفسه (فَاضْطَجَعَ عَلَى الفِرَاشِ وَحَوَّلَ وَجْهَهُ) للإعراض عن ذلك، لكن عدم إنكاره يدلُّ على تسويغ مثله على الوجه الَّذي أقرَّه (فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (فَانْتَهَرَنِي) أي: لتقريرها لهما على الغناء (١) (وَقَالَ: مِزْمَارَةُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ) بحذف أداة الاستفهام وكسر الميم، آخره هاء تأنيثٍ، يعني (٢): الغناء أو الصَّوت الذي له صفيرٌ أو الصَّوت الحسن، وأضافها إلى الشَّيطان لأنَّها تلهي القلب عن ذكر الله، وإنَّما قال ذلك؛ لأنَّه لم يعلم أنَّه أقرَّهنَّ على هذا القدر اليسير لكونه ظنَّه نائمًا لمَّا رآه مضطجعًا (فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ (٣) رَسُولُ اللهِ (٤) فَقَالَ: دَعْهُمَا) وزاد هشامُ بن عروة عن أبيه عند ابن أبي الدُّنيا في «العيدين» له بإسنادٍ صحيحٍ: «يا أبا بكر إنَّ لكلِّ قومٍ عيدًا وهذا عيدنا» [خ¦٩٤٩]، فعرَّفه الشَّأن مع بيان الحكمة بأنَّه يوم عيدٍ، أي: يوم سرورٍ شرعيٍّ فلا يُنكَر فيه مثل هذا، كما لا يُنكَر في الأعراس. قالت عائشة: (فَلَمَّا غَفَلَ) بفتح الغين المعجمة والفاء، وللحَمُّويي والمُستملي: «عمِل» بميمٍ مكسورةٍ بدل الفاء، أي: اشتغل أبو بكرٍ بعملٍ (غَمَزْتُهُمَا، فَخَرَجَتَا، قَالَتْ) عائشة: (وَكَانَ يَوْمَ عِيدٍ) بفتح «يومَ»، وفي نسخةٍ: «يومُ» بالرَّفع، والفتح أفصح، وللحَمُّويي والمُستملي: «وكان يومًا عندي» (يَلْعَبُ السُّودَانُ) الحبوش (بِالدَّرَقِ وَالحِرَابِ، فَإِمَّا سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ) النَّظر إلى لعبهم (وَإِمَّا قَالَ: تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ؟ فَقَالَتْ) ولأبوَي الوقت وذَرٍّ والأَصيليِّ: «أن تنظري» أي: النَّظر إلى لعب السُّودان؟ فقلت: (نَعَمْ. فَأَقَامَنِي وَرَاءَهُ) حال كون (خَدِّي عَلَى خَدِّهِ) متلاصقين (وَيَقُولُ) أي: للسُّودان، وفي «العيدين» [خ¦٩٤٩]

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.8 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله