أسطرٍ، محمَّدٌ سطرٌ، ورسولٌ سطرٌ، والله سطرٌ، لكنْ لم تكن كتابته على التَّرتيب العاديِّ، فإنَّ ضرورة الاحتياج إلى أن يُختَم به تقتضي أن تكون الأحرف المنقوشة مقلوبةً؛ ليخرج (١) الختم مستويًا، ولعلَّ مراد المؤلِّف من الحديث قوله: «لمَّا أراد أن يكتب» لأنَّه يدلُّ على أنَّه قد كتب، وهو الَّذي ذكره ابن عبَّاسٍ في حديثٍ طويلٍ [خ¦٢٩٤٠] [خ¦٢٩٤١].
٢٩٣٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمامُ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُقَيْلٌ) بضمِّ العين وفتح القاف، ابن خالدٍ الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ أنَّه (٢) (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) تصغير (٣) عبد (بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعودٍ (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ) ﵄ (أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ بِكِتَابِهِ) مع عبد الله بن حذافة السَّهميِّ (إِلَى كِسْرَى، فَأَمَرَهُ) أي: أمر رسول الله (٤) ﷺ ابن حذافة (أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ البَحْرَيْنِ) المنذر بن ساوى -بفتح السِّين المهملة والواو- وكان من تحت يد كسرى، و «البحرين» تثنية بحر، موضعٌ بين البصرة وعُمان، وعبَّر بـ «عظيم» دون ملك لأنَّه لا ملك ولا سلطنة للكفَّار (يَدْفَعُهُ عَظِيمِ البَحْرَيْنِ إِلَى كِسْرَى) فذهب به إلى عظيم البحرين فدفعه إليه، ثمَّ دفعه عظيم البحرين إلى كسرى (فَلَمَّا قَرَأَهُ كِسْرَى خَرَّقَهُ) بتشديد الرَّاء بعد الخاء المعجمة، وفي طريق صالحٍ عن ابن شهابٍ عند المؤلِّف في «كتاب العلم» [خ¦٦٤] مزَّقه بدل «خرَّقه» قال ابن شهابٍ: (فَحَسِبْتُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ قَالَ): لمَّا مزَّقه وبلغ النَّبيَّ ﷺ غَضِبَ (فَدَعَا عَلَيْهِمُ النَّبيُّ ﷺ أَنْ) أي: بأن (٥)
(يُمَزَّقوا) أي: بالتَّمزيق (١) (كُلَّ مُمَزَّقٍ) بفتح الزَّاي فيهما، أي: يُفرَّقوا كلَّ نوعٍ من التَّفريق (٢)، فسلَّط على كسرى ابنه شيرويه، فقتله (٣) بأن مزَّق بطنه سنة سبعٍ، فتمزَّق ملكه كلَّ ممزَّقٍ، وزال من جميع الأرض، واضمحلَّ بدعوته ﷺ.
وفي هذا الحديث الدُّعاء إلى الإسلام بالكلام والكتابة، وأنَّ الكتابة تقوم مقام النُّطق، وقد اختُلف في اشتراط الدُّعاء قبل القتال، ومذهب الشَّافعيَّة: وجوب عرض الإسلام أوَّلًا على الكفَّار، بأن ندعوَهم إليه إن علمنا أنَّه لم تبلغهم الدَّعوة وإِلَّا استُحِبَّ.
(١٠٢) (بابُ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى الإِسْلَامِ) ولأبي الوقت: «النَّاس إلى الإسلام» (وَالنُّبُوَّةِ) أي: الاعتراف بها (وَأَلَّا يَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ) لأنَّ كلًّا منهم بشرٌ مثلهم (وَقَوْلِهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على السَّابق: (﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ﴾ [آل عمران: ٧٩]) وزاد في رواية أبي ذرٍّ: «﴿الْكِتَابَ﴾» (إِلَى آخِرِ الآيَةِ) وسقط لأبي ذَرٍّ لفظ «إلى آخر الآية (٤)» والمعنى: ما ينبغي لبشرٍ أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنُّبوَّة أن يقول للنَّاس: اعبدوني مع الله، وإذا كان لا يصلح لنبيٍّ ولا لمرسلٍ فَلَأَنْ لا يصلح لأحدٍ من النَّاس غيرهم بطريقِ (٥) الأَولى، وقد كان أهل الكتاب يتعبَّدون لأحبارهم ورهبانهم كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١].