الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٩٥٨
الحديث رقم ٢٩٥٨ من كتاب «كتاب الجهاد والسير» في صحيح البخاري، تحت باب: باب البيعة في الحرب أن لا يفروا.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٢٩٥٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ: حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
١١٠ - بَاب الْبَيْعَةِ فِي الْحَرْبِ أَنْ لَا يَفِرُّوا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَلَى الْمَوْتِ لِقَوْلِ اللَّهِ ﷿ ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾
٢٩٥٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: رَجَعْنَا مِنْ الْعَامِ الْمُقْبِلِ فَمَا اجْتَمَعَ مِنَّا اثْنَانِ عَلَى الشَّجَرَةِ الَّتِي بَايَعْنَا تَحْتَهَا، كَانَتْ رَحْمَةً مِنْ اللَّهِ. فَسَأَلْنا نَافِعًا: عَلَى أَيِّ شَيْءٍ بَايَعَهُمْ، عَلَى الْمَوْتِ؟ قَالَ: لَا، بَلْ بَايَعَهُمْ عَلَى الصَّبْرِ.
٢٩٥٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا كَانَ زَمَنُ الْحَرَّةِ أَتَاهُ آتٍ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ ابْنَ حَنْظَلَةَ يُبَايِعُ النَّاسَ عَلَى الْمَوْتِ. فَقَالَ: لَا أُبَايِعُ عَلَى هَذَا أَحَدًا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
[الحديث ٢٩٥٩ - طرفه في: ٤١٦٧]
٢٩٦٠ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ ﵁ قَالَ: بَايَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ثُمَّ عَدَلْتُ إِلَى ظِلِّ الشَّجَرَةِ، فَلَمَّا خَفَّ النَّاسُ قَالَ: يَا ابْنَ الْأَكْوَعِ، أَلَا تُبَايِعُ؟ قَالَ: قُلْتُ: قَدْ بَايَعْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: وَأَيْضًا. فَبَايَعْتُهُ الثَّانِيَةَ. فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا مُسْلِمٍ، عَلَى أَيِّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تُبَايِعُونَ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: عَلَى الْمَوْتِ.
[الحديث ٢٩٦٠ - أطرافه في: ٤١٦٩، ٧٢٠٦، ٧٢٠٨]
٢٩٦١ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا ﵁ يَقُولُ: كَانَتْ الْأَنْصَارُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ تَقُولُ:
نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا … عَلَى الْجِهَادِ مَا حَيِينَا أَبَدَا
فَأَجَابَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ:
اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَهْ … فَأَكْرِمْ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ.
٢٩٦٢، ٢٩٦٣ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ فُضَيْلٍ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ مُجَاشِعٍ ﵁ قَالَ: "أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَنَا وَأَخِي فَقُلْتُ بَايِعْنَا عَلَى الْهِجْرَةِ فَقَالَ مَضَتْ الْهِجْرَةُ لِأَهْلِهَا فَقُلْتُ عَلَامَ تُبَايِعُنَا قَالَ عَلَى الإِسْلَامِ وَالْجِهَادِ".
[الحديث ٢٩٦٢ - أطرافه في: ٣٠٧٨، ٤٣٠٥، ٤٣٠٧]
[الحديث ٢٩٦٣ - أطرافه في: ٣٠٧٩، ٤٣٠٦، ٤٣٠٨]
قَوْلُهُ: (بَابُ الْبَيْعَةِ فِي الْحَرْبِ عَلَى أَنْ لَا يَفِرُّوا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ عَلَى الْمَوْتِ) كَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنْ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ
الرِّوَايَتَيْنِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي مَقَامَيْنِ، أَوْ أَحَدَهُمَا يَسْتَلْزِمُ الْآخَرَ.
قَوْلُهُ: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الْآيَةَ) قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: أَشَارَ الْبُخَارِيُّ بِالِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ إِلَى أَنَّهُمْ بَايَعُوا عَلَى الصَّبْرِ، وَوَجْهُ أَخْذِهِ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ وَالسَّكِينَةُ: الطُّمَأْنِينَةُ فِي مَوْقِفِ الْحَرْبِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمْ أَضْمَرُوا فِي قُلُوبِهِمْ أَنْ لَا يَفِرُّوا فَأَعَانَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْبُخَارِيَّ إِنَّمَا ذَكَرَ الْآيَةَ عَقِبَ الْقَوْلِ الصَّائِرِ إِلَى أَنَّ الْمُبَايَعَةَ وَقَعَتْ عَلَى الْمَوْتِ، وَوَجْهُ انْتِزَاعِ ذَلِكَ مِنْهَا أَنَّ الْمُبَايَعَةَ فِيهَا مُطْلَقَةٌ، وَقَدْ أَخْبَرَ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ - وَهُوَ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ - أَنَّهُ بَايَعَ عَلَى الْمَوْتِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ قَوْلِهِمْ: بَايَعُوهُ عَلَى الْمَوْتِ، وَعَلَى عَدَمِ الْفِرَارِ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُبَايَعَةِ عَلَى الْمَوْتِ أَنْ لَا يَفِرُّوا وَلَوْ مَاتُوا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنْ يَقَعَ الْمَوْتُ وَلَا بُدَّ، وَهُوَ الَّذِي أَنْكَرَهُ نَافِعٌ وَعَدَلَ إِلَى قَوْلِهِ: بَلْ بَايَعَهُمْ عَلَى الصَّبْرِ أَيْ: عَلَى الثَّبَاتِ وَعَدَمِ الْفِرَارِ سَوَاءٌ أَفْضَى بِهِمْ ذَلِكَ إِلَى الْمَوْتِ أَمْ لَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي مُوَافَقَةُ الْمُسَيَّبِ بْنِ حَزْنٍ - وَالِدِ سَعِيدٍ -، لِابْنِ عُمَرَ عَلَى خَفَاءِ الشَّجَرَةِ، وَبَيَانِ الْحِكْمَةِ فِي ذَلِكَ وَهُوَ أَنْ لَا يَحْصُلَ بِهَا افْتِتَانٌ لِمَا وَقَعَ تَحْتَهَا مِنَ الْخَيْرِ، فَلَوْ بَقِيَتْ لَمَا أُمِنَ تَعْظِيمُ بَعْضِ الْجُهَّالِ لَهَا حَتَّى رُبَّمَا أَفْضَى بِهِمْ إِلَى اعْتِقَادِ أَنَّ لَهَا قُوَّةَ نَفْعٍ أَوْ ضَرٍّ كَمَا نَرَاهُ الْآنَ مُشَاهَدًا فِيمَا هُوَ دُونَهَا، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ ابْنُ عُمَرَ بِقَوْلِهِ: كَانَتْ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ أَيْ: كَانَ خَفَاؤُهَا عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ، أَيْ: كَانَتِ الشَّجَرَةُ مَوْضِعَ رَحْمَةِ اللَّهِ وَمَحِلَّ رِضْوَانِهِ لِنُزُولِ الرِّضَا عَنِ الْمُؤْمِنِينَ عِنْدهَا.
ثُمَّ ذَكَرَ فيهِ خَمْسَةَ أَحَادِيثَ: أَحَدُهَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: رَجَعْنَا مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ فَمَا اجْتَمَعَ مِنَّا اثْنَانِ عَلَى الشَّجَرَةِ الَّتِي بَايَعْنَا - أَيِ النَّبِيَّ ﷺ تَحْتَهَا أَيْ: فِي عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ.
قَوْلُهُ: (فَسَأَلْنَا نَافِعًا) قَائِلُ ذَلِكَ هُوَ جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ الرَّاوِي عَنْهُ، وَقَدْ تَعَقَّبَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِأَنَّ هَذَا مِنْ قَوْلِ نَافِعٍ وَلَيْسَ بِمُسْنَدٍ، وَأُجِيبُ بِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ نَافِعًا إِنَّمَا جَزَمَ بِمَا أَجَابَ بِهِ لِمَا فَهِمَهُ عَنْ مَوْلَاهُ ابْنِ عُمَرَ فَيَكُونُ مُسْنَدًا بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ.
ثَانِيهَا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، أَيِ: ابْنِ عَاصِمٍ، الْأَنْصَارِيِّ الْمَازِنِيِّ.
قَوْلُهُ: (لَمَّا كَانَ زَمَنُ الْحَرَّةِ) أَيِ: الْوَقْعَةِ الَّتِي كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ فِي زَمَنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (أَنَّ ابْنَ حَنْظَلَةَ) أَيْ: عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي عَامِرٍ الَّذِي يُعْرَفُ أَبُوهُ بِغَسِيلِ الْمَلَائِكَةِ، وَالسَّبَبُ فِي تَلْقِيبِهِ بِذَلِكَ أَنَّهُ قُتِلَ بِأُحُدٍ وَهُوَ جُنُبٌ فَغَسَّلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ، وَعَلِقَتِ امْرَأَتُهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ بِابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ، فَمَاتَ النَّبِيُّ ﷺ وَلَهُ سَبْعُ سِنِينَ وَقَدْ حَفِظَ عَنْهُ. وَأَتَى الْكِرْمَانِيُّ بِأُعْجُوبَةٍ فَقَالَ: ابْنُ حَنْظَلَةَ هُوَ الَّذِي كَانَ يَأْخُذُ الْبَيْعَةَ لِيَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَالْمُرَادُ بِهِ نَفْسُ يَزِيدَ لِأَنَّ جَدَّهُ أَبَا سُفْيَانَ كَانَ يُكَنَّى أَيْضًا أَبَا حَنْظَلَةَ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ أَنَّ ابْنَ أَبِي حَنْظَلَةَ، ثُمَّ حُذِفَ لَفْظُ أَبِي تَخْفِيفًا، أَوْ يَكُونُ نُسِبَ إِلَى عَمِّهِ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ اسْتِخْفَافًا وَاسْتِهْجَانًا وَاسْتِبْشَاعًا بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ الْمُرَّةِ انْتَهَى. وَلَقَدْ أَطَالَ ﵀ فِي غَيْرِ طَائِلٍ، وَأَتَى بِغَيْرِ الصَّوَابِ. وَلَوْ رَاجَعَ مَوْضِعًا آخَرَ مِنَ الْبُخَارِيِّ لِهَذَا الْحَدِيثِ بِعَيْنِهِ لَرَأَى فِيهِ مَا نَصُّهُ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْحَرَّةِ وَالنَّاسُ يُبَايِعُونَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ: عَلَامَ يُبَايِعُ حَنْظَلَةُ النَّاسَ؟ الْحَدِيثَ.
وَهَذَا الْمَوْضِعُ فِي أَثْنَاءِ غَزْوَةِ الْحُدَيْبِيَةِ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي، فَهَذَا يَرُدُّ احْتِمَالَهُ الثَّانِي، وَأَمَّا احْتِمَالُهُ الْأَوَّلُ فَيَرُدُّهُ اتِّفَاقُ أَهْلِ النَّقْلِ عَلَى أَنَّ الْأَمِيرَ الَّذِي كَانَ مِنْ قِبَلِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاويَةَ اسْمُهُ مُسْلِمُ بْنُ عُقْبَةَ لَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَنْظَلَةَ، وَأَنَّ ابْنَ حَنْظَلَةَ كَانَ الْأَمِيرَ عَلَى الْأَنْصَارِ، وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُطِيعٍ كَانَ الْأَمِيرَ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ وَأَنَّهُمَا قُتِلَا جَمِيعًا فِي تِلْكَ الْوَقْعَةِ. وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
قَوْلُهُ: (لَا أُبَايِعُ عَلَى هَذَا أَحَدًا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى ذَلِكَ وَلَيْسَ بِصَرِيحٍ، وَلِذَلِكَ عَقَّبَهُ الْمُصَنِّفُ بِحَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ لِتَصْرِيحِهِ فِيهِ بِذَلِكَ. قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
يوم الحديبية بيعة الرِّضوان (﴿تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]) السَّمُرة أو أمُّ غيلان، وهم يومئذٍ ألفٌ وخمس مئةٍ وأربعون رجلًا، وقد أخبر سلمة بن الأكوع -وهو ممَّن بايع تحت الشَّجرة- أنَّه بايع على الموت، وليس المراد أن يقع الموت ولا بدَّ، بل على عدم الفرار ولو ماتوا.
٢٩٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ) بضمِّ الجيم مصغَّر جاريةٍ، ابن أسماء الضُّبَعيُّ البصريُّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (﵄: رَجَعْنَا مِنَ العَامِ المُقْبِلِ) الَّذي بعد صلح الحديبية إليها (فَمَا اجْتَمَعَ مِنَّا اثْنَانِ عَلَى الشَّجَرَةِ الَّتِي بَايَعْنَا تَحْتَهَا) أي: ما وافق منَّا رجلان على هذه الشَّجرة أنَّها هي الَّتي وقعت المبايعة تحتها، بل خفي مكانها أو اشتبهت عليهم لئلَّا يحصل بها افتتانٌ لِمَا وقع تحتها من الخير، فلو بقيت لما أُمِنَ من تعظيم الجهَّال لها، حتَّى ربَّما يفضي بهم إلى اعتقاد أنَّها تضرُّ وتنفع، فكان في إخفائها رحمةٌ، وإلى ذلك أشار ابن عمر بقوله: (كَانَتْ رَحْمَةً مِنَ اللهِ) قال جُوَيرية: (فَسَأَلْتُ) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «فسألنا» (نَافِعًا) مولى ابن عمر (عَلَى أَيِّ شَيْءٍ بَايَعَهُمْ) ﵇ (عَلَى المَوْتِ؟) وهمزة الاستفهام مقدَّرةٌ (قَالَ: لَا، بَايَعَهُمْ) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «بل بايعهم» (عَلَى الصَّبْرِ) أي: على الثَّبات وعدم الفرار، سواءٌ أفضى بهم ذلك إلى الموت أَمْ لا.
٢٩٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ، وسقط عند أبي ذرٍّ «بن إسماعيل» قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو مصغَّرًا، ابن خالد قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى) بفتح العين وسكون الميم، الأنصاريُّ المدنيُّ (عَنْ (١) عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ) بفتح العين وتشديد الموحَّدة، ابن
زيد بن عاصمٍ (عَنْ) عمِّه (عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ) الأنصاريِّ المدنيِّ (﵁، قَالَ: لَمَّا كَانَ زَمَنَ الحَرَّةِ) بفتح الحاء وتشديد الرَّاء، أي: في (١) زمن وقعة (٢) الحَرَّة وهي حرَّة زهرة أو واقم بالمدينة سنة ثلاثٍ وستِّين، وسببها: أنَّ عبد الله بن حنظلة وغيره من أهل المدينة وفدوا إلى يزيد بن معاوية، فرأوا منه ما لا يصلح، فرجعوا إلى المدينة، فخلعوه، وبايعوا عبد الله بن الزُّبير ﵁، فأرسل يزيد إلى (٣) مسلم بن عقبة، فأوقع بأهل المدينة وقعةً عظيمةً، قتل من وجوه النَّاس ألفًا وسبع مئةٍ، ومن أخلاط النَّاس عشرة آلافٍ سوى النِّساء والصِّبيان (أَتَاهُ آتٍ، فَقَالَ لَهُ (٤): إِنَّ ابْنَ حَنْظَلَةَ) هو عبد الله بن حنظلة بن أبي عامرٍ الَّذي يُعرف أبوه بغسيل الملائكة، وكان أميرًا على الأنصار (يُبَايِعُ النَّاسَ عَلَى المَوْتِ، فَقَالَ) عبد الله بن زيدٍ: (لَا أُبَايِعُ عَلَى هَذَا أَحَدًا بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ) والفرق أنَّه ﵊ يستحقُّ على كلِّ مسلمٍ أن يفديه بنفسه بخلاف غيره، وهل يجوز لأحدٍ أن يُستَهدف عن أحدٍ (٥) لقصد وقايته، أو يكون ذلك من إلقاء اليد إلى التَّهلكة؟ تردَّد فيه ابن المُنَيِّر، قال: لا خلاف أنَّه لا يؤثر أحدٌ أحدًا بنفسه لو (٦) كانا في مخمصةٍ ومع أحدهما قوتُ نفسه خاصَّة، قاله في «المصابيح».
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
١١٠ - بَاب الْبَيْعَةِ فِي الْحَرْبِ أَنْ لَا يَفِرُّوا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَلَى الْمَوْتِ لِقَوْلِ اللَّهِ ﷿ ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾
٢٩٥٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: رَجَعْنَا مِنْ الْعَامِ الْمُقْبِلِ فَمَا اجْتَمَعَ مِنَّا اثْنَانِ عَلَى الشَّجَرَةِ الَّتِي بَايَعْنَا تَحْتَهَا، كَانَتْ رَحْمَةً مِنْ اللَّهِ. فَسَأَلْنا نَافِعًا: عَلَى أَيِّ شَيْءٍ بَايَعَهُمْ، عَلَى الْمَوْتِ؟ قَالَ: لَا، بَلْ بَايَعَهُمْ عَلَى الصَّبْرِ.
٢٩٥٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا كَانَ زَمَنُ الْحَرَّةِ أَتَاهُ آتٍ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ ابْنَ حَنْظَلَةَ يُبَايِعُ النَّاسَ عَلَى الْمَوْتِ. فَقَالَ: لَا أُبَايِعُ عَلَى هَذَا أَحَدًا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
[الحديث ٢٩٥٩ - طرفه في: ٤١٦٧]
٢٩٦٠ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ ﵁ قَالَ: بَايَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ثُمَّ عَدَلْتُ إِلَى ظِلِّ الشَّجَرَةِ، فَلَمَّا خَفَّ النَّاسُ قَالَ: يَا ابْنَ الْأَكْوَعِ، أَلَا تُبَايِعُ؟ قَالَ: قُلْتُ: قَدْ بَايَعْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: وَأَيْضًا. فَبَايَعْتُهُ الثَّانِيَةَ. فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا مُسْلِمٍ، عَلَى أَيِّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تُبَايِعُونَ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: عَلَى الْمَوْتِ.
[الحديث ٢٩٦٠ - أطرافه في: ٤١٦٩، ٧٢٠٦، ٧٢٠٨]
٢٩٦١ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا ﵁ يَقُولُ: كَانَتْ الْأَنْصَارُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ تَقُولُ:
نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا … عَلَى الْجِهَادِ مَا حَيِينَا أَبَدَا
فَأَجَابَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ:
اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَهْ … فَأَكْرِمْ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ.
٢٩٦٢، ٢٩٦٣ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ فُضَيْلٍ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ مُجَاشِعٍ ﵁ قَالَ: "أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَنَا وَأَخِي فَقُلْتُ بَايِعْنَا عَلَى الْهِجْرَةِ فَقَالَ مَضَتْ الْهِجْرَةُ لِأَهْلِهَا فَقُلْتُ عَلَامَ تُبَايِعُنَا قَالَ عَلَى الإِسْلَامِ وَالْجِهَادِ".
[الحديث ٢٩٦٢ - أطرافه في: ٣٠٧٨، ٤٣٠٥، ٤٣٠٧]
[الحديث ٢٩٦٣ - أطرافه في: ٣٠٧٩، ٤٣٠٦، ٤٣٠٨]
قَوْلُهُ: (بَابُ الْبَيْعَةِ فِي الْحَرْبِ عَلَى أَنْ لَا يَفِرُّوا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ عَلَى الْمَوْتِ) كَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنْ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ
الرِّوَايَتَيْنِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي مَقَامَيْنِ، أَوْ أَحَدَهُمَا يَسْتَلْزِمُ الْآخَرَ.
قَوْلُهُ: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الْآيَةَ) قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: أَشَارَ الْبُخَارِيُّ بِالِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ إِلَى أَنَّهُمْ بَايَعُوا عَلَى الصَّبْرِ، وَوَجْهُ أَخْذِهِ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ وَالسَّكِينَةُ: الطُّمَأْنِينَةُ فِي مَوْقِفِ الْحَرْبِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمْ أَضْمَرُوا فِي قُلُوبِهِمْ أَنْ لَا يَفِرُّوا فَأَعَانَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْبُخَارِيَّ إِنَّمَا ذَكَرَ الْآيَةَ عَقِبَ الْقَوْلِ الصَّائِرِ إِلَى أَنَّ الْمُبَايَعَةَ وَقَعَتْ عَلَى الْمَوْتِ، وَوَجْهُ انْتِزَاعِ ذَلِكَ مِنْهَا أَنَّ الْمُبَايَعَةَ فِيهَا مُطْلَقَةٌ، وَقَدْ أَخْبَرَ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ - وَهُوَ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ - أَنَّهُ بَايَعَ عَلَى الْمَوْتِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ قَوْلِهِمْ: بَايَعُوهُ عَلَى الْمَوْتِ، وَعَلَى عَدَمِ الْفِرَارِ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُبَايَعَةِ عَلَى الْمَوْتِ أَنْ لَا يَفِرُّوا وَلَوْ مَاتُوا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنْ يَقَعَ الْمَوْتُ وَلَا بُدَّ، وَهُوَ الَّذِي أَنْكَرَهُ نَافِعٌ وَعَدَلَ إِلَى قَوْلِهِ: بَلْ بَايَعَهُمْ عَلَى الصَّبْرِ أَيْ: عَلَى الثَّبَاتِ وَعَدَمِ الْفِرَارِ سَوَاءٌ أَفْضَى بِهِمْ ذَلِكَ إِلَى الْمَوْتِ أَمْ لَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي مُوَافَقَةُ الْمُسَيَّبِ بْنِ حَزْنٍ - وَالِدِ سَعِيدٍ -، لِابْنِ عُمَرَ عَلَى خَفَاءِ الشَّجَرَةِ، وَبَيَانِ الْحِكْمَةِ فِي ذَلِكَ وَهُوَ أَنْ لَا يَحْصُلَ بِهَا افْتِتَانٌ لِمَا وَقَعَ تَحْتَهَا مِنَ الْخَيْرِ، فَلَوْ بَقِيَتْ لَمَا أُمِنَ تَعْظِيمُ بَعْضِ الْجُهَّالِ لَهَا حَتَّى رُبَّمَا أَفْضَى بِهِمْ إِلَى اعْتِقَادِ أَنَّ لَهَا قُوَّةَ نَفْعٍ أَوْ ضَرٍّ كَمَا نَرَاهُ الْآنَ مُشَاهَدًا فِيمَا هُوَ دُونَهَا، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ ابْنُ عُمَرَ بِقَوْلِهِ: كَانَتْ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ أَيْ: كَانَ خَفَاؤُهَا عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ، أَيْ: كَانَتِ الشَّجَرَةُ مَوْضِعَ رَحْمَةِ اللَّهِ وَمَحِلَّ رِضْوَانِهِ لِنُزُولِ الرِّضَا عَنِ الْمُؤْمِنِينَ عِنْدهَا.
ثُمَّ ذَكَرَ فيهِ خَمْسَةَ أَحَادِيثَ: أَحَدُهَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: رَجَعْنَا مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ فَمَا اجْتَمَعَ مِنَّا اثْنَانِ عَلَى الشَّجَرَةِ الَّتِي بَايَعْنَا - أَيِ النَّبِيَّ ﷺ تَحْتَهَا أَيْ: فِي عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ.
قَوْلُهُ: (فَسَأَلْنَا نَافِعًا) قَائِلُ ذَلِكَ هُوَ جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ الرَّاوِي عَنْهُ، وَقَدْ تَعَقَّبَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِأَنَّ هَذَا مِنْ قَوْلِ نَافِعٍ وَلَيْسَ بِمُسْنَدٍ، وَأُجِيبُ بِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ نَافِعًا إِنَّمَا جَزَمَ بِمَا أَجَابَ بِهِ لِمَا فَهِمَهُ عَنْ مَوْلَاهُ ابْنِ عُمَرَ فَيَكُونُ مُسْنَدًا بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ.
ثَانِيهَا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، أَيِ: ابْنِ عَاصِمٍ، الْأَنْصَارِيِّ الْمَازِنِيِّ.
قَوْلُهُ: (لَمَّا كَانَ زَمَنُ الْحَرَّةِ) أَيِ: الْوَقْعَةِ الَّتِي كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ فِي زَمَنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (أَنَّ ابْنَ حَنْظَلَةَ) أَيْ: عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي عَامِرٍ الَّذِي يُعْرَفُ أَبُوهُ بِغَسِيلِ الْمَلَائِكَةِ، وَالسَّبَبُ فِي تَلْقِيبِهِ بِذَلِكَ أَنَّهُ قُتِلَ بِأُحُدٍ وَهُوَ جُنُبٌ فَغَسَّلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ، وَعَلِقَتِ امْرَأَتُهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ بِابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ، فَمَاتَ النَّبِيُّ ﷺ وَلَهُ سَبْعُ سِنِينَ وَقَدْ حَفِظَ عَنْهُ. وَأَتَى الْكِرْمَانِيُّ بِأُعْجُوبَةٍ فَقَالَ: ابْنُ حَنْظَلَةَ هُوَ الَّذِي كَانَ يَأْخُذُ الْبَيْعَةَ لِيَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَالْمُرَادُ بِهِ نَفْسُ يَزِيدَ لِأَنَّ جَدَّهُ أَبَا سُفْيَانَ كَانَ يُكَنَّى أَيْضًا أَبَا حَنْظَلَةَ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ أَنَّ ابْنَ أَبِي حَنْظَلَةَ، ثُمَّ حُذِفَ لَفْظُ أَبِي تَخْفِيفًا، أَوْ يَكُونُ نُسِبَ إِلَى عَمِّهِ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ اسْتِخْفَافًا وَاسْتِهْجَانًا وَاسْتِبْشَاعًا بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ الْمُرَّةِ انْتَهَى. وَلَقَدْ أَطَالَ ﵀ فِي غَيْرِ طَائِلٍ، وَأَتَى بِغَيْرِ الصَّوَابِ. وَلَوْ رَاجَعَ مَوْضِعًا آخَرَ مِنَ الْبُخَارِيِّ لِهَذَا الْحَدِيثِ بِعَيْنِهِ لَرَأَى فِيهِ مَا نَصُّهُ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْحَرَّةِ وَالنَّاسُ يُبَايِعُونَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ: عَلَامَ يُبَايِعُ حَنْظَلَةُ النَّاسَ؟ الْحَدِيثَ.
وَهَذَا الْمَوْضِعُ فِي أَثْنَاءِ غَزْوَةِ الْحُدَيْبِيَةِ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي، فَهَذَا يَرُدُّ احْتِمَالَهُ الثَّانِي، وَأَمَّا احْتِمَالُهُ الْأَوَّلُ فَيَرُدُّهُ اتِّفَاقُ أَهْلِ النَّقْلِ عَلَى أَنَّ الْأَمِيرَ الَّذِي كَانَ مِنْ قِبَلِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاويَةَ اسْمُهُ مُسْلِمُ بْنُ عُقْبَةَ لَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَنْظَلَةَ، وَأَنَّ ابْنَ حَنْظَلَةَ كَانَ الْأَمِيرَ عَلَى الْأَنْصَارِ، وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُطِيعٍ كَانَ الْأَمِيرَ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ وَأَنَّهُمَا قُتِلَا جَمِيعًا فِي تِلْكَ الْوَقْعَةِ. وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
قَوْلُهُ: (لَا أُبَايِعُ عَلَى هَذَا أَحَدًا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى ذَلِكَ وَلَيْسَ بِصَرِيحٍ، وَلِذَلِكَ عَقَّبَهُ الْمُصَنِّفُ بِحَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ لِتَصْرِيحِهِ فِيهِ بِذَلِكَ. قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
يوم الحديبية بيعة الرِّضوان (﴿تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]) السَّمُرة أو أمُّ غيلان، وهم يومئذٍ ألفٌ وخمس مئةٍ وأربعون رجلًا، وقد أخبر سلمة بن الأكوع -وهو ممَّن بايع تحت الشَّجرة- أنَّه بايع على الموت، وليس المراد أن يقع الموت ولا بدَّ، بل على عدم الفرار ولو ماتوا.
٢٩٥٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ) بضمِّ الجيم مصغَّر جاريةٍ، ابن أسماء الضُّبَعيُّ البصريُّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (﵄: رَجَعْنَا مِنَ العَامِ المُقْبِلِ) الَّذي بعد صلح الحديبية إليها (فَمَا اجْتَمَعَ مِنَّا اثْنَانِ عَلَى الشَّجَرَةِ الَّتِي بَايَعْنَا تَحْتَهَا) أي: ما وافق منَّا رجلان على هذه الشَّجرة أنَّها هي الَّتي وقعت المبايعة تحتها، بل خفي مكانها أو اشتبهت عليهم لئلَّا يحصل بها افتتانٌ لِمَا وقع تحتها من الخير، فلو بقيت لما أُمِنَ من تعظيم الجهَّال لها، حتَّى ربَّما يفضي بهم إلى اعتقاد أنَّها تضرُّ وتنفع، فكان في إخفائها رحمةٌ، وإلى ذلك أشار ابن عمر بقوله: (كَانَتْ رَحْمَةً مِنَ اللهِ) قال جُوَيرية: (فَسَأَلْتُ) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «فسألنا» (نَافِعًا) مولى ابن عمر (عَلَى أَيِّ شَيْءٍ بَايَعَهُمْ) ﵇ (عَلَى المَوْتِ؟) وهمزة الاستفهام مقدَّرةٌ (قَالَ: لَا، بَايَعَهُمْ) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «بل بايعهم» (عَلَى الصَّبْرِ) أي: على الثَّبات وعدم الفرار، سواءٌ أفضى بهم ذلك إلى الموت أَمْ لا.
٢٩٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ، وسقط عند أبي ذرٍّ «بن إسماعيل» قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو مصغَّرًا، ابن خالد قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى) بفتح العين وسكون الميم، الأنصاريُّ المدنيُّ (عَنْ (١) عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ) بفتح العين وتشديد الموحَّدة، ابن
زيد بن عاصمٍ (عَنْ) عمِّه (عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ) الأنصاريِّ المدنيِّ (﵁، قَالَ: لَمَّا كَانَ زَمَنَ الحَرَّةِ) بفتح الحاء وتشديد الرَّاء، أي: في (١) زمن وقعة (٢) الحَرَّة وهي حرَّة زهرة أو واقم بالمدينة سنة ثلاثٍ وستِّين، وسببها: أنَّ عبد الله بن حنظلة وغيره من أهل المدينة وفدوا إلى يزيد بن معاوية، فرأوا منه ما لا يصلح، فرجعوا إلى المدينة، فخلعوه، وبايعوا عبد الله بن الزُّبير ﵁، فأرسل يزيد إلى (٣) مسلم بن عقبة، فأوقع بأهل المدينة وقعةً عظيمةً، قتل من وجوه النَّاس ألفًا وسبع مئةٍ، ومن أخلاط النَّاس عشرة آلافٍ سوى النِّساء والصِّبيان (أَتَاهُ آتٍ، فَقَالَ لَهُ (٤): إِنَّ ابْنَ حَنْظَلَةَ) هو عبد الله بن حنظلة بن أبي عامرٍ الَّذي يُعرف أبوه بغسيل الملائكة، وكان أميرًا على الأنصار (يُبَايِعُ النَّاسَ عَلَى المَوْتِ، فَقَالَ) عبد الله بن زيدٍ: (لَا أُبَايِعُ عَلَى هَذَا أَحَدًا بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ) والفرق أنَّه ﵊ يستحقُّ على كلِّ مسلمٍ أن يفديه بنفسه بخلاف غيره، وهل يجوز لأحدٍ أن يُستَهدف عن أحدٍ (٥) لقصد وقايته، أو يكون ذلك من إلقاء اليد إلى التَّهلكة؟ تردَّد فيه ابن المُنَيِّر، قال: لا خلاف أنَّه لا يؤثر أحدٌ أحدًا بنفسه لو (٦) كانا في مخمصةٍ ومع أحدهما قوتُ نفسه خاصَّة، قاله في «المصابيح».