«سَمَّى النَّبِيُّ ﷺ الْحَرْبَ خَُدْعَةً.»

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٠٢٩

الحديث رقم ٣٠٢٩ من كتاب «كتاب الجهاد والسير» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الحرب خدعة.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٣٠٢٩ في صحيح البخاري

«سَمَّى النَّبِيُّ الْحَرْبَ خَُدْعَةً.»

إسناد حديث رقم ٣٠٢٩ من صحيح البخاري

٣٠٢٩ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَصْرَمَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٣٠٢٩: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

[الحديث ٣٠٢٨ - طرفه في: ٣٠٢٩]

٣٠٢٩ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَصْرَمَ - اسمه بور -، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمَّى النَّبِيُّ الْحَرْبَ خَدْعَةً.

٣٠٣٠ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : الْحَرْبُ خَدْعَةٌ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْحَرْبُ خَدْعَةٌ) أَوْرَدَ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا، وَمِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مُخْتَصَرًا، وَفِي أَوَّلِ الْمُطَوَّلِ ذِكْرُ كِسْرَى، وَقَيْصَرَ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى هَذَا فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ.

وَقَوْلُهُ: خَدْعَةٌ: بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَبِضَمِّهَا مَعَ سُكُونِ الْمُهْمَلَةِ فِيهِمَا، وَبِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ ثَانِيهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْأُولَى الْأَفْصَحُ، حَتَّى قَالَ ثَعْلَبٌ: بَلَغَنَا أَنَّهَا لُغَةُ النَّبِيِّ ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ، وَالْقَزَّازُ. وَالثَّانِيَةُ ضُبِطَتْ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ. قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ طَلْحَةَ: أَرَادَ ثَعْلَبٌ أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يَسْتَعْمِلُ هَذِهِ الْبِنْيَةَ كَثِيرًا لِوَجَازَةِ لَفْظِهَا وَلِكَوْنِهَا تُعْطِي مَعْنَى الْبِنْيَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ، قَالَ: وَيُعْطِي مَعْنَاهَا أَيْضًا الْأَمْرُ بِاسْتِعْمَالِ الْحِيلَةِ مَهْمَا أَمْكَنَ وَلَوْ مَرَّةً وَإِلَّا فَقَاتِلْ ; قَالَ: فَكَانَتْ مَعَ اخْتِصَارِهَا كَثِيرَةَ الْمَعْنَى.

وَمَعْنَى خَدْعَةٍ بِالْإِسْكَانِ أَنَّهَا تَخْدَعُ أَهْلَهَا، مِنْ وَصْفِ الْفَاعِلِ بِاسْمِ الْمَصْدَرِ، أَوْ أَنَّهَا وَصْفُ الْمَفْعُولِ، كَمَا يُقَالُ: هَذَا الدِّرْهَمُ ضَرْبُ الْأَمِيرِ، أَيْ: مَضْرُوبُهُ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّهَا مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ، أَيْ: إِذَا خُدِعَ مَرَّةً وَاحِدَةً لَمْ تُقَلْ عَثْرَتُهُ. وَقِيلَ: الْحِكْمَةُ فِي الْإِتْيَانِ بِالتَّاءِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْوَحْدَةِ فَإِنَّ الْخِدَاعَ إِنْ كَانَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَكَأَنَّهُ حَضَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَإِنْ كَانَ مِنَ الْكُفَّارِ فَكَأَنَّهُ حَذَّرَهُمْ مِنْ مَكْرِهِمْ وَلَوْ وَقَعَ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَلَا يَنْبَغِي التَّهَاوُنُ بِهِمْ لِمَا يَنْشَأُ عَنْهُمْ مِنَ الْمَفْسَدَةِ وَلَوْ قَلَّ، وَفِي اللُّغَةِ الثَّالِثَةِ صِيغَةُ الْمُبَالَغَةِ كَهُمَزَةٍ وَلُمَزَةٍ، وَحَكَى الْمُنْذِرِيُّ لُغَةً رَابِعَةً بِالْفَتْحِ فِيهِمَا، قَالَ: وَهُوَ جَمْعُ خَادِعٍ، أَيْ أَنَّ أَهْلَهَا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وَكَأَنَّهُ قَالَ: أَهْلُ الْحَرْبِ خَدَعَةٌ.

قُلْتُ: وَحَكَى مَكِّيٌّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ لُغَةً خَامِسَةً: كَسْرَ أَوَّلِهِ مَعَ الْإِسْكَانِ، قَرَأْتُ ذَلِكَ بِخَطِّ مُغْلَطَايْ. وَأَصْلُ الْخَدْعِ: إِظْهَارُ أَمْرٍ وَإِضْمَارُ خِلَافِهِ.

وَفِيهِ التَّحْرِيضُ عَلَى أَخْذِ الْحَذَرِ فِي الْحَرْبِ، وَالنَّدْبُ إِلَى خِدَاعِ الْكُفَّارِ، وَإنَّ مَنْ لَمْ يَتَيَقَّظْ لِذَلِكَ لَمْ يَأْمَنْ أَنْ يَنْعَكِسَ الْأَمْرُ عَلَيْهِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَاتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ خِدَاعِ الْكُفَّارِ فِي الْحَرْبِ كَيْفَمَا أَمْكَنَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ نَقْضُ عَهْدٍ أَوْ أَمَانٍ فَلَا يَجُوزُ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الْخِدَاعُ فِي الْحَرْبِ يَقَعُ بِالتَّعْرِيضِ وبالسكين وَنَحْوِ ذَلِكَ.

وَفِي الْحَدِيثِ الْإِشَارَةُ إِلَى اسْتِعْمَالِ الرَّأْيِ فِي الْحَرْبِ: بَلْ الِاحْتِيَاجُ إِلَيْهِ آكَدُ مِنَ الشَّجَاعَةِ، ولهذا وَقَعَ الِاقْتِصَارُ عَلَى مَا يُشِيرُ إِلَيْهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ: الْحَجُّ عَرَفَةُ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: مَعْنَى الْحَرْبُ خَدْعَةٌ، أَيِ: الْحَرْبُ الْجَيِّدَةُ لِصَاحِبِهَا الْكَامِلَةُ فِي مَقْصُودِهَا إِنَّمَا هِيَ الْمُخَادَعَةُ لَا الْمُوَاجَهَةُ، وَذَلِكَ لِخَطَرِ الْمُوَاجَهَةِ وَحُصُولِ الظَّفَرِ مَعَ الْمُخَادَعَةِ بِغَيْرِ خَطَرٍ.

(تَكْمِيلٌ):

ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ أَوَّلَ مَا قَالَ النَّبِيُّ الْحَرْبُ خَدْعَةٌ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ.

١٥٨ - بَاب الْكَذِبِ فِي الْحَرْبِ

٣٠٣١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ

عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ، فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ؟ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا - يَعْنِي النَّبِيَّ قَدْ عَنَّانَا وَسَأَلَنَا الصَّدَقَةَ. قَالَ: وَأَيْضًا وَاللَّهِ لَتَمَلُّنَّهُ. قَالَ: فَإِنَّا اتَّبَعْنَاهُ فَنَكْرَهُ أَنْ نَدَعَهُ حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى مَا يَصِيرُ أَمْرُهُ. قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ يُكَلِّمُهُ حَتَّى اسْتَمْكَنَ مِنْهُ فَقَتَلَهُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْكَذِبِ فِي الْحَرْبِ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ جَابِرٍ فِي قِصَّةِ قَتْلِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ، وَسَيَأْتِي مُطَوَّلًا مَعَ شَرْحِهِ فِي كِتَابِ الْمَغَازِي. قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: التَّرْجَمَةُ غَيْرُ مُطَابِقَةٍ، لِأَنَّ الَّذِي وَقَعَ مِنْهُمْ فِي قَتْلِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ تَعْرِيضًا، لِأَنَّ قَوْلَهُمْ: عَنَّانَا أَيْ: كَلَّفَنَا بِالْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، وَقَوْلُهُمْ: سَأَلَنَا الصَّدَقَةَ أَيْ: طَلَبَهَا مِنَّا لِيَضَعَهَا مَوَاضِعَهَا، وَقَوْلُهُمْ: فَنَكْرَهُ أَنْ نَدَعَهُ، إِلَخْ مَعْنَاهُ: نَكْرَهُ فِرَاقَهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُمْ كَانُوا يُحِبُّونَ الْكَوْنَ مَعَهُ أَبَدًا. انْتَهَى.

وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِنْهُمْ فِيمَا قَالُوهُ بِشَيْءٍ مِنَ الْكَذِبِ أَصْلًا، وَجَمِيعُ مَا صَدَرَ مِنْهُمْ تَلْوِيحٌ كَمَا سَبَقَ، لَكِنْ تَرْجَمَ بِذَلِكَ لِقَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ لِلنَّبِيِّ أَوَّلًا ائْذَنْ لِي أَنْ أَقُولَ، قَالَ قُلْ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْإِذْنُ فِي الْكَذِبِ تَصْرِيحًا وَتَلْوِيحًا وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ وَإِنْ لَمْ تُذْكَرْ فِي سِيَاقِ حَدِيثِ الْبَابِ فَهِيَ ثَابِتَةٌ فِيهِ كَمَا فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ، عَلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ لَمَا كَانَتِ التَّرْجَمَةُ مُنَافِرَةً لِلْحَدِيثِ، لِأَنَّ مَعْنَاهَا حِينَئِذٍ: بَابُ الْكَذِبِ فِي الْحَرْبِ هَلْ يَسُوغُ مُطْلَقًا أَوْ يَجُوزُ مِنْهُ الْإِيمَاءُ دُونَ التَّصْرِيحِ؟ وَقَدْ جَاءَ مِنْ ذَلِكَ صَرِيحًا مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ مَرْفُوعًا: لَا يَحِلُّ الْكَذِبُ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ: تَحْدِيثُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ لِيُرْضِيَهَا، وَالْكَذِبُ فِي الْحَرْبِ، وَفِي الْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ مَا فِي حَدِيثِ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ لِهَذَا الْمَعْنَى مِنْ ذَلِكَ، وَنَقَلَ الْخِلَافَ فِي جَوَازِ الْكَذِبِ مُطْلَقًا أَوْ تَقْيِيدِهِ بِالتَّلْوِيحِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: الظَّاهِرُ إِبَاحَةُ حَقِيقَةِ الْكَذِبِ فِي الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ، لَكِنَّ التَّعْرِيضَ أَوْلَى. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الْكَذِبُ فِي الْحَرْبِ مِنَ الْمُسْتَثْنَى الْجَائِزِ بِالنَّصِّ رِفْقًا بِالْمُسْلِمِينَ ل حَاجَتِهِمْ إِلَيْهِ وَلَيْسَ لِلْعَقْلِ فِيهِ مَجَالٌ، وَلَوْ كَانَ تَحْرِيمُ الْكَذِبِ بِالْعَقْلِ مَا انْقَلَبَ حَلَالًا انْتَهَى.

وَيُقَوِّيهِ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ الْحَجَّاجِ ابْنِ عِلَاطٍ، الَّذِي أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ فِي اسْتِئْذَانِهِ النَّبِيَّ أَنْ يَقُولَ عَنْهُ مَا شَاءَ لِمَصْلَحَتِهِ فِي اسْتِخْلَاصِ مَالِهِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وَأَذِنَ لَهُ النَّبِيُّ ، وَإِخْبَارُهُ لِأَهْلِ مَكَّةَ أَنَّ أَهْلَ خَيْبَرَ هَزَمُوا الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَشْهُورٌ فِيهِ، وَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ فِي قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، وَقَوْلُ الْأَنْصَارِيِّ لِلنَّبِيِّ لَمَّا كَفَّ عَنْ بَيْعَتِهِ: هَلَّا أَوْمَأْتَ إِلَيْنَا بِعَيْنِكَ، قَالَ: مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ. لِأَنَّ طَرِيقَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمَأْذُونَ فِيهِ بِالْخِدَاعِ وَالْكَذِبِ فِي الْحَرْبِ حَالَةَ الْحَرْبِ خَاصَّةً، وَأَمَّا حَالُ الْمُبَايَعَةِ فَلَيْسَتْ بِحَالِ حَرْبٍ، كَذَا قَالَ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ قِصَّةَ الْحَجَّاجِ بْنِ عِلَاطٍ أَيْضًا لَمْ تَكُنْ فِي حَالِ حَرْبٍ.

وَالْجَوَابُ الْمُسْتَقِيمُ أَنْ تَقُولَ: الْمَنْعُ مُطْلَقًا مِنْ خَصَائِصِ النَّبِيِّ فَلَا يَتَعَاطَى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا لِغَيْرِهِ، وَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَرَادَ غَزْوَةً وَرَّى بِغَيْرِهَا، فَإِنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ كَانَ يُرِيدُ أَمْرًا فَلَا يُظْهِرُهُ كَأَنْ يُرِيدَ أَنْ يَغْزُوَ وجهةَ الشَّرْقِ فَيَسْأَلُ عَنْ أَمْرٍ فِي جِهَةِ الْغَرْبِ، وَيَتَجَهَّزُ لِلسَّفَرِ فَيَظُنُّ مَنْ يَرَاهُ وَيَسْمَعُهُ أَنَّهُ يُرِيدُ جِهَةَ الْغَرْبِ، وَأَمَّا أَنْ يُصَرِّحَ بِإِرَادَتِهِ الْغَرْبَ وَإِنَّمَا مُرَادُهُ الشَّرْقُ فَلَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: سَأَلْتُ بَعْضَ شُيُوخِي عَنْ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ:

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

[الحديث ٣٠٢٨ - طرفه في: ٣٠٢٩]

٣٠٢٩ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَصْرَمَ - اسمه بور -، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمَّى النَّبِيُّ الْحَرْبَ خَدْعَةً.

٣٠٣٠ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : الْحَرْبُ خَدْعَةٌ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْحَرْبُ خَدْعَةٌ) أَوْرَدَ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا، وَمِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مُخْتَصَرًا، وَفِي أَوَّلِ الْمُطَوَّلِ ذِكْرُ كِسْرَى، وَقَيْصَرَ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى هَذَا فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ.

وَقَوْلُهُ: خَدْعَةٌ: بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَبِضَمِّهَا مَعَ سُكُونِ الْمُهْمَلَةِ فِيهِمَا، وَبِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ ثَانِيهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْأُولَى الْأَفْصَحُ، حَتَّى قَالَ ثَعْلَبٌ: بَلَغَنَا أَنَّهَا لُغَةُ النَّبِيِّ ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ، وَالْقَزَّازُ. وَالثَّانِيَةُ ضُبِطَتْ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ. قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ طَلْحَةَ: أَرَادَ ثَعْلَبٌ أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يَسْتَعْمِلُ هَذِهِ الْبِنْيَةَ كَثِيرًا لِوَجَازَةِ لَفْظِهَا وَلِكَوْنِهَا تُعْطِي مَعْنَى الْبِنْيَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ، قَالَ: وَيُعْطِي مَعْنَاهَا أَيْضًا الْأَمْرُ بِاسْتِعْمَالِ الْحِيلَةِ مَهْمَا أَمْكَنَ وَلَوْ مَرَّةً وَإِلَّا فَقَاتِلْ ; قَالَ: فَكَانَتْ مَعَ اخْتِصَارِهَا كَثِيرَةَ الْمَعْنَى.

وَمَعْنَى خَدْعَةٍ بِالْإِسْكَانِ أَنَّهَا تَخْدَعُ أَهْلَهَا، مِنْ وَصْفِ الْفَاعِلِ بِاسْمِ الْمَصْدَرِ، أَوْ أَنَّهَا وَصْفُ الْمَفْعُولِ، كَمَا يُقَالُ: هَذَا الدِّرْهَمُ ضَرْبُ الْأَمِيرِ، أَيْ: مَضْرُوبُهُ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّهَا مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ، أَيْ: إِذَا خُدِعَ مَرَّةً وَاحِدَةً لَمْ تُقَلْ عَثْرَتُهُ. وَقِيلَ: الْحِكْمَةُ فِي الْإِتْيَانِ بِالتَّاءِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْوَحْدَةِ فَإِنَّ الْخِدَاعَ إِنْ كَانَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَكَأَنَّهُ حَضَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَإِنْ كَانَ مِنَ الْكُفَّارِ فَكَأَنَّهُ حَذَّرَهُمْ مِنْ مَكْرِهِمْ وَلَوْ وَقَعَ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَلَا يَنْبَغِي التَّهَاوُنُ بِهِمْ لِمَا يَنْشَأُ عَنْهُمْ مِنَ الْمَفْسَدَةِ وَلَوْ قَلَّ، وَفِي اللُّغَةِ الثَّالِثَةِ صِيغَةُ الْمُبَالَغَةِ كَهُمَزَةٍ وَلُمَزَةٍ، وَحَكَى الْمُنْذِرِيُّ لُغَةً رَابِعَةً بِالْفَتْحِ فِيهِمَا، قَالَ: وَهُوَ جَمْعُ خَادِعٍ، أَيْ أَنَّ أَهْلَهَا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وَكَأَنَّهُ قَالَ: أَهْلُ الْحَرْبِ خَدَعَةٌ.

قُلْتُ: وَحَكَى مَكِّيٌّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ لُغَةً خَامِسَةً: كَسْرَ أَوَّلِهِ مَعَ الْإِسْكَانِ، قَرَأْتُ ذَلِكَ بِخَطِّ مُغْلَطَايْ. وَأَصْلُ الْخَدْعِ: إِظْهَارُ أَمْرٍ وَإِضْمَارُ خِلَافِهِ.

وَفِيهِ التَّحْرِيضُ عَلَى أَخْذِ الْحَذَرِ فِي الْحَرْبِ، وَالنَّدْبُ إِلَى خِدَاعِ الْكُفَّارِ، وَإنَّ مَنْ لَمْ يَتَيَقَّظْ لِذَلِكَ لَمْ يَأْمَنْ أَنْ يَنْعَكِسَ الْأَمْرُ عَلَيْهِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَاتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ خِدَاعِ الْكُفَّارِ فِي الْحَرْبِ كَيْفَمَا أَمْكَنَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ نَقْضُ عَهْدٍ أَوْ أَمَانٍ فَلَا يَجُوزُ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الْخِدَاعُ فِي الْحَرْبِ يَقَعُ بِالتَّعْرِيضِ وبالسكين وَنَحْوِ ذَلِكَ.

وَفِي الْحَدِيثِ الْإِشَارَةُ إِلَى اسْتِعْمَالِ الرَّأْيِ فِي الْحَرْبِ: بَلْ الِاحْتِيَاجُ إِلَيْهِ آكَدُ مِنَ الشَّجَاعَةِ، ولهذا وَقَعَ الِاقْتِصَارُ عَلَى مَا يُشِيرُ إِلَيْهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ: الْحَجُّ عَرَفَةُ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: مَعْنَى الْحَرْبُ خَدْعَةٌ، أَيِ: الْحَرْبُ الْجَيِّدَةُ لِصَاحِبِهَا الْكَامِلَةُ فِي مَقْصُودِهَا إِنَّمَا هِيَ الْمُخَادَعَةُ لَا الْمُوَاجَهَةُ، وَذَلِكَ لِخَطَرِ الْمُوَاجَهَةِ وَحُصُولِ الظَّفَرِ مَعَ الْمُخَادَعَةِ بِغَيْرِ خَطَرٍ.

(تَكْمِيلٌ):

ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ أَوَّلَ مَا قَالَ النَّبِيُّ الْحَرْبُ خَدْعَةٌ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ.

١٥٨ - بَاب الْكَذِبِ فِي الْحَرْبِ

٣٠٣١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ

عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ، فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ؟ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا - يَعْنِي النَّبِيَّ قَدْ عَنَّانَا وَسَأَلَنَا الصَّدَقَةَ. قَالَ: وَأَيْضًا وَاللَّهِ لَتَمَلُّنَّهُ. قَالَ: فَإِنَّا اتَّبَعْنَاهُ فَنَكْرَهُ أَنْ نَدَعَهُ حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى مَا يَصِيرُ أَمْرُهُ. قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ يُكَلِّمُهُ حَتَّى اسْتَمْكَنَ مِنْهُ فَقَتَلَهُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْكَذِبِ فِي الْحَرْبِ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ جَابِرٍ فِي قِصَّةِ قَتْلِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ، وَسَيَأْتِي مُطَوَّلًا مَعَ شَرْحِهِ فِي كِتَابِ الْمَغَازِي. قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: التَّرْجَمَةُ غَيْرُ مُطَابِقَةٍ، لِأَنَّ الَّذِي وَقَعَ مِنْهُمْ فِي قَتْلِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ تَعْرِيضًا، لِأَنَّ قَوْلَهُمْ: عَنَّانَا أَيْ: كَلَّفَنَا بِالْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، وَقَوْلُهُمْ: سَأَلَنَا الصَّدَقَةَ أَيْ: طَلَبَهَا مِنَّا لِيَضَعَهَا مَوَاضِعَهَا، وَقَوْلُهُمْ: فَنَكْرَهُ أَنْ نَدَعَهُ، إِلَخْ مَعْنَاهُ: نَكْرَهُ فِرَاقَهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُمْ كَانُوا يُحِبُّونَ الْكَوْنَ مَعَهُ أَبَدًا. انْتَهَى.

وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِنْهُمْ فِيمَا قَالُوهُ بِشَيْءٍ مِنَ الْكَذِبِ أَصْلًا، وَجَمِيعُ مَا صَدَرَ مِنْهُمْ تَلْوِيحٌ كَمَا سَبَقَ، لَكِنْ تَرْجَمَ بِذَلِكَ لِقَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ لِلنَّبِيِّ أَوَّلًا ائْذَنْ لِي أَنْ أَقُولَ، قَالَ قُلْ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْإِذْنُ فِي الْكَذِبِ تَصْرِيحًا وَتَلْوِيحًا وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ وَإِنْ لَمْ تُذْكَرْ فِي سِيَاقِ حَدِيثِ الْبَابِ فَهِيَ ثَابِتَةٌ فِيهِ كَمَا فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ، عَلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ لَمَا كَانَتِ التَّرْجَمَةُ مُنَافِرَةً لِلْحَدِيثِ، لِأَنَّ مَعْنَاهَا حِينَئِذٍ: بَابُ الْكَذِبِ فِي الْحَرْبِ هَلْ يَسُوغُ مُطْلَقًا أَوْ يَجُوزُ مِنْهُ الْإِيمَاءُ دُونَ التَّصْرِيحِ؟ وَقَدْ جَاءَ مِنْ ذَلِكَ صَرِيحًا مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ مَرْفُوعًا: لَا يَحِلُّ الْكَذِبُ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ: تَحْدِيثُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ لِيُرْضِيَهَا، وَالْكَذِبُ فِي الْحَرْبِ، وَفِي الْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ مَا فِي حَدِيثِ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ لِهَذَا الْمَعْنَى مِنْ ذَلِكَ، وَنَقَلَ الْخِلَافَ فِي جَوَازِ الْكَذِبِ مُطْلَقًا أَوْ تَقْيِيدِهِ بِالتَّلْوِيحِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: الظَّاهِرُ إِبَاحَةُ حَقِيقَةِ الْكَذِبِ فِي الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ، لَكِنَّ التَّعْرِيضَ أَوْلَى. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الْكَذِبُ فِي الْحَرْبِ مِنَ الْمُسْتَثْنَى الْجَائِزِ بِالنَّصِّ رِفْقًا بِالْمُسْلِمِينَ ل حَاجَتِهِمْ إِلَيْهِ وَلَيْسَ لِلْعَقْلِ فِيهِ مَجَالٌ، وَلَوْ كَانَ تَحْرِيمُ الْكَذِبِ بِالْعَقْلِ مَا انْقَلَبَ حَلَالًا انْتَهَى.

وَيُقَوِّيهِ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ الْحَجَّاجِ ابْنِ عِلَاطٍ، الَّذِي أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ فِي اسْتِئْذَانِهِ النَّبِيَّ أَنْ يَقُولَ عَنْهُ مَا شَاءَ لِمَصْلَحَتِهِ فِي اسْتِخْلَاصِ مَالِهِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وَأَذِنَ لَهُ النَّبِيُّ ، وَإِخْبَارُهُ لِأَهْلِ مَكَّةَ أَنَّ أَهْلَ خَيْبَرَ هَزَمُوا الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَشْهُورٌ فِيهِ، وَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ فِي قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، وَقَوْلُ الْأَنْصَارِيِّ لِلنَّبِيِّ لَمَّا كَفَّ عَنْ بَيْعَتِهِ: هَلَّا أَوْمَأْتَ إِلَيْنَا بِعَيْنِكَ، قَالَ: مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ. لِأَنَّ طَرِيقَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمَأْذُونَ فِيهِ بِالْخِدَاعِ وَالْكَذِبِ فِي الْحَرْبِ حَالَةَ الْحَرْبِ خَاصَّةً، وَأَمَّا حَالُ الْمُبَايَعَةِ فَلَيْسَتْ بِحَالِ حَرْبٍ، كَذَا قَالَ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ قِصَّةَ الْحَجَّاجِ بْنِ عِلَاطٍ أَيْضًا لَمْ تَكُنْ فِي حَالِ حَرْبٍ.

وَالْجَوَابُ الْمُسْتَقِيمُ أَنْ تَقُولَ: الْمَنْعُ مُطْلَقًا مِنْ خَصَائِصِ النَّبِيِّ فَلَا يَتَعَاطَى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا لِغَيْرِهِ، وَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَرَادَ غَزْوَةً وَرَّى بِغَيْرِهَا، فَإِنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ كَانَ يُرِيدُ أَمْرًا فَلَا يُظْهِرُهُ كَأَنْ يُرِيدَ أَنْ يَغْزُوَ وجهةَ الشَّرْقِ فَيَسْأَلُ عَنْ أَمْرٍ فِي جِهَةِ الْغَرْبِ، وَيَتَجَهَّزُ لِلسَّفَرِ فَيَظُنُّ مَنْ يَرَاهُ وَيَسْمَعُهُ أَنَّهُ يُرِيدُ جِهَةَ الْغَرْبِ، وَأَمَّا أَنْ يُصَرِّحَ بِإِرَادَتِهِ الْغَرْبَ وَإِنَّمَا مُرَادُهُ الشَّرْقُ فَلَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: سَأَلْتُ بَعْضَ شُيُوخِي عَنْ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ:

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
الحمد لله