«كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُبَاشِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٠٣

الحديث رقم ٣٠٣ من كتاب «كتاب الحيض» في صحيح البخاري، تحت باب: باب مباشرة الحائض.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٣٠٣ في صحيح البخاري

«كَانَ رَسُولُ اللهِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُبَاشِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ، أَمَرَهَا فَاتَّزَرَتْ وَهْيَ حَائِضٌ» وَرَوَاهُ سُفْيَانُ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ.

بَابُ تَرْكِ الْحَائِضِ الصَّوْمَ

إسناد حديث رقم ٣٠٣ من صحيح البخاري

٣٠٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ: حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ شَدَّادٍ قَالَ: سَمِعْتُ مَيْمُونَةَ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٣٠٣: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٣٠٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مَيْمُونَةَ تَقُولُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُبَاشِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ أَمَرَهَا فَاتَّزَرَتْ وَهِيَ حَائِضٌ. وَرَوَاهُ سُفْيَانُ عَنْ الشَّيْبَانِيِّ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) هُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ عَارِمٌ، وَعَبْدُ الْوَاحِدِ هُوَ ابْنُ زِيَادٍ الْبَصْرِيُّ.

قَوْلُهُ: (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ) أَيِ ابْنُ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ اللَّيْثِيُّ، وَهُوَ مِنْ أَوْلَادِ الصَّحَابَةِ، لَهُ رُؤْيَةٌ.

قَوْلُهُ: (أَمَرَهَا) أَيْ بِالِاتِّزَارِ (فَاتَّزَرَتْ) وَهُوَ فِي رِوَايَتِنَا بِإِثْبَاتِ الْهَمْزَةِ عَلَى اللُّغَةِ الْفُصْحَى.

قَوْلُهُ: (رَوَاهُ سُفْيَانُ) يَعْنِي الثَّوْرِيَّ (عَنِ الشَّيْبَانِيِّ) يَعْنِي بِسَنَدِ عَبْدِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ نَحْوُهُ. وَقَدْ رَوَاهُ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ أَيْضًا بِهَذَا الْإِسْنَادِ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَذَلِكَ مِمَّا يَدْفَعُ عَنْهُ تَوَهُّمَ الِاضْطِرَابِ، وَكَأَنَّ الشَّيْبَانِيَّ كَانَ يُحَدِّثُ بِهِ تَارَةً مِنْ مُسْنَدِ عَائِشَةَ وَتَارَةً مِنْ مُسْنَدِ مَيْمُونَةَ، فَسَمِعَهُ مِنْهُ جَرِيرٌ، وَخَالِدٌ بِالْإِسْنَادَيْنِ، وَسَمِعَهُ غَيْرُهُمَا بِأَحَدِهِمَا. وَرَوَاهُ عَنْهُ أَيْضًا - بِإِسْنَادِ مَيْمُونَةَ - حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَأَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ مَنْ رَوَاهُ عَنْهُ بِإِسْنَادِ عَائِشَةَ.

٦ - بَاب تَرْكِ الْحَائِضِ الصَّوْمَ

٣٠٤ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي زَيْدٌ هُوَ ابْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ فِي أَضْحَى - أَوْ فِطْرٍ - إِلَى الْمُصَلَّى، فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ، فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ. فَقُلْنَ: وَبِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ. قُلْنَ: وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟ قُلْنَ: بَلَى. قَالَ: فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا. أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟ قُلْنَ: بَلَى. قَالَ: فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا.

[الحديث ٣٠٤ - أطرافه في: ٢٦٥٨، ١٩٥١، ١٤٦٢]

قَوْلُهُ: (بَابُ تَرْكِ الْحَائِضِ الصَّوْمَ) قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ وَغَيْرُهُ: جَرَى الْبُخَارِيُّ عَلَى عَادَتِهِ فِي إِيضَاحِ الْمُشْكِلِ دُونَ الْجَلِيِّ، وَذَلِكَ أَنَّ تَرْكَهَا الصَّلَاةَ وَاضِحٌ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الطَّهَارَةَ مُشْتَرَطَةٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَهِيَ غَيْرُ طَاهِر، وَأَمَّا الصَّوْمُ فَلَا يُشْتَرَطُ لَهُ الطَّهَارَةُ، فَكَانَ تَرْكُهَا لَهُ تَعَبُّدًا مَحْضًا، فَاحْتَاجَ إِلَى التَّنْصِيصِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هُوَ سَعِيدُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَالِمٍ الْمِصْرِيُّ الْجُمَحِيُّ، لَقِيَهُ الْبُخَارِيُّ، وَرَوَى مُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ أَخُو إِسْمَاعِيلَ، وَالْإِسْنَادُ مِنْهُ فَصَاعِدًا مَدَنِيُّونَ، وَفِيهِ تَابِعِيٌّ عَنْ تَابِعِيٍّ، زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَهُوَ ابْنُ أَبِي سَرْحٍ الْعَامِرِيُّ، لِأَبِيهِ صُحْبَةٌ.

قَوْلُهُ: (فِي أَضْحى أَوْ فِطْرٍ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي.

قَوْلُهُ: (إِلَى الْمُصَلَّى فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ) اخْتَصَرَهُ الْمُؤَلِّفُ هُنَا، وَقَدْ سَاقَهُ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ تَامًّا وَلَفْظُهُ: إِلَى الْمُصَلَّى فَوَعَظَ

النَّاسَ وَأَمَرَهُمْ بِالصَّدَقَةِ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ تَصَدَّقُوا، فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ كَانَ وَعَدَ النِّسَاءَ بِأَنْ يُفْرِدَهُنَّ بِالْمَوْعِظَةِ، فَأَنْجَزَهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَفِيهِ أَنَّهُ وَعَظَهُنَّ وَبَشَّرَهُنَّ.

قَوْلُهُ: (يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ) الْمَعْشَرُ كُلُّ جَمَاعَةٍ أَمْرُهُمْ وَاحِدٌ، وَنُقِلَ عَنْ ثَعْلَبٍ أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالرِّجَالِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يَرُدُّ عَلَيْهِ، إِلَّا إِنْ كَانَ مُرَادُهُ بِالتَّخْصِيصِ حَالَةَ إِطْلَاقِ الْمَعْشَرِ لَا تَقْيِيدَهُ كَمَا فِي الْحَدِيثِ.

قَوْلُهُ: (أُرِيتُكُنَّ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، وَالْمُرَادُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَاهُنَّ لَهُ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْعِلْمِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بِلَفْظِ: أُرِيتُ النَّارَ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ، وَيُسْتَفَادُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الرُّؤْيَةَ الْمَذْكُورَةَ وَقَعَتْ فِي حَالِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ كَمَا سَيَأْتِي وَاضِحًا فِي بَابِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ جَمَاعَةً.

قَوْلُهُ: (وَبِمَ؟) الْوَاوُ اسْتِئْنَافِيَّةٌ وَالْبَاءُ تَعْلِيلِيَّةٌ وَالْمِيمُ أَصْلُهَا مَا الِاسْتِفْهَامِيَّةُ، فَحُذِفَتْ مِنْهَا الْأَلِفُ تَخْفِيفًا.

قَوْلُهُ: (وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ) أَيْ تَجْحَدْنَ حَقَّ الْخَلِيطِ - وَهُوَ الزَّوْجُ - أَوْ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (مِنْ نَاقِصَاتِ) صِفَةُ مَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، قَالَ الطِّيبِيُّ فِي قَوْلِهِ: مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتٍ إِلَخْ زِيَادَةٌ عَلَى الْجَوَابِ تُسَمَّى الِاسْتِتْبَاعَ، كَذَا قَالَ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ أَسْبَابِ كَوْنِهِنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ ; لِأَنَّهُنَّ إِذَا كُنَّ سَبَبًا لِإِذْهَابِ عَقْلِ الرَّجُلِ الْحَازِمِ حَتَّى يَفْعَلَ أَوْ يَقُولَ مَا لَا يَنْبَغِي، فَقَدْ شَارَكْنَهُ فِي الْإِثْمِ وَزِدْنَ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (أَذْهَبَ) أَيْ أَشَدَّ إِذْهَابًا، وَاللُّبُّ أَخَصُّ مِنَ الْعَقْلِ، وَهُوَ الْخَالِصُ مِنْهُ، (الْحَازِمِ) الضَّابِطِ لِأَمْرِهِ، وَهَذِهِ مُبَالَغَةٌ فِي وَصْفِهِنَّ بِذَلِكَ ; لِأَنَّ الضَّابِطَ لِأَمْرِهِ إِذَا كَانَ يَنْقَادُ لَهُنَّ فَغَيْرُ الضَّابِطِ أَوْلَى، وَاسْتِعْمَالُ أَفْعَلِ التَّفْضِيلِ مِنَ الْإِذْهَابِ جَائِزٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ حَيْثُ جَوَّزَهُ مِنَ الثُّلَاثِيِّ وَالْمَزِيدِ.

قَوْلُهُ: (قُلْنَ: وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا)؟ كَأَنَّهُ خَفِيَ عَلَيْهِنَّ ذَلِكَ حَتَّى سَأَلْنَ عَنْهُ، وَنَفْسُ السُّؤَالِ دَالٌّ عَلَى النُّقْصَانِ ; لِأَنَّهُنَّ سَلَّمْنَ مَا نُسِبَ إِلَيْهِنَّ مِنَ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ - الْإِكْثَارِ وَالْكُفْرَانِ وَالْإِذْهَابِ - ثُمَّ اسْتَشْكَلْنَ كَوْنَهُنَّ نَاقِصَاتٍ. وَمَا أَلْطَفَ مَا أَجَابَهُنَّ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَعْنِيفٍ وَلَا لَوْمٍ، بَلْ خَاطَبَهُنَّ عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِنَّ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: مِثْلُ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ، إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ لِأَنَّ الِاسْتِظْهَارَ بِأُخْرَى مُؤْذِنٌ بِقِلَّةِ ضَبْطِهَا، وَهُوَ مُشْعِرٌ بِنَقْصِ عَقْلِهَا، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ حَمَلَ الْعَقْلَ هُنَا عَلَى الدِّيَةِ، وَفِيهِ بُعْدٌ، قُلْتُ: بَلْ سِيَاقُ الْكَلَامِ يَأْبَاهُ.

قَوْلُهُ: (فَذَلِكِ) بِكَسْرِ الْكَافِ خِطَابًا الَّتِي تَوَلَّتِ الْخِطَابَ، وَيَجُوزُ فَتْحُهَا عَلَى أَنَّهُ لِلْخِطَابِ الْعَامِّ.

قَوْلُهُ: (لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ) فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ مَنْعِ الْحَائِضِ مِنَ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ كَانَ ثَابِتًا بِحُكْمِ الشَّرْعِ قَبْلَ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ.

وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ: مَشْرُوعِيَّةُ الْخُرُوجِ إِلَى الْمُصَلَّى فِي الْعِيدِ، وَأَمْرُ الْإِمَامِ النَّاسَ بِالصَّدَقَةِ فِيهِ، وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ جَوَازَ الطَّلَبِ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ لِلْفُقَرَاءِ وَلَهُ شُرُوطٌ، وَفِيهِ حُضُورُ النِّسَاءِ الْعِيدَ، لَكِنْ بِحَيْثُ يَنْفَرِدْنَ عَنِ الرِّجَالِ خَوْفَ الْفِتْنَةِ، وَفِيهِ جَوَازُ عِظَةِ الْإِمَامِ النِّسَاءَ عَلَى حِدَةٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْعِلْمِ، وَفِيهِ أَنَّ جَحْدَ النِّعَمِ حَرَامٌ، وَكَذَا كَثْرَةُ اسْتِعْمَالِ الْكَلَامِ الْقَبِيحِ كَاللَّعْنِ وَالشَّتْمِ، اسْتَدَلَّ النَّوَوِيُّ عَلَى أَنَّهُمَا مِنَ الْكَبَائِرِ بِالتَّوَعُّدِ عَلَيْهَا بِالنَّارِ، وَفِيهِ ذَمُّ اللَّعْنِ وَهُوَ الدُّعَاءُ بِالْإِبْعَادِ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا كَانَ فِي مُعَيَّنٍ، وَفِيهِ إِطْلَاقُ الْكُفْرِ عَلَى الذُّنُوبِ الَّتِي لَا تُخْرِجُ عَنِ الْمِلَّةِ تَغْلِيظًا عَلَى فَاعِلِهَا؛ لِقَوْلِهِ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ بِكُفْرِهِنَّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْإِيمَانِ، وَهُوَ كَإِطْلَاقِ نَفْيِ الْإِيمَانِ، وَفِيهِ الْإِغْلَاظُ فِي النُّصْحِ بِمَا يَكُونُ سَبَبًا لِإِزَالَةِ الصِّفَةِ الَّتِي تُعَابُ، وَأَنْ لَا يُوَاجَهُ بِذَلِكَ الشَّخْصُ الْمُعَيَّنُ ; لِأَنَّ فِي التَّعْمِيمَ تَسْهِيلًا عَلَى السَّامِعِ، وَفِيهِ أَنَّ الصَّدَقَةَ تَدْفَعُ الْعَذَابَ، وَأَنَّهَا قَدْ تُكَفِّرُ الذُّنُوبَ الَّتِي بَيْنَ الْمَخْلُوقِينَ، وَأَنَّ الْعَقْلَ يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ، وَكَذَلِكَ الْإِيمَانَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ بِذِكْرِ النَّقْصِ فِي النِّسَاءِ لَوْمَهُنَّ عَلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ، لَكِنَّ التَّنْبِيهَ عَلَى ذَلِكَ تَحْذِيرٌ مِنَ الِافْتِتَانِ بِهِنَّ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

كونهما (١) عورةً، قال في «المهمَّات»: وقد نصَّ في «الأمِّ» على الحلِّ في السُّرَّة.

ورواة الحديث السِّتَّة إلى عائشة كوفيُّون، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، ورواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن تابعيٍّ (٢) عن صحابيَّةٍ، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود وابن ماجه في «الطَّهارة».

(تَابَعَهُ) أي: تابع عليَّ بن مُسْهِرٍ في رواية (٣) هذا الحديث (خَالِدٌ) هو ابن عبد الله الواسطيُّ ممَّا وصله أبو القاسم التَّنوخيُّ في «فوائده» من طريق وهب بن بقيَّة (٤) عنه (وَ) تابعه (جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد ممَّا وصله أبو داود والإسماعيليُّ (عَنِ الشَّيْبَانِيِّ) أبي إسحاق المذكور، أي: عن عبد الرَّحمن إلى آخر الحديث.

٣٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ، المعروف بعارمٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زيادٍ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ) أبو إسحاق (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ شَدَّادٍ) بتشديد الدَّال، ابن أسامة بن الهاد اللَّيثيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ مَيْمُونَةَ) أمَّ المؤمنين (تَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ) وفي روايةٍ: «سمعت ميمونة أمَّ المؤمنين تقول: كان» ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «قالت: كان النَّبيُّ» ( (٥) إِذَا أَرَادَ أَنْ يُبَاشِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ) (أَمَرَهَا) بالاتِّزار (فَاتَّزَرَتْ) كما في فرع «اليونينيَّة»، وقال ابن حجرٍ: في روايتنا

بإثبات الهمزة على اللُّغة الفصحى (وَهْيَ حَائِضٌ) جملةٌ حاليَّةٌ من مفعول «يباشر» على الظَّاهر، أو من مفعول «أمر»، أو من فاعل «اتَّزرت»، وقال الكِرمانيُّ: يحتمل أنَّه حالٌ مِنَ الثَّلاثة جميعًا.

ورواة الحديث الخمسة ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والسَّماع ورواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ (١) عن صحابيَّةٍ، وأخرجه مسلمٌ في «الطَّهارة»، وأبو داود في «النِّكاح» وابن ماجه.

(رَوَاهُ) أي: الحديث، وللأَصيليِّ وكريمة (٢): «ورواه» (سُفْيَانُ) الثَّوريُّ ممَّا (٣) وصله أحمد في «مُسنَده» (عَنِ الشَّيْبَانِيِّ) أبي إسحاق وعبَّر بقوله: «رواه» دون تابعه لأنَّ الرِّواية أعمُّ من المُتابَعة، فلعلَّه لم يروِه مُتابَعةً، وقِيلَ: المُراد بسفيان هنا: ابن عُيَيْنة، وعلى كلِّ تقديرٍ فلا يضرُّ إبهامه لأنَّهما على شرطه، لكن جزم بالأوَّل ابن حجرٍ وغيره كما عند أحمد -كما مرَّ- فافهم.

(٦) (بابُ تَرْكِ الحَائِضِ الصَّوْمَ) في أيَّام حيضها.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٣٠٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مَيْمُونَةَ تَقُولُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُبَاشِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ أَمَرَهَا فَاتَّزَرَتْ وَهِيَ حَائِضٌ. وَرَوَاهُ سُفْيَانُ عَنْ الشَّيْبَانِيِّ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) هُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ عَارِمٌ، وَعَبْدُ الْوَاحِدِ هُوَ ابْنُ زِيَادٍ الْبَصْرِيُّ.

قَوْلُهُ: (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ) أَيِ ابْنُ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ اللَّيْثِيُّ، وَهُوَ مِنْ أَوْلَادِ الصَّحَابَةِ، لَهُ رُؤْيَةٌ.

قَوْلُهُ: (أَمَرَهَا) أَيْ بِالِاتِّزَارِ (فَاتَّزَرَتْ) وَهُوَ فِي رِوَايَتِنَا بِإِثْبَاتِ الْهَمْزَةِ عَلَى اللُّغَةِ الْفُصْحَى.

قَوْلُهُ: (رَوَاهُ سُفْيَانُ) يَعْنِي الثَّوْرِيَّ (عَنِ الشَّيْبَانِيِّ) يَعْنِي بِسَنَدِ عَبْدِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ نَحْوُهُ. وَقَدْ رَوَاهُ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ أَيْضًا بِهَذَا الْإِسْنَادِ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَذَلِكَ مِمَّا يَدْفَعُ عَنْهُ تَوَهُّمَ الِاضْطِرَابِ، وَكَأَنَّ الشَّيْبَانِيَّ كَانَ يُحَدِّثُ بِهِ تَارَةً مِنْ مُسْنَدِ عَائِشَةَ وَتَارَةً مِنْ مُسْنَدِ مَيْمُونَةَ، فَسَمِعَهُ مِنْهُ جَرِيرٌ، وَخَالِدٌ بِالْإِسْنَادَيْنِ، وَسَمِعَهُ غَيْرُهُمَا بِأَحَدِهِمَا. وَرَوَاهُ عَنْهُ أَيْضًا - بِإِسْنَادِ مَيْمُونَةَ - حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَأَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ مَنْ رَوَاهُ عَنْهُ بِإِسْنَادِ عَائِشَةَ.

٦ - بَاب تَرْكِ الْحَائِضِ الصَّوْمَ

٣٠٤ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي زَيْدٌ هُوَ ابْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ فِي أَضْحَى - أَوْ فِطْرٍ - إِلَى الْمُصَلَّى، فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ، فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ. فَقُلْنَ: وَبِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ. قُلْنَ: وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟ قُلْنَ: بَلَى. قَالَ: فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا. أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟ قُلْنَ: بَلَى. قَالَ: فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا.

[الحديث ٣٠٤ - أطرافه في: ٢٦٥٨، ١٩٥١، ١٤٦٢]

قَوْلُهُ: (بَابُ تَرْكِ الْحَائِضِ الصَّوْمَ) قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ وَغَيْرُهُ: جَرَى الْبُخَارِيُّ عَلَى عَادَتِهِ فِي إِيضَاحِ الْمُشْكِلِ دُونَ الْجَلِيِّ، وَذَلِكَ أَنَّ تَرْكَهَا الصَّلَاةَ وَاضِحٌ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الطَّهَارَةَ مُشْتَرَطَةٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَهِيَ غَيْرُ طَاهِر، وَأَمَّا الصَّوْمُ فَلَا يُشْتَرَطُ لَهُ الطَّهَارَةُ، فَكَانَ تَرْكُهَا لَهُ تَعَبُّدًا مَحْضًا، فَاحْتَاجَ إِلَى التَّنْصِيصِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هُوَ سَعِيدُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَالِمٍ الْمِصْرِيُّ الْجُمَحِيُّ، لَقِيَهُ الْبُخَارِيُّ، وَرَوَى مُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ أَخُو إِسْمَاعِيلَ، وَالْإِسْنَادُ مِنْهُ فَصَاعِدًا مَدَنِيُّونَ، وَفِيهِ تَابِعِيٌّ عَنْ تَابِعِيٍّ، زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَهُوَ ابْنُ أَبِي سَرْحٍ الْعَامِرِيُّ، لِأَبِيهِ صُحْبَةٌ.

قَوْلُهُ: (فِي أَضْحى أَوْ فِطْرٍ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي.

قَوْلُهُ: (إِلَى الْمُصَلَّى فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ) اخْتَصَرَهُ الْمُؤَلِّفُ هُنَا، وَقَدْ سَاقَهُ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ تَامًّا وَلَفْظُهُ: إِلَى الْمُصَلَّى فَوَعَظَ

النَّاسَ وَأَمَرَهُمْ بِالصَّدَقَةِ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ تَصَدَّقُوا، فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ كَانَ وَعَدَ النِّسَاءَ بِأَنْ يُفْرِدَهُنَّ بِالْمَوْعِظَةِ، فَأَنْجَزَهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَفِيهِ أَنَّهُ وَعَظَهُنَّ وَبَشَّرَهُنَّ.

قَوْلُهُ: (يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ) الْمَعْشَرُ كُلُّ جَمَاعَةٍ أَمْرُهُمْ وَاحِدٌ، وَنُقِلَ عَنْ ثَعْلَبٍ أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالرِّجَالِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يَرُدُّ عَلَيْهِ، إِلَّا إِنْ كَانَ مُرَادُهُ بِالتَّخْصِيصِ حَالَةَ إِطْلَاقِ الْمَعْشَرِ لَا تَقْيِيدَهُ كَمَا فِي الْحَدِيثِ.

قَوْلُهُ: (أُرِيتُكُنَّ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، وَالْمُرَادُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَاهُنَّ لَهُ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْعِلْمِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بِلَفْظِ: أُرِيتُ النَّارَ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ، وَيُسْتَفَادُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الرُّؤْيَةَ الْمَذْكُورَةَ وَقَعَتْ فِي حَالِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ كَمَا سَيَأْتِي وَاضِحًا فِي بَابِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ جَمَاعَةً.

قَوْلُهُ: (وَبِمَ؟) الْوَاوُ اسْتِئْنَافِيَّةٌ وَالْبَاءُ تَعْلِيلِيَّةٌ وَالْمِيمُ أَصْلُهَا مَا الِاسْتِفْهَامِيَّةُ، فَحُذِفَتْ مِنْهَا الْأَلِفُ تَخْفِيفًا.

قَوْلُهُ: (وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ) أَيْ تَجْحَدْنَ حَقَّ الْخَلِيطِ - وَهُوَ الزَّوْجُ - أَوْ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (مِنْ نَاقِصَاتِ) صِفَةُ مَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، قَالَ الطِّيبِيُّ فِي قَوْلِهِ: مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتٍ إِلَخْ زِيَادَةٌ عَلَى الْجَوَابِ تُسَمَّى الِاسْتِتْبَاعَ، كَذَا قَالَ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ أَسْبَابِ كَوْنِهِنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ ; لِأَنَّهُنَّ إِذَا كُنَّ سَبَبًا لِإِذْهَابِ عَقْلِ الرَّجُلِ الْحَازِمِ حَتَّى يَفْعَلَ أَوْ يَقُولَ مَا لَا يَنْبَغِي، فَقَدْ شَارَكْنَهُ فِي الْإِثْمِ وَزِدْنَ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (أَذْهَبَ) أَيْ أَشَدَّ إِذْهَابًا، وَاللُّبُّ أَخَصُّ مِنَ الْعَقْلِ، وَهُوَ الْخَالِصُ مِنْهُ، (الْحَازِمِ) الضَّابِطِ لِأَمْرِهِ، وَهَذِهِ مُبَالَغَةٌ فِي وَصْفِهِنَّ بِذَلِكَ ; لِأَنَّ الضَّابِطَ لِأَمْرِهِ إِذَا كَانَ يَنْقَادُ لَهُنَّ فَغَيْرُ الضَّابِطِ أَوْلَى، وَاسْتِعْمَالُ أَفْعَلِ التَّفْضِيلِ مِنَ الْإِذْهَابِ جَائِزٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ حَيْثُ جَوَّزَهُ مِنَ الثُّلَاثِيِّ وَالْمَزِيدِ.

قَوْلُهُ: (قُلْنَ: وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا)؟ كَأَنَّهُ خَفِيَ عَلَيْهِنَّ ذَلِكَ حَتَّى سَأَلْنَ عَنْهُ، وَنَفْسُ السُّؤَالِ دَالٌّ عَلَى النُّقْصَانِ ; لِأَنَّهُنَّ سَلَّمْنَ مَا نُسِبَ إِلَيْهِنَّ مِنَ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ - الْإِكْثَارِ وَالْكُفْرَانِ وَالْإِذْهَابِ - ثُمَّ اسْتَشْكَلْنَ كَوْنَهُنَّ نَاقِصَاتٍ. وَمَا أَلْطَفَ مَا أَجَابَهُنَّ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَعْنِيفٍ وَلَا لَوْمٍ، بَلْ خَاطَبَهُنَّ عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِنَّ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: مِثْلُ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ، إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ لِأَنَّ الِاسْتِظْهَارَ بِأُخْرَى مُؤْذِنٌ بِقِلَّةِ ضَبْطِهَا، وَهُوَ مُشْعِرٌ بِنَقْصِ عَقْلِهَا، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ حَمَلَ الْعَقْلَ هُنَا عَلَى الدِّيَةِ، وَفِيهِ بُعْدٌ، قُلْتُ: بَلْ سِيَاقُ الْكَلَامِ يَأْبَاهُ.

قَوْلُهُ: (فَذَلِكِ) بِكَسْرِ الْكَافِ خِطَابًا الَّتِي تَوَلَّتِ الْخِطَابَ، وَيَجُوزُ فَتْحُهَا عَلَى أَنَّهُ لِلْخِطَابِ الْعَامِّ.

قَوْلُهُ: (لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ) فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ مَنْعِ الْحَائِضِ مِنَ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ كَانَ ثَابِتًا بِحُكْمِ الشَّرْعِ قَبْلَ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ.

وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ: مَشْرُوعِيَّةُ الْخُرُوجِ إِلَى الْمُصَلَّى فِي الْعِيدِ، وَأَمْرُ الْإِمَامِ النَّاسَ بِالصَّدَقَةِ فِيهِ، وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ جَوَازَ الطَّلَبِ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ لِلْفُقَرَاءِ وَلَهُ شُرُوطٌ، وَفِيهِ حُضُورُ النِّسَاءِ الْعِيدَ، لَكِنْ بِحَيْثُ يَنْفَرِدْنَ عَنِ الرِّجَالِ خَوْفَ الْفِتْنَةِ، وَفِيهِ جَوَازُ عِظَةِ الْإِمَامِ النِّسَاءَ عَلَى حِدَةٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْعِلْمِ، وَفِيهِ أَنَّ جَحْدَ النِّعَمِ حَرَامٌ، وَكَذَا كَثْرَةُ اسْتِعْمَالِ الْكَلَامِ الْقَبِيحِ كَاللَّعْنِ وَالشَّتْمِ، اسْتَدَلَّ النَّوَوِيُّ عَلَى أَنَّهُمَا مِنَ الْكَبَائِرِ بِالتَّوَعُّدِ عَلَيْهَا بِالنَّارِ، وَفِيهِ ذَمُّ اللَّعْنِ وَهُوَ الدُّعَاءُ بِالْإِبْعَادِ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا كَانَ فِي مُعَيَّنٍ، وَفِيهِ إِطْلَاقُ الْكُفْرِ عَلَى الذُّنُوبِ الَّتِي لَا تُخْرِجُ عَنِ الْمِلَّةِ تَغْلِيظًا عَلَى فَاعِلِهَا؛ لِقَوْلِهِ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ بِكُفْرِهِنَّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْإِيمَانِ، وَهُوَ كَإِطْلَاقِ نَفْيِ الْإِيمَانِ، وَفِيهِ الْإِغْلَاظُ فِي النُّصْحِ بِمَا يَكُونُ سَبَبًا لِإِزَالَةِ الصِّفَةِ الَّتِي تُعَابُ، وَأَنْ لَا يُوَاجَهُ بِذَلِكَ الشَّخْصُ الْمُعَيَّنُ ; لِأَنَّ فِي التَّعْمِيمَ تَسْهِيلًا عَلَى السَّامِعِ، وَفِيهِ أَنَّ الصَّدَقَةَ تَدْفَعُ الْعَذَابَ، وَأَنَّهَا قَدْ تُكَفِّرُ الذُّنُوبَ الَّتِي بَيْنَ الْمَخْلُوقِينَ، وَأَنَّ الْعَقْلَ يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ، وَكَذَلِكَ الْإِيمَانَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ بِذِكْرِ النَّقْصِ فِي النِّسَاءِ لَوْمَهُنَّ عَلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ، لَكِنَّ التَّنْبِيهَ عَلَى ذَلِكَ تَحْذِيرٌ مِنَ الِافْتِتَانِ بِهِنَّ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

كونهما (١) عورةً، قال في «المهمَّات»: وقد نصَّ في «الأمِّ» على الحلِّ في السُّرَّة.

ورواة الحديث السِّتَّة إلى عائشة كوفيُّون، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، ورواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن تابعيٍّ (٢) عن صحابيَّةٍ، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود وابن ماجه في «الطَّهارة».

(تَابَعَهُ) أي: تابع عليَّ بن مُسْهِرٍ في رواية (٣) هذا الحديث (خَالِدٌ) هو ابن عبد الله الواسطيُّ ممَّا وصله أبو القاسم التَّنوخيُّ في «فوائده» من طريق وهب بن بقيَّة (٤) عنه (وَ) تابعه (جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد ممَّا وصله أبو داود والإسماعيليُّ (عَنِ الشَّيْبَانِيِّ) أبي إسحاق المذكور، أي: عن عبد الرَّحمن إلى آخر الحديث.

٣٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ، المعروف بعارمٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زيادٍ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ) أبو إسحاق (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ شَدَّادٍ) بتشديد الدَّال، ابن أسامة بن الهاد اللَّيثيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ مَيْمُونَةَ) أمَّ المؤمنين (تَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ) وفي روايةٍ: «سمعت ميمونة أمَّ المؤمنين تقول: كان» ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «قالت: كان النَّبيُّ» ( (٥) إِذَا أَرَادَ أَنْ يُبَاشِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ) (أَمَرَهَا) بالاتِّزار (فَاتَّزَرَتْ) كما في فرع «اليونينيَّة»، وقال ابن حجرٍ: في روايتنا

بإثبات الهمزة على اللُّغة الفصحى (وَهْيَ حَائِضٌ) جملةٌ حاليَّةٌ من مفعول «يباشر» على الظَّاهر، أو من مفعول «أمر»، أو من فاعل «اتَّزرت»، وقال الكِرمانيُّ: يحتمل أنَّه حالٌ مِنَ الثَّلاثة جميعًا.

ورواة الحديث الخمسة ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والسَّماع ورواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ (١) عن صحابيَّةٍ، وأخرجه مسلمٌ في «الطَّهارة»، وأبو داود في «النِّكاح» وابن ماجه.

(رَوَاهُ) أي: الحديث، وللأَصيليِّ وكريمة (٢): «ورواه» (سُفْيَانُ) الثَّوريُّ ممَّا (٣) وصله أحمد في «مُسنَده» (عَنِ الشَّيْبَانِيِّ) أبي إسحاق وعبَّر بقوله: «رواه» دون تابعه لأنَّ الرِّواية أعمُّ من المُتابَعة، فلعلَّه لم يروِه مُتابَعةً، وقِيلَ: المُراد بسفيان هنا: ابن عُيَيْنة، وعلى كلِّ تقديرٍ فلا يضرُّ إبهامه لأنَّهما على شرطه، لكن جزم بالأوَّل ابن حجرٍ وغيره كما عند أحمد -كما مرَّ- فافهم.

(٦) (بابُ تَرْكِ الحَائِضِ الصَّوْمَ) في أيَّام حيضها.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
أستغفر الله