الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٠٧٣
الحديث رقم ٣٠٧٣ من كتاب «كتاب الجهاد والسير» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الغلول.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ الْقَلِيلِ مِنَ الْغُلُولِ وَلَمْ يَذْكُرْ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ حَرَّقَ مَتَاعَهُ وَهَذَا أَصَحُّ
٣٠٧٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ : حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ أَبِي حَيَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو زُرْعَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ أَخُو إِسْحَاقَ بْنِ سَعِيدٍ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ، وَقَدْ كَرَّرَهُ عَنْهُ كَمَا نَبَّهْتُ عَلَيْهِ. وَفِي طَبَقَتِهِ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ الْمَدَنِيُّ لَكِنْ لَمْ يُخَرِّجْ لَهُ الْبُخَارِيُّ وَلَا لِابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْهُ رِوَايَةً، وَأَوْهَمَ الْكِرْمَانِيُّ أَنَّ شَيْخَ ابْنِ الْمُبَارَكِ هُنَا هُوَ خَالِدُ بْنُ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ. وَلَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ لَهُ ذَلِكَ؟ بَلْ لَمْ أَرَ لِخَالِدِ بْنِ الزُّبَيْرِ رِوَايَةً فِي شَيْءٍ مِنَ الْكُتُبِ السِّتَّةِ. ثُمَّ رَاجَعْتُ كَلَامَهُ فَعَلِمْتُ مُرَادَهُ؛ فَإِنَّهُ قَالَ لَفْظَ خَالِدٍ الْمَذْكُورَ هُنَا ثَلَاثَ مِرَارٍ، وَالثَّانِي غَيْرُ الْأَوَّلِ، وَهُوَ خَالِدُ بْنُ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِّ، وَالثَّالِثُ غَيْرُ الثَّانِي وَهُوَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، فَقَوْلُهُ: وَالثَّانِي يُوهِمُ أَنَّ الْمُرَادَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ خَالِدٌ الْمَذْكُورُ فِي كُنْيَةِ أُمِّ خَالِدٍ، وَكَانَ يُغْنِي عَنْ هَذَا التَّطْوِيلِ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ أُمَّ خَالِدٍ سَمَّتْ وَلَدَهَا بِاسْمِ وَالِدِهَا، وَكَانَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِّ تَزَوَّجَهَا فَوَلَدَتْ لَهُ خَالِدَ بْنَ الزُّبَيْرِ، فَهَذَا يُوَضِّحُ الْمُرَادَ مَعَ مَزِيدِ الْفَائِدَةِ.
وَالَّذِي نَبَّهَ عَلَيْهِ لَيْسَ تَحْتَهُ كَبِيرُ أَمْرٍ؛ فَإِنَّ خَالِدَ بْنَ سَعِيدٍ الرَّاوِيَ عَنْ أُمِّ خَالِدٍ لَا يَظُنُّ أَحَدٌ أَنَّهُ أَبُوهَا إِلَّا مَنْ يَقِفُ مَعَ مُجَرَّدِ التَّجْوِيزِ الْعَقْلِيِّ؛ فَإِنَّ مِنَ الْمَقْطُوعِ بِهِ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُبَارَكِ مَا أَدْرَكَهَا فَضْلًا عَنْ أَنْ يَرْوِيَ عَنْ أَبِيهَا، وَأَبُوهَا اسْتُشْهِدَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ أَوْ عُمَرَ، فَانْحَصَرَتِ الْفَائِدَةُ فِي التَّنْبِيهِ عَلَى سَبَبِ كُنْيَةِ أُمِّ خَالِدٍ.
ثَالِثُهَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ (أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ أَخَذَ تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ) الْحَدِيثَ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ: كِخْ كِخْ وَهِيَ كَلِمَةُ زَجْرٍ لِلصَّبِيِّ عَمَّا يُرِيدُ فِعْلَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الزَّكَاةِ، وَقَدْ نَازَعَ الْكِرْمَانِيُّ فِي كَوْنِ الْأَلْفَاظِ الثَّلَاثَةِ عَجَمِيَّةً؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ تَوَافُقِ اللُّغَتَيْنِ، وَالثَّانِي يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَصْلُهُ حَسَنَةٌ فَحَذَفَ أَوَّلَهُ إِيجَازًا، وَالثَّالِثُ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَصْوَاتِ، وَقَدْ أَجَابَ عَنِ الْأَخِيرِ ابْنُ الْمُنِيرِ فَقَالَ: وَجْهُ مُنَاسَبَتِهِ أَنَّهُ ﷺ خَاطَبَهُ بِمَا يَفْهَمُهُ، مِمَّا لَا يَتَكَلَّمُ بِهِ الرَّجُلُ مَعَ الرَّجُلِ، فَهُوَ كَمُخَاطَبَةِ الْعَجَمِيِّ بِمَا يَفْهَمُهُ مِنْ لُغَتِهِ. قُلْتُ: وَبِهَذَا يُجَابُ عَنِ الْبَاقِي، وَيُزَادُ بِأَنَّ تَجْوِيزَهُ حَذْفَ أَوَّلِ حَرْفٍ مِنَ الْكَلِمَةِ لَا يُعْرَفُ، وَتَشْبِيهَهُ بِقَوْلِهِ: كَفَى بِالسَّيْفِ شَا لَا يَتَّجِهُ؛ لِأَنَّ حَذْفَ الْأَخِيرِ مَعْهُودٌ فِي التَّرْخِيمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
١٨٩ - بَاب الْغُلُولِ
وَقَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ﴾
٣٠٧٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ أَبِي حَيَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو زُرْعَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَامَ فِينَا النَّبِيُّ ﷺ، فَذَكَرَ الْغُلُولَ فَعَظَّمَهُ، وَعَظَّمَ أَمْرَهُ، قَالَ: لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ، وَعَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ، يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ، وَعَلَى رَقَبَتِهِ صَامِتٌ فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ، أَوْ عَلَى رَقَبَتِهِ رِقَاعٌ تَخْفِقُ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ. وَقَالَ أَيُّوبُ عَنْ أَبِي حَيَّانَ فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الْغُلُولِ) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامِ أَيِ: الْخِيَانَةُ فِي الْمَغْنَمِ، قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ آخِذَهُ يَغُلُّهُ فِي مَتَاعِهِ، أَيْ: يُخْفِيهِ فِيهِ. وَنَقَلَ الْنَوَوِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلى أَنَّهُ مِنَ الْكَبَائِرِ.
قَوْلُهُ: وَقَوْلُ اللَّهِ ﷿: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: قَامَ فِينَا النَّبِيُّ ﷺ فَذَكَرَ الْغُلُولَ فَعَظَّمَهُ الْحَدِيثَ.
وَيَحْيَى هُوَ
الْقَطَّانُ، وَأَبُو حَيَّانَ هُوَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ التَّيْمِيُّ.
قَوْلُهُ: (لَا أُلْفِيَنَّ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَبِالْفَاءِ، أَيْ: لَا أَجِدُ، هَكَذَا الرِّوَايَةُ لِلْأَكْثَرِ بِلَفْظِ النَّفْيِ الْمُؤَكَّدِ، وَالْمُرَادُ بِهِ النَّهْيُ، وَبِالْفَاءِ، وَكَذَا عِنْدَ الْحَمَوِيِّ، وَالْمُسْتَمْلِي، لَكِنْ رُوِيَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَبِالْقَافِ مِنَ اللِّقَاءِ، وَكَذَا لِبَعْضِ رُوَاةِ مُسْلِمٍ وَالْمَعْنَى قَرِيبٌ. وَمِنْهُمْ مَنْ حَذَفَ الْأَلِفَ عَلَى أَنَّ اللَّامَ لِلْقَسَمِ وَفِي تَوْجِيهِهِ تَكَلُّفٌ، وَالْمَعْرُوفُ أَنَّهُ بِلَفْظِ النَّفْيِ الْمُرَادُ بِهِ النَّهْيُ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مِنْ نَهْيِ الْمَرْءِ نَفْسَهُ فَلَيْسَ الْمُرَادُ ظَاهِرُهُ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ نَهْيُ مَنْ يُخَاطِبُهُ عَنْ ذَلِكَ وَهُوَ أَبْلَغُ.
قَوْلُهُ: (أَحَدَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: (يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَى رَقَبَتِهِ) وَهُوَ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي يَجِيءُ، وَشَاةٌ فَاعِلُ الظَّرْفِ لِاعْتِمَادِهِ، أَيْ: هِيَ حَالَةٌ شَنِيعَةٌ وَلَا يَنْبَغِي لَكُمْ أَنْ أَرَاكُمْ عَلَيْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَفِي حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فِي السُّنَنِ: إِيَّاكُمْ وَالْغُلُولَ؛ فَإِنَّهُ عَارٌ عَلَى أَهْلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ) بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْمَدِّ: صَوْتُ الشَّاةِ يُقَالُ: ثَغَتْ تَثْغُو، وَقَوْلُهُ: فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ يَأْتِي فِي آخِرِ الْحَدِيثِ.
قَوْلُهُ: (لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا) أَيْ: مِنَ الْمَغْفِرَةِ؛ لِأَنَّ الشَّفَاعَةَ أَمْرُهَا إِلَى اللَّهِ، وَقَوْلُهُ: قَدْ بَلَّغْتُكَ أَيْ: فَلَيْسَ لَكَ عُذْرٌ بَعْدَ الْإِبْلَاغِ، وَكَأَنَّهُ ﷺ أَبْرَزَ هَذَا الْوَعِيدَ فِي مَقَامِ الزَّجْرِ وَالتَّغْلِيظِ، وَإِلَّا فَهُوَ فِي الْقِيَامَةِ صَاحِبُ الشَّفَاعَةِ فِي مُذْنِبِي الْأُمَّةِ.
قَوْلُهُ: (بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْمَدِّ صَوْتُ الْبَعِيرِ.
قَوْلُهُ: (صَامِتٌ) أَيِ: الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ، وَقِيلَ: مَا لَا رُوحَ فِيهِ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ. وَقَوْلُهُ: رِقَاعٌ تَخْفِقُ أَيْ: تَتَقَعْقَعُ وَتَضْطَرِبُ إِذَا حَرَّكَتْهَا الرِّيَاحُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ تَلْمَعُ، وَالْمُرَادُ بِهَا الثِّيَابُ، قَالَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَقَالَ الْحُمَيْدِيُّ: الْمُرَادُ بِهَا مَا عَلَيْهِ مِنَ الْحُقُوقِ الْمَكْتُوبَةِ فِي الرِّقَاعِ، وَاسْتَبْعَدَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ سِيقَ لِذِكْرِ الْغُلُولِ الْحِسِّيِّ فَحَمْلُهُ عَلَى الثِّيَابِ أَنْسَبُ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: نَفْسٌ لَهَا صِيَاحٌ وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِالنَّفْسِ مَا يَغُلُّهُ مِنَ الرَّقِيقِ مِنِ امْرَأَةٍ أَوْ صَبِيٍّ، قَالَ الْمُهَلَّبُ: هَذَا الْحَدِيثُ وَعِيدٌ لِمَنْ أَنْفَذَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الْمَعَاصِي، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْحَمْلُ الْمَذْكُورُ لَا بُدَّ مِنْهُ عُقُوبَةً لَهُ بِذَلِكَ؛ لِيَفْتَضِحَ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ، وَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَإِلَى اللَّهِ الْأَمْرُ فِي تَعْذِيبِهِ أَوِ الْعَفْوِ عَنْهُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: هَذَا الْحَدِيثُ يُفَسِّرُ قَوْلَهُ ﷿: ﴿يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أَيْ: يَأْتِ بِهِ حَامِلًا لَهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، وَلَا يُقَالُ: إِنَّ بَعْضَ مَا يُسْرَقُ مِنَ النَّقْدِ أَخَفُّ مِنَ الْبَعِيرِ مَثَلًا وَالْبَعِيرُ أَرْخَصُ ثَمَنًا فَكَيْفَ يُعَاقَبُ الْأَخَفُّ جِنَايَةً بِالْأَثْقَلِ وَعَكْسُهُ؟ لِأَنَّ الْجَوَابَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعُقُوبَةِ بِذَلِكَ فَضِيحَةُ الْحَامِلِ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ فِي ذَلِكَ الْمَوْقِفِ الْعَظِيمِ لَا بِالثِّقَلِ وَالْخِفَّةِ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: أَظُنُّ الْأُمَرَاءَ فَهِمُوا تَجْرِيسَ السَّارِقِ وَنَحْوَهُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ بَعْضِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي أَوَائِلِ الزَّكَاةِ.
(تَكْمِيلٌ)
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ عَلَى الْغَالِّ أَنْ يُعِيدَ مَا غَلَّ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، وَأَمَّا بَعْدَهَا فَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَاللَّيْثُ، وَمَالِكٌ: يَدْفَعُ إِلَى الْإِمَامِ خُمُسَهُ وَيَتَصَدَّقُ بِالْبَاقِي، وَكَانَ الشَّافِعِيُّ لَا يَرَى بِذَلِكَ، وَيَقُولُ: إِنْ كَانَ مَلَكَهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَمْلِكْهُ فَلَيْسَ لَهُ الصَّدَقَةُ بِمَالِ غَيْرِهِ، قَالَ: وَالْوَاجِبُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى الْإِمَامِ كَالْأَمْوَالِ الضَّائِعَةِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ: فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ: فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ بِمُهْمَلَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ بَيْنَهُمَا مِيمٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ مِيمٌ قَبْلَ الْهَاءِ، وَهُوَ صَوْتُ الْفَرَسِ عِنْدَ الْعَلَفِ، وَهُوَ دُونَ الصَّهِيلِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى: (عَلَى رَقَبَتِهِ لَهُ حَمْحَمَةٌ) بِحَذْفِ لَفْظِ فَرَسٍ، وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ شَبُّوَيْهِ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ فَائِدَةُ ذِكْرِ طَرِيقِ أَيُّوبَ التَّنْصِيصَ عَلَى ذِكْرِ الْفَرَسِ.
وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طريقِ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ بِالْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ: فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ، وَهُوَ الْمَوْجُودُ فِي الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا، وَطَرِيقُ أَيُّوبَ وَصَلَهَا مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادٍ وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَارِثِ جَمِيعًا عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ أَخُو إِسْحَاقَ بْنِ سَعِيدٍ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ، وَقَدْ كَرَّرَهُ عَنْهُ كَمَا نَبَّهْتُ عَلَيْهِ. وَفِي طَبَقَتِهِ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ الْمَدَنِيُّ لَكِنْ لَمْ يُخَرِّجْ لَهُ الْبُخَارِيُّ وَلَا لِابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْهُ رِوَايَةً، وَأَوْهَمَ الْكِرْمَانِيُّ أَنَّ شَيْخَ ابْنِ الْمُبَارَكِ هُنَا هُوَ خَالِدُ بْنُ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ. وَلَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ لَهُ ذَلِكَ؟ بَلْ لَمْ أَرَ لِخَالِدِ بْنِ الزُّبَيْرِ رِوَايَةً فِي شَيْءٍ مِنَ الْكُتُبِ السِّتَّةِ. ثُمَّ رَاجَعْتُ كَلَامَهُ فَعَلِمْتُ مُرَادَهُ؛ فَإِنَّهُ قَالَ لَفْظَ خَالِدٍ الْمَذْكُورَ هُنَا ثَلَاثَ مِرَارٍ، وَالثَّانِي غَيْرُ الْأَوَّلِ، وَهُوَ خَالِدُ بْنُ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِّ، وَالثَّالِثُ غَيْرُ الثَّانِي وَهُوَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، فَقَوْلُهُ: وَالثَّانِي يُوهِمُ أَنَّ الْمُرَادَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ خَالِدٌ الْمَذْكُورُ فِي كُنْيَةِ أُمِّ خَالِدٍ، وَكَانَ يُغْنِي عَنْ هَذَا التَّطْوِيلِ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ أُمَّ خَالِدٍ سَمَّتْ وَلَدَهَا بِاسْمِ وَالِدِهَا، وَكَانَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِّ تَزَوَّجَهَا فَوَلَدَتْ لَهُ خَالِدَ بْنَ الزُّبَيْرِ، فَهَذَا يُوَضِّحُ الْمُرَادَ مَعَ مَزِيدِ الْفَائِدَةِ.
وَالَّذِي نَبَّهَ عَلَيْهِ لَيْسَ تَحْتَهُ كَبِيرُ أَمْرٍ؛ فَإِنَّ خَالِدَ بْنَ سَعِيدٍ الرَّاوِيَ عَنْ أُمِّ خَالِدٍ لَا يَظُنُّ أَحَدٌ أَنَّهُ أَبُوهَا إِلَّا مَنْ يَقِفُ مَعَ مُجَرَّدِ التَّجْوِيزِ الْعَقْلِيِّ؛ فَإِنَّ مِنَ الْمَقْطُوعِ بِهِ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُبَارَكِ مَا أَدْرَكَهَا فَضْلًا عَنْ أَنْ يَرْوِيَ عَنْ أَبِيهَا، وَأَبُوهَا اسْتُشْهِدَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ أَوْ عُمَرَ، فَانْحَصَرَتِ الْفَائِدَةُ فِي التَّنْبِيهِ عَلَى سَبَبِ كُنْيَةِ أُمِّ خَالِدٍ.
ثَالِثُهَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ (أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ أَخَذَ تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ) الْحَدِيثَ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ: كِخْ كِخْ وَهِيَ كَلِمَةُ زَجْرٍ لِلصَّبِيِّ عَمَّا يُرِيدُ فِعْلَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الزَّكَاةِ، وَقَدْ نَازَعَ الْكِرْمَانِيُّ فِي كَوْنِ الْأَلْفَاظِ الثَّلَاثَةِ عَجَمِيَّةً؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ تَوَافُقِ اللُّغَتَيْنِ، وَالثَّانِي يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَصْلُهُ حَسَنَةٌ فَحَذَفَ أَوَّلَهُ إِيجَازًا، وَالثَّالِثُ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَصْوَاتِ، وَقَدْ أَجَابَ عَنِ الْأَخِيرِ ابْنُ الْمُنِيرِ فَقَالَ: وَجْهُ مُنَاسَبَتِهِ أَنَّهُ ﷺ خَاطَبَهُ بِمَا يَفْهَمُهُ، مِمَّا لَا يَتَكَلَّمُ بِهِ الرَّجُلُ مَعَ الرَّجُلِ، فَهُوَ كَمُخَاطَبَةِ الْعَجَمِيِّ بِمَا يَفْهَمُهُ مِنْ لُغَتِهِ. قُلْتُ: وَبِهَذَا يُجَابُ عَنِ الْبَاقِي، وَيُزَادُ بِأَنَّ تَجْوِيزَهُ حَذْفَ أَوَّلِ حَرْفٍ مِنَ الْكَلِمَةِ لَا يُعْرَفُ، وَتَشْبِيهَهُ بِقَوْلِهِ: كَفَى بِالسَّيْفِ شَا لَا يَتَّجِهُ؛ لِأَنَّ حَذْفَ الْأَخِيرِ مَعْهُودٌ فِي التَّرْخِيمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
١٨٩ - بَاب الْغُلُولِ
وَقَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ﴾
٣٠٧٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ أَبِي حَيَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو زُرْعَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَامَ فِينَا النَّبِيُّ ﷺ، فَذَكَرَ الْغُلُولَ فَعَظَّمَهُ، وَعَظَّمَ أَمْرَهُ، قَالَ: لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ، وَعَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ، يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ، وَعَلَى رَقَبَتِهِ صَامِتٌ فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ، أَوْ عَلَى رَقَبَتِهِ رِقَاعٌ تَخْفِقُ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ. وَقَالَ أَيُّوبُ عَنْ أَبِي حَيَّانَ فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الْغُلُولِ) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامِ أَيِ: الْخِيَانَةُ فِي الْمَغْنَمِ، قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ آخِذَهُ يَغُلُّهُ فِي مَتَاعِهِ، أَيْ: يُخْفِيهِ فِيهِ. وَنَقَلَ الْنَوَوِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلى أَنَّهُ مِنَ الْكَبَائِرِ.
قَوْلُهُ: وَقَوْلُ اللَّهِ ﷿: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: قَامَ فِينَا النَّبِيُّ ﷺ فَذَكَرَ الْغُلُولَ فَعَظَّمَهُ الْحَدِيثَ.
وَيَحْيَى هُوَ
الْقَطَّانُ، وَأَبُو حَيَّانَ هُوَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ التَّيْمِيُّ.
قَوْلُهُ: (لَا أُلْفِيَنَّ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَبِالْفَاءِ، أَيْ: لَا أَجِدُ، هَكَذَا الرِّوَايَةُ لِلْأَكْثَرِ بِلَفْظِ النَّفْيِ الْمُؤَكَّدِ، وَالْمُرَادُ بِهِ النَّهْيُ، وَبِالْفَاءِ، وَكَذَا عِنْدَ الْحَمَوِيِّ، وَالْمُسْتَمْلِي، لَكِنْ رُوِيَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَبِالْقَافِ مِنَ اللِّقَاءِ، وَكَذَا لِبَعْضِ رُوَاةِ مُسْلِمٍ وَالْمَعْنَى قَرِيبٌ. وَمِنْهُمْ مَنْ حَذَفَ الْأَلِفَ عَلَى أَنَّ اللَّامَ لِلْقَسَمِ وَفِي تَوْجِيهِهِ تَكَلُّفٌ، وَالْمَعْرُوفُ أَنَّهُ بِلَفْظِ النَّفْيِ الْمُرَادُ بِهِ النَّهْيُ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مِنْ نَهْيِ الْمَرْءِ نَفْسَهُ فَلَيْسَ الْمُرَادُ ظَاهِرُهُ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ نَهْيُ مَنْ يُخَاطِبُهُ عَنْ ذَلِكَ وَهُوَ أَبْلَغُ.
قَوْلُهُ: (أَحَدَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: (يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَى رَقَبَتِهِ) وَهُوَ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي يَجِيءُ، وَشَاةٌ فَاعِلُ الظَّرْفِ لِاعْتِمَادِهِ، أَيْ: هِيَ حَالَةٌ شَنِيعَةٌ وَلَا يَنْبَغِي لَكُمْ أَنْ أَرَاكُمْ عَلَيْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَفِي حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فِي السُّنَنِ: إِيَّاكُمْ وَالْغُلُولَ؛ فَإِنَّهُ عَارٌ عَلَى أَهْلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ) بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْمَدِّ: صَوْتُ الشَّاةِ يُقَالُ: ثَغَتْ تَثْغُو، وَقَوْلُهُ: فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ يَأْتِي فِي آخِرِ الْحَدِيثِ.
قَوْلُهُ: (لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا) أَيْ: مِنَ الْمَغْفِرَةِ؛ لِأَنَّ الشَّفَاعَةَ أَمْرُهَا إِلَى اللَّهِ، وَقَوْلُهُ: قَدْ بَلَّغْتُكَ أَيْ: فَلَيْسَ لَكَ عُذْرٌ بَعْدَ الْإِبْلَاغِ، وَكَأَنَّهُ ﷺ أَبْرَزَ هَذَا الْوَعِيدَ فِي مَقَامِ الزَّجْرِ وَالتَّغْلِيظِ، وَإِلَّا فَهُوَ فِي الْقِيَامَةِ صَاحِبُ الشَّفَاعَةِ فِي مُذْنِبِي الْأُمَّةِ.
قَوْلُهُ: (بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْمَدِّ صَوْتُ الْبَعِيرِ.
قَوْلُهُ: (صَامِتٌ) أَيِ: الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ، وَقِيلَ: مَا لَا رُوحَ فِيهِ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ. وَقَوْلُهُ: رِقَاعٌ تَخْفِقُ أَيْ: تَتَقَعْقَعُ وَتَضْطَرِبُ إِذَا حَرَّكَتْهَا الرِّيَاحُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ تَلْمَعُ، وَالْمُرَادُ بِهَا الثِّيَابُ، قَالَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَقَالَ الْحُمَيْدِيُّ: الْمُرَادُ بِهَا مَا عَلَيْهِ مِنَ الْحُقُوقِ الْمَكْتُوبَةِ فِي الرِّقَاعِ، وَاسْتَبْعَدَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ سِيقَ لِذِكْرِ الْغُلُولِ الْحِسِّيِّ فَحَمْلُهُ عَلَى الثِّيَابِ أَنْسَبُ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: نَفْسٌ لَهَا صِيَاحٌ وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِالنَّفْسِ مَا يَغُلُّهُ مِنَ الرَّقِيقِ مِنِ امْرَأَةٍ أَوْ صَبِيٍّ، قَالَ الْمُهَلَّبُ: هَذَا الْحَدِيثُ وَعِيدٌ لِمَنْ أَنْفَذَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الْمَعَاصِي، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْحَمْلُ الْمَذْكُورُ لَا بُدَّ مِنْهُ عُقُوبَةً لَهُ بِذَلِكَ؛ لِيَفْتَضِحَ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ، وَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَإِلَى اللَّهِ الْأَمْرُ فِي تَعْذِيبِهِ أَوِ الْعَفْوِ عَنْهُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: هَذَا الْحَدِيثُ يُفَسِّرُ قَوْلَهُ ﷿: ﴿يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أَيْ: يَأْتِ بِهِ حَامِلًا لَهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، وَلَا يُقَالُ: إِنَّ بَعْضَ مَا يُسْرَقُ مِنَ النَّقْدِ أَخَفُّ مِنَ الْبَعِيرِ مَثَلًا وَالْبَعِيرُ أَرْخَصُ ثَمَنًا فَكَيْفَ يُعَاقَبُ الْأَخَفُّ جِنَايَةً بِالْأَثْقَلِ وَعَكْسُهُ؟ لِأَنَّ الْجَوَابَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعُقُوبَةِ بِذَلِكَ فَضِيحَةُ الْحَامِلِ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ فِي ذَلِكَ الْمَوْقِفِ الْعَظِيمِ لَا بِالثِّقَلِ وَالْخِفَّةِ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: أَظُنُّ الْأُمَرَاءَ فَهِمُوا تَجْرِيسَ السَّارِقِ وَنَحْوَهُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ بَعْضِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي أَوَائِلِ الزَّكَاةِ.
(تَكْمِيلٌ)
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ عَلَى الْغَالِّ أَنْ يُعِيدَ مَا غَلَّ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، وَأَمَّا بَعْدَهَا فَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَاللَّيْثُ، وَمَالِكٌ: يَدْفَعُ إِلَى الْإِمَامِ خُمُسَهُ وَيَتَصَدَّقُ بِالْبَاقِي، وَكَانَ الشَّافِعِيُّ لَا يَرَى بِذَلِكَ، وَيَقُولُ: إِنْ كَانَ مَلَكَهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَمْلِكْهُ فَلَيْسَ لَهُ الصَّدَقَةُ بِمَالِ غَيْرِهِ، قَالَ: وَالْوَاجِبُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى الْإِمَامِ كَالْأَمْوَالِ الضَّائِعَةِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ: فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ: فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ بِمُهْمَلَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ بَيْنَهُمَا مِيمٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ مِيمٌ قَبْلَ الْهَاءِ، وَهُوَ صَوْتُ الْفَرَسِ عِنْدَ الْعَلَفِ، وَهُوَ دُونَ الصَّهِيلِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى: (عَلَى رَقَبَتِهِ لَهُ حَمْحَمَةٌ) بِحَذْفِ لَفْظِ فَرَسٍ، وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ شَبُّوَيْهِ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ فَائِدَةُ ذِكْرِ طَرِيقِ أَيُّوبَ التَّنْصِيصَ عَلَى ذِكْرِ الْفَرَسِ.
وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طريقِ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ بِالْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ: فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ، وَهُوَ الْمَوْجُودُ فِي الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا، وَطَرِيقُ أَيُّوبَ وَصَلَهَا مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادٍ وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَارِثِ جَمِيعًا عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ