الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣١٢٢
الحديث رقم ٣١٢٢ من كتاب «كتاب فرض الخمس» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول النبي أحلت لكم الغنائم.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٣١٢٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ : أَخْبَرَنَا سَيَّارٌ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ الْفَقِيرُ : حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الله ﷺ: "إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ".
[الحديث ٣١٢١ - طرفاه في: ٣٦١٩، ٦٦٢٩]
٣١٢٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ أَخْبَرَنَا سَيَّارٌ حَدَّثَنَا يَزِيدُ الْفَقِيرُ حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ قال رسول الله ﷺ: "أُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ".
٣١٢٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ إِلاَّ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ وَتَصْدِيقُ كَلِمَاتِهِ بِأَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ يَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ".
٣١٢٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قال رسول الله ﷺ: "غَزَا نَبِيٌّ مِنْ الأَنْبِيَاءِ فَقَالَ لِقَوْمِهِ لَا يَتْبَعْنِي رَجُلٌ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا وَلَمَّا يَبْنِ بِهَا وَلَا أَحَدٌ بَنَى بُيُوتًا وَلَمْ يَرْفَعْ سُقُوفَهَا وَلَا أَحَدٌ اشْتَرَى غَنَمًا أَوْ خَلِفَاتٍ وَهُوَ يَنْتَظِرُ وِلَادَهَا فَغَزَا فَدَنَا مِنْ الْقَرْيَةِ صَلَاةَ الْعَصْرِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ لِلشَّمْسِ إِنَّكِ مَأْمُورَةٌ وَأَنَا مَأْمُورٌ اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيْنَا فَحُبِسَتْ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَجَمَعَ الْغَنَائِمَ فَجَاءَتْ يَعْنِي النَّارَ لِتَأْكُلَهَا فَلَمْ تَطْعَمْهَا فَقَالَ إِنَّ فِيكُمْ غُلُولًا فَلْيُبَايِعْنِي مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ فَلَزِقَتْ يَدُ رَجُلٍ بِيَدِهِ فَقَالَ فِيكُمْ الْغُلُولُ فَلْيُبَايِعْنِي قَبِيلَتُكَ فَلَزِقَتْ يَدُ رَجُلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ بِيَدِهِ فَقَالَ فِيكُمْ الْغُلُولُ فَجَاءُوا بِرَأْسٍ مِثْلِ رَأْسِ بَقَرَةٍ مِنْ الذَّهَبِ فَوَضَعُوهَا فَجَاءَتْ النَّارُ فَأَكَلَتْهَا ثُمَّ أَحَلَّ اللَّهُ لَنَا الْغَنَائِمَ رَأَى ضَعْفَنَا وَعَجْزَنَا فَأَحَلَّهَا لَنَا".
[الحديث ٣١٢٤ - طرفه في: ٥١٥٧]
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ أُحِلَّتْ لَكُمُ الْغَنَائِمُ) كَذَا لِلْجَمِيعِ، وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ التِّينِ: أُحِلَّتْ لِي وَهُوَ أَشْبَهُ؛ لِأَنَّهُ ذُكِرَ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَهَذَا الثَّانِي طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ الْمَاضِي فِي التَّيَمُّمِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ مَا كَانَ مَنْ قَبْلَنَا يَصْنَعُ فِي الْغَنِيمَةِ
قَوْلُهُ: (وَقَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ الْآيَةَ) هَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ بِالِاتِّفَاقِ، وَلَمَّا انْصَرَفُوا مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ فَتَحُوا خَيْبَرَ، كَمَا سَيَأْتِي فِي مَكَانِهِ.
قَوْلُهُ: (فَهِيَ لِلْعَامَّةِ) أَيِ: الْغَنِيمَةُ لِعُمُومِ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ قَاتَلَ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى يُبَيِّنَهُ الرَّسُولُ) أَيْ: حَتَّى يُبَيِّنَ الرَّسُولُ مَنْ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ مِمَّنْ لَا يَسْتَحِقُّهُ، وَقَدْ وَقَعَ بَيَانُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الْآيَةَ، ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ سِتَّةَ أَحَادِيثَ:
أَحَدُهَا: حَدِيثُ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ فِي الْخَيْلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْجِهَادِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ فِي آخِرِهِ: الْأَجْرُ وَالْمَغْنَمُ.
ثَانِيهَا: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي عَلَامَاتِ
النُّبُوَّةِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ: لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُنْفِقَتْ كُنُوزُهُمَا فِي الْمَغَانِمِ.
ثَالِثُهَا: حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ مِثْلُهُ، وَإِسْحَاقُ هُوَ ابْنُ رَاهَوَيْهِ، وَجَرِيرٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ هُوَ ابْنُ عُمَيْرٍ. وَذَكَرَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ أَنَّهُ لَمْ يَرَ إِسْحَاقَ هَذَا مَنْسُوبًا لِأَحَدٍ مِنَ الرُّوَاةِ، لَكِنْ وَجَدْنَاهُ بَعْدَهُ فِي مُسْنَدِ إِسْحَاقَ بِهَذَا السِّيَاقِ، فَغَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ الْمُرَادُ.
خَامِسُهَا: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَائِلِ الْجِهَادِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ فِي آخِرِهِ: مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ.
سَادِسُهَا: حَدِيثُهُ فِي قِصَّةِ النَّبِيِّ الَّذِي غَزَا الْقَرْيَةَ.
قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ) كَذَا فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ، لَكِنْ قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَلَاءِ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ أَوْ غَيْرِهِ وَهَذَا الشَّكُّ إِنَّمَا هُوَ مِنْ أَبِي نُعَيْمٍ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، عَنْ أَبِي يَعْلَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَلَاءِ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، وَحْدَهُ بِهِ.
قَوْلُهُ: (غَزَا نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ) أَيْ: أَرَادَ أَنْ يَغْزُوَ، وَهَذَا النَّبِيُّ هُوَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ كَمَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ كَعْبِ الْأَحْبَارِ، وَبَيَّنَ تَسْمِيَةَ الْقَرْيَةِ كَمَا سَيَأْتِي، وَقَدْ وَرَدَ أَصْلُهُ مِنْ طَرِيقٍ مَرْفُوعَةٍ صَحِيحَةٍ، أَخْرَجَهَا أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ الشَّمْسَ لَمْ تُحْبَسْ لِبَشَرٍ إِلَّا لِيُوشَعَ بْنِ نُونٍ لَيَالِيَ سَارَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ بَطَّالٍ فَقَالَ فِي بَابِ اسْتِئْذَانِ الرَّجُلِ الْإِمَامَ: فِي هَذَا الْمَعْنَى حَدِيثٌ لِدَاوُدَ ﵊ أَنَّهُ قَالَ فِي غَزْوَةٍ خَرَجَ إِلَيْهَا: لَا يَتْبَعُنِي مَنْ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ وَلَمْ يَبْنِ بِهَا، أَوْ بَنَى دَارًا وَلَمْ يَسْكُنْهَا وَلَمْ أَقِفْ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مُسْنَدًا، لَكِنْ أَخْرَجَ الْخَطِيبُ فِي ذَمِّ النُّجُومِ لَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حذَيْفَةَ، وَالْبُخَارِيُّ فِي الْمُبْتَدَأِ لَهُ بِإِسْنَادٍ لَهُ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: سَأَلَ قَوْمٌ يُوشَعَ مِنْهُ أَنْ يُطْلِعَهُمْ عَلَى بَدْءِ الْخَلْقِ وَآجَالِهِمْ، فَأَرَاهُمْ ذَلِكَ فِي مَاءٍ مِنْ غَمَامَةٍ أَمْطَرَهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ أَحَدُهُمْ يَعْلَمُ مَتَى يَمُوتُ، فَبَقُوا عَلَى ذَلِكَ إِلَى أَنْ قَاتَلَهُمْ دَاوُدُ عَلَى الْكُفْرِ، فَأَخْرَجُوا إِلَى دَاوُدَ مَنْ لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ، فَكَانَ يُقْتَلُ مِنْ أَصْحَابِ دَاوُدَ وَلَا يُقْتَلُ مِنْهُمْ، فَشَكَى إِلَى اللَّهِ وَدَعَاهُ فَحُبِسَتْ عَلَيْهِمُ الشَّمْسُ، فَزِيدَ فِي النَّهَارِ، فَاخْتَلَطَتِ الزِّيَادَةُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فَاخْتَلَطَ عَلَيْهِمْ حِسَابُهُمْ، قُلْتُ: وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ جِدًّا، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُشَارُ إِلَيْهِ عِنْدَ أَحْمَدَ أَوْلَى؛ فَإِنَّ رِجَالَ إِسْنَادِهِ مُحْتَجٌّ بِهِمْ فِي الصَّحِيحِ، فَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهَا لَمْ تُحْبَسْ إِلَّا لِيُوشَعَ، وَلَا يُعَارِضُهُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمُبْتَدَأِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ اللَّهَ لَمَّا أَمَرَ مُوسَى بِالْمَسِيرِ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ، أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ تَابُوتَ يُوسُفَ، فَلَمْ يُدَلَّ عَلَيْهِ حَتَّى كَادَ الْفَجْرُ أَنْ يَطْلُعَ، وَكَانَ وَعَدَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَسِيرَ بِهِمْ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ، فَدَعَا رَبَّهُ أَنْ يُؤَخِّرَ الطُّلُوعَ حَتَّى فَرَغَ مِنْ أَمْرِ يُوسُفَ فَفَعَلَ؛ لِأَنَّ الْحَصْرَ إِنَّمَا وَقَعَ فِي حَقِّ يُوشَعَ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ، فَلَا يَنْفِي أَنْ يُحْبَسَ طُلُوعُ الْفَجْرِ لِغَيْرِهِ، وَقَدِ اشْتَهَرَ حَبْسُ الشَّمْسِ لِيُوشَعَ حَتَّى قَالَ أَبُو تَمَّامٍ فِي قَصِيدَةٍ:
فَوَاللَّهِ لَا أَدْرِي أَأَحْلَامُ نَائِمٍ … أَلَمَّتْ بِنَا أَمْ كَانَ فِي الرَّكْبِ يُوشَعُ
وَلَا يُعَارِضُهُ أَيْضًا مَا ذَكَرَهُ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ فِي زِيَادَاتِهِ فِي مَغَازِي ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا أَخْبَرَ قُرَيْشًا صَبِيحَةَ الْإِسْرَاءِ أَنَّهُ رَأَى الْعِيرَ الَّتِي لَهُمْ وَأَنَّهَا تَقْدَمُ مَعَ شُرُوقِ الشَّمْسِ، فَدَعَا اللَّهَ فَحُبِسَتِ الشَّمْسُ حَتَّى دَخَلَتِ الْعِيرُ وَهَذَا مُنْقَطِعٌ، لَكِنْ وَقَعَ فِي الْأَوْسَطِ لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ الشَّمْسَ فَتَأَخَّرَتْ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وَوَجْهُ الْجَمْعِ أَنَّ الْحَصْرَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا مَضَى لِلْأَنْبِيَاءِ قَبْلَ نَبِيِّنَا ﷺ، فَلَمْ تُحْبَسِ الشَّمْسُ إِلَّا لِيُوشَعَ، وَلَيْسَ فِيهِ نَفْيُ أَنَّهَا تُحْبَسُ بَعْدَ ذَلِكَ لِنَبِيِّنَا ﷺ. وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْحَاكِمُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ
عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ أَنَّهُ ﷺ دَعَا لَمَّا نَامَ عَلَى رُكْبَةِ عَلِيٍّ فَفَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَرُدَّتِ الشَّمْسُ حَتَّى صَلَّى عَلِيٌّ ثُمَّ غَرَبَتْ، وَهَذَا أَبْلَغُ فِي الْمُعْجِزَةِ، وَقَدْ أَخْطَأَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ بِإِيرَادِهِ لَهُ فِي الْمَوْضُوعَاتِ، وَكَذَا ابْنُ تَيْمِيَةَ فِي كِتَابِ الرَّدِّ عَلَى الرَّوَافِضِ فِي زَعْمِ وَضْعِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا مَا حَكَى عِيَاضٌ أَنَّ الشَّمْسَ رُدَّتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الْخَنْدَقِ لَمَّا شُغِلُوا عَنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَرَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْهِ حَتَّى صَلَّى الْعَصْرَ - كَذَا قَالَ - وَعَزَاهُ لِلطَّحَاوِيِّ، وَالَّذِي رَأَيْتُهُ فِي مُشْكِلِ الْآثَارِ لِلطَّحَاوِيِّ مَا قَدَّمْتُ ذِكْرَهُ مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاءَ، فَإِنْ ثَبَتَ مَا قَالَ فَهَذِهِ قِصَّةٌ ثَالِثَةٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَجَاءَ أَيْضًا أَنَّهَا حُبِسَتْ لِمُوسَى لَمَّا حَمَلَ تَابُوتَ يُوسُفَ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا. وَجَاءَ أَيْضًا أَنَّهَا حُبِسَتْ لِسُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ ﵉ وَهُوَ فِيمَا ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ ثُمَّ الْبَغَوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ لِي عَلِيٌّ: مَا بَلَغَكَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ سُلَيْمَانَ ﵊: رُدُّوهَا عَلَيَّ؟ فَقُلْتُ: قَالَ لِي كَعْبٌ: كَانَتْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ فَرَسًا عَرَضَهَا، فَغَابَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ الْعَصْرَ، فَأَمَرَ بِرَدِّهَا فَضَرَبَ سُوقَهَا وَأَعْنَاقَهَا بِالسَّيْفِ فَقَتَلَهَا، فَسَلَبَهُ اللَّهُ مُلْكَهُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا؛ لِأَنَّهُ ظَلَمَ الْخَيْلَ بِقَتْلِهَا، فَقَالَ عَلِيٌّ: كَذَبَ كَعْبٌ، وَإِنَّمَا أَرَادَ سُلَيْمَانُ جِهَادَ عَدُوِّهِ، فَتَشَاغَلَ بِعَرْضِ الْخَيْلِ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ فَقَالَ لِلْمَلَائِكَةِ الْمُوَكَّلِينَ بِالشَّمْسِ بِإِذْنِ اللَّهِ لَهُمْ: رُدُّوهَا عَلَيَّ، فَرَدُّوهَا عَلَيْهِ حَتَّى صَلَّى الْعَصْرَ فِي وَقْتِهَا، وَأَنَّ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ لَا يَظْلِمُونَ وَلَا يَأْمُرُونَ بِالظُّلْمِ. قُلْتُ: أَوْرَدَ هَذَا الْأَثَرَ جَمَاعَةٌ سَاكِتِينَ عَلَيْهِ جَازِمِينَ بِقَوْلِهِمْ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قُلْتُ لِعَلِيٍّ وَهَذَا لَا يَثْبُتُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَا عَنْ غَيْرِهِ، وَالثَّابِتُ عَنْ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالتَّفْسِيرِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ أَنَّ الضَّمِيرَ الْمُؤَنَّثَ فِي قَوْلِهِ: رُدُّوهَا، لِلْخَيْلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (بُضْعَ امْرَأَةٍ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ، الْبُضْعُ يُطْلَقُ عَلَى الْفَرْجِ وَالتَّزْوِيجِ وَالْجِمَاعِ، وَالْمَعَانِي الثَّلَاثَةُ لَائِقَةٌ هُنَا، وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْمَهْرِ وَعَلَى الطَّلَاقِ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: الْبُضْعُ: النِّكَاحُ، يُقَالُ: مَلَكَ فُلَانٌ بُضْعَ فُلَانَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَمَّا يَبْنِ بِهَا) أَيْ: وَلَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهَا، لَكِنَّ التَّعْبِيرَ بِلَمَّا يُشْعِرُ بِتَوَقُّعِ ذَلِكَ، قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَأَبِي عَوَانَةَ، وَابْنِ حِبَّانَ: لَا يَنْبَغِي لِرَجُلٍ بَنَى دَارًا وَلَمْ يَسْكُنْهَا، أَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَفِي التَّقْيِيدِ بِعَدَمِ الدُّخُولِ مَا يُفْهِمُ أَنَّ الْأَمْرَ بَعْدَ الدُّخُولِ بِخِلَافِ ذَلِكَ، فَلَا يَخْفَى فَرْقُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ رُبَّمَا اسْتَمَرَّ تَعَلُّقُ الْقَلْبِ، لَكِنْ لَيْسَ هُوَ كَمَا قَبْلَ الدُّخُولِ غَالِبًا.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَرْفَعْ سُقُوفَهَا) فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَمُسْنَدِ أَحْمَدَ: وَلَمَّا يُرْفَعْ سُقُفُهَا وَهُوَ بِضَمِّ الْقَافِ وَالْفَاءِ لِتُوَافِقَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ، وَوَهِمَ مَنْ ضَبَطَ بِالْإِسْكَانِ وَتَكَلَّفَ فِي تَوْجِيهِ الضَّمِيرِ الْمُؤَنَّثِ لِلسُّقُفِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ خَلِفَاتٍ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ بَعْدَهَا فَاءٌ خَفِيفَةٌ، جَمْعُ: خَلِفَةٍ، وَهِيَ الْحَامِلُ مِنَ النُّوقِ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى غَيْرِ النُّوقِ، وَ: أَوْ فِي قَوْلِهِ: غَنَمًا أَوْ خَلِفَاتٍ لِلتَّنْوِيعِ، وَيَكُونُ قَدْ حُذِفَ وَصْفُ الْغَنَمِ بِالْحَمْلِ؛ لِدَلَالَةِ الثَّانِي عَلَيْهِ، أَوْ هُوَ عَلَى إِطْلَاقِهِ؛ لِأَنَّ الْغَنَمَ يَقِلُّ صَبْرُهَا فَيُخْشَى عَلَيْهَا الضَّيَاعُ، بِخِلَافِ النُّوقِ فَلَا يُخْشَى عَلَيْهَا إِلَّا مَعَ الْحَمْلِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: أَوْ لِلشَّكِّ، أَيْ: هَلْ قَالَ غَنَمًا بِغَيْرِ صِفَةٍ، أَوْ خَلِفَاتٍ، أَيْ: بِصِفَةِ أَنَّهَا حَوَامِلُ، كَذَا قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهَا لِلتَّنْوِيعِ، فَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي يَعْلَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَلَاءِ وَلَا رَجُلٌ لَهُ غَنَمٌ أَوْ بَقَرٌ أَوْ خَلِفَاتٌ
قَوْلُهُ: (وَهُوَ يَنْتَظِرُ وِلَادَهَا) بِكَسْرِ الْوَاوِ وَهُوَ مَصْدَرُ وَلَدَ وِلَادًا وَوِلَادَةً
قَوْلُهُ: (فَغَزَا) أَيْ بِمَنْ تَبِعَهُ مِمَّنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِتِلْكَ الصِّفَةِ
قَوْلُهُ: (فَدَنَا مِنَ الْقَرْيَةِ) هِيَ أَرِيحَا بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ وَمُهْمَلَةٌ مَعَ الْقَصْرِ، سَمَّاهَا الْحَاكِمُ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ كَعْبٍ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَأَدْنَى لِلْقَرْيَةِ أَيْ قَرَّبَ جُيُوشَهُ لَهَا
قَوْلُهُ: (فَقَالَ لِلشَّمْسِ إِنَّكِ مَأْمُورَةٌ) فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فَلَقِيَ الْعَدُوَّ عِنْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ، وَبَيَّنَ الْحَاكِمُ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ
كَعْبٍ سَبَبَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَالَ إنَّهُ وَصَلَ إِلَى الْقَرْيَةِ وَقْتَ عَصْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَكَادَتِ الشَّمْسُ أَنْ تَغْرُبَ وَيَدْخُلَ اللَّيْلُ وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ مَعْنَى قَوْلِهِ: وَأَنَا مَأْمُورٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَأْمُورِينَ أَنَّ أَمْرَ الْجَمَادَاتِ أَمْرُ تَسْخِيرٍ وَأَمْرَ الْعُقَلَاءِ أَمْرُ تَكْلِيفٍ، وَخِطَابُهُ لِلشَّمْسِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ فِيهَا تَمْيِيزًا وَإِدْرَاكًا كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي الْفِتَنِ فِي سُجُودِهَا تَحْتَ الْعَرْشِ وَاسْتِئْذَانِهَا مِنْ أَنْ تَطْلُعَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ اسْتِحْضَارِهِ فِي النَّفْسِ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَحَوُّلُهَا عَنْ عَادَتِهَا إِلَّا بِخَرْقِ الْعَادَةِ، وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِ الشَّاعِرِ:
شَكَا إِلَيَّ جَمَلِي طُولَ السُّرَى
وَمِنْ ثَمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ احْبِسْهَا وَيُؤَيِّدُ الِاحْتِمَالَ الثَّانِيَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنَّهَا مَأْمُورَةٌ وَإِنِّي مَأْمُورٌ فَاحْبِسْهَا عَلَيَّ حَتَّى تَقْضِيَ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، فَحَبَسَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ
قَوْلُهُ: (اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيْنَا) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيَّ شَيْئًا وَهُوَ مَنْصُوبٌ نَصْبَ الْمَصْدَرِ، أَيْ قَدْرَ مَا تَنْقَضِي حَاجَتُنَا مِنْ فَتْحِ الْبَلَدِ، قَالَ عِيَاضٌ: اخْتُلِفَ فِي حَبْسِ الشَّمْسِ هُنَا، فَقِيلَ رُدَّتْ عَلَى أَدْرَاجِهَا، وَقِيلَ وُقِفَتْ، وَقِيلَ بُطِّئَتْ حَرَكَتُهَا، وَكُلُّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ وَالثَّالِثُ أَرْجَحُ عِنْدَ ابْنِ بَطَّالٍ وَغَيْرِهِ. وَوَقَعَ فِي تَرْجَمَةِ هَارُونَ بْنِ يُوسُفَ الرَّمَادِيِّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي رَابِعَ عَشَرَى حُزَيْرَانَ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ النَّهَارُ فِي غَايَةِ الطُّولِ
قَوْلُهُ: (فَحُبِسَتْ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ) فِي رِوَايَةِ أَبِي يَعْلَى فَوَاقَعَ الْقَوْمَ فَظَفِرَ.
قَوْلُهُ: (فَجَمَعَ الْغَنَائِمَ فَجَاءَتْ يَعْنِي النَّارَ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَمُسْلِمٍ فَجَمَعُوا مَا غَنِمُوا فَأَقْبَلَتِ النَّارُ زَادَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَكَانُوا إِذَا غَنِمُوا غَنِيمَةً بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهَا النَّارَ فَتَأْكُلُهَا.
قَوْلُهُ: (فَلَمْ تَطْعَمْهَا) أَيْ لَمْ تَذُقْ لَهَا طَعْمًا، وَهُوَ بِطَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ
قَوْلُهُ: (فَقَالَ إِنَّ فِيكُمْ غُلُولًا) هُوَ السَّرِقَةُ مِنَ الْغَنِيمَةِ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (فَلْيُبَايِعْنِي مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ فَلَزِقَتْ) فِيهِ حَذْفٌ يَظْهَرُ مِنْ سِيَاقِ الْكَلَامِ أَيْ فَبَايَعُوهُ فَلَزِقَتْ
قَوْلُهُ: (فَلَزِقَتْ يَدُ رَجُلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ) فِي رِوَايَةِ أَبِي يَعْلَى فَلَزِقَتْ يَدُ رَجُلٍ أَوْ رَجُلَيْنِ، وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ رَجُلَانِ بِالْجَزْمِ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: جَعَلَ اللَّهُ عَلَامَةَ الْغُلُولِ إِلْزَاقَ يَدِ الْغَالِّ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهَا يَدٌ عَلَيْهَا حَقٌّ يُطْلَبُ أَنْ يَتَخَلَّصَ مِنْهُ، أَوْ أَنَّهَا يَدٌ يَنْبَغِي أَنْ يُضْرَبَ عَلَيْهَا وَيُحْبَسَ صَاحِبُهَا حَتَّى يُؤَدِّيَ الْحَقَّ إِلَى الْإِمَامِ، وَهُوَ مِنْ جِنْسِ شَهَادَةِ الْيَدِ عَلَى صَاحِبِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَوْلُهُ: (فِيكُمُ الْغُلُولُ) زَادَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فَقَالَا أَجَلْ غَلَلْنَا.
قَوْلُهُ: (فَجَاءُوا بِرَأْسٍ مِثْلِ رَأْسِ بَقَرَةٍ مِنَ الذَّهَبِ فَوَضَعُوهَا، فَجَاءَتِ النَّارُ فَأَكَلَتْهَا ثُمَّ أَحَلَّ اللَّهُ لَنَا الْغَنَائِمَ) فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: إِنَّ اللَّهَ أَطْعَمَنَا الْغَنَائِمَ رَحْمَةً رَحِمَنَاهَا وَتَخْفِيفًا خَفَّفَهُ عَنَّا
قَوْلُهُ: (رَأَى ضَعْفَنَا وَعَجْزَنَا فَأَحَلَّهَا لَنَا) فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ لَمَّا رَأَى مِنْ ضَعْفِنَا وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ إِظْهَارَ الْعَجْزِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى يَسْتَوْجِبُ ثُبُوتَ الْفَضْلِ، وَفِيهِ اخْتِصَاصُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِحِلِّ الْغَنِيمَةِ وَكَانَ ابْتِدَاءُ ذَلِكَ مِنْ غَزْوَةِ بَدْرٍ. وَفِيهَا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا﴾ فَأَحَلَّ اللَّهُ لَهُمُ الْغَنِيمَةَ، وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ قَدَّمْتُ فِي أَوَائِلِ فَرْضِ الْخُمُسِ أَنَّ أَوَّلَ غَنِيمَةٍ خُمِّسَتْ غَنِيمَةُ السَّرِيَّةِ الَّتِي خَرَجَ فِيهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِمَا ذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّهُ ﷺ أَخَّرَ غَنِيمَةَ تِلْكَ السَّرِيَّةِ حَتَّى رَجَعَ مِنْ بَدْرٍ فَقَسَّمَهَا مَعَ غَنَائِمِ بَدْرٍ.
قَالَ الْمُهَلَّبُ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ فِتَنَ الدُّنْيَا تَدْعُو النَّفْسَ إِلَى الْهَلَعِ وَمَحَبَّةِ الْبَقَاءِ، لِأَنَّ مَنْ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا أَوْ دَخَلَ بِهَا وَكَانَ عَلَى قُرْبٍ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ قَلْبَهُ مُتَعَلِّقٌ بِالرُّجُوعِ إِلَيْهَا وَيَجِدُ الشَّيْطَانُ السَّبِيلَ إِلَى شَغْلِ قَلْبِهِ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الطَّاعَةِ، وَكَذَلِكَ غَيْرُ الْمَرْأَةِ مِنْ أَحْوَالِ الدُّنْيَا، وَهُوَ كَمَا قَالَ، لَكِنْ تَقَدَّمَ مَا يُعَكِّرُ عَلَى إِلْحَاقِهِ بِمَا بَعْدَ الدُّخُولِ وَإِنْ لَمْ يَطُلْ بِمَا قَبْلَهُ، وَيَدُلُّ عَلَى التَّعْمِيمِ فِي الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مِنَ الزِّيَادَةِ أَوْ لَهُ حَاجَةٌ فِي الرُّجُوعِ، وَفِيهِ أَنَّ الْأُمُورَ الْمُهِمَّةَ لَا يَنْبَغِي أَنْ تُفَوَّضَ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الله ﷺ: "إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ".
[الحديث ٣١٢١ - طرفاه في: ٣٦١٩، ٦٦٢٩]
٣١٢٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ أَخْبَرَنَا سَيَّارٌ حَدَّثَنَا يَزِيدُ الْفَقِيرُ حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ قال رسول الله ﷺ: "أُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ".
٣١٢٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ إِلاَّ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ وَتَصْدِيقُ كَلِمَاتِهِ بِأَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ يَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ".
٣١٢٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قال رسول الله ﷺ: "غَزَا نَبِيٌّ مِنْ الأَنْبِيَاءِ فَقَالَ لِقَوْمِهِ لَا يَتْبَعْنِي رَجُلٌ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا وَلَمَّا يَبْنِ بِهَا وَلَا أَحَدٌ بَنَى بُيُوتًا وَلَمْ يَرْفَعْ سُقُوفَهَا وَلَا أَحَدٌ اشْتَرَى غَنَمًا أَوْ خَلِفَاتٍ وَهُوَ يَنْتَظِرُ وِلَادَهَا فَغَزَا فَدَنَا مِنْ الْقَرْيَةِ صَلَاةَ الْعَصْرِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ لِلشَّمْسِ إِنَّكِ مَأْمُورَةٌ وَأَنَا مَأْمُورٌ اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيْنَا فَحُبِسَتْ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَجَمَعَ الْغَنَائِمَ فَجَاءَتْ يَعْنِي النَّارَ لِتَأْكُلَهَا فَلَمْ تَطْعَمْهَا فَقَالَ إِنَّ فِيكُمْ غُلُولًا فَلْيُبَايِعْنِي مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ فَلَزِقَتْ يَدُ رَجُلٍ بِيَدِهِ فَقَالَ فِيكُمْ الْغُلُولُ فَلْيُبَايِعْنِي قَبِيلَتُكَ فَلَزِقَتْ يَدُ رَجُلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ بِيَدِهِ فَقَالَ فِيكُمْ الْغُلُولُ فَجَاءُوا بِرَأْسٍ مِثْلِ رَأْسِ بَقَرَةٍ مِنْ الذَّهَبِ فَوَضَعُوهَا فَجَاءَتْ النَّارُ فَأَكَلَتْهَا ثُمَّ أَحَلَّ اللَّهُ لَنَا الْغَنَائِمَ رَأَى ضَعْفَنَا وَعَجْزَنَا فَأَحَلَّهَا لَنَا".
[الحديث ٣١٢٤ - طرفه في: ٥١٥٧]
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ أُحِلَّتْ لَكُمُ الْغَنَائِمُ) كَذَا لِلْجَمِيعِ، وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ التِّينِ: أُحِلَّتْ لِي وَهُوَ أَشْبَهُ؛ لِأَنَّهُ ذُكِرَ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَهَذَا الثَّانِي طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ الْمَاضِي فِي التَّيَمُّمِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ مَا كَانَ مَنْ قَبْلَنَا يَصْنَعُ فِي الْغَنِيمَةِ
قَوْلُهُ: (وَقَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ الْآيَةَ) هَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ بِالِاتِّفَاقِ، وَلَمَّا انْصَرَفُوا مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ فَتَحُوا خَيْبَرَ، كَمَا سَيَأْتِي فِي مَكَانِهِ.
قَوْلُهُ: (فَهِيَ لِلْعَامَّةِ) أَيِ: الْغَنِيمَةُ لِعُمُومِ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ قَاتَلَ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى يُبَيِّنَهُ الرَّسُولُ) أَيْ: حَتَّى يُبَيِّنَ الرَّسُولُ مَنْ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ مِمَّنْ لَا يَسْتَحِقُّهُ، وَقَدْ وَقَعَ بَيَانُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الْآيَةَ، ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ سِتَّةَ أَحَادِيثَ:
أَحَدُهَا: حَدِيثُ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ فِي الْخَيْلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْجِهَادِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ فِي آخِرِهِ: الْأَجْرُ وَالْمَغْنَمُ.
ثَانِيهَا: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي عَلَامَاتِ
النُّبُوَّةِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ: لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُنْفِقَتْ كُنُوزُهُمَا فِي الْمَغَانِمِ.
ثَالِثُهَا: حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ مِثْلُهُ، وَإِسْحَاقُ هُوَ ابْنُ رَاهَوَيْهِ، وَجَرِيرٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ هُوَ ابْنُ عُمَيْرٍ. وَذَكَرَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ أَنَّهُ لَمْ يَرَ إِسْحَاقَ هَذَا مَنْسُوبًا لِأَحَدٍ مِنَ الرُّوَاةِ، لَكِنْ وَجَدْنَاهُ بَعْدَهُ فِي مُسْنَدِ إِسْحَاقَ بِهَذَا السِّيَاقِ، فَغَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ الْمُرَادُ.
خَامِسُهَا: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَائِلِ الْجِهَادِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ فِي آخِرِهِ: مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ.
سَادِسُهَا: حَدِيثُهُ فِي قِصَّةِ النَّبِيِّ الَّذِي غَزَا الْقَرْيَةَ.
قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ) كَذَا فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ، لَكِنْ قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَلَاءِ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ أَوْ غَيْرِهِ وَهَذَا الشَّكُّ إِنَّمَا هُوَ مِنْ أَبِي نُعَيْمٍ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، عَنْ أَبِي يَعْلَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَلَاءِ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، وَحْدَهُ بِهِ.
قَوْلُهُ: (غَزَا نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ) أَيْ: أَرَادَ أَنْ يَغْزُوَ، وَهَذَا النَّبِيُّ هُوَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ كَمَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ كَعْبِ الْأَحْبَارِ، وَبَيَّنَ تَسْمِيَةَ الْقَرْيَةِ كَمَا سَيَأْتِي، وَقَدْ وَرَدَ أَصْلُهُ مِنْ طَرِيقٍ مَرْفُوعَةٍ صَحِيحَةٍ، أَخْرَجَهَا أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ الشَّمْسَ لَمْ تُحْبَسْ لِبَشَرٍ إِلَّا لِيُوشَعَ بْنِ نُونٍ لَيَالِيَ سَارَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ بَطَّالٍ فَقَالَ فِي بَابِ اسْتِئْذَانِ الرَّجُلِ الْإِمَامَ: فِي هَذَا الْمَعْنَى حَدِيثٌ لِدَاوُدَ ﵊ أَنَّهُ قَالَ فِي غَزْوَةٍ خَرَجَ إِلَيْهَا: لَا يَتْبَعُنِي مَنْ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ وَلَمْ يَبْنِ بِهَا، أَوْ بَنَى دَارًا وَلَمْ يَسْكُنْهَا وَلَمْ أَقِفْ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مُسْنَدًا، لَكِنْ أَخْرَجَ الْخَطِيبُ فِي ذَمِّ النُّجُومِ لَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حذَيْفَةَ، وَالْبُخَارِيُّ فِي الْمُبْتَدَأِ لَهُ بِإِسْنَادٍ لَهُ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: سَأَلَ قَوْمٌ يُوشَعَ مِنْهُ أَنْ يُطْلِعَهُمْ عَلَى بَدْءِ الْخَلْقِ وَآجَالِهِمْ، فَأَرَاهُمْ ذَلِكَ فِي مَاءٍ مِنْ غَمَامَةٍ أَمْطَرَهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ أَحَدُهُمْ يَعْلَمُ مَتَى يَمُوتُ، فَبَقُوا عَلَى ذَلِكَ إِلَى أَنْ قَاتَلَهُمْ دَاوُدُ عَلَى الْكُفْرِ، فَأَخْرَجُوا إِلَى دَاوُدَ مَنْ لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ، فَكَانَ يُقْتَلُ مِنْ أَصْحَابِ دَاوُدَ وَلَا يُقْتَلُ مِنْهُمْ، فَشَكَى إِلَى اللَّهِ وَدَعَاهُ فَحُبِسَتْ عَلَيْهِمُ الشَّمْسُ، فَزِيدَ فِي النَّهَارِ، فَاخْتَلَطَتِ الزِّيَادَةُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فَاخْتَلَطَ عَلَيْهِمْ حِسَابُهُمْ، قُلْتُ: وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ جِدًّا، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُشَارُ إِلَيْهِ عِنْدَ أَحْمَدَ أَوْلَى؛ فَإِنَّ رِجَالَ إِسْنَادِهِ مُحْتَجٌّ بِهِمْ فِي الصَّحِيحِ، فَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهَا لَمْ تُحْبَسْ إِلَّا لِيُوشَعَ، وَلَا يُعَارِضُهُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمُبْتَدَأِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ اللَّهَ لَمَّا أَمَرَ مُوسَى بِالْمَسِيرِ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ، أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ تَابُوتَ يُوسُفَ، فَلَمْ يُدَلَّ عَلَيْهِ حَتَّى كَادَ الْفَجْرُ أَنْ يَطْلُعَ، وَكَانَ وَعَدَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَسِيرَ بِهِمْ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ، فَدَعَا رَبَّهُ أَنْ يُؤَخِّرَ الطُّلُوعَ حَتَّى فَرَغَ مِنْ أَمْرِ يُوسُفَ فَفَعَلَ؛ لِأَنَّ الْحَصْرَ إِنَّمَا وَقَعَ فِي حَقِّ يُوشَعَ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ، فَلَا يَنْفِي أَنْ يُحْبَسَ طُلُوعُ الْفَجْرِ لِغَيْرِهِ، وَقَدِ اشْتَهَرَ حَبْسُ الشَّمْسِ لِيُوشَعَ حَتَّى قَالَ أَبُو تَمَّامٍ فِي قَصِيدَةٍ:
فَوَاللَّهِ لَا أَدْرِي أَأَحْلَامُ نَائِمٍ … أَلَمَّتْ بِنَا أَمْ كَانَ فِي الرَّكْبِ يُوشَعُ
وَلَا يُعَارِضُهُ أَيْضًا مَا ذَكَرَهُ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ فِي زِيَادَاتِهِ فِي مَغَازِي ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا أَخْبَرَ قُرَيْشًا صَبِيحَةَ الْإِسْرَاءِ أَنَّهُ رَأَى الْعِيرَ الَّتِي لَهُمْ وَأَنَّهَا تَقْدَمُ مَعَ شُرُوقِ الشَّمْسِ، فَدَعَا اللَّهَ فَحُبِسَتِ الشَّمْسُ حَتَّى دَخَلَتِ الْعِيرُ وَهَذَا مُنْقَطِعٌ، لَكِنْ وَقَعَ فِي الْأَوْسَطِ لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ الشَّمْسَ فَتَأَخَّرَتْ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وَوَجْهُ الْجَمْعِ أَنَّ الْحَصْرَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا مَضَى لِلْأَنْبِيَاءِ قَبْلَ نَبِيِّنَا ﷺ، فَلَمْ تُحْبَسِ الشَّمْسُ إِلَّا لِيُوشَعَ، وَلَيْسَ فِيهِ نَفْيُ أَنَّهَا تُحْبَسُ بَعْدَ ذَلِكَ لِنَبِيِّنَا ﷺ. وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْحَاكِمُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ
عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ أَنَّهُ ﷺ دَعَا لَمَّا نَامَ عَلَى رُكْبَةِ عَلِيٍّ فَفَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَرُدَّتِ الشَّمْسُ حَتَّى صَلَّى عَلِيٌّ ثُمَّ غَرَبَتْ، وَهَذَا أَبْلَغُ فِي الْمُعْجِزَةِ، وَقَدْ أَخْطَأَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ بِإِيرَادِهِ لَهُ فِي الْمَوْضُوعَاتِ، وَكَذَا ابْنُ تَيْمِيَةَ فِي كِتَابِ الرَّدِّ عَلَى الرَّوَافِضِ فِي زَعْمِ وَضْعِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا مَا حَكَى عِيَاضٌ أَنَّ الشَّمْسَ رُدَّتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الْخَنْدَقِ لَمَّا شُغِلُوا عَنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَرَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْهِ حَتَّى صَلَّى الْعَصْرَ - كَذَا قَالَ - وَعَزَاهُ لِلطَّحَاوِيِّ، وَالَّذِي رَأَيْتُهُ فِي مُشْكِلِ الْآثَارِ لِلطَّحَاوِيِّ مَا قَدَّمْتُ ذِكْرَهُ مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاءَ، فَإِنْ ثَبَتَ مَا قَالَ فَهَذِهِ قِصَّةٌ ثَالِثَةٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَجَاءَ أَيْضًا أَنَّهَا حُبِسَتْ لِمُوسَى لَمَّا حَمَلَ تَابُوتَ يُوسُفَ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا. وَجَاءَ أَيْضًا أَنَّهَا حُبِسَتْ لِسُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ ﵉ وَهُوَ فِيمَا ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ ثُمَّ الْبَغَوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ لِي عَلِيٌّ: مَا بَلَغَكَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ سُلَيْمَانَ ﵊: رُدُّوهَا عَلَيَّ؟ فَقُلْتُ: قَالَ لِي كَعْبٌ: كَانَتْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ فَرَسًا عَرَضَهَا، فَغَابَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ الْعَصْرَ، فَأَمَرَ بِرَدِّهَا فَضَرَبَ سُوقَهَا وَأَعْنَاقَهَا بِالسَّيْفِ فَقَتَلَهَا، فَسَلَبَهُ اللَّهُ مُلْكَهُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا؛ لِأَنَّهُ ظَلَمَ الْخَيْلَ بِقَتْلِهَا، فَقَالَ عَلِيٌّ: كَذَبَ كَعْبٌ، وَإِنَّمَا أَرَادَ سُلَيْمَانُ جِهَادَ عَدُوِّهِ، فَتَشَاغَلَ بِعَرْضِ الْخَيْلِ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ فَقَالَ لِلْمَلَائِكَةِ الْمُوَكَّلِينَ بِالشَّمْسِ بِإِذْنِ اللَّهِ لَهُمْ: رُدُّوهَا عَلَيَّ، فَرَدُّوهَا عَلَيْهِ حَتَّى صَلَّى الْعَصْرَ فِي وَقْتِهَا، وَأَنَّ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ لَا يَظْلِمُونَ وَلَا يَأْمُرُونَ بِالظُّلْمِ. قُلْتُ: أَوْرَدَ هَذَا الْأَثَرَ جَمَاعَةٌ سَاكِتِينَ عَلَيْهِ جَازِمِينَ بِقَوْلِهِمْ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قُلْتُ لِعَلِيٍّ وَهَذَا لَا يَثْبُتُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَا عَنْ غَيْرِهِ، وَالثَّابِتُ عَنْ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالتَّفْسِيرِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ أَنَّ الضَّمِيرَ الْمُؤَنَّثَ فِي قَوْلِهِ: رُدُّوهَا، لِلْخَيْلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (بُضْعَ امْرَأَةٍ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ، الْبُضْعُ يُطْلَقُ عَلَى الْفَرْجِ وَالتَّزْوِيجِ وَالْجِمَاعِ، وَالْمَعَانِي الثَّلَاثَةُ لَائِقَةٌ هُنَا، وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْمَهْرِ وَعَلَى الطَّلَاقِ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: الْبُضْعُ: النِّكَاحُ، يُقَالُ: مَلَكَ فُلَانٌ بُضْعَ فُلَانَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَمَّا يَبْنِ بِهَا) أَيْ: وَلَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهَا، لَكِنَّ التَّعْبِيرَ بِلَمَّا يُشْعِرُ بِتَوَقُّعِ ذَلِكَ، قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَأَبِي عَوَانَةَ، وَابْنِ حِبَّانَ: لَا يَنْبَغِي لِرَجُلٍ بَنَى دَارًا وَلَمْ يَسْكُنْهَا، أَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَفِي التَّقْيِيدِ بِعَدَمِ الدُّخُولِ مَا يُفْهِمُ أَنَّ الْأَمْرَ بَعْدَ الدُّخُولِ بِخِلَافِ ذَلِكَ، فَلَا يَخْفَى فَرْقُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ رُبَّمَا اسْتَمَرَّ تَعَلُّقُ الْقَلْبِ، لَكِنْ لَيْسَ هُوَ كَمَا قَبْلَ الدُّخُولِ غَالِبًا.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَرْفَعْ سُقُوفَهَا) فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَمُسْنَدِ أَحْمَدَ: وَلَمَّا يُرْفَعْ سُقُفُهَا وَهُوَ بِضَمِّ الْقَافِ وَالْفَاءِ لِتُوَافِقَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ، وَوَهِمَ مَنْ ضَبَطَ بِالْإِسْكَانِ وَتَكَلَّفَ فِي تَوْجِيهِ الضَّمِيرِ الْمُؤَنَّثِ لِلسُّقُفِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ خَلِفَاتٍ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ بَعْدَهَا فَاءٌ خَفِيفَةٌ، جَمْعُ: خَلِفَةٍ، وَهِيَ الْحَامِلُ مِنَ النُّوقِ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى غَيْرِ النُّوقِ، وَ: أَوْ فِي قَوْلِهِ: غَنَمًا أَوْ خَلِفَاتٍ لِلتَّنْوِيعِ، وَيَكُونُ قَدْ حُذِفَ وَصْفُ الْغَنَمِ بِالْحَمْلِ؛ لِدَلَالَةِ الثَّانِي عَلَيْهِ، أَوْ هُوَ عَلَى إِطْلَاقِهِ؛ لِأَنَّ الْغَنَمَ يَقِلُّ صَبْرُهَا فَيُخْشَى عَلَيْهَا الضَّيَاعُ، بِخِلَافِ النُّوقِ فَلَا يُخْشَى عَلَيْهَا إِلَّا مَعَ الْحَمْلِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: أَوْ لِلشَّكِّ، أَيْ: هَلْ قَالَ غَنَمًا بِغَيْرِ صِفَةٍ، أَوْ خَلِفَاتٍ، أَيْ: بِصِفَةِ أَنَّهَا حَوَامِلُ، كَذَا قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهَا لِلتَّنْوِيعِ، فَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي يَعْلَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَلَاءِ وَلَا رَجُلٌ لَهُ غَنَمٌ أَوْ بَقَرٌ أَوْ خَلِفَاتٌ
قَوْلُهُ: (وَهُوَ يَنْتَظِرُ وِلَادَهَا) بِكَسْرِ الْوَاوِ وَهُوَ مَصْدَرُ وَلَدَ وِلَادًا وَوِلَادَةً
قَوْلُهُ: (فَغَزَا) أَيْ بِمَنْ تَبِعَهُ مِمَّنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِتِلْكَ الصِّفَةِ
قَوْلُهُ: (فَدَنَا مِنَ الْقَرْيَةِ) هِيَ أَرِيحَا بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ وَمُهْمَلَةٌ مَعَ الْقَصْرِ، سَمَّاهَا الْحَاكِمُ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ كَعْبٍ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَأَدْنَى لِلْقَرْيَةِ أَيْ قَرَّبَ جُيُوشَهُ لَهَا
قَوْلُهُ: (فَقَالَ لِلشَّمْسِ إِنَّكِ مَأْمُورَةٌ) فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فَلَقِيَ الْعَدُوَّ عِنْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ، وَبَيَّنَ الْحَاكِمُ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ
كَعْبٍ سَبَبَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَالَ إنَّهُ وَصَلَ إِلَى الْقَرْيَةِ وَقْتَ عَصْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَكَادَتِ الشَّمْسُ أَنْ تَغْرُبَ وَيَدْخُلَ اللَّيْلُ وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ مَعْنَى قَوْلِهِ: وَأَنَا مَأْمُورٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَأْمُورِينَ أَنَّ أَمْرَ الْجَمَادَاتِ أَمْرُ تَسْخِيرٍ وَأَمْرَ الْعُقَلَاءِ أَمْرُ تَكْلِيفٍ، وَخِطَابُهُ لِلشَّمْسِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ فِيهَا تَمْيِيزًا وَإِدْرَاكًا كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي الْفِتَنِ فِي سُجُودِهَا تَحْتَ الْعَرْشِ وَاسْتِئْذَانِهَا مِنْ أَنْ تَطْلُعَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ اسْتِحْضَارِهِ فِي النَّفْسِ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَحَوُّلُهَا عَنْ عَادَتِهَا إِلَّا بِخَرْقِ الْعَادَةِ، وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِ الشَّاعِرِ:
شَكَا إِلَيَّ جَمَلِي طُولَ السُّرَى
وَمِنْ ثَمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ احْبِسْهَا وَيُؤَيِّدُ الِاحْتِمَالَ الثَّانِيَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنَّهَا مَأْمُورَةٌ وَإِنِّي مَأْمُورٌ فَاحْبِسْهَا عَلَيَّ حَتَّى تَقْضِيَ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، فَحَبَسَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ
قَوْلُهُ: (اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيْنَا) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيَّ شَيْئًا وَهُوَ مَنْصُوبٌ نَصْبَ الْمَصْدَرِ، أَيْ قَدْرَ مَا تَنْقَضِي حَاجَتُنَا مِنْ فَتْحِ الْبَلَدِ، قَالَ عِيَاضٌ: اخْتُلِفَ فِي حَبْسِ الشَّمْسِ هُنَا، فَقِيلَ رُدَّتْ عَلَى أَدْرَاجِهَا، وَقِيلَ وُقِفَتْ، وَقِيلَ بُطِّئَتْ حَرَكَتُهَا، وَكُلُّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ وَالثَّالِثُ أَرْجَحُ عِنْدَ ابْنِ بَطَّالٍ وَغَيْرِهِ. وَوَقَعَ فِي تَرْجَمَةِ هَارُونَ بْنِ يُوسُفَ الرَّمَادِيِّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي رَابِعَ عَشَرَى حُزَيْرَانَ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ النَّهَارُ فِي غَايَةِ الطُّولِ
قَوْلُهُ: (فَحُبِسَتْ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ) فِي رِوَايَةِ أَبِي يَعْلَى فَوَاقَعَ الْقَوْمَ فَظَفِرَ.
قَوْلُهُ: (فَجَمَعَ الْغَنَائِمَ فَجَاءَتْ يَعْنِي النَّارَ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَمُسْلِمٍ فَجَمَعُوا مَا غَنِمُوا فَأَقْبَلَتِ النَّارُ زَادَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَكَانُوا إِذَا غَنِمُوا غَنِيمَةً بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهَا النَّارَ فَتَأْكُلُهَا.
قَوْلُهُ: (فَلَمْ تَطْعَمْهَا) أَيْ لَمْ تَذُقْ لَهَا طَعْمًا، وَهُوَ بِطَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ
قَوْلُهُ: (فَقَالَ إِنَّ فِيكُمْ غُلُولًا) هُوَ السَّرِقَةُ مِنَ الْغَنِيمَةِ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (فَلْيُبَايِعْنِي مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ فَلَزِقَتْ) فِيهِ حَذْفٌ يَظْهَرُ مِنْ سِيَاقِ الْكَلَامِ أَيْ فَبَايَعُوهُ فَلَزِقَتْ
قَوْلُهُ: (فَلَزِقَتْ يَدُ رَجُلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ) فِي رِوَايَةِ أَبِي يَعْلَى فَلَزِقَتْ يَدُ رَجُلٍ أَوْ رَجُلَيْنِ، وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ رَجُلَانِ بِالْجَزْمِ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: جَعَلَ اللَّهُ عَلَامَةَ الْغُلُولِ إِلْزَاقَ يَدِ الْغَالِّ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهَا يَدٌ عَلَيْهَا حَقٌّ يُطْلَبُ أَنْ يَتَخَلَّصَ مِنْهُ، أَوْ أَنَّهَا يَدٌ يَنْبَغِي أَنْ يُضْرَبَ عَلَيْهَا وَيُحْبَسَ صَاحِبُهَا حَتَّى يُؤَدِّيَ الْحَقَّ إِلَى الْإِمَامِ، وَهُوَ مِنْ جِنْسِ شَهَادَةِ الْيَدِ عَلَى صَاحِبِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَوْلُهُ: (فِيكُمُ الْغُلُولُ) زَادَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فَقَالَا أَجَلْ غَلَلْنَا.
قَوْلُهُ: (فَجَاءُوا بِرَأْسٍ مِثْلِ رَأْسِ بَقَرَةٍ مِنَ الذَّهَبِ فَوَضَعُوهَا، فَجَاءَتِ النَّارُ فَأَكَلَتْهَا ثُمَّ أَحَلَّ اللَّهُ لَنَا الْغَنَائِمَ) فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: إِنَّ اللَّهَ أَطْعَمَنَا الْغَنَائِمَ رَحْمَةً رَحِمَنَاهَا وَتَخْفِيفًا خَفَّفَهُ عَنَّا
قَوْلُهُ: (رَأَى ضَعْفَنَا وَعَجْزَنَا فَأَحَلَّهَا لَنَا) فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ لَمَّا رَأَى مِنْ ضَعْفِنَا وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ إِظْهَارَ الْعَجْزِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى يَسْتَوْجِبُ ثُبُوتَ الْفَضْلِ، وَفِيهِ اخْتِصَاصُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِحِلِّ الْغَنِيمَةِ وَكَانَ ابْتِدَاءُ ذَلِكَ مِنْ غَزْوَةِ بَدْرٍ. وَفِيهَا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا﴾ فَأَحَلَّ اللَّهُ لَهُمُ الْغَنِيمَةَ، وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ قَدَّمْتُ فِي أَوَائِلِ فَرْضِ الْخُمُسِ أَنَّ أَوَّلَ غَنِيمَةٍ خُمِّسَتْ غَنِيمَةُ السَّرِيَّةِ الَّتِي خَرَجَ فِيهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِمَا ذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّهُ ﷺ أَخَّرَ غَنِيمَةَ تِلْكَ السَّرِيَّةِ حَتَّى رَجَعَ مِنْ بَدْرٍ فَقَسَّمَهَا مَعَ غَنَائِمِ بَدْرٍ.
قَالَ الْمُهَلَّبُ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ فِتَنَ الدُّنْيَا تَدْعُو النَّفْسَ إِلَى الْهَلَعِ وَمَحَبَّةِ الْبَقَاءِ، لِأَنَّ مَنْ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا أَوْ دَخَلَ بِهَا وَكَانَ عَلَى قُرْبٍ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ قَلْبَهُ مُتَعَلِّقٌ بِالرُّجُوعِ إِلَيْهَا وَيَجِدُ الشَّيْطَانُ السَّبِيلَ إِلَى شَغْلِ قَلْبِهِ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الطَّاعَةِ، وَكَذَلِكَ غَيْرُ الْمَرْأَةِ مِنْ أَحْوَالِ الدُّنْيَا، وَهُوَ كَمَا قَالَ، لَكِنْ تَقَدَّمَ مَا يُعَكِّرُ عَلَى إِلْحَاقِهِ بِمَا بَعْدَ الدُّخُولِ وَإِنْ لَمْ يَطُلْ بِمَا قَبْلَهُ، وَيَدُلُّ عَلَى التَّعْمِيمِ فِي الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مِنَ الزِّيَادَةِ أَوْ لَهُ حَاجَةٌ فِي الرُّجُوعِ، وَفِيهِ أَنَّ الْأُمُورَ الْمُهِمَّةَ لَا يَنْبَغِي أَنْ تُفَوَّضَ