«أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ غُسْلِهَا مِنَ الْمَحِيضِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣١٤

الحديث رقم ٣١٤ من كتاب «كتاب الحيض» في صحيح البخاري، تحت باب: باب دلك المرأة نفسها إذا تطهرت من المحيض.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٣١٤ في صحيح البخاري

«أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتِ النَّبِيَّ عَنْ غُسْلِهَا مِنَ الْمَحِيضِ، فَأَمَرَهَا كَيْفَ تَغْتَسِلُ قَالَ: خُذِي فِرْصَةً مِنْ مِسْكٍ فَتَطَهَّرِي بِهَا. قَالَتْ: كَيْفَ أَتَطَهَّرُ؟ قَالَ: تَطَهَّرِي بِهَا. قَالَتْ: كَيْفَ؟ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ، تَطَهَّرِي. فَاجْتَبَذْتُهَا إِلَيَّ فَقُلْتُ: تَتَبَّعِي بِهَا أَثَرَ الدَّمِ».

بَابُ غُسْلِ الْمَحِيضِ

إسناد حديث رقم ٣١٤ من صحيح البخاري

٣١٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ صَفِيَّةَ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٣١٤: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْمُهْمَلَةِ مِنَ الْإِحْدَادِ وَهُوَ الِامْتِنَاعُ مِنَ الزِّينَةِ.

قَوْلُهُ: (إِلَّا عَلَى زَوْجٍ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَالْحَمَوِيِّ إِلَّا عَلَى زَوْجِهَا وَالْأُولَى مُوَافِقَةٌ لِلَفْظِ نُحِدَّ وَتَوْجِيهُ الثَّانِيَةِ أَنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلَى الْوَاحِدَةِ الْمُنْدَرِجَةِ فِي قَوْلِهَا كُنَّا نُنْهَى أَيْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ.

قَوْلُهُ: (وَلَا نَكْتَحِلُ) بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ أَيْضًا عَلَى الْعَطْفِ، ولَا زَائِدَةٌ، وَأَكَّدَ بِهَا ; لِأَنَّ فِي النَّهْيِ مَعْنَى النَّفْيِ.

قَوْلُهُ: (ثَوْبُ عَصْبٍ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الصَّادِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، قَالَ فِي الْمُحْكَمِ: هُوَ ضَرْبٌ مِنْ بُرُودِ الْيَمَنِ يُعْصَبُ غَزْلُهُ أَيْ يُجْمَعُ ثُمَّ يُصْبَغُ ثُمَّ يُنْسَجُ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى أَحْكَامِ الْحَادَّةِ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (فِي نُبْذَةٍ) أَيْ قِطْعَةٍ.

قَوْلُهُ: (كُسْتِ أَظْفَارٍ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ قَالَ ابْنُ التِّينِ صَوَابُهُ قِسْطُ ظِفَارٍ كَذَا قَالَ، وَلَمْ أَرَ هَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، لَكِنْ حَكَاهُ صَاحِبُ الْمَشَارِقِ، وَوَجَّهَهُ بِأَنَّهُ مَنْسُوبٌ إِلَى ظِفَارٍ مَدِينَةٍ مَعْرُوفَةٍ بِسَوَاحِلِ الْيَمَنِ يُجْلَبُ إِلَيْهَا الْقِسْطُ الْهِنْدِيُّ، وَحَكَى فِي ضَبْطِ ظِفَارٍ وَجْهَيْنِ كَسْرَ أَوَّلِهِ وَصَرْفَهُ أَوْ فَتْحَهُ وَالْبِنَاءَ بِوَزْنِ قَطَامَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ قِسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ بِإِثْبَاتِ أَوْ وَهِيَ لِلتَّخْيِيرِ، قَالَ فِي الْمَشَارِقِ: الْقِسْطُ بَخُورٌ مَعْرُوفٌ وَكَذَلِكَ الْأَظْفَارُ، قَالَ فِي الْبَارِعِ: الْأَظْفَارُ ضَرْبٌ مِنَ الْعِطْرِ يُشْبِهُ الظُّفْرَ.

وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ: الظُّفْرُ ضَرْبٌ مِنَ الْعِطْرِ أَسْوَدُ مُغَلَّفٌ مِنْ أَصْلِهِ عَلَى شَكْلِ ظُفْرِ الْإِنْسَانِ يُوضَعُ فِي الْبَخُورِ وَالْجَمْعُ أَظْفَارٌ، وَقَالَ صَاحِبُ الْعَيْنُ: لَا وَاحِدَ لَهُ. وَالْكُسْتُ بِضَمِّ الْكَافِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ هُوَ الْقِسْطُ، قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الطَّلَاقِ، وَكَذَا قَالَهُ غَيْرُهُ، وَحَكَى الْمُفَضَّلُ بْنُ سَلَمَةَ أَنَّهُ يُقَالُ بِالْكَافِ وَالطَّاءِ أَيْضًا، قَالَ النَّوَوِيُّ: لَيْسَ الْقِسْطُ وَالظُّفْرُ مِنْ مَقْصُودِ التَّطَيُّبِ، وَإِنَّمَا رَخَّصَ فِيهِ لِلْحَادَّةِ إِذَا اغْتَسَلَتْ مِنَ الْحَيْضِ لِإِزَالَةِ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ، قَالَ الْمُهَلَّبُ: رَخَّصَ لَهَا فِي التَّبَخُّرِ لِدَفْعِ رَائِحَةِ الدَّمِ عَنْهَا لِمَا تَسْتَقْبِلُهُ مِنَ الصَّلَاةِ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى مَسْأَلَةِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (وَرُوِيَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ وَرَوَاهُ أَيِ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ، وَسَيَأْتِي مَوْصُولًا عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ حَدِيثِ هِشَامٍ الْمَذْكُورِ، وَلَمْ يَقَعْ هَذَا التَّعْلِيقُ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَأَغْرَبَ الْكِرْمَانِيُّ فَجَوَّزَ أَنْ يَكُونَ قَائِلُ وَرَوَاهُ حَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ الْمَذْكُورَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ فَلَا يَكُونَ تَعْلِيقًا.

١٣ - بَاب دَلْكِ الْمَرْأَةِ نَفْسَهَا إِذَا تَطَهَّرَتْ مِنْ الْمَحِيضِ

وَكَيْفَ تَغْتَسِلُ وَتَأْخُذُ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَتَتَّبِعُ أَثَرَ الدَّمِ

٣١٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ صَفِيَّةَ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ النَّبِيَّ عَنْ غُسْلِهَا مِنْ الْمَحِيضِ فَأَمَرَهَا كَيْفَ تَغْتَسِلُ، قَالَ خُذِي فِرْصَةً مِنْ مَسْكٍ فَتَطَهَّرِي بِهَا، قَالَتْ: كَيْفَ أَتَطَهَّرُ؟ قَالَ تَطَهَّرِي بِهَا، قَالَتْ: كَيْفَ؟ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ، تَطَهَّرِي، فَاجْتَبَذْتُهَا إِلَيَّ، فَقُلْتُ تَتَبَّعِي بِهَا أَثَرَ الدَّمِ.

[الحديث ٣١٤ - طرفاه في: ٧٣٥٧، ٣١٥]

قَوْلُهُ: (بَابُ دَلْكِ الْمَرْأَةِ نَفْسَهَا. . إِلَى آخِرِ التَّرْجَمَةِ) قِيلَ: لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يُطَابِقُ التَّرْجَمَةَ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ كَيْفِيَّةُ الْغُسْلِ وَلَا الدَّلْكِ. وَأَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ بِأَنَّ تَتَبُّعَ أَثَرِ الدَّمِ يَسْتَلْزِمُ الدَّلْكَ، وَبِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ كَيْفِيَّةِ الْغُسْلِ الصِّفَةُ الْمُخْتَصَّةُ بِغُسْلِ الْمَحِيضِ وَهِيَ التَّطَيُّبِ لَا نَفْسُ الِاغْتِسَالِ. انْتَهَى. وَهُوَ حَسَنٌ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ كُلْفَةٍ، وَأَحْسَنُ مِنْهُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ جَرَى عَلَى عَادَتِهِ فِي التَّرْجَمَةِ بِمَا تَضَمَّنَهُ بَعْضُ طُرُقِ الْحَدِيثِ الَّذِي يُورِدُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَقْصُودُ مَنْصُوصًا فِيمَا

سَاقَهُ.

وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ الَّتِي أَخْرَجَهُ مِنْهَا الْمُصَنِّفُ، فَذَكَرَ بَعْدَ قَوْلِهِ كَيْفَ تَغْتَسِلُ ثُمَّ تَأْخُذُ زَادَ ثُمَّ الدَّالَّةَ عَلَى تَرَاخِي تَعْلِيمِ الْأَخْذِ عَنْ تَعْلِيمِ الِاغْتِسَالِ، ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ صَفِيَّةَ عَنْ عَائِشَةَ، وَفِيهَا شَرْحُ كَيْفِيَّةِ الِاغْتِسَالِ الْمَسْكُوتِ عَنْهَا فِي رِوَايَةِ مَنْصُورٍ، وَلَفْظُهُ فَقَالَ تَأْخُذُ إِحْدَاكُنَّ مَاءَهَا وَسِدْرَتَهَا فَتَطَهَّرُ فَتُحْسِنُ الطَّهُورَ، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا فَتَدْلُكُهُ دَلْكًا شَدِيدًا حَتَّى تَبْلُغَ شُؤُونَ رَأْسِهَا - أَيْ أُصُولَهُ - ثُمَّ تَصُبَّ عَلَيْهَا الْمَاءَ، ثُمَّ تَأْخُذَ فِرْصَةً، فَهَذَا مُرَادُ التَّرْجَمَةِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى كَيْفِيَّةِ الْغُسْلِ وَالدَّلْكِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُخَرِّجِ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ الطَّرِيقَ لِكَوْنِهَا مِنْ رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ عَنْ صَفِيَّةَ، وَلَيْسَ هُوَ عَلَى شَرْطِهِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هُوَ ابْنُ مُوسَى الْبَلْخِيُّ كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ السَّكَنِ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ الْفَرَبْرِيِّ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: هُوَ يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ، وَقِيلَ إِنَّهُ وَقَعَ كَذَلِكَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ مَنْصُورِ ابْنِ صَفِيَّةَ) هِيَ بِنْتُ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْعَبْدَرِيِّ، نُسِبَ إِلَيْهَا لِشُهْرَتِهَا، وَاسْمُ أَبِيهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْعَبْدَرِيُّ، وَهُوَ مِنْ رَهْطِ زَوْجَتِهِ صَفِيَّةَ، وَشَيْبَةُ لَهُ صُحْبَةٌ وَلَهَا أَيْضًا، وَقُتِلَ الْحَارِثُ بْنُ طَلْحَةَ بِأُحُدٍ، وَلِعَبْدِ الرَّحْمَنِ رُؤْيَةٌ، وَوَقَعَ التَّصْرِيحُ بِالسَّمَاعِ فِي جَمِيعِ السَّنَدِ عِنْدَ الْحُمَيْدِيِّ فِي مُسْنَدِهِ.

قَوْلُهُ: (أَنَّ امْرَأَةً) زَادَ فِي رِوَايَةِ وُهَيْبٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَسَمَّاهَا مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرِ أَسْمَاءَ بِنْتَ شَكَلٍ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْكَافِ الْمَفْتُوحَتَيْنِ ثُمَّ اللَّامِ، وَلَمْ يُسَمِّ أَبَاهَا فِي رِوَايَةِ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، وَرَوَى الْخَطِيبُ فِي الْمُبْهَمَاتِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ شُعْبَةَ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ: أَسْمَاءُ بِنْتُ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ بِالْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ الْأَنْصَارِيَّةُ الَّتِي يُقَالُ لَهَا خَطِيبَةُ النِّسَاءِ، وَتَبِعَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي التَّلْقِيحِ وَالدِّمْيَاطِيُّ وَزَادَ أَنَّ الَّذِي وَقَعَ فِي مُسْلِمٍ تَصْحِيفٌ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْأَنْصَارِ مَنْ يُقَالُ لَهُ شَكَلٌ، وَهُوَ رَدٌّ لِلرِّوَايَةِ الثَّابِتَةِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ شَكَلٌ لَقَبًا لَا اسْمًا، وَالْمَشْهُورُ فِي الْمَسَانِيدِ وَالْجَوَامِعِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَسْمَاءُ بِنْتُ شَكَلٍ كَمَا فِي مُسْلِمٍ، أَوْ أَسْمَاءُ لِغَيْرِ نَسَبٍ كَمَا فِي أَبِي دَاوُدَ، وَكَذَا فِي مُسْتَخْرَجِ أَبِي نُعَيْمٍ مِنَ الطَّرِيقِ الَّتِي أَخْرَجَهُ مِنْهَا الْخَطِيبُ، وَحَكَى النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ الْوَجْهَيْنِ بِغَيْرِ تَرْجِيحٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (فَأَمَرَهَا كَيْفَ تَغْتَسِلُ قَالَ: خُذِي) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ هُوَ بَيَانٌ لِقَوْلِهَا أَمَرَهَا فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَكُونُ بَيَانًا لِلِاغْتِسَالِ، وَالِاغْتِسَالُ صَبُّ الْمَاءِ لَا أَخْذُ الْفِرْصَةِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ السُّؤَالَ لَمْ يَكُنْ عَنْ نَفْسِ الِاغْتِسَالِ ; لِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ لِكُلِّ أَحَدٍ، بَلْ كَانَ لِقَدْرٍ زَائِدٍ عَلَى ذَلِكَ. وَقَدْ سَبَقَهُ إِلَى هَذَا الْجَوَابِ الرَّافِعِيُّ فِي شَرْحِ الْمُسْنَدِ، وَابْنُ أَبِي جَمْرَةَ وُقُوفًا مَعَ هَذَا اللَّفْظِ الْوَارِدِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الطَّرِيقِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عِنْدَ مُسْلِمٍ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ اخْتَصَرَ أَوْ اقْتَصَرَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (فِرْصَةٌ) بِكَسْرِ الْفَاءِ، وَحَكَى ابْنُ سِيدَهْ تَثْلِيثَهَا، وَبِإِسْكَانِ الرَّاءِ وَإِهْمَالِ الصَّادِ: قِطْعَةٌ مِنْ صُوفٍ أَوْ قُطْنٍ أَوْ جِلْدَةٍ عَلَيْهَا صُوفٌ حَكَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُ، وَحَكَى أَبُو دَاوُدَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْأَحْوَصِ قَرْصَةٌ بِفَتْحِ الْقَافِ، وَوَجَّهَهُ الْمُنْذِرِيُّ فَقَالَ: يَعْنِي شَيْئًا يَسِيرًا مِثْلَ الْقَرْصَةِ بِطَرَفِ الْإِصْبَعَيْنِ. انْتَهَى. وَوَهِمَ مَنْ عَزَى هَذِهِ الرِّوَايَةَ لِلْبُخَارِيِّ، وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هِيَ قَرْضَةٌ بِفَتْحِ الْقَافِ وَبِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ.

وَقَوْلُهُ: مِنْ مَسْكٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْمُرَادُ قِطْعَةُ جِلْدٍ، وَهِيَ رِوَايَةٌ (١) مَنْ قَالَهُ بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي ضِيقٍ يَمْتَنِعُ مَعَهُ أَنْ يَمْتَهِنُوا الْمِسْكَ مَعَ غَلَاءِ ثَمَنِهِ. وَتَبِعَهُ ابْنُ بَطَّالٍ. وَفِي الْمَشَارِقِ أَنَّ أَكْثَرَ الرِّوَايَاتِ بِفَتْحِ الْمِيمِ. وَرَجَّحَ النَّوَوِيُّ الْكَسْرَ وَقَالَ: إِنَّ الرِّوَايَةَ الْأُخْرَى وَهِيَ قَوْلُهُ فِرْصَةٌ مُمَسَّكَةٌ تَدُلُّ عَلَيْهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ ;

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

والمبيت (وَ) بيان (كَيْفَ تَغْتَسِلُ وَ) كيف (تَأْخُذُ فِرْصَةً) بتثليث الفاء وسكون الرَّاء وفتح الصَّاد المُهمَلة، كما حكاه ابن سِيْدَه: قطعةٌ من قطنٍ أو صوفٍ أو خرقة (مُمَسَّكَةً) بتشديد السِّين، وفتح الكاف (فَتَتَبَّعُ) بلفظ الغائبة، مضارع «التَّفعُّل»، وحُذِفَ إحدى التَّاءات الثَّلاث، وفي الفرع: «فَتَتَّبِع» بتشديد التَّاء الثَّانية وتخفيف المُوحَّدة المكسورة، ولأبي ذَرٍّ: «فتَتْبَع» بسكون التَّاء (١) الثَّانية وفتح المُوحَّدة (بِهَا) أي: بالفِرصة (أَثَرَ الدَّمِ).

٣١٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) أي: ابن موسى، البلخيُّ الخَتِّيُّ-بفتح الخاء المُعجَمة وتشديد المُثنَّاة الفوقيَّة- فيما جزم به ابن السَّكن في روايته عن الفَِرَبْريِّ، وتُوفِّي سنة أربعين ومئتين، أو يحيى بن جعفرٍ البيكنديُّ كما وُجِدَ في بعض النُّسخ (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان (عَنْ مَنْصُورِ ابْنِ صَفِيَّةَ) نسبه إليها لشهرتها، واسم أبيه عبد الرَّحمن بن طلحة (عَنْ أُمِّهِ) صفيَّة بنت شيبة بن عثمان بن أبي (٢) طلحة العبدريِّ، ووقع التَّصريح بالسَّماع في جميع السَّند في «مُسنَد الحميديِّ» (عَنْ عَائِشَةَ) : (أَنَّ امْرَأَةً) من الأنصار، كما في حديث الباب التَّالي لهذا [خ¦٣١٥]، أو هي أسماء بنت شَكَلٍكما في «مسلمٍ»، لكن قال الحافظ (٣) الدِّمياطيُّ: إنَّه تصحيفٌ، وإنَّما هو سَكَنٌ -بالسِّين المُهمَلة والنُّون- نسبةً إلى جدِّها، وجزم -تبعًا للخطيب في «مبهماته» - أنَّها أسماء بنت يزيد بن السَّكن الأنصاريَّة خطيبة النَّساء، وصوَّبه بعض المتأخِّرين بأنَّه ليس في الأنصار من اسمه شَكْلٌ، وتُعقِّببجواز تعدُّد الواقعة، ويؤيِّده تفريق ابن منده بين التَّرجمتين، وبأنَّ ابن طاهرٍ

وأبا موسى المدينيَّ وأبا عليٍّ الجيانيَّ جزموا بما في «مسلم»، ورواه ابن أبي شيبة وأبو نعيمٍ كذلك، فَسَلِمَ مسلمٌ من الوهم والتَّصحيف (سَأَلَتِ النَّبِيَّ عَنْ غُسْلِهَا مِنَ المَحِيضِ) أي: الحيض (فَأَمَرَهَا) النَّبيُّ (١) (كَيْفَ تَغْتَسِلُ) أي: بأن قال كما رواه مسلمٌ بمعناه: «تطهَّري فأحسني الطُّهور، ثمَّ صبِّي على رأسك فادلكيه دلكًا شديدًا حتَّى يبلغ شؤون رأسك -أي: أصوله- ثمَّ صبِّي الماء عليك» (قَالَ: خُذِي فِرْصَةً) بتثليث الفاء: قطعةً، وقِيلَ: بفتح القاف والصَّاد المُهمَلة، أي: شيئًا يسيرًا مثل القرصة بطرف الأصبعين، وقال ابن قتيبة: إنَّما هو بالقاف والضَّاد المُعجَمة، أي: قطعةً، والرِّواية ثابتةٌ بالفاء والصَّاد المُهمَلة، ولا مجال للرَّأي في مثله، والمعنى صحيحٌ بنقل أئمَّة اللُّغة (مِنْ مِسْكٍ) بكسر الميم دم الغزال، ورُوِي بفتحها، قال القاضي عياضٌ: وهي رواية الأكثرين، وهو الجلد، أي: خذي قطعةً منه وتحمَّلي بها لمسح القبُل، واحتجَّبأنَّهم كانوا في ضيقٍ يمتنع معه أن يمتهنوا المسك مع غلاء ثمنه، ورجَّح النَّوويُّ: الكسر (فَتَطَهَّرِي) أي: تنظَّفي (بِهَا) أي: بالفرصة (قَالَتْ) (٢) أسماء: (كَيْفَ أَتَطَهَّرُ بها؟ قَالَ) : (سُبْحَانَ اللهِ!) متعجِّبًا من خفاء ذلك عليها (تَطَهَّرِي) ولابن عساكر: «تطهَّري بها، قالت: كيف؟ قال: سُبْحَانَ الله! تَطَهَّرِي بِها» قالت عائشة : (فَاجْتَبَذْتُهَا إِلَيَّ) بتقديم المُوحَّدة على الذَّال المُعجَمة، وفي روايةٍ: «فاجتذبتها» بتأخيرها (فَقُلْتُ) لها: (تَتَبَّعِي بِهَا) أي: بالفرصة (أَثَرَ الدَّمِ) أي: في الفرج، واستُنبِط منه: أنَّ العالِمَ يَكني بالجواب في الأمور المستورة، وأنَّ المرأة تسأل عن أمر دينها، وتكرير الجواب لإفهام السَّائل، وأنَّ للطَّالب الحاذق تفهيم السَّائل قول الشَّيخ وهو يسمع، وفيه: الدَّلالة على حسن خلق الرَّسول وعظيم حلمه وحيائه، ووجه المُطابَقة بينه وبين (٣) التَّرجمة من جهة تضمُّنه طريق مسلمٍ التي

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْمُهْمَلَةِ مِنَ الْإِحْدَادِ وَهُوَ الِامْتِنَاعُ مِنَ الزِّينَةِ.

قَوْلُهُ: (إِلَّا عَلَى زَوْجٍ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَالْحَمَوِيِّ إِلَّا عَلَى زَوْجِهَا وَالْأُولَى مُوَافِقَةٌ لِلَفْظِ نُحِدَّ وَتَوْجِيهُ الثَّانِيَةِ أَنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلَى الْوَاحِدَةِ الْمُنْدَرِجَةِ فِي قَوْلِهَا كُنَّا نُنْهَى أَيْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ.

قَوْلُهُ: (وَلَا نَكْتَحِلُ) بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ أَيْضًا عَلَى الْعَطْفِ، ولَا زَائِدَةٌ، وَأَكَّدَ بِهَا ; لِأَنَّ فِي النَّهْيِ مَعْنَى النَّفْيِ.

قَوْلُهُ: (ثَوْبُ عَصْبٍ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الصَّادِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، قَالَ فِي الْمُحْكَمِ: هُوَ ضَرْبٌ مِنْ بُرُودِ الْيَمَنِ يُعْصَبُ غَزْلُهُ أَيْ يُجْمَعُ ثُمَّ يُصْبَغُ ثُمَّ يُنْسَجُ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى أَحْكَامِ الْحَادَّةِ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (فِي نُبْذَةٍ) أَيْ قِطْعَةٍ.

قَوْلُهُ: (كُسْتِ أَظْفَارٍ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ قَالَ ابْنُ التِّينِ صَوَابُهُ قِسْطُ ظِفَارٍ كَذَا قَالَ، وَلَمْ أَرَ هَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، لَكِنْ حَكَاهُ صَاحِبُ الْمَشَارِقِ، وَوَجَّهَهُ بِأَنَّهُ مَنْسُوبٌ إِلَى ظِفَارٍ مَدِينَةٍ مَعْرُوفَةٍ بِسَوَاحِلِ الْيَمَنِ يُجْلَبُ إِلَيْهَا الْقِسْطُ الْهِنْدِيُّ، وَحَكَى فِي ضَبْطِ ظِفَارٍ وَجْهَيْنِ كَسْرَ أَوَّلِهِ وَصَرْفَهُ أَوْ فَتْحَهُ وَالْبِنَاءَ بِوَزْنِ قَطَامَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ قِسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ بِإِثْبَاتِ أَوْ وَهِيَ لِلتَّخْيِيرِ، قَالَ فِي الْمَشَارِقِ: الْقِسْطُ بَخُورٌ مَعْرُوفٌ وَكَذَلِكَ الْأَظْفَارُ، قَالَ فِي الْبَارِعِ: الْأَظْفَارُ ضَرْبٌ مِنَ الْعِطْرِ يُشْبِهُ الظُّفْرَ.

وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ: الظُّفْرُ ضَرْبٌ مِنَ الْعِطْرِ أَسْوَدُ مُغَلَّفٌ مِنْ أَصْلِهِ عَلَى شَكْلِ ظُفْرِ الْإِنْسَانِ يُوضَعُ فِي الْبَخُورِ وَالْجَمْعُ أَظْفَارٌ، وَقَالَ صَاحِبُ الْعَيْنُ: لَا وَاحِدَ لَهُ. وَالْكُسْتُ بِضَمِّ الْكَافِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ هُوَ الْقِسْطُ، قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الطَّلَاقِ، وَكَذَا قَالَهُ غَيْرُهُ، وَحَكَى الْمُفَضَّلُ بْنُ سَلَمَةَ أَنَّهُ يُقَالُ بِالْكَافِ وَالطَّاءِ أَيْضًا، قَالَ النَّوَوِيُّ: لَيْسَ الْقِسْطُ وَالظُّفْرُ مِنْ مَقْصُودِ التَّطَيُّبِ، وَإِنَّمَا رَخَّصَ فِيهِ لِلْحَادَّةِ إِذَا اغْتَسَلَتْ مِنَ الْحَيْضِ لِإِزَالَةِ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ، قَالَ الْمُهَلَّبُ: رَخَّصَ لَهَا فِي التَّبَخُّرِ لِدَفْعِ رَائِحَةِ الدَّمِ عَنْهَا لِمَا تَسْتَقْبِلُهُ مِنَ الصَّلَاةِ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى مَسْأَلَةِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (وَرُوِيَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ وَرَوَاهُ أَيِ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ، وَسَيَأْتِي مَوْصُولًا عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ حَدِيثِ هِشَامٍ الْمَذْكُورِ، وَلَمْ يَقَعْ هَذَا التَّعْلِيقُ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَأَغْرَبَ الْكِرْمَانِيُّ فَجَوَّزَ أَنْ يَكُونَ قَائِلُ وَرَوَاهُ حَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ الْمَذْكُورَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ فَلَا يَكُونَ تَعْلِيقًا.

١٣ - بَاب دَلْكِ الْمَرْأَةِ نَفْسَهَا إِذَا تَطَهَّرَتْ مِنْ الْمَحِيضِ

وَكَيْفَ تَغْتَسِلُ وَتَأْخُذُ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَتَتَّبِعُ أَثَرَ الدَّمِ

٣١٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ صَفِيَّةَ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ النَّبِيَّ عَنْ غُسْلِهَا مِنْ الْمَحِيضِ فَأَمَرَهَا كَيْفَ تَغْتَسِلُ، قَالَ خُذِي فِرْصَةً مِنْ مَسْكٍ فَتَطَهَّرِي بِهَا، قَالَتْ: كَيْفَ أَتَطَهَّرُ؟ قَالَ تَطَهَّرِي بِهَا، قَالَتْ: كَيْفَ؟ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ، تَطَهَّرِي، فَاجْتَبَذْتُهَا إِلَيَّ، فَقُلْتُ تَتَبَّعِي بِهَا أَثَرَ الدَّمِ.

[الحديث ٣١٤ - طرفاه في: ٧٣٥٧، ٣١٥]

قَوْلُهُ: (بَابُ دَلْكِ الْمَرْأَةِ نَفْسَهَا. . إِلَى آخِرِ التَّرْجَمَةِ) قِيلَ: لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يُطَابِقُ التَّرْجَمَةَ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ كَيْفِيَّةُ الْغُسْلِ وَلَا الدَّلْكِ. وَأَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ بِأَنَّ تَتَبُّعَ أَثَرِ الدَّمِ يَسْتَلْزِمُ الدَّلْكَ، وَبِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ كَيْفِيَّةِ الْغُسْلِ الصِّفَةُ الْمُخْتَصَّةُ بِغُسْلِ الْمَحِيضِ وَهِيَ التَّطَيُّبِ لَا نَفْسُ الِاغْتِسَالِ. انْتَهَى. وَهُوَ حَسَنٌ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ كُلْفَةٍ، وَأَحْسَنُ مِنْهُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ جَرَى عَلَى عَادَتِهِ فِي التَّرْجَمَةِ بِمَا تَضَمَّنَهُ بَعْضُ طُرُقِ الْحَدِيثِ الَّذِي يُورِدُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَقْصُودُ مَنْصُوصًا فِيمَا

سَاقَهُ.

وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ الَّتِي أَخْرَجَهُ مِنْهَا الْمُصَنِّفُ، فَذَكَرَ بَعْدَ قَوْلِهِ كَيْفَ تَغْتَسِلُ ثُمَّ تَأْخُذُ زَادَ ثُمَّ الدَّالَّةَ عَلَى تَرَاخِي تَعْلِيمِ الْأَخْذِ عَنْ تَعْلِيمِ الِاغْتِسَالِ، ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ صَفِيَّةَ عَنْ عَائِشَةَ، وَفِيهَا شَرْحُ كَيْفِيَّةِ الِاغْتِسَالِ الْمَسْكُوتِ عَنْهَا فِي رِوَايَةِ مَنْصُورٍ، وَلَفْظُهُ فَقَالَ تَأْخُذُ إِحْدَاكُنَّ مَاءَهَا وَسِدْرَتَهَا فَتَطَهَّرُ فَتُحْسِنُ الطَّهُورَ، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا فَتَدْلُكُهُ دَلْكًا شَدِيدًا حَتَّى تَبْلُغَ شُؤُونَ رَأْسِهَا - أَيْ أُصُولَهُ - ثُمَّ تَصُبَّ عَلَيْهَا الْمَاءَ، ثُمَّ تَأْخُذَ فِرْصَةً، فَهَذَا مُرَادُ التَّرْجَمَةِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى كَيْفِيَّةِ الْغُسْلِ وَالدَّلْكِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُخَرِّجِ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ الطَّرِيقَ لِكَوْنِهَا مِنْ رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ عَنْ صَفِيَّةَ، وَلَيْسَ هُوَ عَلَى شَرْطِهِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هُوَ ابْنُ مُوسَى الْبَلْخِيُّ كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ السَّكَنِ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ الْفَرَبْرِيِّ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: هُوَ يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ، وَقِيلَ إِنَّهُ وَقَعَ كَذَلِكَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ مَنْصُورِ ابْنِ صَفِيَّةَ) هِيَ بِنْتُ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْعَبْدَرِيِّ، نُسِبَ إِلَيْهَا لِشُهْرَتِهَا، وَاسْمُ أَبِيهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْعَبْدَرِيُّ، وَهُوَ مِنْ رَهْطِ زَوْجَتِهِ صَفِيَّةَ، وَشَيْبَةُ لَهُ صُحْبَةٌ وَلَهَا أَيْضًا، وَقُتِلَ الْحَارِثُ بْنُ طَلْحَةَ بِأُحُدٍ، وَلِعَبْدِ الرَّحْمَنِ رُؤْيَةٌ، وَوَقَعَ التَّصْرِيحُ بِالسَّمَاعِ فِي جَمِيعِ السَّنَدِ عِنْدَ الْحُمَيْدِيِّ فِي مُسْنَدِهِ.

قَوْلُهُ: (أَنَّ امْرَأَةً) زَادَ فِي رِوَايَةِ وُهَيْبٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَسَمَّاهَا مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرِ أَسْمَاءَ بِنْتَ شَكَلٍ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْكَافِ الْمَفْتُوحَتَيْنِ ثُمَّ اللَّامِ، وَلَمْ يُسَمِّ أَبَاهَا فِي رِوَايَةِ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، وَرَوَى الْخَطِيبُ فِي الْمُبْهَمَاتِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ شُعْبَةَ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ: أَسْمَاءُ بِنْتُ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ بِالْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ الْأَنْصَارِيَّةُ الَّتِي يُقَالُ لَهَا خَطِيبَةُ النِّسَاءِ، وَتَبِعَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي التَّلْقِيحِ وَالدِّمْيَاطِيُّ وَزَادَ أَنَّ الَّذِي وَقَعَ فِي مُسْلِمٍ تَصْحِيفٌ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْأَنْصَارِ مَنْ يُقَالُ لَهُ شَكَلٌ، وَهُوَ رَدٌّ لِلرِّوَايَةِ الثَّابِتَةِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ شَكَلٌ لَقَبًا لَا اسْمًا، وَالْمَشْهُورُ فِي الْمَسَانِيدِ وَالْجَوَامِعِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَسْمَاءُ بِنْتُ شَكَلٍ كَمَا فِي مُسْلِمٍ، أَوْ أَسْمَاءُ لِغَيْرِ نَسَبٍ كَمَا فِي أَبِي دَاوُدَ، وَكَذَا فِي مُسْتَخْرَجِ أَبِي نُعَيْمٍ مِنَ الطَّرِيقِ الَّتِي أَخْرَجَهُ مِنْهَا الْخَطِيبُ، وَحَكَى النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ الْوَجْهَيْنِ بِغَيْرِ تَرْجِيحٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (فَأَمَرَهَا كَيْفَ تَغْتَسِلُ قَالَ: خُذِي) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ هُوَ بَيَانٌ لِقَوْلِهَا أَمَرَهَا فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَكُونُ بَيَانًا لِلِاغْتِسَالِ، وَالِاغْتِسَالُ صَبُّ الْمَاءِ لَا أَخْذُ الْفِرْصَةِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ السُّؤَالَ لَمْ يَكُنْ عَنْ نَفْسِ الِاغْتِسَالِ ; لِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ لِكُلِّ أَحَدٍ، بَلْ كَانَ لِقَدْرٍ زَائِدٍ عَلَى ذَلِكَ. وَقَدْ سَبَقَهُ إِلَى هَذَا الْجَوَابِ الرَّافِعِيُّ فِي شَرْحِ الْمُسْنَدِ، وَابْنُ أَبِي جَمْرَةَ وُقُوفًا مَعَ هَذَا اللَّفْظِ الْوَارِدِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الطَّرِيقِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عِنْدَ مُسْلِمٍ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ اخْتَصَرَ أَوْ اقْتَصَرَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (فِرْصَةٌ) بِكَسْرِ الْفَاءِ، وَحَكَى ابْنُ سِيدَهْ تَثْلِيثَهَا، وَبِإِسْكَانِ الرَّاءِ وَإِهْمَالِ الصَّادِ: قِطْعَةٌ مِنْ صُوفٍ أَوْ قُطْنٍ أَوْ جِلْدَةٍ عَلَيْهَا صُوفٌ حَكَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُ، وَحَكَى أَبُو دَاوُدَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْأَحْوَصِ قَرْصَةٌ بِفَتْحِ الْقَافِ، وَوَجَّهَهُ الْمُنْذِرِيُّ فَقَالَ: يَعْنِي شَيْئًا يَسِيرًا مِثْلَ الْقَرْصَةِ بِطَرَفِ الْإِصْبَعَيْنِ. انْتَهَى. وَوَهِمَ مَنْ عَزَى هَذِهِ الرِّوَايَةَ لِلْبُخَارِيِّ، وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هِيَ قَرْضَةٌ بِفَتْحِ الْقَافِ وَبِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ.

وَقَوْلُهُ: مِنْ مَسْكٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْمُرَادُ قِطْعَةُ جِلْدٍ، وَهِيَ رِوَايَةٌ (١) مَنْ قَالَهُ بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي ضِيقٍ يَمْتَنِعُ مَعَهُ أَنْ يَمْتَهِنُوا الْمِسْكَ مَعَ غَلَاءِ ثَمَنِهِ. وَتَبِعَهُ ابْنُ بَطَّالٍ. وَفِي الْمَشَارِقِ أَنَّ أَكْثَرَ الرِّوَايَاتِ بِفَتْحِ الْمِيمِ. وَرَجَّحَ النَّوَوِيُّ الْكَسْرَ وَقَالَ: إِنَّ الرِّوَايَةَ الْأُخْرَى وَهِيَ قَوْلُهُ فِرْصَةٌ مُمَسَّكَةٌ تَدُلُّ عَلَيْهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ ;

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

والمبيت (وَ) بيان (كَيْفَ تَغْتَسِلُ وَ) كيف (تَأْخُذُ فِرْصَةً) بتثليث الفاء وسكون الرَّاء وفتح الصَّاد المُهمَلة، كما حكاه ابن سِيْدَه: قطعةٌ من قطنٍ أو صوفٍ أو خرقة (مُمَسَّكَةً) بتشديد السِّين، وفتح الكاف (فَتَتَبَّعُ) بلفظ الغائبة، مضارع «التَّفعُّل»، وحُذِفَ إحدى التَّاءات الثَّلاث، وفي الفرع: «فَتَتَّبِع» بتشديد التَّاء الثَّانية وتخفيف المُوحَّدة المكسورة، ولأبي ذَرٍّ: «فتَتْبَع» بسكون التَّاء (١) الثَّانية وفتح المُوحَّدة (بِهَا) أي: بالفِرصة (أَثَرَ الدَّمِ).

٣١٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) أي: ابن موسى، البلخيُّ الخَتِّيُّ-بفتح الخاء المُعجَمة وتشديد المُثنَّاة الفوقيَّة- فيما جزم به ابن السَّكن في روايته عن الفَِرَبْريِّ، وتُوفِّي سنة أربعين ومئتين، أو يحيى بن جعفرٍ البيكنديُّ كما وُجِدَ في بعض النُّسخ (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان (عَنْ مَنْصُورِ ابْنِ صَفِيَّةَ) نسبه إليها لشهرتها، واسم أبيه عبد الرَّحمن بن طلحة (عَنْ أُمِّهِ) صفيَّة بنت شيبة بن عثمان بن أبي (٢) طلحة العبدريِّ، ووقع التَّصريح بالسَّماع في جميع السَّند في «مُسنَد الحميديِّ» (عَنْ عَائِشَةَ) : (أَنَّ امْرَأَةً) من الأنصار، كما في حديث الباب التَّالي لهذا [خ¦٣١٥]، أو هي أسماء بنت شَكَلٍكما في «مسلمٍ»، لكن قال الحافظ (٣) الدِّمياطيُّ: إنَّه تصحيفٌ، وإنَّما هو سَكَنٌ -بالسِّين المُهمَلة والنُّون- نسبةً إلى جدِّها، وجزم -تبعًا للخطيب في «مبهماته» - أنَّها أسماء بنت يزيد بن السَّكن الأنصاريَّة خطيبة النَّساء، وصوَّبه بعض المتأخِّرين بأنَّه ليس في الأنصار من اسمه شَكْلٌ، وتُعقِّببجواز تعدُّد الواقعة، ويؤيِّده تفريق ابن منده بين التَّرجمتين، وبأنَّ ابن طاهرٍ

وأبا موسى المدينيَّ وأبا عليٍّ الجيانيَّ جزموا بما في «مسلم»، ورواه ابن أبي شيبة وأبو نعيمٍ كذلك، فَسَلِمَ مسلمٌ من الوهم والتَّصحيف (سَأَلَتِ النَّبِيَّ عَنْ غُسْلِهَا مِنَ المَحِيضِ) أي: الحيض (فَأَمَرَهَا) النَّبيُّ (١) (كَيْفَ تَغْتَسِلُ) أي: بأن قال كما رواه مسلمٌ بمعناه: «تطهَّري فأحسني الطُّهور، ثمَّ صبِّي على رأسك فادلكيه دلكًا شديدًا حتَّى يبلغ شؤون رأسك -أي: أصوله- ثمَّ صبِّي الماء عليك» (قَالَ: خُذِي فِرْصَةً) بتثليث الفاء: قطعةً، وقِيلَ: بفتح القاف والصَّاد المُهمَلة، أي: شيئًا يسيرًا مثل القرصة بطرف الأصبعين، وقال ابن قتيبة: إنَّما هو بالقاف والضَّاد المُعجَمة، أي: قطعةً، والرِّواية ثابتةٌ بالفاء والصَّاد المُهمَلة، ولا مجال للرَّأي في مثله، والمعنى صحيحٌ بنقل أئمَّة اللُّغة (مِنْ مِسْكٍ) بكسر الميم دم الغزال، ورُوِي بفتحها، قال القاضي عياضٌ: وهي رواية الأكثرين، وهو الجلد، أي: خذي قطعةً منه وتحمَّلي بها لمسح القبُل، واحتجَّبأنَّهم كانوا في ضيقٍ يمتنع معه أن يمتهنوا المسك مع غلاء ثمنه، ورجَّح النَّوويُّ: الكسر (فَتَطَهَّرِي) أي: تنظَّفي (بِهَا) أي: بالفرصة (قَالَتْ) (٢) أسماء: (كَيْفَ أَتَطَهَّرُ بها؟ قَالَ) : (سُبْحَانَ اللهِ!) متعجِّبًا من خفاء ذلك عليها (تَطَهَّرِي) ولابن عساكر: «تطهَّري بها، قالت: كيف؟ قال: سُبْحَانَ الله! تَطَهَّرِي بِها» قالت عائشة : (فَاجْتَبَذْتُهَا إِلَيَّ) بتقديم المُوحَّدة على الذَّال المُعجَمة، وفي روايةٍ: «فاجتذبتها» بتأخيرها (فَقُلْتُ) لها: (تَتَبَّعِي بِهَا) أي: بالفرصة (أَثَرَ الدَّمِ) أي: في الفرج، واستُنبِط منه: أنَّ العالِمَ يَكني بالجواب في الأمور المستورة، وأنَّ المرأة تسأل عن أمر دينها، وتكرير الجواب لإفهام السَّائل، وأنَّ للطَّالب الحاذق تفهيم السَّائل قول الشَّيخ وهو يسمع، وفيه: الدَّلالة على حسن خلق الرَّسول وعظيم حلمه وحيائه، ووجه المُطابَقة بينه وبين (٣) التَّرجمة من جهة تضمُّنه طريق مسلمٍ التي

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله