الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣١٧
الحديث رقم ٣١٧ من كتاب «كتاب الحيض» في صحيح البخاري، تحت باب: باب نقض المرأة شعرها عند غسل المحيض.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٣١٧ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:
روت عائشة رضي الله عنها أن الصحابة خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة مكملين ذا القعدة مستقبلين لهلال ذي الحجة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أراد أن يحرم بعمرة فليُحرِم، ويكون متمتعًا، ومن أراد أن يحرم بحج فليحلل، ويكون مفردًا، ولولا أني سقت الهدي لأحللت بعمرة، ولا يتمنى إلا الأفضل، ثم نُسخ هذا التخيير وأمرهم بعد ذلك بالفسخ أمرًا حتمًا، ووجوب فسخ الحج إلى العمرة خاص بالصحابة في تلك السَّنَة، إلا مَن ساق الهدي؛ لمخالفة تحريم أهل الجاهلية للعمرة في أشهر الحج، وقال ذلك ليطيب قلوب أصحابه، إذ كانت نفوسهم لا تسمح بفسخ الحج؛ لإرادتهم موافقته عليه الصلاة والسلام، فقال: ما يمنعني من موافقتكم فيما أمرتكم به إلا سوق الهدي، ولولاه لوافقتكم، وإنما كان الهدي علة لانتفاء الإحرام بالعمرة؛ لأن سائق الهدي المحرم لا يجوز له التحلل حتى ينحره، ولا ينحره إلا يوم النحر في الحرم، وأما المتمتع فيتحلل من عمرته قبل أن يحرم بالحج.
فأخبرت عائشة عما فعله الصحابة قبل النسخ، فكان منهم مَن أهلَّ بعمرةٍ ومنهم من أَهَلَّ بحجٍّ، وأهلَّتْ عائشة رضي الله عنها بعمرةٍ، فحاضت قبل أن تدخل مكة، فكانت يوم عرفة حائضة، فلما أخبرت النبي صلى الله عليه وسلم قال: اتركي عمرتك، وانقضي شعرك، وامتشطي، وأحرمي بالحج مع عمرتك، ففعلت ذلك كله، فصارت قارنةً، فلما كانت الليلة التي بعد أيام التشريق، أرسل عليه الصلاة والسلام معها أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهم، فركبت خلفه إلى التنعيم، فأهللت بعمرة منه مكان عمرتها التي تركتها، وذلك أن من عزم على العمرة وهو داخل حدود الحرم عليه أن يخرج إلى الحل ليحرم، فقضى الله حجها وعمرتها، ولم يكن في شيء من ذلك هدي ولا صدقة ولا صوم.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٣١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الهَبَّاريُّ، بفتح الهاء وتشديد المُوحَّدة، الكوفيُّ، المُتوفَّى سنة خمسين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة، الهاشميُّ الكوفيُّ (عَنْ هِشَامٍ) أي: ابن عروة (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: خَرَجْنَا) من المدينة مكملين ذا القعدة (مُوَافِينَ) وفي روايةٍ: «موافقين» (لِهِلَالِ ذِي الحِجَّةِ) كذا شرحه بعضهم، والأَوْلى أن يكون معنى «موافين»: مشرفين، يُقال: أوفى على كذا، إذا أشرف عليه، ولا يلزم منه الدُّخول فيه، وقال النَّوويُّ: أي: مقاربين لاستهلاله لأنَّ خروجه ﵊ كان لخمس ليالٍ بقين من ذي القعدة يوم السَّبت (فَقَالَ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «قال» (رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهْلِلَ) بلامين، وللأَصيليِّ وابن عساكر: «يهلَّ» بلامٍ مُشدَّدةٍ، أي: يحرم (بِعُمْرَةٍ فَلْيُهْلِلْ) (١) بعمرةٍ (٢) (فَإِنِّي لَوْلَا أَنِّي أَهْدَيْتُ) أي: سقت الهديَ (لأَهْلَلْتُ) كذا في رواية الحَمُّويي وكريمة، ولأبوي الوقت وذَرٍّ والأَصيليِّ: «لأحللت» (بِعُمْرَةٍ) ليس فيه دلالةٌ على أنَّ التَّمتُّع أفضل من الإفراد لأنَّه ﵊ إنَّما قال ذلك لأجل فسخ الحجِّ إلى العمرة الذي هو خاصٌّ بهم في تلك السَّنة؛ لمخالفة تحريم الجاهليَّة العمرة في أشهر الحجِّ، لا التَّمتُّع الذي فيه
الخلاف، وقاله ليطيِّب (١) قلوب أصحابه؛ إذ كانت نفوسهم لا تسمح بفسخ الحجِّ إليها لإرادتهم مُوافَقته ﵊، أي: ما يمنعني من موافقتكم فيما أمرتكم به إلَّا سوقي الهديَ، ولولاه لوافقتكم، وإنَّما كان الهديُ علَّةً لانتفاء الإحرام بالعمرة لأنَّ صاحب الهديِ لا يجوز له التَّحلُّل حتَّى ينحره ولا ينحره إلَّا يوم النَّحر، والمتمتِّع يتحلَّل من عمرته قبله، فيتنافيان (٢) (فَأَهَلَّ بَعْضُهُمْ بِعُمْرَةٍ وَأَهَلَّ بَعْضُهُمْ بِحَجٍّ) قالت عائشة: (وَكُنْتُ أَنَا مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَأَدْرَكَنِي يَوْمُ عَرَفَةَ وَأَنَا حَائِضٌ فَشَكَوْتُ) ذلك (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: دَعِي عُمْرَتَكِ) أي: أفعالها وارفضيها (وَانْقُضِي رَأْسَكِ) أي: شعرها (وَامْتَشِطِي وَأَهِلِّي بِحَجٍّ) أي: مع عمرتك أو (٣) مكانها (فَفَعَلْتُ) ذلك كلَّه (حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةُ الحَصْبَةِ) بفتح الحاء وسكون الصَّاد، و «ليلةُ» بالرَّفع على أنَّ «كان» تامَّةٌ، أي: وجدت، وبالنَّصب على أنَّها ناقصةٌ، واسمها «الوقت» (أَرْسَلَ) ﵊ (مَعِي أَخِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵃ (فَخَرَجْتُ) معه (إِلَى التَّنْعِيمِ فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ) منه (مَكَانَ عُمْرَتِي) التي تركتها، لا يُقال: ليس في الحديث دلالةٌ على التَّرجمة لأنَّ أمرها بنقض الشَّعر كان للإهلال وهي حائضٌ لا عند غسلها؛ لأنَّا نقول: إنَّ نقض شعرها إن كان لغسل الإحرام وهو سنَّةٌ، فلغسل الحيض أَوْلى لأنَّه فرضٌ، وقد كان ابن عمر يقول بوجوبه، وبه قال الحسن وطاوسٌ في الحائض دون الجنب، وبه قال أحمد، لكن رجَّح جماعةٌ من أصحابه الاستحباب فيهما، واستدلَّ الجمهور: على عدم وجوب النَّقض بحديث أمِّ سلمة: إنِّي امرأةٌ أشدُّ ضفر رأسي أفأنقضه للجنابة؟ قال: «لا» رواه مسلمٌ، وقد حملوا حديث عائشة هذا على الاستحباب جمعًا بين الرِّوايتين. نعم إن لم يصلِ الماء إلَّا بالنَّقض وجب.
ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين كوفيِّ ومدنيِّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة.
(قَالَ هِشَامٌ) أي (٤): ابن عروة (وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ هَدْيٌ وَلَا صَوْمٌ وَلَا صَدَقَةٌ)
استشكل النَّوويُّ نفيَ الثَّلاثةبأنَّ القارن والمتمتِّع عليه الدَّم، وأجاب القاضي عياضٌبأنَّها لم تكن قارنةً ولا متمتِّعةً لأنَّها أحرمت بالحجِّ ثمَّ نوت فسخه في عمرةٍ، فلمَّا حاضت ولم يتمَّ لها ذلك رجعت إلى حجِّها؛ لتعذُّر أفعال العمرة، وكانت ترفضها بالوقوف، فأمرها بتعجيل الرَّفض، فلمَّا أكملتِ الحجَّ اعتمرت عمرةً مُبتدأةً، وعُورِضبقولها: «وكنت أنا (١) ممن أهلَّ بعمرةٍ»، وقولها: «ولم أهلَّ إلَّا بعمرةٍ»، وأُجيببأنَّ هشامًا لمَّا لم يبلغه ذلك أخبر بنفيهِ، ولا يلزم منه نفيُه في نفس الأمر، بل روى جابرٌ: «أنَّه ﵊ أهدى عن عائشة بقرةً»، فافهم.
(١٧) (بابُ: ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾) أي: مُسوَّاةٍ لا نقص فيها ولا عيب، وغير مسوَّاةٍ أو تامَّةٍ أو ساقطةٍ أو مُصوَّرةٍ وغير مُصوَّرةٍ، وللأَصيليِّ: «قول الله ﷿: ﴿مُخَلَّقَةٍ﴾» [الحج: ٥] قال ابن المُنَيِّر: أدخل المؤلِّف هذه التَّرجمة في أبواب الحيض لينبِّه بها على أنَّ دم الحامل ليس بحيضٍ؛ لأنَّ الحمل إن تمَّ فإنَّ الرَّحم مشغولٌ به، وما ينفصل عنه من دمٍ إنَّما هو رشحُ غذائه أو فضلته أو نحو ذلك، فليس بحيضٍ، وإن لم يتمَّ وكانت المضغة غير مُخلَّقةٍ مجَّها الرحم مضغةً مائعةً حكمها حكم الولد، فكيف يكون حكم الولد حيضًا؟ انتهى. وهذا مذهب الكوفيِّين وأبي حنيفة وأصحابه وأحمد ابن حنبل والأوزاعيِّ والثَّوريِّ، وذهب الإمام الشَّافعيُّ في الجديد: إلى أنَّها تحيض، وعن مالكٍ روايتان، وما ادَّعاه ابن المُنَيِّر كغيره من أنَّه رشح غذاء (٢) الولد … إلى آخره يحتاج إلى دليلٍ، وأمَّا ما ورد في (٣) ذلك من خبرٍ أو أثرٍ، نحو قول عليِّ بن أبي طالبٍ ﵁: «إنَّ الله رفع الحيض عن الحامل (٤)، وجعل الدَّم (٥) رزقًا للولد ممَّا تغيض الأرحام» رواه ابن شاهين، وقول ابن عبَّاسٍ ممَّا رواه ابن شاهين أيضًا، فقال الحافظ ابن حجرٍ: لا يثبت؛ لأنَّ هذا دمٌ بصفات الحيض في زمن إمكانه، فله حكم دم الحيض، وأقوى حججهم: أنَّ استبراء الأمة اعتُبِر بالحيض لتحقُّق (٦) براءة
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
بالامتشاط حَقِيقَته، بل تَسْرِيح الشّعْر بالأصابع للْغسْل لإحرامها بِالْحَجِّ، لَا سِيمَا إِن كَانَت لبدت رَأسهَا فَلَا يَصح غسلهَا إِلَّا بإيصال المَاء إِلَى جَمِيع شعرهَا، وَيلْزم مِنْهُ نقضه، فَإِن قلت: اذا كَانَت قارنة فَلم امرها بِالْعُمْرَةِ بعد الْفَرَاغ من الْحَج (قلت) مَعْنَاهُ أَرَادَت أَن يكون لَهَا عمْرَة مُنْفَرِدَة عَن الْحَج كَمَا حصل لسَائِر أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ وغيرهن من الصَّحَابَة الَّذِي فسخوا الْحَج إِلَى الْعمرَة، وَأَتمُّوا الْعمرَة ثمَّ أَحْرمُوا بِالْحَجِّ، فَحصل لَهُم عمْرَة مُنْفَرِدَة وَحج مُنْفَرد فَلم يحصل لَهَا إلَاّ عمْرَة مندرجة فِي حجَّة الْقُرْآن فاعتمرت بعد ذَلِك مَكَان عمرتها الَّتِي كَانَت أَرَادَت أَولا حُصُولهَا مُنْفَرِدَة غير مندرجة، ومنعها الْحيض عَنهُ، وَإِنَّمَا فعلت كَذَلِك حرصاً على كَثْرَة الْعِبَادَات انْتهى. قلت: الْمَشْهُور الثَّابِت أَن عَائِشَة كَانَت مُنْفَرِدَة بِالْحَجِّ وَأَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أمرهَا برفض الْعمرَة، وَقَوْلها فِي الحَدِيث وأرجع بِحجَّة وَاحِدَة، دَلِيل وَاضح على ذَلِك، وَقَوْلها: ترجع صواحبي بِحَجّ وَعمرَة، وأرجع أَنا بِالْحَجِّ، صَرِيح فِي رفض الْعمرَة، إِذْ لَو دخل الْحَج على الْعمرَة لكَانَتْ هِيَ وَغَيرهَا سَوَاء، وَلما احْتَاجَت إِلَى عمْرَة أُخْرَى بعد الْعمرَة وَالْحج الَّذِي فعلتهما وَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عِنْد عمرتها الْأَخِيرَة: (هَذِه مَكَان عمرتك) صَرِيح فِي أَنَّهَا خرجت من عمرتها الأولى ورفضتها إِذْ لَا تكون الثَّانِيَة مَكَان الأولى، وَالْأولَى مُنْفَرِدَة وَفِي بعض الرِّوَايَات هَذِه قَضَاء من عمرتك. فَإِن قلت: قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي (الْمعرفَة) يَعْنِي قَوْله: ودعي الْعمرَة أمسكي عَن أفعالها، وأدخلي عَلَيْهَا الْحَج قلت: هَذَا خلاف حَقِيقَة قَوْله: دعِي الْعمرَة: بل حَقِيقَته أَنه أمرهَا برفض الْعمرَة بِالْحَجِّ، وَقَوْلها: انقضي رَأسك وامتشطي، يدل على ذَلِك، وَيدْفَع تَأْوِيل الْبَيْهَقِيّ بالإمساك عَن أَفعَال الْعمرَة، إِذا الْمحرم لَيْسَ لَهُ أَن يعفل ذَلِك. فَإِن قلت: قَالَ الشَّافِعِي: لَا يعرف فِي الشَّرْع رفض الْعمرَة بِالْحيضِ. قلت: قَالَ الْقَدُورِيّ فِي (التَّجْرِيد) مَا رفضتها بِالْحيضِ، لَكِن تَعَذَّرَتْ أفعالها، وَكَانَت ترفضها بِالْوُقُوفِ، فَأَمرهمْ بتعجيل الرَّفْض.
١٦ - (بابُ نَقْضِ المَرْأَةِ شَعْرَهَا عِنْدَ غُسَلِ المَحِيضِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان نقض الْمَرْأَة شعر رَأسهَا، عِنْد غسل الْمَحِيض أَي: الْحيض، وَجَوَابه مُقَدّر أَي: هَل يجب أم لَا؟ وَظَاهر الحَدِيث الْوُجُوب، وَقد ذكرنَا الِاخْتِلَاف فِي الْبَاب السَّابِق.
والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة لِأَن النَّقْض والامتشاط من جنس وَاحِد وَحكم وَاحِد.
٣١٧ - حدّثنا عُبَيْدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ قالَ حدّثنا أبُو أسامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ خَرَجْنَا مُوافينَ لِهلالِ ذِي الحِجَّةِ فقالَ رسولُ اللَّه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَنْ أحَبَّ أنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهْلِلُ فإنِّى لَوْلَا أنِّي أهْدَيْتُ لَاهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ فَأَهَلَّ بَعْضُهُمْ بُعُمْرَةٍ وَأَهْلُ بَعْضُهُمْ بِخحَجٍ وَكُنْتُ أَنَّا مِمَّنْ أهَلَّ بِعُمْرَةٍ فأَدْرَكَنِي يَوْمَ عَرَفَةَ وَأَنا حائِضٌ فَشَكَوْتُ إِلَى النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فقالَ دَعِي عُمْرَتَكِ وانْقُضَي رَأْسَكِ وامْتَشِطِي وَأْهِلِّى بِحَجٍ فَفَعَلْتُ حَتَّى كانَ لَيْلَةُ الخَصْبَةِ أرْسَلَ مَعِي أخِي عَبُدَ الرَّحْمَنِ بْنِ أبي بَكْرً فَخَرَجَتْ إلىَ التَنْعِيمِ فَأَهَلَلْتُ بِعُمْرَةٍ مَكَانَ عُمْرَتِي قالَ هِشامٌ وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ هَدْىٌ وَلا صَوْمٌ وَلا صَدَقَةٌ.
مُطَابقَة للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: عبيد بن إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد الْهَبَّاري، بِفَتْح الْهَاء وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة وبالراء الْمُهْملَة. الْكُوفِي، وَيُقَال اسْمه عبيد الله مَاتَ سنة خمسين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: أَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة الْهَاشِمِي الْكُوفِي، مر فِي بَاب فضل من علم. الثَّالِث: هِشَام بن عُرْوَة. الرَّابِع: أَبوهُ عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. الْخَامِس: عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين كُوفِي ومدني.
ذكر بَقِيَّة الْكَلَام قَوْلهَا: (موافين لهِلَال ذِي الْحجَّة) أَي: مكملين ذِي الْقعدَة مُسْتَقْبلين لهلاله، وَقَالَ النَّوَوِيّ: أَي مقارنين لاستهلاله، وَكَانَ خُرُوجهمْ قبله لخمس بَقينَ من ذِي الْقعدَة، وَيُقَال موافين أَي: مشرفين يُقَال: أوفى على كَذَا أَي:
أشرف، وَلَا يلْزم الدُّخُول فِيهِ، وَقدم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَكَّة لأَرْبَع أَو خمس من ذِي الْحجَّة، أَقَامَ فِي طَرِيقه إِلَى مَكَّة تِسْعَة أَيَّام أَو عشرَة أَيَّام قَوْله: (فليهل) ، بتَشْديد اللَّام فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ، (فليهلل) ، يفك الْإِدْغَام أَي: فليحرم بهَا. قَوْله: (أهديت) أَي: سقت الْهَدْي، وَإِنَّمَا كَانَ وجود الْهَدْي عِلّة لانْتِفَاء الْإِحْرَام بِالْعُمْرَةِ، لِأَن صَاحب الْهَدْي لَا يجوز لَهُ التَّحَلُّل حَتَّى ينحره، وَلَا ينحره إلَاّ يَوْم النَّحْر، والمتمتع يتَحَلَّل قبل يَوْم النَّحْر، فهما متنافيان. قَوْله: (فَأهل بَعضهم بِعُمْرَة) أَي: صَارُوا متمتعين، وَبَعْضهمْ محج أَي: صَارُوا مفردين. قَوْله: (دعِي عمرتك) قَالَ الْكرْمَانِي: أَي: أفعالها لأنفسها، قلت: قد ذكرنَا فِي الْبَاب السَّابِق أَنه أمرهَا بِالتّرْكِ حَقِيقَة، وَذكرنَا وجهة. قَوْله: (لَيْلَة الحصبة) كَلَام إضافي مَرْفُوع وَكَانَ تَامَّة أَن التَّمَتُّع أفضل من الْإِفْرَاد فَمَاذَا قَالَ الشَّافِعِي فِي دلعه؟ قلت: أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّمَا قَالَه من أجل من فسخ الْحجر إِلَى الْعمرَة وَالَّذِي هُوَ خَاص بهم فِي تِلْكَ السّنة خَاصَّة لمُخَالفَة الْجَاهِلِيَّة من حَيْثُ حرمُوا الْعمرَة فِي أشهر الْحجر، وَلم يرد بذلك، التَّمَتُّع الَّذِي فِيهِ الْخلاف وَقَالَ هَذَا تطيباً لقلوب أَصْحَابه، وَكَانَت نُفُوسهم لَا تسمح بِفَسْخ الْحَج إِلَيْهَا لإرادتهم مُوَافَقَته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَمَعْنَاهُ، مَا يَمْنعنِي من موافقتكم مِمَّا أَمرتكُم بِهِ إلَاّ سوقي الْهَدْي، ولولاه لوافقتكم قلت: الرِّوَايَة عَن أبي حنيفَة أَن الْإِفْرَاد أفضل من التَّمَتُّع كمذهب الشَّافِعِي، وَلَكِن الْمَذْهَب التَّمَتُّع أفضل من الْإِفْرَاد لِأَن فِيهِ جمعا بَين عبادتي الْعمرَة وَالْحج فِي سفر وَاحِد، فَأشبه القِرَان. قَوْله: (قَالَ هِشَام) أَي: ابْن عُرْوَة، هَذَا يحْتَمل التَّعْلِيق، وَيحْتَمل أَن يكون عطفا من جِهَة الْمَعْنى على لفظ هِشَام، ثمَّ قَول هِشَام: يحْتَمل أَن يكون مُعَلّقا، وَيحْتَمل أَن يكون مُتَّصِلا بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور، وَالظَّاهِر الأول.
ثمَّ اعْلَم أَن ظَاهر قَول هِشَام مُشكل، فَإِنَّهَا إِن كَانَت قارنة فعلَيْهَا هدي الْقُرْآن عِنْد كَافَّة الْعلمَاء، إلَاّ دَاوُد وَإِن كَانَت متمتعة فَكَذَلِك، لَكِنَّهَا كَانَت فاسخة كَمَا سلف، وَلم تكن قارنة وَلَا متمتعة، وَإِنَّمَا أَحرمت بِالْحَجِّ ثمَّ نَوَت فَسخه فِي عمْرَة، فَلَمَّا حَاضَت وَلم يتم لَهَا ذَلِك رجعت إِلَى حَجهَا فَلَمَّا أكملته اعْتَمَرت عمْرَة مستبدأة، نبه عَلَيْهِ القَاضِي، لَكِن يُعَكر عَلَيْهِ قَوْلهَا: وَكنت مِمَّن أهل بِعُمْرَة، وَقَوْلها: وَلم أهل إلَاّ بِعُمْرَة، وَيُجَاب بِأَن هُنَا مآلما لم يبلغهُ ذَلِك أخبر بنفيه، وَلَا يلْزم من ذَلِك نَفْيه من نفس الْأَمر، وَيحْتَمل أَن يكون لم يَأْمر بِهِ، بل نوى أَنه يقولم بِهِ عَنْهَا، بل روى جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، أهْدى عَن عَائِشَة بقرة وَقَالَ القَاضِي عِيَاض فِيهِ دَلِيل على أَنَّهَا كَانَت فِي حجر مُفْرد لَا تمتّع وَلَا قرَان، لِأَن الْعلمَاء مجمعون على وجوب الدَّم فيهمَا.
سميرة كتاب الْحيض من صفحة ٢٩١
الفايل الثَّالِث
١٧
- (بابٌ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرَ مُخَلَّقَةٍ}
(الْحَج: ٥)
الْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع.
الأول فِي إعرابه: الْأَحْسَن أَن يكون: بَاب، منونا، وَيكون خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: هَذَا بَاب فِيهِ بَيَان. قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (فَإِذا أَرَادَ أَن يقْضِي الله خلقه، قَالَ الْملك: مخلقة، وَإِن لم يرد قَالَ: غير مخلقة) . وَرُوِيَ عَن عَلْقَمَة: (إِذا وَقعت النُّطْفَة فِي الرَّحِم قَالَ لَهُ الْملك: مخلقة أوغير مخلقة؟ فَإِن قَالَ: غير مخلقة مجت الرَّحِم دَمًا، وَإِن قَالَ: مخلقة. قَالَ أذكر أم أُنْثَى؟) وَيحْتَمل أَن يكون البُخَارِيّ أَرَادَ الْآيَة الْكَرِيمَة، فأورد الحَدِيث لِأَن فِيهِ ذكر المضغة، والمضغة مخلقة وَغير مخلقة وَقَالَ بَعضهم: روينَاهُ بِالْإِضَافَة أَي: بَاب تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: {مخلقة وَغير مخلقة} (الْحَج: ٥) قلت لَيْت شعري أَنه روى هَذَا عَن البُخَارِيّ نَفسه أم عَن الْفربرِي وَكَيف يَقُول بَاب تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: {مخلقة وَغير مخلقة} وَلَيْسَ فِي متن حَدِيث الْبَاب: مخلقة وَغير مخلقة، وَإِنَّمَا فِيهِ ذكر المضغة، وَهِي مخلقة وَغير مخلقة. لما ذكرنَا.
النَّوْع الثَّانِي: إِن غَرَض البُخَارِيّ من وضع هَذَا الْبَاب هُنَا الْإِشَارَة إِلَى أَن الْحَامِل لَا تحيض، لِأَن اشْتِمَال الرَّحِم على الْوَلَد يمْنَع خُرُوج دم الْحيض. وَيُقَال: إِنَّه يصير غذَاء للجنين، وَمِمَّنْ ذهب إِلَى أَن الْحَامِل لَا تحيض الْكُوفِيُّونَ، وَإِلَيْهِ ذهب أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَأحمد بن حَنْبَل وَأَبُو نور وَابْن الْمُنْذر وَالْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري وَأَبُو عبيد وَعَطَاء وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَسَعِيد بن الْمسيب وَمُحَمّد بن الْمُنْكَدر وَجَابِر بن زيد وَالشعْبِيّ وَمَكْحُول وَالزهْرِيّ وَالْحكم وَحَمَّاد وَالشَّافِعِيّ فِي أحد قوليه، وَهُوَ قَوْله الْقَدِيم، وَقَالَ فِي الْجَدِيد: إِنَّهَا تحيض، وَبِه قَالَ إِسْحَاق، وَعَن مَالك رِوَايَتَانِ، وَحكي عَن بعض الْمَالِكِيَّة: إِن كَانَ فِي آخر الْحمل فَلَيْسَ بحيض، وَذكر الدَّاودِيّ أَن الِاحْتِيَاط أَن تَصُوم وَتصلي ثمَّ تقضي الصَّوْم وَلَا يَأْتِيهَا زَوجهَا. وَقَالَ ابْن بطال: غَرَض البُخَارِيّ بِإِدْخَال هَذَا الحَدِيث فِي أَبْوَاب الْحيض تَقْوِيَة
مَذْهَب من يَقُول: إِن الْحَامِل لَا تحيض. وَقَالَ بَعضهم: وَفِي الِاسْتِدْلَال بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور على أَنَّهَا لَا تحيض نظر، لِأَنَّهُ لَا يلْزم من كَون مَا يخرج من الْحَامِل من السقط الَّذِي لم يصور أَن لَا يكون الدَّم الَّذِي ترَاهُ الْمَرْأَة الَّتِي يسْتَمر حملهَا لَيْسَ بحيض، وَمَا ادَّعَاهُ الْمُخَالف من أَنه رشح من الْوَلَد أَو من فضلَة غذائه أَو من دم فَاسد لعِلَّة فمحتاج إِلَى الدَّلِيل، لِأَن هَذَا دم بِصِفَات دم الْحيض، وَفِي زمن إِمْكَانه فَلهُ حكم دم الْحيض. فَمن ادّعى خِلَافه فَعَلَيهِ الْبَيَان.
قلت: إِنَّمَا ادعيت الْخلاف وَعلي الْبَيَان: أما أَولا فَنَقُول: لنا فِي هَذَا الْبَاب أَحَادِيث وأخبار. مِنْهَا: حَدِيث سَالم عَن أَبِيه وَهُوَ: (إِن ابْن عمر طلق امْرَأَته وَهِي حَائِض، فَسَأَلَ عمر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: مره فَلْيُرَاجِعهَا ثمَّ ليمسكها حَتَّى تطهر ثمَّ تحيض ثمَّ تطهر، ثمَّ إِن شَاءَ أمْسكهَا وَإِن شَاءَ طَلقهَا قبل أَن يمس، فَتلك الْعدة الَّتِي أَمر الله أَن يُطلق لَهَا النِّسَاء) مُتَّفق عَلَيْهِ. وَمِنْهَا: حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ فِي سَبَايَا أَوْطَاس: (لَا تُوطأ حَامِل حَتَّى تضع، وَلَا حَائِل حَتَّى تستبرأ بِحَيْضَة) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَمِنْهَا: حَدِيث رويفع بن ثَابت، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: [حم (لَا يحل لأحد أَن يسْقِي بمائه زرع غَيره، وَلَا يَقع على أمة حَتَّى تحيض أَو يتَبَيَّن حملهَا) [/ حم. رَوَاهُ أَحْمد، فَجعل صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وجود الْحيض علما على بَرَاءَة الرَّحِم من الْحَبل فِي الْحَدِيثين، وَلَو جَازَ اجْتِمَاعهمَا لم يكن دَلِيلا على انتفائه، وَلَو كَانَ بعد الِاسْتِبْرَاء بِحَيْضَة احْتِمَال الْحمل لم يحل وَطْؤُهَا للِاحْتِيَاط فِي أَمر الإبضاع. وَأما الاخبار فَمِنْهَا: مَا رُوِيَ عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه قَالَ: (إِن الله تَعَالَى رفع الْحيض عَن الحبلى وَجعل الدَّم رزقا للْوَلَد مِمَّا تفيض الْأَرْحَام) ، رَوَاهُ أَبُو حَفْص بن شاهين. وَمِنْهَا: مَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: [حم (إِن الله رفع الْحيض عَن الحبلى وَجعل الدَّم رزقا للْوَلَد) [/ حم، رَوَاهُ ابْن شاهين أَيْضا. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ الْأَثْرَم، وَالدَّارَقُطْنِيّ بإسنادهما عَن عَائِشَة فِي: [حم (الْحَامِل ترى الدَّم، فَقَالَت: الحبلى لَا تحيض وتغتسل وَتصلي) [/ حم، وَقَوْلها: تَغْتَسِل، اسْتِحْبَاب لكَونهَا مُسْتَحَاضَة، وَلَا يعرف عَن غَيرهم خِلَافه. ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل: وَاسْتدلَّ ابْن التِّين على أَنه: لَيْسَ بِدَم حيض، بِأَن الْملك مُوكل برحم الْحَامِل، وَالْمَلَائِكَة لَا تدخل بَيْتا فِيهِ قذر. وَأجِيب: بِأَن لَا يلْزم من كَون الْملك موكلاً بِهِ أَن يكون حَالا فِيهِ، ثمَّ هُوَ مُشْتَرك الْإِلْزَام لِأَن الدَّم كُله قذر. قلت: وَلَا يلْزم أَيْضا أَن لَا يكون حَالا فِيهِ، وَالدَّم فِي معدته لَا يُوصف بِالنَّجَاسَةِ، وَإِلَّا يلْزم أَن لَا يُوجد أحد طَاهِرا خَالِيا عَن النَّجَاسَة.
النَّوْع الثَّالِث فِي معنى المخلقة: وَعَن قَتَادَة: {مخلقة وَغير مخلقة} (الْحَج: ٥) أَي: تَامَّة وَغير تَامَّة، وَعَن الشّعبِيّ: النُّطْفَة والعلقة والمضغة إِذا أكسيت فِي الْخلق الرَّابِع كَانَت مخلقة، وَإِذا قذفتها قبل ذَلِك كَانَت غير مخلقة. وَعَن أبي الْعَالِيَة: المخلقة المصورة، وَغير المخلقة، السقط. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: مُضْغَة مخلقة أَي تَامَّة الْخلق، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: مخلقة أَي مسواة ملساء من النُّقْصَان وَالْعَيْب، يُقَال: خلق السِّوَاك إِذا سواهُ وملسه، وَغير مخلقة أَي غير مسواة.
النَّوْع الرَّابِع فِي وَجه الْمُنَاسبَة بَين هَذَا الْبَاب وَالْبَاب الَّذِي قبله من حَيْثُ إِن الْبَاب الَّذِي قبله يشْتَمل على أُمُور من أَحْكَام الْحيض، وَهَذَا الْبَاب أَيْضا يشْتَمل على حكم من أَحْكَام الْحيض، وَهُوَ أَن الْحَامِل إِذا رَأَتْ دَمًا هَل يكون حيضا أم لَا؟ وَقد ذكرنَا أَن غَرَض البُخَارِيّ من وضع هَذَا الْبَاب هُوَ الْإِشَارَة إِلَى أَن الْحَامِل لَا تحيض، وَنَذْكُر كَيْفيَّة ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
٢٣ - (حَدثنَا مُسَدّد قَالَ حَدثنَا حَمَّاد عَن عبيد الله بن أبي بكر عَن أنس بن مَالك عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ إِن الله عز وَجل وكل بالرحم ملكا يَقُول يَا رب نُطْفَة يَا رب علقَة يَا رب مُضْغَة فَإِذا أَرَادَ أَن يقْضِي خلقه قَالَ أذكر أم أُنْثَى أشقي أم سعيد فَمَا الرزق وَمَا الْأَجَل فَيكْتب فِي بطن أمه) وَجه تطابق هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَنه يُفَسر المخلقة وَغير المخلقة فَإِن قَوْله فَإِذا أَرَادَ أَن يقْضِي خلقه هُوَ المخلقة وبالضرورة يعلم مِنْهُ أَنه إِذا لم يرد خلقه يكون غير مخلقة وَقد بَين ذَلِك حَدِيث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح من طَرِيق دَاوُد بن أبي هِنْد عَن الشّعبِيّ عَن عَلْقَمَة عَن ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ " إِذا وَقعت النُّطْفَة فِي الرَّحِم بعث الله ملكا فَقَالَ يَا رب مخلقة أَو غير مخلقة فَإِن قَالَ غير مخلقة مجها الرَّحِم دَمًا وَإِن قَالَ مخلقة قَالَ يَا رب فَمَا صفة هَذِه النُّطْفَة فَيُقَال لَهُ انْطلق إِلَى
أم الْكتاب فَإنَّك تَجِد قصَّة هَذِه النُّطْفَة فَينْطَلق فيجد قصَّتهَا فِي أم الْكتاب " وَهُوَ مَوْقُوف لفظا مَرْفُوع حكما لِأَن الْإِخْبَار عَن شَيْء لَا يُدْرِكهُ الْعقل مَحْمُول على السماع (ذكر رِجَاله) وهم أَرْبَعَة. الأول مُسَدّد بن مسرهد الثَّانِي حَمَّاد بن زيد الْبَصْرِيّ الثَّالِث عبيد الله بِلَفْظ الصَّغِير ابْن أبي بكر بن أنس بن مَالك أَبُو مُعَاوِيَة الْأنْصَارِيّ. الرَّابِع أنس بن مَالك وَهُوَ جده يروي عَنهُ. (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وَفِيه العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه أَن رُوَاته كلهم بصريون وَفِيه الرِّوَايَة عَن الْجد (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي خلق بني آدم عَن أبي النُّعْمَان وَفِي الْقدر عَن سُلَيْمَان بن حَرْب وَأخرجه مُسلم فِي الْقدر عَن أبي كَامِل الجحدري الْكل عَن حَمَّاد بن زيد (ذكر لغاته) قَوْله " نُطْفَة " بِضَم النُّون قَالَ الْجَوْهَرِي النُّطْفَة المَاء الصافي قل أَو كثر وَالْجمع النطاف ونطفان المَاء سيلانه وَقد نطف ينطف وينطف من بَاب نصر ينصر وَضرب يضْرب وَلَيْلَة نطوف تمطر إِلَى الصَّباح وَيُقَال جمع النُّطْفَة نطف أَيْضا وكل شَيْء خَفِي نُطْفَة ونطافة حَتَّى أَنهم يسمون الشَّيْء الْخَفي بذلك وَأَصله للْمَاء الْقَلِيل يبْقى فِي الغدير أَو السقاء أَو غَيره من الْآنِية وَيُقَال لَهُ مَا دَامَ نُطْفَة صراة ذكره ابْن سَيّده فِي الْمُخَصّص قَوْله " علقَة " بِفَتْح اللَّام قَالَ الْأَزْهَرِي فِي التَّهْذِيب الْعلقَة الدَّم الجامد الغليظ وَمِنْه قيل لهَذِهِ الدَّابَّة الَّتِي تكون فِي المَاء علقَة لِأَنَّهَا حَمْرَاء كَالدَّمِ وكل دم غليظ علق وَفِي الموعب العلق الدَّم مَا كَانَ وَقيل هُوَ الجامد قبل أَن ييبس وَقيل هُوَ مَا اشتدت حمرته والقطعة مِنْهُ علقَة وَفِي المغيث هُوَ مَا انْعَقَد وَقيل الْيَابِس كَأَن بعضه علق بِبَعْض تعقدا ويبسا قَوْله " مُضْغَة " قَالَ الْجَوْهَرِي المضغة قِطْعَة لحم وَفِي الغريبين وَجَمعهَا مضغ وَيُقَال مضيغة وَتجمع على مضائغ وَيُقَال المضغة اللحمة الصَّغِيرَة قدر مَا يمضغ وَفِي الْمُحكم قَالَ عمر بن الْخطابِيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ إِنَّا لَا نتغافل المضغ بَيْننَا أَرَادَ الْجِرَاحَات وسماها مضغا على التَّشْبِيه بمضغة الْإِنْسَان فِي حلقه يذهب بذلك إِلَى تصغيرها وتقليلها (ذكر مَعْنَاهُ ونكاته) قَوْله " وكل " بِالتَّشْدِيدِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {ملك الْمَوْت الَّذِي وكل بكم} وَظَاهر قَوْله " أَن الله وكل بالرحم ملكا " يدل على أَن بَعثه إِلَيْهِ عِنْد وُقُوع النُّطْفَة فِي الرَّحِم وَلَكِن فِيهِ اخْتِلَاف الرِّوَايَات فَفِي الصَّحِيح عَن ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ " أَن خلق أحدكُم يجمع فِي بطن أمه أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثمَّ يكون علقَة مثل ذَلِك ثمَّ يكون مُضْغَة مثل ذَلِك ثمَّ يُرْسل الْملك فينفخ فِيهِ الرّوح وَيكْتب رزقه وأجله وَعَمله وشقي أَو سعيد " وَظَاهره إرْسَال الْملك بعد الْأَرْبَعين الثَّالِثَة وَفِي رِوَايَة " يدْخل الْملك على النُّطْفَة بَعْدَمَا تَسْتَقِر فِي الرَّحِم بِأَرْبَعِينَ أَو خَمْسَة وَأَرْبَعين لَيْلَة فَيَقُول يَا رب شقي أَو سعيد " وَعند مُسلم " إِذا مر بالنطفة اثْنَتَانِ وَأَرْبَعُونَ أَو ثَلَاثَة وَأَرْبَعُونَ أَو خَمْسَة وَأَرْبَعُونَ " وَفِي أُخْرَى " إِذا مر بالنطفة ثِنْتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَة بعث الله إِلَيْهَا ملكا فصورها وَخلق سَمعهَا وبصرها وجلدها " وَفِي رِوَايَة حُذَيْفَة بن أسيد " أَن النُّطْفَة تقع فِي الرَّحِم أَرْبَعِينَ لَيْلَة ثمَّ يتسور عَلَيْهَا الْملك " وَفِي أُخْرَى " أَن ملكا وكل بالرحم إِذا أَرَادَ الله أَن يخلق شَيْئا يَأْذَن لَهُ لبضع وَأَرْبَعين لَيْلَة " وَجمع الْعلمَاء بَين ذَلِك بِأَن الْمَلَائِكَة لَازِمَة ومراعية بِحَال النُّطْفَة فِي أَوْقَاتهَا وَأَنه يَقُول يَا رب هَذِه نُطْفَة هَذِه علقَة هَذِه مُضْغَة فِي أَوْقَاتهَا وكل وَقت يَقُول فِيهِ مَا صَارَت إِلَيْهِ بِأَمْر الله تَعَالَى وَهُوَ أعلم. ولكلام الْملك وتصرفه أَوْقَات. أَحدهَا حِين يكون نُطْفَة ثمَّ ينقلها علقَة وَهُوَ أول علم الْملك أَنه ولد إِذْ لَيْسَ كل نُطْفَة تصير ولدا وَذَلِكَ عقيب الْأَرْبَعين الأولى وَحِينَئِذٍ يكْتب رزقه وأجله وشقي أَو سعيد ثمَّ للْملك فِيهِ تصرف آخر وَهُوَ تَصْوِيره وَخلق سَمعه وبصره وَكَونه ذكرا أَو أُنْثَى وَذَلِكَ إِنَّمَا يكون فِي الْأَرْبَعين الثَّانِيَة وَهِي مُدَّة المضغة وَقبل انْقِضَاء هَذِه الْأَرْبَعين وَقبل نفخ الرّوح لِأَن النفخ لَا يكون إِلَّا بعد تَمام صورته وَالرِّوَايَة السالفة " إِذا مر بالنطفة ثِنْتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَة " لَيست على ظَاهره قَالَه عِيَاض وَغَيره بل المُرَاد بتصويرها وَخلق سَمعهَا إِلَى آخِره أَنه يكْتب ذَلِك ثمَّ يَفْعَله فِي وَقت آخر لِأَن التَّصْوِير عقيب الْأَرْبَعين الأولى غير مَوْجُود فِي الْعَادة وَإِنَّمَا يَقع فِي الْأَرْبَعين الثَّانِيَة وَهِي مُدَّة المضغة كَمَا قَالَ الله تَعَالَى {وَلَقَد خلقنَا الْإِنْسَان من سلالة} الْآيَة ثمَّ يكون للْملك فِيهِ تصرف آخر وَهُوَ وَقت نفخ الرّوح عقيب الْأَرْبَعين الثَّالِثَة حَتَّى يكمل لَهُ أَرْبَعَة أشهر. وَاتفقَ الْعلمَاء أَن نفخ الرّوح لَا يكون إِلَّا بعد أَرْبَعَة أشهر ودخوله فِي الْخَامِسَة وَقَالَ الرَّاغِب وَذكر الْأَطِبَّاء أَن الْوَلَد إِذا كَانَ ذكرا يَتَحَرَّك بعد ثَلَاثَة أشهر وَإِذا كَانَ أُنْثَى بعد أَرْبَعَة أشهر (فَإِن قلت) وَقع فِي رِوَايَة
البُخَارِيّ " أَن خلق أحدكُم يجمع فِي بطن أمه أَرْبَعِينَ ثمَّ يكون علقَة مثله ثمَّ يكون مُضْغَة مثله ثمَّ يبْعَث الله فِيهِ الْملك فَيُؤذن بِأَرْبَع كَلِمَات فَيكْتب رزقه وأجله وشقي أم سعيد ثمَّ ينْفخ فِيهِ الرّوح " فَأتى فِيهِ بِكَلِمَة ثمَّ الَّتِي هِيَ تَقْتَضِي التَّرَاخِي فِي الْكتب إِلَى مَا بعد الْأَرْبَعين الثَّالِثَة وَالْأَحَادِيث الْبَاقِيَة تَقْتَضِي الْكتب عقيب الْأَرْبَعين الأولى (قلت) أُجِيب بِأَن قَوْله " ثمَّ يبْعَث إِلَيْهِ الْملك فَيُؤذن بِأَرْبَع كَلِمَات فَيكْتب " مَعْطُوف على قَوْله " يجمع فِي بطن أمه " ومتعلقا بِهِ لَا بِمَا قبله وَهُوَ قَوْله " ثمَّ يكون مُضْغَة مثله " وَيكون قَوْله " ثمَّ يكون علقَة مثله ثمَّ يكون مُضْغَة مثله " مُعْتَرضًا بَين الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ وَذَلِكَ جَائِز مَوْجُود فِي الْقُرْآن والْحَدِيث الصَّحِيح وَكَلَام الْعَرَب وَقَالَ عِيَاض وَالْمرَاد بإرسال الْملك فِي هَذِه الْأَشْيَاء أمره بهَا وَالتَّصَرُّف فِيهَا بِهَذِهِ الْأَفْعَال وَإِلَّا فقد صرح فِي الحَدِيث بِأَنَّهُ وكل بالرحم ملكا وَأَنه يَقُول يَا رب نُطْفَة يَا رب علقَة وَقَوله فِي حَدِيث أنس " وَإِذا أَرَادَ الله أَن يقْضِي خلقا قَالَ يَا رب أذكر أم أُنْثَى " لَا يُخَالف مَا قدمْنَاهُ وَلَا يلْزم مِنْهُ أَن يَقُول ذَلِك بعد المضغة بل هُوَ ابْتِدَاء كَلَام وإخبار عَن حَالَة أُخْرَى فَأخْبر أَولا بِحَال الْملك مَعَ النُّطْفَة ثمَّ أخبر أَن الله تَعَالَى إِذا أَرَادَ خلق النُّطْفَة علقَة كَانَ كَذَا وَكَذَا ثمَّ المُرَاد بِجَمِيعِ مَا ذكر من الرزق وَالْأَجَل والشقاء والسعادة وَالْعقل والذكورة وَالْأُنُوثَة يظْهر ذَلِك للْملك فَيُؤْمَر بإنفاذه وكتابته وَإِلَّا فقضاء الله تَعَالَى وَعلمه وإرادته سَابِقَة على ذَلِك قَوْله فِي حَدِيث أنس " فَيكْتب " بَيَانه فِي حَدِيث يحيى بن زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة حَدثنَا دَاوُد عَن عَامر عَن عَلْقَمَة عَن ابْن مَسْعُود يرفعهُ " أَن النُّطْفَة إِذا اسْتَقَرَّتْ فِي الرَّحِم أَخذهَا الْملك بكفه قَالَ أَي رب أذكر أم أُنْثَى مَا الْأَمر بِأَيّ أَرض تَمُوت فَيُقَال لَهُ انْطلق إِلَى أم الْكتاب فَإنَّك تَجِد قصَّة هَذِه النُّطْفَة فَينْطَلق فيجد صفتهَا فِي أم الْكتاب " قَوْله " وَمَا الْأَجَل " ويروى " فَمَا الرزق وَالْأَجَل " قَوْله " فَيكْتب ويروى " قَالَ فَيكْتب " (بَيَان إعرابه) قَوْله " ملكا " مَنْصُوب بقوله " وكل " قَوْله " يَقُول " جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَهُوَ الضَّمِير الَّذِي فِيهِ يرجع إِلَى الْملك فِي مَحل النصب لِأَنَّهَا صفة الْملك وَقَوله " يَا رب " بِحَذْف يَاء الْمُتَكَلّم وَفِي مثله يجوز يَا رَبِّي وَيَا رب وَيَا رَبًّا وَيَا رباه بِالْهَاءِ وَقفا قَوْله " نُطْفَة " يجوز فِيهِ الرّفْع وَالنّصب أما النصب فَهُوَ رِوَايَة الْقَابِسِيّ وَوَجهه أَن يكون مَنْصُوبًا بِفعل مُقَدّر تَقْدِيره جعلت الْمَنِيّ نُطْفَة فِي الرَّحِم أَو خلقت نُطْفَة وَأما وَجه الرّفْع فعلى أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي يَا رب هَذِه نُطْفَة " فَإِن قلت " كَيفَ يكون الشَّيْء الْوَاحِد نُطْفَة علقَة مُضْغَة " قلت " هَذِه الْأَخْبَار الثَّلَاثَة تصدر من الْملك فِي أَوْقَات مُتعَدِّدَة لَا فِي وَقت وَاحِد وَلَا يُقَال لَيْسَ فِيهِ فَائِدَة الْخَبَر وَلَا لَازمه لِأَن الله علام الغيوب لأَنا نقُول هَذَا إِنَّمَا يكون إِذا كَانَ الْكَلَام جَارِيا على ظَاهره أما إِذا عدل عَن الظَّاهِر فَلَا يلْزم الْمَحْذُور الْمَذْكُور وَهَهُنَا المُرَاد التمَاس إتْمَام خلقه وَالدُّعَاء بإفاضة الصُّورَة الْكَامِلَة عَلَيْهِ أَو الاستعلام عَن ذَلِك وَنَحْوهمَا وَمثل هَذَا كثير وَوَقع فِي الْقُرْآن أَيْضا فِي قَوْله تَعَالَى حِكَايَة عَن أم مَرْيَم عَلَيْهِمَا السَّلَام {رَبِّي إِنِّي وَضَعتهَا أُنْثَى} فَإِنَّهُ يكون للاعتذار وَإِظْهَار التأسف قَوْله " فَإِذا أَرَادَ أَن يقْضِي " أَي فَإِذا أَرَادَ الله أَن يقْضِي أَي أَن يتم خلقه أَي خلق مَا فِي الرَّحِم من النُّطْفَة الَّتِي صَارَت علقَة ثمَّ صَارَت مُضْغَة وَيَجِيء الْقَضَاء بِمَعْنى الْفَرَاغ أَيْضا قَوْله " قَالَ " أَي الْملك قَوْله " أذكر أم أُنْثَى " أَي أذكر هُوَ أم أُنْثَى وَقَوله " ذكر " مُبْتَدأ أَو خبر فَإِذا قُلْنَا خبر يكون لَفْظَة هُوَ المؤخرة مُبْتَدأ وَلَا يُقَال النكرَة لَا تقع مُبْتَدأ لِأَن فِيهِ المسوغ لوُقُوعه مُبْتَدأ وَهِي كَونهَا قد تخصصت بِثُبُوت أَحدهمَا إِذْ السُّؤَال فِيهِ عَن التَّعْيِين فصح الِابْتِدَاء بِهِ وَهُوَ من جملَة المخصصات لوُقُوع الْمُبْتَدَأ نكرَة ويروي " أذكرا " بِالنّصب فوجهه إِن صحت الرِّوَايَة أَي أَتُرِيدُ أَو أتخلق ذكرا قَوْله " شقي أم سعيد " الْكَلَام فِيهِ مثل الْكَلَام فِي أذكر أم أُنْثَى وَمعنى شقي عَاص لله تَعَالَى وَسَعِيد أَي مُطِيع لَهُ قَالَ الْكرْمَانِي " فَإِن قلت " أم الْمُتَّصِلَة ملزومة لهمزة الِاسْتِفْهَام فَأَيْنَ هِيَ " قلت " مقدرَة ووجودها فِي قرينها يدل عَلَيْهِ كَمَا هُوَ قَول الشَّاعِر
(بِسبع رمين الْجَمْر أم بثمان ... )
أَي أبسبع قَوْله " فَمَا الرزق " الرزق فِي كَلَام الْعَرَب الْحَظ قَالَ الله تَعَالَى {وتجعلون رزقكم أَنكُمْ تكذبون} أَي حظكم من هَذَا الْأَمر والحظ هُوَ نصيب الرجل وَمَا هُوَ خَاص لَهُ دون غَيره وَقيل الرزق كل شَيْء يُؤْكَل أَو يسْتَعْمل وَهَذَا بَاطِل لِأَن الله تَعَالَى أمرنَا بِأَن ننفق مِمَّا رزقنا فَقَالَ {وأنفقوا مِمَّا رزقناكم} فَلَو كَانَ الرزق هُوَ الَّذِي يُؤْكَل لما أمكن إِنْفَاقه وَقيل الرزق هُوَ مَا يملك وَهُوَ أَيْضا بَاطِل لِأَن الْإِنْسَان قد يَقُول اللَّهُمَّ ارزقني ولدا صَالحا وَزَوْجَة صَالِحَة وَهُوَ لَا يملك الْوَلَد
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٣١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الهَبَّاريُّ، بفتح الهاء وتشديد المُوحَّدة، الكوفيُّ، المُتوفَّى سنة خمسين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة، الهاشميُّ الكوفيُّ (عَنْ هِشَامٍ) أي: ابن عروة (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: خَرَجْنَا) من المدينة مكملين ذا القعدة (مُوَافِينَ) وفي روايةٍ: «موافقين» (لِهِلَالِ ذِي الحِجَّةِ) كذا شرحه بعضهم، والأَوْلى أن يكون معنى «موافين»: مشرفين، يُقال: أوفى على كذا، إذا أشرف عليه، ولا يلزم منه الدُّخول فيه، وقال النَّوويُّ: أي: مقاربين لاستهلاله لأنَّ خروجه ﵊ كان لخمس ليالٍ بقين من ذي القعدة يوم السَّبت (فَقَالَ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «قال» (رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهْلِلَ) بلامين، وللأَصيليِّ وابن عساكر: «يهلَّ» بلامٍ مُشدَّدةٍ، أي: يحرم (بِعُمْرَةٍ فَلْيُهْلِلْ) (١) بعمرةٍ (٢) (فَإِنِّي لَوْلَا أَنِّي أَهْدَيْتُ) أي: سقت الهديَ (لأَهْلَلْتُ) كذا في رواية الحَمُّويي وكريمة، ولأبوي الوقت وذَرٍّ والأَصيليِّ: «لأحللت» (بِعُمْرَةٍ) ليس فيه دلالةٌ على أنَّ التَّمتُّع أفضل من الإفراد لأنَّه ﵊ إنَّما قال ذلك لأجل فسخ الحجِّ إلى العمرة الذي هو خاصٌّ بهم في تلك السَّنة؛ لمخالفة تحريم الجاهليَّة العمرة في أشهر الحجِّ، لا التَّمتُّع الذي فيه
الخلاف، وقاله ليطيِّب (١) قلوب أصحابه؛ إذ كانت نفوسهم لا تسمح بفسخ الحجِّ إليها لإرادتهم مُوافَقته ﵊، أي: ما يمنعني من موافقتكم فيما أمرتكم به إلَّا سوقي الهديَ، ولولاه لوافقتكم، وإنَّما كان الهديُ علَّةً لانتفاء الإحرام بالعمرة لأنَّ صاحب الهديِ لا يجوز له التَّحلُّل حتَّى ينحره ولا ينحره إلَّا يوم النَّحر، والمتمتِّع يتحلَّل من عمرته قبله، فيتنافيان (٢) (فَأَهَلَّ بَعْضُهُمْ بِعُمْرَةٍ وَأَهَلَّ بَعْضُهُمْ بِحَجٍّ) قالت عائشة: (وَكُنْتُ أَنَا مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَأَدْرَكَنِي يَوْمُ عَرَفَةَ وَأَنَا حَائِضٌ فَشَكَوْتُ) ذلك (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: دَعِي عُمْرَتَكِ) أي: أفعالها وارفضيها (وَانْقُضِي رَأْسَكِ) أي: شعرها (وَامْتَشِطِي وَأَهِلِّي بِحَجٍّ) أي: مع عمرتك أو (٣) مكانها (فَفَعَلْتُ) ذلك كلَّه (حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةُ الحَصْبَةِ) بفتح الحاء وسكون الصَّاد، و «ليلةُ» بالرَّفع على أنَّ «كان» تامَّةٌ، أي: وجدت، وبالنَّصب على أنَّها ناقصةٌ، واسمها «الوقت» (أَرْسَلَ) ﵊ (مَعِي أَخِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵃ (فَخَرَجْتُ) معه (إِلَى التَّنْعِيمِ فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ) منه (مَكَانَ عُمْرَتِي) التي تركتها، لا يُقال: ليس في الحديث دلالةٌ على التَّرجمة لأنَّ أمرها بنقض الشَّعر كان للإهلال وهي حائضٌ لا عند غسلها؛ لأنَّا نقول: إنَّ نقض شعرها إن كان لغسل الإحرام وهو سنَّةٌ، فلغسل الحيض أَوْلى لأنَّه فرضٌ، وقد كان ابن عمر يقول بوجوبه، وبه قال الحسن وطاوسٌ في الحائض دون الجنب، وبه قال أحمد، لكن رجَّح جماعةٌ من أصحابه الاستحباب فيهما، واستدلَّ الجمهور: على عدم وجوب النَّقض بحديث أمِّ سلمة: إنِّي امرأةٌ أشدُّ ضفر رأسي أفأنقضه للجنابة؟ قال: «لا» رواه مسلمٌ، وقد حملوا حديث عائشة هذا على الاستحباب جمعًا بين الرِّوايتين. نعم إن لم يصلِ الماء إلَّا بالنَّقض وجب.
ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين كوفيِّ ومدنيِّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة.
(قَالَ هِشَامٌ) أي (٤): ابن عروة (وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ هَدْيٌ وَلَا صَوْمٌ وَلَا صَدَقَةٌ)
استشكل النَّوويُّ نفيَ الثَّلاثةبأنَّ القارن والمتمتِّع عليه الدَّم، وأجاب القاضي عياضٌبأنَّها لم تكن قارنةً ولا متمتِّعةً لأنَّها أحرمت بالحجِّ ثمَّ نوت فسخه في عمرةٍ، فلمَّا حاضت ولم يتمَّ لها ذلك رجعت إلى حجِّها؛ لتعذُّر أفعال العمرة، وكانت ترفضها بالوقوف، فأمرها بتعجيل الرَّفض، فلمَّا أكملتِ الحجَّ اعتمرت عمرةً مُبتدأةً، وعُورِضبقولها: «وكنت أنا (١) ممن أهلَّ بعمرةٍ»، وقولها: «ولم أهلَّ إلَّا بعمرةٍ»، وأُجيببأنَّ هشامًا لمَّا لم يبلغه ذلك أخبر بنفيهِ، ولا يلزم منه نفيُه في نفس الأمر، بل روى جابرٌ: «أنَّه ﵊ أهدى عن عائشة بقرةً»، فافهم.
(١٧) (بابُ: ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾) أي: مُسوَّاةٍ لا نقص فيها ولا عيب، وغير مسوَّاةٍ أو تامَّةٍ أو ساقطةٍ أو مُصوَّرةٍ وغير مُصوَّرةٍ، وللأَصيليِّ: «قول الله ﷿: ﴿مُخَلَّقَةٍ﴾» [الحج: ٥] قال ابن المُنَيِّر: أدخل المؤلِّف هذه التَّرجمة في أبواب الحيض لينبِّه بها على أنَّ دم الحامل ليس بحيضٍ؛ لأنَّ الحمل إن تمَّ فإنَّ الرَّحم مشغولٌ به، وما ينفصل عنه من دمٍ إنَّما هو رشحُ غذائه أو فضلته أو نحو ذلك، فليس بحيضٍ، وإن لم يتمَّ وكانت المضغة غير مُخلَّقةٍ مجَّها الرحم مضغةً مائعةً حكمها حكم الولد، فكيف يكون حكم الولد حيضًا؟ انتهى. وهذا مذهب الكوفيِّين وأبي حنيفة وأصحابه وأحمد ابن حنبل والأوزاعيِّ والثَّوريِّ، وذهب الإمام الشَّافعيُّ في الجديد: إلى أنَّها تحيض، وعن مالكٍ روايتان، وما ادَّعاه ابن المُنَيِّر كغيره من أنَّه رشح غذاء (٢) الولد … إلى آخره يحتاج إلى دليلٍ، وأمَّا ما ورد في (٣) ذلك من خبرٍ أو أثرٍ، نحو قول عليِّ بن أبي طالبٍ ﵁: «إنَّ الله رفع الحيض عن الحامل (٤)، وجعل الدَّم (٥) رزقًا للولد ممَّا تغيض الأرحام» رواه ابن شاهين، وقول ابن عبَّاسٍ ممَّا رواه ابن شاهين أيضًا، فقال الحافظ ابن حجرٍ: لا يثبت؛ لأنَّ هذا دمٌ بصفات الحيض في زمن إمكانه، فله حكم دم الحيض، وأقوى حججهم: أنَّ استبراء الأمة اعتُبِر بالحيض لتحقُّق (٦) براءة
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
بالامتشاط حَقِيقَته، بل تَسْرِيح الشّعْر بالأصابع للْغسْل لإحرامها بِالْحَجِّ، لَا سِيمَا إِن كَانَت لبدت رَأسهَا فَلَا يَصح غسلهَا إِلَّا بإيصال المَاء إِلَى جَمِيع شعرهَا، وَيلْزم مِنْهُ نقضه، فَإِن قلت: اذا كَانَت قارنة فَلم امرها بِالْعُمْرَةِ بعد الْفَرَاغ من الْحَج (قلت) مَعْنَاهُ أَرَادَت أَن يكون لَهَا عمْرَة مُنْفَرِدَة عَن الْحَج كَمَا حصل لسَائِر أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ وغيرهن من الصَّحَابَة الَّذِي فسخوا الْحَج إِلَى الْعمرَة، وَأَتمُّوا الْعمرَة ثمَّ أَحْرمُوا بِالْحَجِّ، فَحصل لَهُم عمْرَة مُنْفَرِدَة وَحج مُنْفَرد فَلم يحصل لَهَا إلَاّ عمْرَة مندرجة فِي حجَّة الْقُرْآن فاعتمرت بعد ذَلِك مَكَان عمرتها الَّتِي كَانَت أَرَادَت أَولا حُصُولهَا مُنْفَرِدَة غير مندرجة، ومنعها الْحيض عَنهُ، وَإِنَّمَا فعلت كَذَلِك حرصاً على كَثْرَة الْعِبَادَات انْتهى. قلت: الْمَشْهُور الثَّابِت أَن عَائِشَة كَانَت مُنْفَرِدَة بِالْحَجِّ وَأَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أمرهَا برفض الْعمرَة، وَقَوْلها فِي الحَدِيث وأرجع بِحجَّة وَاحِدَة، دَلِيل وَاضح على ذَلِك، وَقَوْلها: ترجع صواحبي بِحَجّ وَعمرَة، وأرجع أَنا بِالْحَجِّ، صَرِيح فِي رفض الْعمرَة، إِذْ لَو دخل الْحَج على الْعمرَة لكَانَتْ هِيَ وَغَيرهَا سَوَاء، وَلما احْتَاجَت إِلَى عمْرَة أُخْرَى بعد الْعمرَة وَالْحج الَّذِي فعلتهما وَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عِنْد عمرتها الْأَخِيرَة: (هَذِه مَكَان عمرتك) صَرِيح فِي أَنَّهَا خرجت من عمرتها الأولى ورفضتها إِذْ لَا تكون الثَّانِيَة مَكَان الأولى، وَالْأولَى مُنْفَرِدَة وَفِي بعض الرِّوَايَات هَذِه قَضَاء من عمرتك. فَإِن قلت: قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي (الْمعرفَة) يَعْنِي قَوْله: ودعي الْعمرَة أمسكي عَن أفعالها، وأدخلي عَلَيْهَا الْحَج قلت: هَذَا خلاف حَقِيقَة قَوْله: دعِي الْعمرَة: بل حَقِيقَته أَنه أمرهَا برفض الْعمرَة بِالْحَجِّ، وَقَوْلها: انقضي رَأسك وامتشطي، يدل على ذَلِك، وَيدْفَع تَأْوِيل الْبَيْهَقِيّ بالإمساك عَن أَفعَال الْعمرَة، إِذا الْمحرم لَيْسَ لَهُ أَن يعفل ذَلِك. فَإِن قلت: قَالَ الشَّافِعِي: لَا يعرف فِي الشَّرْع رفض الْعمرَة بِالْحيضِ. قلت: قَالَ الْقَدُورِيّ فِي (التَّجْرِيد) مَا رفضتها بِالْحيضِ، لَكِن تَعَذَّرَتْ أفعالها، وَكَانَت ترفضها بِالْوُقُوفِ، فَأَمرهمْ بتعجيل الرَّفْض.
١٦ - (بابُ نَقْضِ المَرْأَةِ شَعْرَهَا عِنْدَ غُسَلِ المَحِيضِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان نقض الْمَرْأَة شعر رَأسهَا، عِنْد غسل الْمَحِيض أَي: الْحيض، وَجَوَابه مُقَدّر أَي: هَل يجب أم لَا؟ وَظَاهر الحَدِيث الْوُجُوب، وَقد ذكرنَا الِاخْتِلَاف فِي الْبَاب السَّابِق.
والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة لِأَن النَّقْض والامتشاط من جنس وَاحِد وَحكم وَاحِد.
٣١٧ - حدّثنا عُبَيْدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ قالَ حدّثنا أبُو أسامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ خَرَجْنَا مُوافينَ لِهلالِ ذِي الحِجَّةِ فقالَ رسولُ اللَّه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَنْ أحَبَّ أنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهْلِلُ فإنِّى لَوْلَا أنِّي أهْدَيْتُ لَاهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ فَأَهَلَّ بَعْضُهُمْ بُعُمْرَةٍ وَأَهْلُ بَعْضُهُمْ بِخحَجٍ وَكُنْتُ أَنَّا مِمَّنْ أهَلَّ بِعُمْرَةٍ فأَدْرَكَنِي يَوْمَ عَرَفَةَ وَأَنا حائِضٌ فَشَكَوْتُ إِلَى النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فقالَ دَعِي عُمْرَتَكِ وانْقُضَي رَأْسَكِ وامْتَشِطِي وَأْهِلِّى بِحَجٍ فَفَعَلْتُ حَتَّى كانَ لَيْلَةُ الخَصْبَةِ أرْسَلَ مَعِي أخِي عَبُدَ الرَّحْمَنِ بْنِ أبي بَكْرً فَخَرَجَتْ إلىَ التَنْعِيمِ فَأَهَلَلْتُ بِعُمْرَةٍ مَكَانَ عُمْرَتِي قالَ هِشامٌ وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ هَدْىٌ وَلا صَوْمٌ وَلا صَدَقَةٌ.
مُطَابقَة للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: عبيد بن إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد الْهَبَّاري، بِفَتْح الْهَاء وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة وبالراء الْمُهْملَة. الْكُوفِي، وَيُقَال اسْمه عبيد الله مَاتَ سنة خمسين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: أَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة الْهَاشِمِي الْكُوفِي، مر فِي بَاب فضل من علم. الثَّالِث: هِشَام بن عُرْوَة. الرَّابِع: أَبوهُ عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. الْخَامِس: عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين كُوفِي ومدني.
ذكر بَقِيَّة الْكَلَام قَوْلهَا: (موافين لهِلَال ذِي الْحجَّة) أَي: مكملين ذِي الْقعدَة مُسْتَقْبلين لهلاله، وَقَالَ النَّوَوِيّ: أَي مقارنين لاستهلاله، وَكَانَ خُرُوجهمْ قبله لخمس بَقينَ من ذِي الْقعدَة، وَيُقَال موافين أَي: مشرفين يُقَال: أوفى على كَذَا أَي:
أشرف، وَلَا يلْزم الدُّخُول فِيهِ، وَقدم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَكَّة لأَرْبَع أَو خمس من ذِي الْحجَّة، أَقَامَ فِي طَرِيقه إِلَى مَكَّة تِسْعَة أَيَّام أَو عشرَة أَيَّام قَوْله: (فليهل) ، بتَشْديد اللَّام فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ، (فليهلل) ، يفك الْإِدْغَام أَي: فليحرم بهَا. قَوْله: (أهديت) أَي: سقت الْهَدْي، وَإِنَّمَا كَانَ وجود الْهَدْي عِلّة لانْتِفَاء الْإِحْرَام بِالْعُمْرَةِ، لِأَن صَاحب الْهَدْي لَا يجوز لَهُ التَّحَلُّل حَتَّى ينحره، وَلَا ينحره إلَاّ يَوْم النَّحْر، والمتمتع يتَحَلَّل قبل يَوْم النَّحْر، فهما متنافيان. قَوْله: (فَأهل بَعضهم بِعُمْرَة) أَي: صَارُوا متمتعين، وَبَعْضهمْ محج أَي: صَارُوا مفردين. قَوْله: (دعِي عمرتك) قَالَ الْكرْمَانِي: أَي: أفعالها لأنفسها، قلت: قد ذكرنَا فِي الْبَاب السَّابِق أَنه أمرهَا بِالتّرْكِ حَقِيقَة، وَذكرنَا وجهة. قَوْله: (لَيْلَة الحصبة) كَلَام إضافي مَرْفُوع وَكَانَ تَامَّة أَن التَّمَتُّع أفضل من الْإِفْرَاد فَمَاذَا قَالَ الشَّافِعِي فِي دلعه؟ قلت: أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّمَا قَالَه من أجل من فسخ الْحجر إِلَى الْعمرَة وَالَّذِي هُوَ خَاص بهم فِي تِلْكَ السّنة خَاصَّة لمُخَالفَة الْجَاهِلِيَّة من حَيْثُ حرمُوا الْعمرَة فِي أشهر الْحجر، وَلم يرد بذلك، التَّمَتُّع الَّذِي فِيهِ الْخلاف وَقَالَ هَذَا تطيباً لقلوب أَصْحَابه، وَكَانَت نُفُوسهم لَا تسمح بِفَسْخ الْحَج إِلَيْهَا لإرادتهم مُوَافَقَته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَمَعْنَاهُ، مَا يَمْنعنِي من موافقتكم مِمَّا أَمرتكُم بِهِ إلَاّ سوقي الْهَدْي، ولولاه لوافقتكم قلت: الرِّوَايَة عَن أبي حنيفَة أَن الْإِفْرَاد أفضل من التَّمَتُّع كمذهب الشَّافِعِي، وَلَكِن الْمَذْهَب التَّمَتُّع أفضل من الْإِفْرَاد لِأَن فِيهِ جمعا بَين عبادتي الْعمرَة وَالْحج فِي سفر وَاحِد، فَأشبه القِرَان. قَوْله: (قَالَ هِشَام) أَي: ابْن عُرْوَة، هَذَا يحْتَمل التَّعْلِيق، وَيحْتَمل أَن يكون عطفا من جِهَة الْمَعْنى على لفظ هِشَام، ثمَّ قَول هِشَام: يحْتَمل أَن يكون مُعَلّقا، وَيحْتَمل أَن يكون مُتَّصِلا بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور، وَالظَّاهِر الأول.
ثمَّ اعْلَم أَن ظَاهر قَول هِشَام مُشكل، فَإِنَّهَا إِن كَانَت قارنة فعلَيْهَا هدي الْقُرْآن عِنْد كَافَّة الْعلمَاء، إلَاّ دَاوُد وَإِن كَانَت متمتعة فَكَذَلِك، لَكِنَّهَا كَانَت فاسخة كَمَا سلف، وَلم تكن قارنة وَلَا متمتعة، وَإِنَّمَا أَحرمت بِالْحَجِّ ثمَّ نَوَت فَسخه فِي عمْرَة، فَلَمَّا حَاضَت وَلم يتم لَهَا ذَلِك رجعت إِلَى حَجهَا فَلَمَّا أكملته اعْتَمَرت عمْرَة مستبدأة، نبه عَلَيْهِ القَاضِي، لَكِن يُعَكر عَلَيْهِ قَوْلهَا: وَكنت مِمَّن أهل بِعُمْرَة، وَقَوْلها: وَلم أهل إلَاّ بِعُمْرَة، وَيُجَاب بِأَن هُنَا مآلما لم يبلغهُ ذَلِك أخبر بنفيه، وَلَا يلْزم من ذَلِك نَفْيه من نفس الْأَمر، وَيحْتَمل أَن يكون لم يَأْمر بِهِ، بل نوى أَنه يقولم بِهِ عَنْهَا، بل روى جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، أهْدى عَن عَائِشَة بقرة وَقَالَ القَاضِي عِيَاض فِيهِ دَلِيل على أَنَّهَا كَانَت فِي حجر مُفْرد لَا تمتّع وَلَا قرَان، لِأَن الْعلمَاء مجمعون على وجوب الدَّم فيهمَا.
سميرة كتاب الْحيض من صفحة ٢٩١
الفايل الثَّالِث
١٧
- (بابٌ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرَ مُخَلَّقَةٍ}
(الْحَج: ٥)
الْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع.
الأول فِي إعرابه: الْأَحْسَن أَن يكون: بَاب، منونا، وَيكون خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: هَذَا بَاب فِيهِ بَيَان. قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (فَإِذا أَرَادَ أَن يقْضِي الله خلقه، قَالَ الْملك: مخلقة، وَإِن لم يرد قَالَ: غير مخلقة) . وَرُوِيَ عَن عَلْقَمَة: (إِذا وَقعت النُّطْفَة فِي الرَّحِم قَالَ لَهُ الْملك: مخلقة أوغير مخلقة؟ فَإِن قَالَ: غير مخلقة مجت الرَّحِم دَمًا، وَإِن قَالَ: مخلقة. قَالَ أذكر أم أُنْثَى؟) وَيحْتَمل أَن يكون البُخَارِيّ أَرَادَ الْآيَة الْكَرِيمَة، فأورد الحَدِيث لِأَن فِيهِ ذكر المضغة، والمضغة مخلقة وَغير مخلقة وَقَالَ بَعضهم: روينَاهُ بِالْإِضَافَة أَي: بَاب تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: {مخلقة وَغير مخلقة} (الْحَج: ٥) قلت لَيْت شعري أَنه روى هَذَا عَن البُخَارِيّ نَفسه أم عَن الْفربرِي وَكَيف يَقُول بَاب تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: {مخلقة وَغير مخلقة} وَلَيْسَ فِي متن حَدِيث الْبَاب: مخلقة وَغير مخلقة، وَإِنَّمَا فِيهِ ذكر المضغة، وَهِي مخلقة وَغير مخلقة. لما ذكرنَا.
النَّوْع الثَّانِي: إِن غَرَض البُخَارِيّ من وضع هَذَا الْبَاب هُنَا الْإِشَارَة إِلَى أَن الْحَامِل لَا تحيض، لِأَن اشْتِمَال الرَّحِم على الْوَلَد يمْنَع خُرُوج دم الْحيض. وَيُقَال: إِنَّه يصير غذَاء للجنين، وَمِمَّنْ ذهب إِلَى أَن الْحَامِل لَا تحيض الْكُوفِيُّونَ، وَإِلَيْهِ ذهب أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَأحمد بن حَنْبَل وَأَبُو نور وَابْن الْمُنْذر وَالْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري وَأَبُو عبيد وَعَطَاء وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَسَعِيد بن الْمسيب وَمُحَمّد بن الْمُنْكَدر وَجَابِر بن زيد وَالشعْبِيّ وَمَكْحُول وَالزهْرِيّ وَالْحكم وَحَمَّاد وَالشَّافِعِيّ فِي أحد قوليه، وَهُوَ قَوْله الْقَدِيم، وَقَالَ فِي الْجَدِيد: إِنَّهَا تحيض، وَبِه قَالَ إِسْحَاق، وَعَن مَالك رِوَايَتَانِ، وَحكي عَن بعض الْمَالِكِيَّة: إِن كَانَ فِي آخر الْحمل فَلَيْسَ بحيض، وَذكر الدَّاودِيّ أَن الِاحْتِيَاط أَن تَصُوم وَتصلي ثمَّ تقضي الصَّوْم وَلَا يَأْتِيهَا زَوجهَا. وَقَالَ ابْن بطال: غَرَض البُخَارِيّ بِإِدْخَال هَذَا الحَدِيث فِي أَبْوَاب الْحيض تَقْوِيَة
مَذْهَب من يَقُول: إِن الْحَامِل لَا تحيض. وَقَالَ بَعضهم: وَفِي الِاسْتِدْلَال بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور على أَنَّهَا لَا تحيض نظر، لِأَنَّهُ لَا يلْزم من كَون مَا يخرج من الْحَامِل من السقط الَّذِي لم يصور أَن لَا يكون الدَّم الَّذِي ترَاهُ الْمَرْأَة الَّتِي يسْتَمر حملهَا لَيْسَ بحيض، وَمَا ادَّعَاهُ الْمُخَالف من أَنه رشح من الْوَلَد أَو من فضلَة غذائه أَو من دم فَاسد لعِلَّة فمحتاج إِلَى الدَّلِيل، لِأَن هَذَا دم بِصِفَات دم الْحيض، وَفِي زمن إِمْكَانه فَلهُ حكم دم الْحيض. فَمن ادّعى خِلَافه فَعَلَيهِ الْبَيَان.
قلت: إِنَّمَا ادعيت الْخلاف وَعلي الْبَيَان: أما أَولا فَنَقُول: لنا فِي هَذَا الْبَاب أَحَادِيث وأخبار. مِنْهَا: حَدِيث سَالم عَن أَبِيه وَهُوَ: (إِن ابْن عمر طلق امْرَأَته وَهِي حَائِض، فَسَأَلَ عمر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: مره فَلْيُرَاجِعهَا ثمَّ ليمسكها حَتَّى تطهر ثمَّ تحيض ثمَّ تطهر، ثمَّ إِن شَاءَ أمْسكهَا وَإِن شَاءَ طَلقهَا قبل أَن يمس، فَتلك الْعدة الَّتِي أَمر الله أَن يُطلق لَهَا النِّسَاء) مُتَّفق عَلَيْهِ. وَمِنْهَا: حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ فِي سَبَايَا أَوْطَاس: (لَا تُوطأ حَامِل حَتَّى تضع، وَلَا حَائِل حَتَّى تستبرأ بِحَيْضَة) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَمِنْهَا: حَدِيث رويفع بن ثَابت، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: [حم (لَا يحل لأحد أَن يسْقِي بمائه زرع غَيره، وَلَا يَقع على أمة حَتَّى تحيض أَو يتَبَيَّن حملهَا) [/ حم. رَوَاهُ أَحْمد، فَجعل صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وجود الْحيض علما على بَرَاءَة الرَّحِم من الْحَبل فِي الْحَدِيثين، وَلَو جَازَ اجْتِمَاعهمَا لم يكن دَلِيلا على انتفائه، وَلَو كَانَ بعد الِاسْتِبْرَاء بِحَيْضَة احْتِمَال الْحمل لم يحل وَطْؤُهَا للِاحْتِيَاط فِي أَمر الإبضاع. وَأما الاخبار فَمِنْهَا: مَا رُوِيَ عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه قَالَ: (إِن الله تَعَالَى رفع الْحيض عَن الحبلى وَجعل الدَّم رزقا للْوَلَد مِمَّا تفيض الْأَرْحَام) ، رَوَاهُ أَبُو حَفْص بن شاهين. وَمِنْهَا: مَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: [حم (إِن الله رفع الْحيض عَن الحبلى وَجعل الدَّم رزقا للْوَلَد) [/ حم، رَوَاهُ ابْن شاهين أَيْضا. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ الْأَثْرَم، وَالدَّارَقُطْنِيّ بإسنادهما عَن عَائِشَة فِي: [حم (الْحَامِل ترى الدَّم، فَقَالَت: الحبلى لَا تحيض وتغتسل وَتصلي) [/ حم، وَقَوْلها: تَغْتَسِل، اسْتِحْبَاب لكَونهَا مُسْتَحَاضَة، وَلَا يعرف عَن غَيرهم خِلَافه. ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل: وَاسْتدلَّ ابْن التِّين على أَنه: لَيْسَ بِدَم حيض، بِأَن الْملك مُوكل برحم الْحَامِل، وَالْمَلَائِكَة لَا تدخل بَيْتا فِيهِ قذر. وَأجِيب: بِأَن لَا يلْزم من كَون الْملك موكلاً بِهِ أَن يكون حَالا فِيهِ، ثمَّ هُوَ مُشْتَرك الْإِلْزَام لِأَن الدَّم كُله قذر. قلت: وَلَا يلْزم أَيْضا أَن لَا يكون حَالا فِيهِ، وَالدَّم فِي معدته لَا يُوصف بِالنَّجَاسَةِ، وَإِلَّا يلْزم أَن لَا يُوجد أحد طَاهِرا خَالِيا عَن النَّجَاسَة.
النَّوْع الثَّالِث فِي معنى المخلقة: وَعَن قَتَادَة: {مخلقة وَغير مخلقة} (الْحَج: ٥) أَي: تَامَّة وَغير تَامَّة، وَعَن الشّعبِيّ: النُّطْفَة والعلقة والمضغة إِذا أكسيت فِي الْخلق الرَّابِع كَانَت مخلقة، وَإِذا قذفتها قبل ذَلِك كَانَت غير مخلقة. وَعَن أبي الْعَالِيَة: المخلقة المصورة، وَغير المخلقة، السقط. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: مُضْغَة مخلقة أَي تَامَّة الْخلق، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: مخلقة أَي مسواة ملساء من النُّقْصَان وَالْعَيْب، يُقَال: خلق السِّوَاك إِذا سواهُ وملسه، وَغير مخلقة أَي غير مسواة.
النَّوْع الرَّابِع فِي وَجه الْمُنَاسبَة بَين هَذَا الْبَاب وَالْبَاب الَّذِي قبله من حَيْثُ إِن الْبَاب الَّذِي قبله يشْتَمل على أُمُور من أَحْكَام الْحيض، وَهَذَا الْبَاب أَيْضا يشْتَمل على حكم من أَحْكَام الْحيض، وَهُوَ أَن الْحَامِل إِذا رَأَتْ دَمًا هَل يكون حيضا أم لَا؟ وَقد ذكرنَا أَن غَرَض البُخَارِيّ من وضع هَذَا الْبَاب هُوَ الْإِشَارَة إِلَى أَن الْحَامِل لَا تحيض، وَنَذْكُر كَيْفيَّة ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
٢٣ - (حَدثنَا مُسَدّد قَالَ حَدثنَا حَمَّاد عَن عبيد الله بن أبي بكر عَن أنس بن مَالك عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ إِن الله عز وَجل وكل بالرحم ملكا يَقُول يَا رب نُطْفَة يَا رب علقَة يَا رب مُضْغَة فَإِذا أَرَادَ أَن يقْضِي خلقه قَالَ أذكر أم أُنْثَى أشقي أم سعيد فَمَا الرزق وَمَا الْأَجَل فَيكْتب فِي بطن أمه) وَجه تطابق هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَنه يُفَسر المخلقة وَغير المخلقة فَإِن قَوْله فَإِذا أَرَادَ أَن يقْضِي خلقه هُوَ المخلقة وبالضرورة يعلم مِنْهُ أَنه إِذا لم يرد خلقه يكون غير مخلقة وَقد بَين ذَلِك حَدِيث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح من طَرِيق دَاوُد بن أبي هِنْد عَن الشّعبِيّ عَن عَلْقَمَة عَن ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ " إِذا وَقعت النُّطْفَة فِي الرَّحِم بعث الله ملكا فَقَالَ يَا رب مخلقة أَو غير مخلقة فَإِن قَالَ غير مخلقة مجها الرَّحِم دَمًا وَإِن قَالَ مخلقة قَالَ يَا رب فَمَا صفة هَذِه النُّطْفَة فَيُقَال لَهُ انْطلق إِلَى
أم الْكتاب فَإنَّك تَجِد قصَّة هَذِه النُّطْفَة فَينْطَلق فيجد قصَّتهَا فِي أم الْكتاب " وَهُوَ مَوْقُوف لفظا مَرْفُوع حكما لِأَن الْإِخْبَار عَن شَيْء لَا يُدْرِكهُ الْعقل مَحْمُول على السماع (ذكر رِجَاله) وهم أَرْبَعَة. الأول مُسَدّد بن مسرهد الثَّانِي حَمَّاد بن زيد الْبَصْرِيّ الثَّالِث عبيد الله بِلَفْظ الصَّغِير ابْن أبي بكر بن أنس بن مَالك أَبُو مُعَاوِيَة الْأنْصَارِيّ. الرَّابِع أنس بن مَالك وَهُوَ جده يروي عَنهُ. (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وَفِيه العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه أَن رُوَاته كلهم بصريون وَفِيه الرِّوَايَة عَن الْجد (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي خلق بني آدم عَن أبي النُّعْمَان وَفِي الْقدر عَن سُلَيْمَان بن حَرْب وَأخرجه مُسلم فِي الْقدر عَن أبي كَامِل الجحدري الْكل عَن حَمَّاد بن زيد (ذكر لغاته) قَوْله " نُطْفَة " بِضَم النُّون قَالَ الْجَوْهَرِي النُّطْفَة المَاء الصافي قل أَو كثر وَالْجمع النطاف ونطفان المَاء سيلانه وَقد نطف ينطف وينطف من بَاب نصر ينصر وَضرب يضْرب وَلَيْلَة نطوف تمطر إِلَى الصَّباح وَيُقَال جمع النُّطْفَة نطف أَيْضا وكل شَيْء خَفِي نُطْفَة ونطافة حَتَّى أَنهم يسمون الشَّيْء الْخَفي بذلك وَأَصله للْمَاء الْقَلِيل يبْقى فِي الغدير أَو السقاء أَو غَيره من الْآنِية وَيُقَال لَهُ مَا دَامَ نُطْفَة صراة ذكره ابْن سَيّده فِي الْمُخَصّص قَوْله " علقَة " بِفَتْح اللَّام قَالَ الْأَزْهَرِي فِي التَّهْذِيب الْعلقَة الدَّم الجامد الغليظ وَمِنْه قيل لهَذِهِ الدَّابَّة الَّتِي تكون فِي المَاء علقَة لِأَنَّهَا حَمْرَاء كَالدَّمِ وكل دم غليظ علق وَفِي الموعب العلق الدَّم مَا كَانَ وَقيل هُوَ الجامد قبل أَن ييبس وَقيل هُوَ مَا اشتدت حمرته والقطعة مِنْهُ علقَة وَفِي المغيث هُوَ مَا انْعَقَد وَقيل الْيَابِس كَأَن بعضه علق بِبَعْض تعقدا ويبسا قَوْله " مُضْغَة " قَالَ الْجَوْهَرِي المضغة قِطْعَة لحم وَفِي الغريبين وَجَمعهَا مضغ وَيُقَال مضيغة وَتجمع على مضائغ وَيُقَال المضغة اللحمة الصَّغِيرَة قدر مَا يمضغ وَفِي الْمُحكم قَالَ عمر بن الْخطابِيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ إِنَّا لَا نتغافل المضغ بَيْننَا أَرَادَ الْجِرَاحَات وسماها مضغا على التَّشْبِيه بمضغة الْإِنْسَان فِي حلقه يذهب بذلك إِلَى تصغيرها وتقليلها (ذكر مَعْنَاهُ ونكاته) قَوْله " وكل " بِالتَّشْدِيدِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {ملك الْمَوْت الَّذِي وكل بكم} وَظَاهر قَوْله " أَن الله وكل بالرحم ملكا " يدل على أَن بَعثه إِلَيْهِ عِنْد وُقُوع النُّطْفَة فِي الرَّحِم وَلَكِن فِيهِ اخْتِلَاف الرِّوَايَات فَفِي الصَّحِيح عَن ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ " أَن خلق أحدكُم يجمع فِي بطن أمه أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثمَّ يكون علقَة مثل ذَلِك ثمَّ يكون مُضْغَة مثل ذَلِك ثمَّ يُرْسل الْملك فينفخ فِيهِ الرّوح وَيكْتب رزقه وأجله وَعَمله وشقي أَو سعيد " وَظَاهره إرْسَال الْملك بعد الْأَرْبَعين الثَّالِثَة وَفِي رِوَايَة " يدْخل الْملك على النُّطْفَة بَعْدَمَا تَسْتَقِر فِي الرَّحِم بِأَرْبَعِينَ أَو خَمْسَة وَأَرْبَعين لَيْلَة فَيَقُول يَا رب شقي أَو سعيد " وَعند مُسلم " إِذا مر بالنطفة اثْنَتَانِ وَأَرْبَعُونَ أَو ثَلَاثَة وَأَرْبَعُونَ أَو خَمْسَة وَأَرْبَعُونَ " وَفِي أُخْرَى " إِذا مر بالنطفة ثِنْتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَة بعث الله إِلَيْهَا ملكا فصورها وَخلق سَمعهَا وبصرها وجلدها " وَفِي رِوَايَة حُذَيْفَة بن أسيد " أَن النُّطْفَة تقع فِي الرَّحِم أَرْبَعِينَ لَيْلَة ثمَّ يتسور عَلَيْهَا الْملك " وَفِي أُخْرَى " أَن ملكا وكل بالرحم إِذا أَرَادَ الله أَن يخلق شَيْئا يَأْذَن لَهُ لبضع وَأَرْبَعين لَيْلَة " وَجمع الْعلمَاء بَين ذَلِك بِأَن الْمَلَائِكَة لَازِمَة ومراعية بِحَال النُّطْفَة فِي أَوْقَاتهَا وَأَنه يَقُول يَا رب هَذِه نُطْفَة هَذِه علقَة هَذِه مُضْغَة فِي أَوْقَاتهَا وكل وَقت يَقُول فِيهِ مَا صَارَت إِلَيْهِ بِأَمْر الله تَعَالَى وَهُوَ أعلم. ولكلام الْملك وتصرفه أَوْقَات. أَحدهَا حِين يكون نُطْفَة ثمَّ ينقلها علقَة وَهُوَ أول علم الْملك أَنه ولد إِذْ لَيْسَ كل نُطْفَة تصير ولدا وَذَلِكَ عقيب الْأَرْبَعين الأولى وَحِينَئِذٍ يكْتب رزقه وأجله وشقي أَو سعيد ثمَّ للْملك فِيهِ تصرف آخر وَهُوَ تَصْوِيره وَخلق سَمعه وبصره وَكَونه ذكرا أَو أُنْثَى وَذَلِكَ إِنَّمَا يكون فِي الْأَرْبَعين الثَّانِيَة وَهِي مُدَّة المضغة وَقبل انْقِضَاء هَذِه الْأَرْبَعين وَقبل نفخ الرّوح لِأَن النفخ لَا يكون إِلَّا بعد تَمام صورته وَالرِّوَايَة السالفة " إِذا مر بالنطفة ثِنْتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَة " لَيست على ظَاهره قَالَه عِيَاض وَغَيره بل المُرَاد بتصويرها وَخلق سَمعهَا إِلَى آخِره أَنه يكْتب ذَلِك ثمَّ يَفْعَله فِي وَقت آخر لِأَن التَّصْوِير عقيب الْأَرْبَعين الأولى غير مَوْجُود فِي الْعَادة وَإِنَّمَا يَقع فِي الْأَرْبَعين الثَّانِيَة وَهِي مُدَّة المضغة كَمَا قَالَ الله تَعَالَى {وَلَقَد خلقنَا الْإِنْسَان من سلالة} الْآيَة ثمَّ يكون للْملك فِيهِ تصرف آخر وَهُوَ وَقت نفخ الرّوح عقيب الْأَرْبَعين الثَّالِثَة حَتَّى يكمل لَهُ أَرْبَعَة أشهر. وَاتفقَ الْعلمَاء أَن نفخ الرّوح لَا يكون إِلَّا بعد أَرْبَعَة أشهر ودخوله فِي الْخَامِسَة وَقَالَ الرَّاغِب وَذكر الْأَطِبَّاء أَن الْوَلَد إِذا كَانَ ذكرا يَتَحَرَّك بعد ثَلَاثَة أشهر وَإِذا كَانَ أُنْثَى بعد أَرْبَعَة أشهر (فَإِن قلت) وَقع فِي رِوَايَة
البُخَارِيّ " أَن خلق أحدكُم يجمع فِي بطن أمه أَرْبَعِينَ ثمَّ يكون علقَة مثله ثمَّ يكون مُضْغَة مثله ثمَّ يبْعَث الله فِيهِ الْملك فَيُؤذن بِأَرْبَع كَلِمَات فَيكْتب رزقه وأجله وشقي أم سعيد ثمَّ ينْفخ فِيهِ الرّوح " فَأتى فِيهِ بِكَلِمَة ثمَّ الَّتِي هِيَ تَقْتَضِي التَّرَاخِي فِي الْكتب إِلَى مَا بعد الْأَرْبَعين الثَّالِثَة وَالْأَحَادِيث الْبَاقِيَة تَقْتَضِي الْكتب عقيب الْأَرْبَعين الأولى (قلت) أُجِيب بِأَن قَوْله " ثمَّ يبْعَث إِلَيْهِ الْملك فَيُؤذن بِأَرْبَع كَلِمَات فَيكْتب " مَعْطُوف على قَوْله " يجمع فِي بطن أمه " ومتعلقا بِهِ لَا بِمَا قبله وَهُوَ قَوْله " ثمَّ يكون مُضْغَة مثله " وَيكون قَوْله " ثمَّ يكون علقَة مثله ثمَّ يكون مُضْغَة مثله " مُعْتَرضًا بَين الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ وَذَلِكَ جَائِز مَوْجُود فِي الْقُرْآن والْحَدِيث الصَّحِيح وَكَلَام الْعَرَب وَقَالَ عِيَاض وَالْمرَاد بإرسال الْملك فِي هَذِه الْأَشْيَاء أمره بهَا وَالتَّصَرُّف فِيهَا بِهَذِهِ الْأَفْعَال وَإِلَّا فقد صرح فِي الحَدِيث بِأَنَّهُ وكل بالرحم ملكا وَأَنه يَقُول يَا رب نُطْفَة يَا رب علقَة وَقَوله فِي حَدِيث أنس " وَإِذا أَرَادَ الله أَن يقْضِي خلقا قَالَ يَا رب أذكر أم أُنْثَى " لَا يُخَالف مَا قدمْنَاهُ وَلَا يلْزم مِنْهُ أَن يَقُول ذَلِك بعد المضغة بل هُوَ ابْتِدَاء كَلَام وإخبار عَن حَالَة أُخْرَى فَأخْبر أَولا بِحَال الْملك مَعَ النُّطْفَة ثمَّ أخبر أَن الله تَعَالَى إِذا أَرَادَ خلق النُّطْفَة علقَة كَانَ كَذَا وَكَذَا ثمَّ المُرَاد بِجَمِيعِ مَا ذكر من الرزق وَالْأَجَل والشقاء والسعادة وَالْعقل والذكورة وَالْأُنُوثَة يظْهر ذَلِك للْملك فَيُؤْمَر بإنفاذه وكتابته وَإِلَّا فقضاء الله تَعَالَى وَعلمه وإرادته سَابِقَة على ذَلِك قَوْله فِي حَدِيث أنس " فَيكْتب " بَيَانه فِي حَدِيث يحيى بن زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة حَدثنَا دَاوُد عَن عَامر عَن عَلْقَمَة عَن ابْن مَسْعُود يرفعهُ " أَن النُّطْفَة إِذا اسْتَقَرَّتْ فِي الرَّحِم أَخذهَا الْملك بكفه قَالَ أَي رب أذكر أم أُنْثَى مَا الْأَمر بِأَيّ أَرض تَمُوت فَيُقَال لَهُ انْطلق إِلَى أم الْكتاب فَإنَّك تَجِد قصَّة هَذِه النُّطْفَة فَينْطَلق فيجد صفتهَا فِي أم الْكتاب " قَوْله " وَمَا الْأَجَل " ويروى " فَمَا الرزق وَالْأَجَل " قَوْله " فَيكْتب ويروى " قَالَ فَيكْتب " (بَيَان إعرابه) قَوْله " ملكا " مَنْصُوب بقوله " وكل " قَوْله " يَقُول " جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَهُوَ الضَّمِير الَّذِي فِيهِ يرجع إِلَى الْملك فِي مَحل النصب لِأَنَّهَا صفة الْملك وَقَوله " يَا رب " بِحَذْف يَاء الْمُتَكَلّم وَفِي مثله يجوز يَا رَبِّي وَيَا رب وَيَا رَبًّا وَيَا رباه بِالْهَاءِ وَقفا قَوْله " نُطْفَة " يجوز فِيهِ الرّفْع وَالنّصب أما النصب فَهُوَ رِوَايَة الْقَابِسِيّ وَوَجهه أَن يكون مَنْصُوبًا بِفعل مُقَدّر تَقْدِيره جعلت الْمَنِيّ نُطْفَة فِي الرَّحِم أَو خلقت نُطْفَة وَأما وَجه الرّفْع فعلى أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي يَا رب هَذِه نُطْفَة " فَإِن قلت " كَيفَ يكون الشَّيْء الْوَاحِد نُطْفَة علقَة مُضْغَة " قلت " هَذِه الْأَخْبَار الثَّلَاثَة تصدر من الْملك فِي أَوْقَات مُتعَدِّدَة لَا فِي وَقت وَاحِد وَلَا يُقَال لَيْسَ فِيهِ فَائِدَة الْخَبَر وَلَا لَازمه لِأَن الله علام الغيوب لأَنا نقُول هَذَا إِنَّمَا يكون إِذا كَانَ الْكَلَام جَارِيا على ظَاهره أما إِذا عدل عَن الظَّاهِر فَلَا يلْزم الْمَحْذُور الْمَذْكُور وَهَهُنَا المُرَاد التمَاس إتْمَام خلقه وَالدُّعَاء بإفاضة الصُّورَة الْكَامِلَة عَلَيْهِ أَو الاستعلام عَن ذَلِك وَنَحْوهمَا وَمثل هَذَا كثير وَوَقع فِي الْقُرْآن أَيْضا فِي قَوْله تَعَالَى حِكَايَة عَن أم مَرْيَم عَلَيْهِمَا السَّلَام {رَبِّي إِنِّي وَضَعتهَا أُنْثَى} فَإِنَّهُ يكون للاعتذار وَإِظْهَار التأسف قَوْله " فَإِذا أَرَادَ أَن يقْضِي " أَي فَإِذا أَرَادَ الله أَن يقْضِي أَي أَن يتم خلقه أَي خلق مَا فِي الرَّحِم من النُّطْفَة الَّتِي صَارَت علقَة ثمَّ صَارَت مُضْغَة وَيَجِيء الْقَضَاء بِمَعْنى الْفَرَاغ أَيْضا قَوْله " قَالَ " أَي الْملك قَوْله " أذكر أم أُنْثَى " أَي أذكر هُوَ أم أُنْثَى وَقَوله " ذكر " مُبْتَدأ أَو خبر فَإِذا قُلْنَا خبر يكون لَفْظَة هُوَ المؤخرة مُبْتَدأ وَلَا يُقَال النكرَة لَا تقع مُبْتَدأ لِأَن فِيهِ المسوغ لوُقُوعه مُبْتَدأ وَهِي كَونهَا قد تخصصت بِثُبُوت أَحدهمَا إِذْ السُّؤَال فِيهِ عَن التَّعْيِين فصح الِابْتِدَاء بِهِ وَهُوَ من جملَة المخصصات لوُقُوع الْمُبْتَدَأ نكرَة ويروي " أذكرا " بِالنّصب فوجهه إِن صحت الرِّوَايَة أَي أَتُرِيدُ أَو أتخلق ذكرا قَوْله " شقي أم سعيد " الْكَلَام فِيهِ مثل الْكَلَام فِي أذكر أم أُنْثَى وَمعنى شقي عَاص لله تَعَالَى وَسَعِيد أَي مُطِيع لَهُ قَالَ الْكرْمَانِي " فَإِن قلت " أم الْمُتَّصِلَة ملزومة لهمزة الِاسْتِفْهَام فَأَيْنَ هِيَ " قلت " مقدرَة ووجودها فِي قرينها يدل عَلَيْهِ كَمَا هُوَ قَول الشَّاعِر
(بِسبع رمين الْجَمْر أم بثمان ... )
أَي أبسبع قَوْله " فَمَا الرزق " الرزق فِي كَلَام الْعَرَب الْحَظ قَالَ الله تَعَالَى {وتجعلون رزقكم أَنكُمْ تكذبون} أَي حظكم من هَذَا الْأَمر والحظ هُوَ نصيب الرجل وَمَا هُوَ خَاص لَهُ دون غَيره وَقيل الرزق كل شَيْء يُؤْكَل أَو يسْتَعْمل وَهَذَا بَاطِل لِأَن الله تَعَالَى أمرنَا بِأَن ننفق مِمَّا رزقنا فَقَالَ {وأنفقوا مِمَّا رزقناكم} فَلَو كَانَ الرزق هُوَ الَّذِي يُؤْكَل لما أمكن إِنْفَاقه وَقيل الرزق هُوَ مَا يملك وَهُوَ أَيْضا بَاطِل لِأَن الْإِنْسَان قد يَقُول اللَّهُمَّ ارزقني ولدا صَالحا وَزَوْجَة صَالِحَة وَهُوَ لَا يملك الْوَلَد