«الزَّمَانُ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣١٩٧

الحديث رقم ٣١٩٧ من كتاب «كتاب بدء الخلق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ما جاء في سبع أرضين.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٣١٩٧ في صحيح البخاري

«الزَّمَانُ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ.»

إسناد حديث رقم ٣١٩٧ من صحيح البخاري

٣١٩٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٣١٩٧: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

: "مَنْ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ الأَرْضِ بِغَيْرِ حَقِّهِ خُسِفَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ".

٣١٩٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: "الزَّمَانُ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ".

٣١٩٨ - حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ أَنَّهُ خَاصَمَتْهُ أَرْوَى فِي حَقٍّ زَعَمَتْ أَنَّهُ انْتَقَصَهُ لَهَا إِلَى مَرْوَانَ فَقَالَ سَعِيدٌ أَنَا أَنْتَقِصُ مِنْ حَقِّهَا شَيْئًا أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: "مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنْ الأَرْضِ ظُلْمًا فَإِنَّهُ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ" قَالَ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ لِي سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ … ".

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا جَاءَ فِي سَبْعِ أَرَضِينَ) أَوْ فِي بَيَانِ وَضْعِهَا.

قَوْلُهُ: (وَقَوْلُ اللَّهِ : ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ الْآيَةَ) قَالَ الدَّاوُدِيُّ: فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْأَرَضِينَ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ مِثْلُ السَّمَاوَاتِ وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّ الْمِثْلِيَّةَ فِي الْعَدَدِ خَاصَّةً وَأَنَّ السَّبْعَ مُتَجَاوِرَةٌ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْأَرْضَ وَاحِدَةٌ، قَالَ: وَهُوَ مَرْدُودٌ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ. قُلْتُ: لَعَلَّهُ الْقَوْلُ بِالتَّجَاوُرِ، وَإِلَّا فَيَصِيرُ صَرِيحًا فِي الْمُخَالَفَةِ، وَيَدُلُّ لِلْقَوْلِ الظَّاهِرِ مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ قَالَ: فِي كُلِّ أَرْضٍ مِثْلُ إِبْرَاهِيمَ، وَنَحْوُ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْخَلْقِ، هَكَذَا أَخْرَجَهُ مُخْتَصَرًا وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مُطَوَّلًا، وَأَوَّلَهُ أَيْ سَبْعَ أَرَضِينَ فِي كُلِّ أَرْضٍ آدَمُ كَآدَمِكُمْ وَنُوحٌ كَنُوحِكُمْ وَإِبْرَاهِيمُ كَإِبْرَاهِيمِكُمْ وَعِيسَى كَعِيسَى وَنَبِيٌّ كَنَبِيِّكُمْ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، إِلَّا أَنَّهُ شَاذٌّ بِمُرَّةَ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَوْ حَدَّثَكُمْ بِتَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ لَكَفَرْتُمْ وَكُفْرُكُمْ تَكْذِيبُكُمْ بِهَا.

وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ وَزَادَ: وَهُنَّ مَكْتُوبَاتٌ بَعْضُهُنَّ عَلَى بَعْضٍ. وَظَاهِرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ يَرُدُّ أَيْضًا عَلَى أَهْلِ الْهَيْئَةِ قَوْلَهُمْ أَنْ لَا مَسَافَةَ بَيْنَ كُلِّ أَرْضٍ وَأَرْضٍ وَإِنْ كَانَتْ فَوْقَهَا، وَأَنَّ السَّابِعَةَ صَمَّاءُ لَا جَوْفَ لَهَا، وَفِي وَسَطِهَا الْمَرْكَزُ وَهِيَ نُقْطَةٌ مُقَدَّرَةٌ مُتَوَهَّمَةٌ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَقْوَالِهِمُ الَّتِي لَا بُرْهَانَ عَلَيْهَا. وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: إِنَّ بَيْنَ كُلِّ سَمَاءٍ وَسَمَاءٍ خَمْسَمِائَةِ عَامٍ، وَأَنَّ سُمْكَ كُلِّ سَمَاءٍ كَذَلِكَ، وَأَنَّ بَيْنَ كُلِّ أَرْضٍ وَأَرْضٍ خَمْسَمِائَةِ عَامٍ وَأَخْرَجَهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، وَالْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ نَحْوَهُ، وَلِأَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَرْفُوعًا: بَيْنَ كُلِّ سَمَاءٍ وَسَمَاءٍ إِحْدَى أَوِ اثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ سَنَةً وَجُمِعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِأَنَّ اخْتِلَافَ الْمَسَافَةِ بَيْنَهُمَا بِاعْتِبَارِ بُطْءِ السَّيْرِ وَسُرْعَتِهِ.

قَوْلُهُ: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ السَّمَاءُ) هُوَ تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ نَحْوَهُ، وَسَيَأْتِي عَنْ عَلِيٍّ مِثْلُهُ فِي بَابِ الْمَلَائِكَةِ وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الرَّبِيعِ بْنِ

أَنَسٍ السَّقْفُ الْمَرْفُوعُ: الْعَرْشُ، كَذَا قَالَ، وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ، وَهُوَ يَقْتَضِي الرَّدَّ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّ السَّمَاءَ كُرِّيَّةٌ لِأَنَّ السَّقْفَ فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ لَا يَكُونُ كُرِّيًّا.

قَوْلُهُ: ﴿سَمْكَهَا﴾ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ (بِنَاءَهَا) بِالْمَدِّ، يُرِيدُ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا﴾ أَيْ: رَفَعَ بُنْيَانَهَا، وَهُوَ تَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ وَزَادَ بِغَيْرِ عَمَدٍ وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ مِثْلَهُ.

قَوْلُهُ: (وَالْحُبُكُ اسْتِوَاؤُهَا وَحُسْنُهَا) هُوَ تَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ، وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ سَعْدٍ الْإِسْكَافِ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْهُ بِلَفْظِ ﴿ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ أَيِ الْبَهَاءِ وَالْجَمَالِ، غَيْرَ أَنَّهَا كَالْبَرَدِ الْمُسَلْسَلِ، وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ قَالَ: ﴿ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ أَيِ الْخَلْقِ الْحَسَنِ، وَالْحُبُكُ بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ حَبِيكَةٍ كَطُرُقٍ وَطَرِيقَةٍ وَزْنًا وَمَعْنًى، وَقِيلَ وَاحِدُهَا حِبَاكٌ كَمِثَالٍ وَمُثُلٍ، وَقِيلَ الْحُبُكُ الطَّرِيقُ الَّتِي تُرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ آثَارِ الْغَيْمِ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ، عَنِ الضَّحَّاكِ نَحْوَهُ، وَقِيلَ: هِيَ النُّجُومُ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ الْحَسَنِ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَوِ الْمُرَادُ بِالسَّمَاءِ هُنَا السَّمَاءُ السَّابِعَةُ.

قَوْلُهُ: (أَذِنَتْ: سَمِعَتْ وَأَطَاعَتْ) يُرِيدُ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ وَمَعْنَى سَمْعِهَا وَإِطَاعَتِهَا قَبُولُهَا مَا يُرَادُ مِنْهَا، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا﴾ أَيْ أَطَاعَتْ، وَمِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ أَذِنَتْ لِرَبِّهَا أَيْ سَمِعَتْ، وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَحُقَّتْ أَيْ حُقَّ لَهَا أَنْ تُطِيعَ.

قَوْلُهُ: ﴿وَأَلْقَتْ﴾ أَخْرَجَتْ مَا فِيهَا مِنَ الْمَوْتَى ﴿وَتَخَلَّتْ﴾ أَيْ (عَنْهُمْ) يُرِيدُ تَفْسِيرَ بَقِيَّةِ الْآيَاتِ، وَهُوَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ نَحْوَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَلْقَتْ مَا اسْتَوْدَعَهَا اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ وَتَخَلَّتْ عَنْهُمْ إِلَيْهِ.

قَوْلُهُ: ﴿طَحَاهَا﴾ دَحَاهَا) هُوَ تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ أَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِهِ، وَالْمَعْنَى بَسَطَهَا يَمِينًا وَشِمَالًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالسُّدِّيِّ وَغَيْرِهِمَا: دَحَاهَا أَيْ بَسَطَهَا.

قَوْلُهُ: ﴿بِالسَّاهِرَةِ﴾ وَجْهُ الْأَرْضِ كَانَ فِيهَا الْحَيَوَانُ نَوْمُهُمْ وَسَهَرُهُمْ) هُوَ تَفْسِيرُ عِكْرِمَةَ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْأَرْضِ أَرْضُ الْقِيَامَةِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ قَالَ: أَرْضٌ بَيْضَاءُ عَفْرَاءُ كَالْخُبْزَةِ، وَسَيَأْتِي مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ مَرْفُوعًا فِي الرِّقَاقِ لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ تَفْسِيرُ السَّاهِرَةِ.

ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ: أَحَدُهَا حَدِيثُ عَائِشَةَ: مَنْ ظَلَمَ قَيْدَ شِبْرٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْمَظَالِمِ.

ثَانِيهَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي الْمَعْنَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ هُنَاكَ أَيْضًا، وَعَبْدُ اللَّهِ فِي إِسْنَادِهِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَالرَّاوِي عَنْهُ بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ مَرْوَزِيٌّ سَمِعَ مِنَ ابْنِ الْمُبَارَكِ بِخُرَاسَانَ، وَهُوَ يُؤَيِّدُ الْبَحْثَ الَّذِي قَدَّمْتُهُ مِنْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ هَذَا الْحَدِيثِ لَيْسَ فِي كُتُبِ ابْنِ الْمُبَارَكِ بِخُرَاسَانَ أَنْ لَا يَكُونَ حَدَّثَ بِهِ هُنَاكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِشْرٌ صَحِبَ ابْنَ الْمُبَارَكِ فَسَمِعَهُ مِنْهُ بِالْبَصْرَةِ فَيَصِحُّ أَنَّهُ لَمْ يُحَدِّثْ بِهِ إِلَّا بِالْبَصْرَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ثَالِثُهَا حَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ: إن الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ، وَسَيَأْتِي بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ فِي آخِرِ الْمَغَازِي فِي الْكَلَامِ عَلَى حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي تَفْسِيرِ بَرَاءَةٌ، وَمَضَى شَرْحُ أَكْثَرِهِ فِي الْعِلْمِ وَبَعْضُهُ فِي الْحَجِّ.

قَوْلُهُ: (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ) اسْمُ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَيُّوبَ، وَذَكَرَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ أَنَّهُ سَقَطَ مِنْ نُسْخَةِ الْأَصِيلِيِّ هُنَا عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ وَثَبَتَ لِسَائِرِ الرُّوَاةِ عَنِ الْفَرَبْرِيِّ، قُلْتُ: وَكَذَا ثَبَتَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، عَنِ الْبُخَارِيِّ، قَالَ الْجَيَّانِيُّ: وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ هُنَا عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ

أَبِي بَكْرَةَ، وَهُوَ وَهْمٌ فَاحِشٌ. قُلْتُ: وَافَقَ الْأَصِيلِيُّ لَكِنْ صَحَّفَ عَنْ فَصَارَتْ ابْنُ فَلِذَلِكَ وَصَفَهُ بِفُحْشِ الْوَهْمِ وَسَيَأْتِي هَذَا الْحَدِيثُ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ هُنَا فِي بَابِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي عَلَى الصَّوَابِ لِلْجَمَاعَةِ أَيْضًا حَتَّى الْأَصِيلِيِّ، وَاسْتَمَرَّ الْقَابِسِيُّ عَلَى وَهْمِهِ فَقَالَ هُنَاكَ أَيْضًا: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ.

رَابِعُهَا حَدِيثُ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ فِي قِصَّتِهِ مَعَ أَرْوَى بِنْتِ أُنَيْسٍ فِي مُخَاصَمَتِهَا لَهُ فِي الْأَرْضِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثُهُ مُسْتَوْفَاةٌ فِي كِتَابِ الْمَظَالِمِ.

قَوْلُهُ: (كَهَيْئَتِهِ) الْكَافُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ اسْتَدَارَ اسْتِدَارَةً مِثْلَ صِفَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاءَ. وَالزَّمَانُ اسْمٌ لِقَلِيلِ الْوَقْتِ وَكَثِيرِهِ، وَزَعَمَ يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي كِتَابِهِ تَفْضِيلُ الْأَزْمِنَةِ أَنَّ هَذِهِ الْمَقَالَةَ صَدَرَتْ مِنَ النَّبِيِّ فِي شَهْرِ مَارْسَ وَهُوَ آذَارُ وَهُوَ بَرْمَهَاتُ بِالْقِبْطِيَّةِ، وَفِيهِ يَسْتَوِي اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ عِنْدَ حُلُولِ الشَّمْسِ بُرْجَ الْحَمَلِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ هِشَامٍ) أَيِ ابْنِ عُرْوَةَ (عَنْ أَبِيهِ قَالَ لِي سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ) أَرَادَ الْمُصَنِّفُ بِهَذَا التَّعْلِيقِ بَيَانَ لِقَاءِ عُرْوَةَ، سَعِيدًا، وَقَدْ لَقِيَ عُرْوَةُ مَنْ هُوَ أَقْدَمُ وَفَاةً مِنْ سَعِيدٍ كَوَالِدِهِ الزُّبَيْرِ، وَعَلِيٍّ وَغَيْرِهِمَا.

٣ - بَاب فِي النُّجُومِ

وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ خَلَقَ هَذِهِ النُّجُومَ لِثَلَاثٍ: جَعَلَهَا زِينَةً لِلسَّمَاءِ، وَرُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ، وَعَلَامَاتٍ يُهْتَدَى بِهَا، فَمَنْ تَأَوَّلَ فِيهَا بِغَيْرِ ذَلِكَ أَخْطَأَ وَأَضَاعَ نَصِيبَهُ وَتَكَلَّفَ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿هَشِيمًا﴾ مُتَغَيِّرًا، وَالْأَبُّ: مَا يَأْكُلُ الْأَنْعَامُ، وَالْأَنَامُ الْخَلْقُ، ﴿بَرْزَخٌ﴾ حَاجِبٌ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أَلْفَافًا﴾ مُلْتَفَّةً، وَالْغُلْبُ: الْمُلْتَفَّةُ، ﴿فِرَاشًا﴾ مِهَادًا، كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾، ﴿نَكِدًا﴾ قَلِيلًا.

قَوْلُهُ: (بَابٌ فِي النُّجُومِ وَقَالَ قَتَادَةُ إِلَخْ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ شَيْبَانَ عَنْهُ بِهِ وَزَادَ فِي آخِرِهِ: وَأَنَّ نَاسًا جَهَلَةً بِأَمْرِ اللَّهِ قَدْ أَحْدَثُوا فِي هَذِهِ النُّجُومِ كِهَانَةً: مَنْ غَرَسَ بِنَجْمِ كَذَا كَانَ كَذَا وَمَنْ سَافَرَ بِنَجْمِ كَذَا كَانَ كَذَا وَلَعَمْرِي مَا مِنَ النُّجُومِ نَجْمٌ إِلَّا وَيُولَدُ بِهِ الطَّوِيلُ وَالْقَصِيرُ وَالْأَحْمَرُ وَالْأَبْيَضُ وَالْحَسَنُ وَالدَّمِيمُ، وَمَا عِلْمُ هَذِهِ النُّجُومِ وَهَذِهِ الدَّابَّةِ وَهَذَا الطَّائِرِ شَيْء مِنْ هَذَا الْغَيْبِ، انْتَهَى. وَبِهَذِهِ الزِّيَادَةِ تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ إِيرَادِ الْمُصَنِّفِ مَا أَوْرَدَهُ مِنْ تَفْسِيرِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي ذَكَرَهَا مِنَ الْقُرْآنِ وَإِنْ كَانَ ذِكْرُ بَعْضِهَا وَقَعَ اسْتِطْرَادًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَالَ الدَّاوُدِيُّ: قَوْلُ قَتَادَةَ فِي النُّجُومِ حَسَنٌ، إِلَّا قَوْلَهُ: أَخْطَأَ وَأَضَاعَ نَفْسَهُ فَإِنَّهُ قَصَّرَ فِي ذَلِكَ، بَلْ قَائِلُ ذَلِكَ كَافِرٌ انْتَهَى. وَلَمْ يَتَعَيَّنِ الْكُفْرُ فِي حَقِّ مَنْ قَالَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَكْفُرُ مَنْ نَسَبَ الِاخْتِرَاعَ إِلَيْهَا، وَأَمَّا مَنْ جَعَلَهَا عَلَامَةً عَلَى حُدُوثِ أَمْرٍ فِي الْأَرْضِ فَلَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ وَتَفْصِيلُهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ فِيمَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا فِي بَابِ الِاسْتِسْقَاءِ، وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا﴾ الضَّمِيرُ لِلسَّمَاءِ؛ أَيْ وَجَعَلْنَا شُهُبَهَا رُجُومًا عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، فَصَارَ الضَّمِيرُ لِلْمُضَافِ إِلَيْهِ. وَذَكَرَ ابْنُ دِحْيَةَ فِي التَّنْوِيرِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ: النُّجُومُ كُلُّهَا مُعَلَّقَةٌ كَالْقَنَادِيلِ مِنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا كَتَعْلِيقِ الْقَنَادِيلِ فِي الْمَسَاجِدِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، ﴿هَشِيمًا﴾ مُتَغَيِّرًا) لَمْ أَرَهُ عَنْهُ مِنْ طَرِيقٍ مَوْصُولَةٍ. لَكِنْ ذَكَرَهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: قَوْلُهُ: ﴿هَشِيمًا﴾ أَيْ يَابِسًا مُتَفَتِّتًا، وَ ﴿تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ أَيْ تُفَرِّقُهُ.

قَوْلُهُ: (وَالْأَبُّ مَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ) هُوَ تَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا، وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ قَالَ: الْأَبُّ

مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ مِمَّا تَأْكُلُهُ الدَّوَابُّ وَلَا تَأْكُلُهُ النَّاسُ، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْأَبُّ الْحَشِيشُ، وَمِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ، وَالضَّحَّاكِ: الْأَبُّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ يَنْبُتُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، زَادَ الضَّحَّاكُ: إِلَّا الْفَاكِهَةَ، وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ سُئِلَ عَنِ الْأَبِّ، فَقَالَ: أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي، وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي إِذَا قُلْتُ فِي كِتَابِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَهَذَا مُنْقَطِعٌ. وَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: عَرَفْنَا الْفَاكِهَةَ فَمَا الْأَبُّ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَذَا لَهُوَ التَّكَلُّفُ فَهُوَ صَحِيحٌ عَنْهُ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طُرُقٍ صَحِيحَةٍ عَنْ أَنَسٍ، عَنْ عُمَرَ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (وَالْأَنَامُ الْخَلْقُ) هُوَ تَفْسِيرُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ﴾ قَالَ: لِلْخَلْقِ، وَالْمُرَادُ بِالْخَلْقِ الْمَخْلُوقُ، وَمِنْ طَرِيقِ سِمَاكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْأَنَامُ النَّاسُ، وَهَذَا أَخَصُّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ قَالَ: الْجِنُّ وَالْإِنْسُ. وَعَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: هُوَ كُلُّ ذِي رُوحٍ.

قَوْلُهُ: ﴿بَرْزَخٌ﴾ حَاجِبٌ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ حَاجِزٌ بِالزَّايِ، وَهَذَا تَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنَ الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ إِلَّا قَوْلَهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أَلْفَافًا﴾ مُلْتَفَّةً، وَالْغُلْبُ: الْمُلْتَفَّةُ) وَصَلَهُمَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ قَالَ: مُلْتَفَّةٌ. وَمِنْ طَرِيقِهِ قَالَ: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ أَيْ مُلْتَفَّةً، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْحَدَائِقُ: مَا الْتَفَّتْ، وَالْغُلْبُ: مَا غَلُظَ. وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنْهُ: الْغُلْبُ: شَجَرٌ بِالْجَبَلِ لَا يَحْمِلُ يُسْتَظَلُّ بِهِ. وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبَى طَلْحَةَ عَنْهُ قَالَ: ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ أَيْ مُجْتَمِعَةً. وَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الْأَلْفَافُ جَمْعُ لَفٍّ أَوْ لَفِيفٍ. وَعَنِ الْكِسَائِيِّ: هُوَ جَمْعُ الْجَمْعِ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: اللِّفَافُ جَمْعُ لَفِيفَةٍ وَهِيَ الْغَلِيظَةُ، وَلَيْسَ الِالْتِفَافُ مِنَ الْغِلَظِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ يُرَادَ أَنَّهُ غَلُظَ بِالِالْتِفَافِ.

قَوْلُهُ: (فِرَاشًا: مِهَادًا كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ هُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ عَنْهُمَا، وَمِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ بِأَسَانِيدِهِ: فِرَاشًا: هِيَ فِرَاشٌ يُمْشَى عَلَيْهَا وَهِيَ الْمِهَادُ وَالْقَرَارُ.

قَوْلُهُ: ﴿نَكِدًا﴾ قَلِيلًا) أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: ﴿لا يَخْرُجُ إِلا نَكِدًا﴾ قَالَ: النَّكِدُ: الشَّيْءُ الْقَلِيلُ الَّذِي لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: هَذَا مَثَلٌ ضُرِبَ لِلْكُفَّارِ كَالْبَلَدِ السَّبِخَةِ الْمَالِحَةِ الَّتِي لَا تَخْرُجُ مِنْهَا الْبَرَكَةُ.

٤ - بَاب صِفَةِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ

﴿بِحُسْبَانٍ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: كَحُسْبَانِ الرَّحَى، وَقَالَ غَيْرُهُ: بِحِسَابٍ وَمَنَازِلَ لَا يَعْدُوَانِهَا، حُسْبَانٌ: جَمَاعَةُ الْحِسَابِ، مِثْلُ شِهَابٍ وَشُهْبَانٍ، ﴿ضُحَاهَا﴾ ضَوْؤها. ﴿أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ لَا يَسْتُرُ ضَوْءُ أَحَدِهِمَا ضَوْءَ الْآخَرِ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُمَا ذَلِكَ، ﴿سَابِقُ النَّهَارِ﴾ يَتَطَالَبَانِ حَثِيثَيْنِ. ﴿نَسْلَخُ﴾ نُخْرِجُ أَحَدَهُمَا مِنْ الْآخَرِ، وَنُجْرِي كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. ﴿وَاهِيَةٌ﴾ وَهْيُهَا تَشَقُّقُهَا. ﴿أَرْجَائِهَا﴾ مَا لَمْ يَنْشَقَّ مِنْهَا، فَهُو عَلَى حَافَتَيْهَا كَقَوْلِكَ: عَلَى أَرْجَاءِ الْبِئْرِ. أَغْطَشَ وَجَنَّ: أَظْلَمَ، وَقَالَ الْحَسَنُ: كُوِّرَتْ تُكَوَّرُ حَتَّى يَذْهَبَ ضَوْؤهَا. ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ أي جَمَعَ مِنْ دَابَّةٍ. ﴿اتَّسَقَ﴾ اسْتَوَى. ﴿بُرُوجًا﴾ مَنَازِلَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ. فالْحَرُورُ بِالنَّهَارِ مَعَ الشَّمْسِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَرُؤْبَةُ: الْحَرُورُ بِاللَّيْلِ، وَالسَّمُومُ بِالنَّهَارِ، يُقَالُ: ﴿يُولِجُ﴾ يُكَوِّرُ ﴿وَلِيجَةً﴾ كُلُّ شَيْءٍ أَدْخَلْتَهُ فِي شَيْءٍ.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

: "مَنْ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ الأَرْضِ بِغَيْرِ حَقِّهِ خُسِفَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ".

٣١٩٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: "الزَّمَانُ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ".

٣١٩٨ - حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ أَنَّهُ خَاصَمَتْهُ أَرْوَى فِي حَقٍّ زَعَمَتْ أَنَّهُ انْتَقَصَهُ لَهَا إِلَى مَرْوَانَ فَقَالَ سَعِيدٌ أَنَا أَنْتَقِصُ مِنْ حَقِّهَا شَيْئًا أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: "مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنْ الأَرْضِ ظُلْمًا فَإِنَّهُ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ" قَالَ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ لِي سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ … ".

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا جَاءَ فِي سَبْعِ أَرَضِينَ) أَوْ فِي بَيَانِ وَضْعِهَا.

قَوْلُهُ: (وَقَوْلُ اللَّهِ : ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ الْآيَةَ) قَالَ الدَّاوُدِيُّ: فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْأَرَضِينَ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ مِثْلُ السَّمَاوَاتِ وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّ الْمِثْلِيَّةَ فِي الْعَدَدِ خَاصَّةً وَأَنَّ السَّبْعَ مُتَجَاوِرَةٌ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْأَرْضَ وَاحِدَةٌ، قَالَ: وَهُوَ مَرْدُودٌ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ. قُلْتُ: لَعَلَّهُ الْقَوْلُ بِالتَّجَاوُرِ، وَإِلَّا فَيَصِيرُ صَرِيحًا فِي الْمُخَالَفَةِ، وَيَدُلُّ لِلْقَوْلِ الظَّاهِرِ مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ قَالَ: فِي كُلِّ أَرْضٍ مِثْلُ إِبْرَاهِيمَ، وَنَحْوُ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْخَلْقِ، هَكَذَا أَخْرَجَهُ مُخْتَصَرًا وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مُطَوَّلًا، وَأَوَّلَهُ أَيْ سَبْعَ أَرَضِينَ فِي كُلِّ أَرْضٍ آدَمُ كَآدَمِكُمْ وَنُوحٌ كَنُوحِكُمْ وَإِبْرَاهِيمُ كَإِبْرَاهِيمِكُمْ وَعِيسَى كَعِيسَى وَنَبِيٌّ كَنَبِيِّكُمْ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، إِلَّا أَنَّهُ شَاذٌّ بِمُرَّةَ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَوْ حَدَّثَكُمْ بِتَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ لَكَفَرْتُمْ وَكُفْرُكُمْ تَكْذِيبُكُمْ بِهَا.

وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ وَزَادَ: وَهُنَّ مَكْتُوبَاتٌ بَعْضُهُنَّ عَلَى بَعْضٍ. وَظَاهِرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ يَرُدُّ أَيْضًا عَلَى أَهْلِ الْهَيْئَةِ قَوْلَهُمْ أَنْ لَا مَسَافَةَ بَيْنَ كُلِّ أَرْضٍ وَأَرْضٍ وَإِنْ كَانَتْ فَوْقَهَا، وَأَنَّ السَّابِعَةَ صَمَّاءُ لَا جَوْفَ لَهَا، وَفِي وَسَطِهَا الْمَرْكَزُ وَهِيَ نُقْطَةٌ مُقَدَّرَةٌ مُتَوَهَّمَةٌ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَقْوَالِهِمُ الَّتِي لَا بُرْهَانَ عَلَيْهَا. وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: إِنَّ بَيْنَ كُلِّ سَمَاءٍ وَسَمَاءٍ خَمْسَمِائَةِ عَامٍ، وَأَنَّ سُمْكَ كُلِّ سَمَاءٍ كَذَلِكَ، وَأَنَّ بَيْنَ كُلِّ أَرْضٍ وَأَرْضٍ خَمْسَمِائَةِ عَامٍ وَأَخْرَجَهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، وَالْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ نَحْوَهُ، وَلِأَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَرْفُوعًا: بَيْنَ كُلِّ سَمَاءٍ وَسَمَاءٍ إِحْدَى أَوِ اثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ سَنَةً وَجُمِعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِأَنَّ اخْتِلَافَ الْمَسَافَةِ بَيْنَهُمَا بِاعْتِبَارِ بُطْءِ السَّيْرِ وَسُرْعَتِهِ.

قَوْلُهُ: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ السَّمَاءُ) هُوَ تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ نَحْوَهُ، وَسَيَأْتِي عَنْ عَلِيٍّ مِثْلُهُ فِي بَابِ الْمَلَائِكَةِ وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الرَّبِيعِ بْنِ

أَنَسٍ السَّقْفُ الْمَرْفُوعُ: الْعَرْشُ، كَذَا قَالَ، وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ، وَهُوَ يَقْتَضِي الرَّدَّ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّ السَّمَاءَ كُرِّيَّةٌ لِأَنَّ السَّقْفَ فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ لَا يَكُونُ كُرِّيًّا.

قَوْلُهُ: ﴿سَمْكَهَا﴾ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ (بِنَاءَهَا) بِالْمَدِّ، يُرِيدُ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا﴾ أَيْ: رَفَعَ بُنْيَانَهَا، وَهُوَ تَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ وَزَادَ بِغَيْرِ عَمَدٍ وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ مِثْلَهُ.

قَوْلُهُ: (وَالْحُبُكُ اسْتِوَاؤُهَا وَحُسْنُهَا) هُوَ تَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ، وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ سَعْدٍ الْإِسْكَافِ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْهُ بِلَفْظِ ﴿ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ أَيِ الْبَهَاءِ وَالْجَمَالِ، غَيْرَ أَنَّهَا كَالْبَرَدِ الْمُسَلْسَلِ، وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ قَالَ: ﴿ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ أَيِ الْخَلْقِ الْحَسَنِ، وَالْحُبُكُ بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ حَبِيكَةٍ كَطُرُقٍ وَطَرِيقَةٍ وَزْنًا وَمَعْنًى، وَقِيلَ وَاحِدُهَا حِبَاكٌ كَمِثَالٍ وَمُثُلٍ، وَقِيلَ الْحُبُكُ الطَّرِيقُ الَّتِي تُرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ آثَارِ الْغَيْمِ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ، عَنِ الضَّحَّاكِ نَحْوَهُ، وَقِيلَ: هِيَ النُّجُومُ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ الْحَسَنِ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَوِ الْمُرَادُ بِالسَّمَاءِ هُنَا السَّمَاءُ السَّابِعَةُ.

قَوْلُهُ: (أَذِنَتْ: سَمِعَتْ وَأَطَاعَتْ) يُرِيدُ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ وَمَعْنَى سَمْعِهَا وَإِطَاعَتِهَا قَبُولُهَا مَا يُرَادُ مِنْهَا، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا﴾ أَيْ أَطَاعَتْ، وَمِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ أَذِنَتْ لِرَبِّهَا أَيْ سَمِعَتْ، وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَحُقَّتْ أَيْ حُقَّ لَهَا أَنْ تُطِيعَ.

قَوْلُهُ: ﴿وَأَلْقَتْ﴾ أَخْرَجَتْ مَا فِيهَا مِنَ الْمَوْتَى ﴿وَتَخَلَّتْ﴾ أَيْ (عَنْهُمْ) يُرِيدُ تَفْسِيرَ بَقِيَّةِ الْآيَاتِ، وَهُوَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ نَحْوَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَلْقَتْ مَا اسْتَوْدَعَهَا اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ وَتَخَلَّتْ عَنْهُمْ إِلَيْهِ.

قَوْلُهُ: ﴿طَحَاهَا﴾ دَحَاهَا) هُوَ تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ أَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِهِ، وَالْمَعْنَى بَسَطَهَا يَمِينًا وَشِمَالًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالسُّدِّيِّ وَغَيْرِهِمَا: دَحَاهَا أَيْ بَسَطَهَا.

قَوْلُهُ: ﴿بِالسَّاهِرَةِ﴾ وَجْهُ الْأَرْضِ كَانَ فِيهَا الْحَيَوَانُ نَوْمُهُمْ وَسَهَرُهُمْ) هُوَ تَفْسِيرُ عِكْرِمَةَ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْأَرْضِ أَرْضُ الْقِيَامَةِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ قَالَ: أَرْضٌ بَيْضَاءُ عَفْرَاءُ كَالْخُبْزَةِ، وَسَيَأْتِي مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ مَرْفُوعًا فِي الرِّقَاقِ لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ تَفْسِيرُ السَّاهِرَةِ.

ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ: أَحَدُهَا حَدِيثُ عَائِشَةَ: مَنْ ظَلَمَ قَيْدَ شِبْرٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْمَظَالِمِ.

ثَانِيهَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي الْمَعْنَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ هُنَاكَ أَيْضًا، وَعَبْدُ اللَّهِ فِي إِسْنَادِهِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَالرَّاوِي عَنْهُ بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ مَرْوَزِيٌّ سَمِعَ مِنَ ابْنِ الْمُبَارَكِ بِخُرَاسَانَ، وَهُوَ يُؤَيِّدُ الْبَحْثَ الَّذِي قَدَّمْتُهُ مِنْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ هَذَا الْحَدِيثِ لَيْسَ فِي كُتُبِ ابْنِ الْمُبَارَكِ بِخُرَاسَانَ أَنْ لَا يَكُونَ حَدَّثَ بِهِ هُنَاكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِشْرٌ صَحِبَ ابْنَ الْمُبَارَكِ فَسَمِعَهُ مِنْهُ بِالْبَصْرَةِ فَيَصِحُّ أَنَّهُ لَمْ يُحَدِّثْ بِهِ إِلَّا بِالْبَصْرَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ثَالِثُهَا حَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ: إن الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ، وَسَيَأْتِي بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ فِي آخِرِ الْمَغَازِي فِي الْكَلَامِ عَلَى حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي تَفْسِيرِ بَرَاءَةٌ، وَمَضَى شَرْحُ أَكْثَرِهِ فِي الْعِلْمِ وَبَعْضُهُ فِي الْحَجِّ.

قَوْلُهُ: (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ) اسْمُ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَيُّوبَ، وَذَكَرَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ أَنَّهُ سَقَطَ مِنْ نُسْخَةِ الْأَصِيلِيِّ هُنَا عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ وَثَبَتَ لِسَائِرِ الرُّوَاةِ عَنِ الْفَرَبْرِيِّ، قُلْتُ: وَكَذَا ثَبَتَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، عَنِ الْبُخَارِيِّ، قَالَ الْجَيَّانِيُّ: وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ هُنَا عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ

أَبِي بَكْرَةَ، وَهُوَ وَهْمٌ فَاحِشٌ. قُلْتُ: وَافَقَ الْأَصِيلِيُّ لَكِنْ صَحَّفَ عَنْ فَصَارَتْ ابْنُ فَلِذَلِكَ وَصَفَهُ بِفُحْشِ الْوَهْمِ وَسَيَأْتِي هَذَا الْحَدِيثُ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ هُنَا فِي بَابِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي عَلَى الصَّوَابِ لِلْجَمَاعَةِ أَيْضًا حَتَّى الْأَصِيلِيِّ، وَاسْتَمَرَّ الْقَابِسِيُّ عَلَى وَهْمِهِ فَقَالَ هُنَاكَ أَيْضًا: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ.

رَابِعُهَا حَدِيثُ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ فِي قِصَّتِهِ مَعَ أَرْوَى بِنْتِ أُنَيْسٍ فِي مُخَاصَمَتِهَا لَهُ فِي الْأَرْضِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثُهُ مُسْتَوْفَاةٌ فِي كِتَابِ الْمَظَالِمِ.

قَوْلُهُ: (كَهَيْئَتِهِ) الْكَافُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ اسْتَدَارَ اسْتِدَارَةً مِثْلَ صِفَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاءَ. وَالزَّمَانُ اسْمٌ لِقَلِيلِ الْوَقْتِ وَكَثِيرِهِ، وَزَعَمَ يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي كِتَابِهِ تَفْضِيلُ الْأَزْمِنَةِ أَنَّ هَذِهِ الْمَقَالَةَ صَدَرَتْ مِنَ النَّبِيِّ فِي شَهْرِ مَارْسَ وَهُوَ آذَارُ وَهُوَ بَرْمَهَاتُ بِالْقِبْطِيَّةِ، وَفِيهِ يَسْتَوِي اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ عِنْدَ حُلُولِ الشَّمْسِ بُرْجَ الْحَمَلِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ هِشَامٍ) أَيِ ابْنِ عُرْوَةَ (عَنْ أَبِيهِ قَالَ لِي سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ) أَرَادَ الْمُصَنِّفُ بِهَذَا التَّعْلِيقِ بَيَانَ لِقَاءِ عُرْوَةَ، سَعِيدًا، وَقَدْ لَقِيَ عُرْوَةُ مَنْ هُوَ أَقْدَمُ وَفَاةً مِنْ سَعِيدٍ كَوَالِدِهِ الزُّبَيْرِ، وَعَلِيٍّ وَغَيْرِهِمَا.

٣ - بَاب فِي النُّجُومِ

وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ خَلَقَ هَذِهِ النُّجُومَ لِثَلَاثٍ: جَعَلَهَا زِينَةً لِلسَّمَاءِ، وَرُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ، وَعَلَامَاتٍ يُهْتَدَى بِهَا، فَمَنْ تَأَوَّلَ فِيهَا بِغَيْرِ ذَلِكَ أَخْطَأَ وَأَضَاعَ نَصِيبَهُ وَتَكَلَّفَ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿هَشِيمًا﴾ مُتَغَيِّرًا، وَالْأَبُّ: مَا يَأْكُلُ الْأَنْعَامُ، وَالْأَنَامُ الْخَلْقُ، ﴿بَرْزَخٌ﴾ حَاجِبٌ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أَلْفَافًا﴾ مُلْتَفَّةً، وَالْغُلْبُ: الْمُلْتَفَّةُ، ﴿فِرَاشًا﴾ مِهَادًا، كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾، ﴿نَكِدًا﴾ قَلِيلًا.

قَوْلُهُ: (بَابٌ فِي النُّجُومِ وَقَالَ قَتَادَةُ إِلَخْ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ شَيْبَانَ عَنْهُ بِهِ وَزَادَ فِي آخِرِهِ: وَأَنَّ نَاسًا جَهَلَةً بِأَمْرِ اللَّهِ قَدْ أَحْدَثُوا فِي هَذِهِ النُّجُومِ كِهَانَةً: مَنْ غَرَسَ بِنَجْمِ كَذَا كَانَ كَذَا وَمَنْ سَافَرَ بِنَجْمِ كَذَا كَانَ كَذَا وَلَعَمْرِي مَا مِنَ النُّجُومِ نَجْمٌ إِلَّا وَيُولَدُ بِهِ الطَّوِيلُ وَالْقَصِيرُ وَالْأَحْمَرُ وَالْأَبْيَضُ وَالْحَسَنُ وَالدَّمِيمُ، وَمَا عِلْمُ هَذِهِ النُّجُومِ وَهَذِهِ الدَّابَّةِ وَهَذَا الطَّائِرِ شَيْء مِنْ هَذَا الْغَيْبِ، انْتَهَى. وَبِهَذِهِ الزِّيَادَةِ تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ إِيرَادِ الْمُصَنِّفِ مَا أَوْرَدَهُ مِنْ تَفْسِيرِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي ذَكَرَهَا مِنَ الْقُرْآنِ وَإِنْ كَانَ ذِكْرُ بَعْضِهَا وَقَعَ اسْتِطْرَادًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَالَ الدَّاوُدِيُّ: قَوْلُ قَتَادَةَ فِي النُّجُومِ حَسَنٌ، إِلَّا قَوْلَهُ: أَخْطَأَ وَأَضَاعَ نَفْسَهُ فَإِنَّهُ قَصَّرَ فِي ذَلِكَ، بَلْ قَائِلُ ذَلِكَ كَافِرٌ انْتَهَى. وَلَمْ يَتَعَيَّنِ الْكُفْرُ فِي حَقِّ مَنْ قَالَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَكْفُرُ مَنْ نَسَبَ الِاخْتِرَاعَ إِلَيْهَا، وَأَمَّا مَنْ جَعَلَهَا عَلَامَةً عَلَى حُدُوثِ أَمْرٍ فِي الْأَرْضِ فَلَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ وَتَفْصِيلُهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ فِيمَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا فِي بَابِ الِاسْتِسْقَاءِ، وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا﴾ الضَّمِيرُ لِلسَّمَاءِ؛ أَيْ وَجَعَلْنَا شُهُبَهَا رُجُومًا عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، فَصَارَ الضَّمِيرُ لِلْمُضَافِ إِلَيْهِ. وَذَكَرَ ابْنُ دِحْيَةَ فِي التَّنْوِيرِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ: النُّجُومُ كُلُّهَا مُعَلَّقَةٌ كَالْقَنَادِيلِ مِنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا كَتَعْلِيقِ الْقَنَادِيلِ فِي الْمَسَاجِدِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، ﴿هَشِيمًا﴾ مُتَغَيِّرًا) لَمْ أَرَهُ عَنْهُ مِنْ طَرِيقٍ مَوْصُولَةٍ. لَكِنْ ذَكَرَهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: قَوْلُهُ: ﴿هَشِيمًا﴾ أَيْ يَابِسًا مُتَفَتِّتًا، وَ ﴿تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ أَيْ تُفَرِّقُهُ.

قَوْلُهُ: (وَالْأَبُّ مَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ) هُوَ تَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا، وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ قَالَ: الْأَبُّ

مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ مِمَّا تَأْكُلُهُ الدَّوَابُّ وَلَا تَأْكُلُهُ النَّاسُ، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْأَبُّ الْحَشِيشُ، وَمِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ، وَالضَّحَّاكِ: الْأَبُّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ يَنْبُتُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، زَادَ الضَّحَّاكُ: إِلَّا الْفَاكِهَةَ، وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ سُئِلَ عَنِ الْأَبِّ، فَقَالَ: أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي، وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي إِذَا قُلْتُ فِي كِتَابِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَهَذَا مُنْقَطِعٌ. وَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: عَرَفْنَا الْفَاكِهَةَ فَمَا الْأَبُّ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَذَا لَهُوَ التَّكَلُّفُ فَهُوَ صَحِيحٌ عَنْهُ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طُرُقٍ صَحِيحَةٍ عَنْ أَنَسٍ، عَنْ عُمَرَ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (وَالْأَنَامُ الْخَلْقُ) هُوَ تَفْسِيرُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ﴾ قَالَ: لِلْخَلْقِ، وَالْمُرَادُ بِالْخَلْقِ الْمَخْلُوقُ، وَمِنْ طَرِيقِ سِمَاكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْأَنَامُ النَّاسُ، وَهَذَا أَخَصُّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ قَالَ: الْجِنُّ وَالْإِنْسُ. وَعَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: هُوَ كُلُّ ذِي رُوحٍ.

قَوْلُهُ: ﴿بَرْزَخٌ﴾ حَاجِبٌ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ حَاجِزٌ بِالزَّايِ، وَهَذَا تَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنَ الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ إِلَّا قَوْلَهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أَلْفَافًا﴾ مُلْتَفَّةً، وَالْغُلْبُ: الْمُلْتَفَّةُ) وَصَلَهُمَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ قَالَ: مُلْتَفَّةٌ. وَمِنْ طَرِيقِهِ قَالَ: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ أَيْ مُلْتَفَّةً، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْحَدَائِقُ: مَا الْتَفَّتْ، وَالْغُلْبُ: مَا غَلُظَ. وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنْهُ: الْغُلْبُ: شَجَرٌ بِالْجَبَلِ لَا يَحْمِلُ يُسْتَظَلُّ بِهِ. وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبَى طَلْحَةَ عَنْهُ قَالَ: ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ أَيْ مُجْتَمِعَةً. وَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الْأَلْفَافُ جَمْعُ لَفٍّ أَوْ لَفِيفٍ. وَعَنِ الْكِسَائِيِّ: هُوَ جَمْعُ الْجَمْعِ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: اللِّفَافُ جَمْعُ لَفِيفَةٍ وَهِيَ الْغَلِيظَةُ، وَلَيْسَ الِالْتِفَافُ مِنَ الْغِلَظِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ يُرَادَ أَنَّهُ غَلُظَ بِالِالْتِفَافِ.

قَوْلُهُ: (فِرَاشًا: مِهَادًا كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ هُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ عَنْهُمَا، وَمِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ بِأَسَانِيدِهِ: فِرَاشًا: هِيَ فِرَاشٌ يُمْشَى عَلَيْهَا وَهِيَ الْمِهَادُ وَالْقَرَارُ.

قَوْلُهُ: ﴿نَكِدًا﴾ قَلِيلًا) أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: ﴿لا يَخْرُجُ إِلا نَكِدًا﴾ قَالَ: النَّكِدُ: الشَّيْءُ الْقَلِيلُ الَّذِي لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: هَذَا مَثَلٌ ضُرِبَ لِلْكُفَّارِ كَالْبَلَدِ السَّبِخَةِ الْمَالِحَةِ الَّتِي لَا تَخْرُجُ مِنْهَا الْبَرَكَةُ.

٤ - بَاب صِفَةِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ

﴿بِحُسْبَانٍ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: كَحُسْبَانِ الرَّحَى، وَقَالَ غَيْرُهُ: بِحِسَابٍ وَمَنَازِلَ لَا يَعْدُوَانِهَا، حُسْبَانٌ: جَمَاعَةُ الْحِسَابِ، مِثْلُ شِهَابٍ وَشُهْبَانٍ، ﴿ضُحَاهَا﴾ ضَوْؤها. ﴿أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ لَا يَسْتُرُ ضَوْءُ أَحَدِهِمَا ضَوْءَ الْآخَرِ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُمَا ذَلِكَ، ﴿سَابِقُ النَّهَارِ﴾ يَتَطَالَبَانِ حَثِيثَيْنِ. ﴿نَسْلَخُ﴾ نُخْرِجُ أَحَدَهُمَا مِنْ الْآخَرِ، وَنُجْرِي كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. ﴿وَاهِيَةٌ﴾ وَهْيُهَا تَشَقُّقُهَا. ﴿أَرْجَائِهَا﴾ مَا لَمْ يَنْشَقَّ مِنْهَا، فَهُو عَلَى حَافَتَيْهَا كَقَوْلِكَ: عَلَى أَرْجَاءِ الْبِئْرِ. أَغْطَشَ وَجَنَّ: أَظْلَمَ، وَقَالَ الْحَسَنُ: كُوِّرَتْ تُكَوَّرُ حَتَّى يَذْهَبَ ضَوْؤهَا. ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ أي جَمَعَ مِنْ دَابَّةٍ. ﴿اتَّسَقَ﴾ اسْتَوَى. ﴿بُرُوجًا﴾ مَنَازِلَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ. فالْحَرُورُ بِالنَّهَارِ مَعَ الشَّمْسِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَرُؤْبَةُ: الْحَرُورُ بِاللَّيْلِ، وَالسَّمُومُ بِالنَّهَارِ، يُقَالُ: ﴿يُولِجُ﴾ يُكَوِّرُ ﴿وَلِيجَةً﴾ كُلُّ شَيْءٍ أَدْخَلْتَهُ فِي شَيْءٍ.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.2 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل