الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٢٩٦
الحديث رقم ٣٢٩٦ من كتاب «كتاب بدء الخلق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ذكر الجن وثوابهم وعقابهم.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ الثُّعْبَانُ الْحَيَّةُ الذَّكَرُ مِنْهَا يُقَالُ: الْحَيَّاتُ أَجْنَاسٌ الْجَانُّ وَالْأَفَاعِي وَالْأَسَاوِدُ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا فِي مِلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ يُقَالُ صَافَّاتٍ بُسُطٌ أَجْنِحَتَهُنَّ يَقْبِضْنَ يَضْرِبْنَ بِأَجْنِحَتِهِنَّ
٣٢٩٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﵁ قَالَ لَهُ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
عُمَرُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعِنْدَهُ نِسْوَةٌ الْحَدِيثَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي الْمَنَاقِبِ.
الْحَدِيثُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْأَمْرِ بِالِاسْتِنْثَارِ، وَفِيهِ: فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ. وَالْخَيْشُومُ - بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَبِسُكُونِ الْيَاءِ التَّحْتَانِيَّةِ وَضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ - هُوَ الْأَنْفُ، وَقِيلَ: الْمَنْخِرُ، وَقَوْلُهُ: فَلْيَسْتَنْثِرْ أَكْثَرُ فَائِدَةً مِنْ قَوْلِهِ: فَلْيَسْتَنْشِقْ لِأَنَّ الِاسْتِنْثَارَ يَقَعُ عَلَى الِاسْتِنْشَاقِ بِغَيْرِ عَكْسٍ، فَقَدْ يَسْتَنْشِقُ وَلَا يَسْتَنْثِرُ، وَالِاسْتِنْثَارُ مِنْ تَمَامِ فَائِدَةِ الِاسْتِنْشَاقِ، لِأَنَّ حَقِيقَةَ الِاسْتِنْشَاقِ جَذْبُ الْمَاءِ بِرِيحِ الْأَنْفِ إِلَى أَقْصَاهُ، وَالِاسْتِنْثَارُ إِخْرَاجُ ذَلِكَ الْمَاءِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ الِاسْتِنْشَاقِ تَنْظِيفُ دَاخِلِ الْأَنْفِ، وَالِاسْتِنْثَارُ يُخْرِجُ ذَلِكَ الْوَسَخَ مَعَ الْمَاءِ؛ فَهُوَ مِنْ تَمَامِ الِاسْتِنْشَاقِ، وَقِيلَ: إِنَّ الِاسْتِنْثَارَ مَأْخُوذٌ مِنَ النَّثْرَةِ وَهِيَ طَرَفُ الْأَنْفِ، وَقِيلَ: الْأَنْفُ نَفْسُهُ، فَعَلَى هَذَا فَمَنِ اسْتَنْشَقَ، فَقَدِ اسْتَنْثَرَ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ أَنَّهُ تَنَاوَلَ الْمَاءَ بِأَنْفِهِ أَوْ بِطَرَفِ أَنْفِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ.
ثُمَّ إِنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ أَنَّ هَذَا يَقَعُ لِكُلِّ نَائِمٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِمَنْ لَمْ يَحْتَرِسْ مِنَ الشَّيْطَانِ بِشَيْءٍ مِنَ الذِّكْرِ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ قَبْلَ حَدِيثِ سَعْدٍ؛ فَإِنَّ فِيهِ: فَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ وَكَذَلِكَ آيَةُ الْكُرْسِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِيهِ وَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِنَفْيِ الْقُرْبِ هُنَا أَنَّهُ لَا يَقْرَبُ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِيهِ وَهُوَ الْقَلْبُ، فَيَكُونُ مَبِيتُهُ عَلَى الْأَنْفِ لِيَتَوَصَّلَ مِنْهُ إِلَى الْقَلْبِ إِذَا اسْتَيْقَظَ، فَمَنِ اسْتَنْثَرَ مَنَعَهُ مِنَ التَّوَصُّلِ إِلَى مَا يَقْصِدُ مِنَ الْوَسْوَسَةِ، فَحِينَئِذٍ فَالْحَدِيثُ مُتَنَاوِلٌ لِكُلِّ مُسْتَيْقِظٍ. ثُمَّ إِنَّ الِاسْتِنْشَاقَ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ اتِّفَاقًا لِكُلِّ مَنِ اسْتَيْقَظَ أَوْ كَانَ مُسْتَيْقِظًا، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ بِوُجُوبِهِ فِي الْغُسْلِ وَطَائِفَةٌ بِوُجُوبِهِ فِي الْوُضُوءِ أَيْضًا، وَهَلْ تَتَأَدَّى السُّنَّةُ بِمُجَرَّدِهِ بِغَيْرِ اسْتِنْثَارٍ أَمْ لَا؟ خِلَافَ، وَهُوَ مَحَلُّ بَحْثٍ وَتَأَمُّلٍ. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهَا لَا تَتِمُّ إِلَّا بِهِ لِمَا تَقَدَّمَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
١٢ - بَاب ذِكْرِ الْجِنِّ وَثَوَابِهِمْ وَعِقَابِهِمْ. لِقَوْلِهِ: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾، ﴿بَخْسًا﴾ نَقْصًا، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ، وَأُمَّهَاتُهُمْ بَنَاتُ سَرَوَاتِ الْجِنِّ. قَالَ اللَّهُ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ سَيحْضَرُون لِلْحِسَابِ. ﴿جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ عِنْدَ الْحِسَابِ.
٣٢٩٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﵁ قَالَ لَهُ: إِنِّي أَرَاك تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ، فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ وَبَادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ بِالصَّلَاةِ، فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ، إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
قَوْلُهُ: (بَابُ ذِكْرِ الْجِنِّ وَثَوَابِهِمْ وَعِقَابِهِمْ) أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى إِثْبَاتِ وُجُودِ الْجِنِّ وَإِلَى كَوْنِهِمْ مُكَلَّفِينَ، فَأَمَّا إِثْبَاتُ وُجُودِهِمْ فَقَدْ نَقَلَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الشَّامِلِ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ وَالزَّنَادِقَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ أَنَّهُمْ أَنْكَرُوا وُجُودَهُمْ رَأْسًا، قَالَ: وَلَا يُتَعَجَّبُ مِمَّنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ الْمُشَرِّعِينَ، إِنَّمَا الْعَجَبُ مِنَ الْمُشَرِّعِينَ مَعَ نُصُوصِ الْقُرْآنِ وَالْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ، قَالَ: وَلَيْسَ فِي قَضِيَّةِ الْعَقْلِ مَا يَقْدَحُ فِي إِثْبَاتِهِمْ. قَالَ: وَأَكْثَرُ مَا اسْتَرْوَحَ إِلَيْهِ مَنْ نَفَاهُمْ حُضُورُهُمْ
عِنْدَ الْإِنْسِ بِحَيْثُ لَا يَرَوْنَهُمْ وَلَوْ شَاءُوا لَأَبْدَوْا أَنْفُسَهُمْ، قَالَ: وَإِنَّمَا يَسْتَبْعِدُ ذَلِكَ مَنْ لَمْ يُحِطْ عِلْمًا بِعَجَائِبِ الْمَقْدُورَاتِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: وَكَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ يُثْبِتُونَ وُجُودَهُمْ وَيَنْفُونَهُ الْآنَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُثْبِتُهُمْ وَيَنْفِي تَسَلُّطَهُمْ عَلَى الْإِنْسِ. وَقَالَ عَبْدُ الْجَبَّارِ الْمُعْتَزِلِيُّ: الدَّلِيلُ عَلَى إِثْبَاتِهِمُ السَّمْعُ دُونَ الْعَقْلِ، إِذْ لَا طَرِيقَ إِلَى إِثْبَاتِ أَجْسَامٍ غَائِبَةٍ لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يَدُلُّ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا تَعَلُّقٌ، وَلَوْ كَانَ إِثْبَاتُهُمْ بِاضْطِرَارٍ لَمَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِيهِ، إِلَّا أَنَّا قَدْ عَلِمْنَا بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَدَيَّنُ بِإِثْبَاتِهِمْ، وَذَلِكَ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ يُتَشَاغَلَ بِإِيرَادِهِ.
وَإِذَا ثَبَتَ وُجُودُهُمْ فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ صِفَةِ النَّارِ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ وَاخْتُلِفَ فِي صِفَتِهِمْ: فَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ: قَالَ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ: الْجِنُّ أَجْسَادٌ رَقِيقَةٌ بَسِيطَةٌ، قَالَ: وَهَذَا عِنْدَنَا غَيْرُ مُمْتَنِعٍ إِنْ ثَبَتَ بِهِ سَمْعٌ. وَقَالَ أَبُو يَعْلَى بْنُ الْفَرَّاءِ: الْجِنُّ أَجْسَامٌ مُؤَلَّفَةٌ وَأَشْخَاصٌ مُمَثَّلَةٌ، يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ رَقِيقَةً وَأَنْ تَكُونَ كَثِيفَةً خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ فِي دَعْوَاهُمْ أَنَّهَا رَقِيقَةٌ، وَأَنَّ امْتِنَاعَ رُؤْيَتِنَا لَهُمْ مِنْ جِهَةِ رِقَّتِهَا. وَهُوَ مَرْدُودٌ، فَإِنَّ الرِّقَّةَ لَيْسَتْ بِمَانِعَةٍ عَنِ الرُّؤْيَةِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَخْفَى عَنْ رُؤْيَتِنَا بَعْضُ الْأَجْسَامِ الْكَثِيفَةِ إِذَا لَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ فِينَا إِدْرَاكَهَا. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي مَنَاقِبِ الشَّافِعِيِّ بِإِسْنَادِهِ عَنِ الرَّبِيعِ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَرَى الْجِنَّ أَبْطَلْنَا شَهَادَتَهُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا. انْتَهَى. وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ يَدَّعِي رُؤْيَتَهُمْ عَلَى صُوَرِهِمُ الَّتِي خُلِقُوا عَلَيْهَا، وَأَمَّا مَنِ ادَّعَى أَنَّهُ يَرَى شَيْئًا مِنْهُمْ بَعْدَ أَنْ يَتَطَوَّرَ عَلَى صُوَرٍ شَتَّى مِنَ الْحَيَوَانِ فَلَا يَقْدَحُ فِيهِ، وَقَدْ تَوَارَدَتِ الْأَخبَارُ بِتَطَوُّرِهِمْ فِي الصُّوَرِ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْكَلَامِ فِي ذَلِكَ فَقِيلَ: هُوَ تَخْيِيلٌ فَقَطْ، وَلَا يَنْتَقِلُ أَحَدٌ عَنْ صُورَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ، وَقِيلَ: بَلْ يَنْتَقِلُونَ، لَكِنْ لَا بِاقْتِدَارِهِمْ عَلَى ذَلِكَ، بَلْ بِضَرْبٍ مِنَ الْفِعْلِ إِذَا فَعَلَهُ انْتَقَلَ كَالسِّحْرِ، وَهَذَا قَدْ يَرْجِعُ إِلَى الْأَوَّلِ، وَفِيهِ أَثَرٌ عَنْ عُمَرَ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّ الْغِيلَانَى ذُكِرُوا عِنْدَ عُمَرَ فَقَالَ: إِنَّ أَحَدًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَحَوَّلَ عَنْ صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا، وَلَكِنْ لَهُمْ سَحَرَةٌ كَسَحَرَتِكُمْ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَأَذِّنُوا وَإِذَا ثَبَتَ وُجُودُهُمْ فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي أَصْلِهِمْ فَقِيلَ: إِنَّ أَصْلَهُمْ مِنْ وَلَدِ إِبْلِيسَ، فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ كَافِرًا سُمِّيَ شَيْطَانًا، وَقِيلَ: إِنَّ الشَّيَاطِينَ خَاصَّةً أَوْلَادُ إِبْلِيسَ، وَمَنْ عَدَاهُمْ لَيْسُوا مِنْ وَلَدِهِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْآتِي فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْجِنِّ يُقَوِّي أَنَّهُمْ نَوْعٌ وَاحِدٌ مِنْ أَصْلٍ وَاحِدٍ، وَاخْتَلَفَ صِنْفُهُ فَمَنْ كَانَ كَافِرًا سُمِّيَ شَيْطَانًا وَإِلَّا قِيلَ لَهُ جِنِّيٌّ، وَأَمَّا كَوْنُهُمْ مُكَلَّفِينَ فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الْجِنُّ عِنْدَ الْجَمَاعَةِ مُكَلَّفُونَ، وَقَالَ عَبْدُ الْجَبَّارِ: لَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ النَّظَرِ فِي ذَلِكَ، إِلَّا مَا حَكَى زَرْقَانُ عَنْ بَعْضِ الْحَشْوِيَّةِ أَنَّهُمْ مُضْطَرُّونَ إِلَى أَفْعَالِهِمْ وَلَيْسُوا بِمُكَلَّفِينَ، قَالَ: وَالدَّلِيلُ لِلْجَمَاعَةِ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذَمِّ الشَّيَاطِينِ وَالتَّحَرُّزِ مِنْ شَرِّهِمْ وَمَا أُعِدَّ لَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ، وَهَذِهِ الْخِصَالُ لَا تَكُونُ إِلَّا لِمَنْ خَالَفَ الْأَمْرَ وَارْتَكَبَ النَّهْيَ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ أَنْ لَا يَفْعَلَ، وَالْآيَاتُ وَالْأَخْبَارُ الدَّالَّةُ عَلَى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
وَإِذَا تَقَرَّرَ كَوْنُهُمْ مُكَلَّفِينَ فَقَدِ اخْتَلَفُوا: هَلْ كَانَ فِيهِمْ نَبِيٌّ مِنْهُمْ أَمْ لَا؟ فَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ إِثْبَاتَ ذَلِكَ، قَالَ: وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِ الضَّحَّاكِ احْتَجَّ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ رُسُلًا أُرْسِلُوا إِلَيْهِمْ، فَلَوْ جَازَ أَنَّ الْمُرَادَ بِرُسُلِ الْجِنِّ رُسُلُ الْإِنْسِ لَجَازَ عَكْسُهُ، وَهُوَ فَاسِدٌ. انْتَهَى. وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ: أَنَّ رُسُلَ الْإِنْسِ رُسُلٌ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ إِلَيْهِمْ، وَرُسُلُ الْجِنِّ بَثَّهُمُ اللَّهُ فِي الْأَرْضِ، فَسَمِعُوا كَلَامَ الرُّسُلِ مِنَ الْإِنْسِ وَبَلَّغُوا قَوْمَهُمْ، وَلِهَذَا قَالَ قَائِلُهُمْ ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ الْآيَةَ، وَاحْتَجَّ ابْنُ حَزْمٍ بِأَنَّهُ ﷺ قَالَ: وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ قَالَ: وَلَيْسَ الْجِنُّ مِنْ قَوْمِ الْإِنْسِ، فَثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ مِنْهُمْ أَنْبِيَاءُ إِلَيْهِمْ، قَالَ: وَلَمْ يُبْعَثْ إِلَى الْجِنِّ مِنَ الْإِنْسِ نَبِيٌّ إِلَّا نَبِيُّنَا ﷺ؛ لِعُمُومِ بَعْثَتِهِ إِلَى الْجِنِّ وَالْإِنْسِ بِاتِّفَاقٍ. انْتَهَى، وَقَالَ
ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّهُ ﷺ بُعِثَ إِلَى الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَهَذَا مِمَّا فُضِّلَ بِهِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، وَنُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ غَافِرٍ: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ قَالَ: هُوَ رَسُولُ الْجِنِّ، وَهَذَا ذَكَرَهُ (١).
وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْإِرْشَادِ فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ مَعَ الْعِيسَوِيَّةِ: وَقَدْ عَلِمْنَا ضَرُورَةً أَنَّهُ ﷺ ادَّعَى كَوْنَهُ مَبْعُوثًا إِلَى الثَّقَلَيْنِ، وَقَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: اتَّفَقَ عَلَى ذَلِكَ عُلَمَاءُ السَّلَفِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، قُلْتُ: وَثَبَتَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ فِي حَدِيثِ: وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ، وَبُعِثْتُ إِلَى الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، فِيمَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ بِلَفْظٍ: وَعَنِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ كَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى الْإِنْسِ فَقَطْ، وَبُعِثَ مُحَمَّدٌ إِلَى الْإِنْسِ وَالْجِنِّ. وَإِذَا تَقَرَّرَ كَوْنُهُمْ مُكَلَّفِينَ فَهُمْ مُكَلَّفُونَ بِالتَّوْحِيدِ وَأَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا مَا عَدَاهُ مِنَ الْفُرُوعِ فَاخْتُلِفَ فِيهِ لِمَا ثَبَتَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الرَّوْثِ وَالْعَظْمِ وَأَنَّهُمَا زَادُ الْجِنِّ، وَسَيَأْتِي فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَفِي آخِرِهِ: فَقُلْتُ: مَا بَالُ الرَّوْثِ وَالْعَظْمِ؟ قَالَ: هُمَا طَعَامُ الْجِنِّ. . الْحَدِيثَ، فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ تَنَاوُلِهِمْ لِلرَّوْثِ وَذَلِكَ حَرَامٌ عَلَى الْإِنْسِ.
وَكَذَلِكَ رَوَى أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ خَيْبَرَ فَتَبِعَهُ رَجُلَانِ، وَآخَرُ يَتْلُوهُمَا يَقُولُ: ارْجِعَا. حَتَّى رَدَّهُمَا، ثُمَّ لَحِقَهُ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ هَذَيْنِ شَيْطَانَانِ، فَإِذَا أَتَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَاقْرَأْ ﵇، وَأَخْبِرْهُ أَنَّا فِي جَمْعِ صَدَقَاتِنَا، وَلَوْ كَانَتْ تَصْلُحُ لَهُ لَبَعَثْنَا بِهَا إِلَيْهِ. فَلَمَّا قَدِمَ الرَّجُلُ الْمَدِينَةَ أَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِذَلِكَ، فَنَهَى عَنِ الْخَلْوَةِ، أَيِ السَّفَرِ مُنْفَرِدًا.
وَاخْتُلِفَ أَيْضًا: هَلْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَتَنَاكَحُونَ أَمْ لَا؟ فَقِيلَ بِالنَّفْيِ، وَقِيلَ بِمُقَابِلِهِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَقِيلَ: أَكْلُهُمْ وَشُرْبُهُمْ تَشَمُّمٌ وَاسْتِرْوَاحٌ لَا مَضْغٌ وَلَا بَلْعٌ، وَهُوَ مَرْدُودٌ بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أُمَيَّةَ بْنِ مَخْشِيٍّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا وَرَجُلٌ يَأْكُلُ وَلَمْ يُسَمِّ، ثُمَّ سَمَّى فِي آخِرِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَا زَالَ الشَّيْطَانُ يَأْكُلُ مَعَهُ فَلَمَّا سَمَّى اسْتَقَاءَ مَا فِي بَطْنِهِ. وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا يَأْكُلَنَّ أَحَدُكُمْ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبْ بِشِمَالِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ. وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّ الْجِنَّ أَصْنَافٌ: فَخَالِصُهُمْ رِيحٌ لَا يَأْكُلُونَ وَلَا يَشْرَبُونَ وَلَا يَتَوَالَدُونَ، وَجِنْسٌ مِنْهُمْ يَقَعُ مِنْهُمْ ذَلِكَ وَمِنْهُمُ السَّعَالِي وَالْغُولُ وَالْقُطْرُبُ.
وَهَذَا إِنْ ثَبَتَ كَانَ جَامِعًا لِلْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: الْجِنُّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ: صِنْفٌ لَهُمْ أَجْنِحَةٌ يَطِيرُونَ فِي الْهَوَاءِ، وَصِنْفٌ حَيَّاتٌ وَعَقَارِبُ، وَصِنْفٌ يَحِلُّونَ وَيَظْعَنُونَ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ لَكِنْ قَالَ فِي الثَّالِثِ: وَصِنْفٌ عَلَيْهِمُ الْحِسَابُ وَالْعِقَابُ، وَسَيَأْتِي شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ أَحَدِ ثِقَاتِ الشَّامِيِّينَ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ قَالَ: مَا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ إِلَّا وَفِي سَقْفِ بَيْتِهِمْ مِنَ الْجِنِّ، وَإِذَا وُضِعَ الْغَدَاءُ نَزَلُوا فَتَغَدَّوْا مَعَهُمْ وَالْعَشَاءُ كَذَلِكَ.
وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِأَنَّهُمْ يَتَنَاكَحُونَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾ وَالدَّلَالَةُ مِنْ ذَلِكَ ظَاهِرَةٌ.
وَاعْتَلَّ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّ الْجَانَّ خُلِقَ مِنْ نَارٍ، وَفِي النَّارِ مِنَ الْيُبُوسَةِ وَالْخِفَّةِ مَا يَمْنَعُ مَعَهُ التَّوَالُدَ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ أَصْلَهُمْ مِنَ النَّارِ كَمَا أَنَّ أَصْلَ الْآدَمِيِّ مِنَ التُّرَابِ، وَكَمَا أَنَّ الْآدَمِيَّ لَيْسَ طِينًا حَقِيقَةً، كَذَلِكَ الْجِنِّيُّ لَيْسَ نَارًا حَقِيقَةً، وَقَدْ وَقَعَ فِي الصَّحِيحِ فِي قِصَّةِ تَعَرُّضِ الشَّيْطَانِ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: فَأَخَذْتُهُ فَخَنَقْتُهُ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ رِيقِهِ عَلَى يَدَيَّ. قُلْتُ: وَبِهَذَا الْجَوَابِ يَنْدَفِعُ إِيرَادُ مَنِ اسْتَشْكَلَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِلا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ فَقَالَ كَيْفَ تُحْرِقُ النَّارُ النَّارَ؟
وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَثَوَابُهُمْ
وَعِقَابُهُمْ فَلَمْ يَخْتَلِفْ مَنْ أَثْبَتَ تَكْلِيفَهُمْ أَنَّهُمْ يُعَاقَبُونَ عَلَى الْمَعَاصِي.
وَاخْتُلِفَ: هَلْ يُثَابُونَ؟ فَرَوَى الطَّبَرِيُّ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزِّنَادِ مَوْقُوفًا. قَالَ: إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، قَالَ اللَّهُ لِمُؤْمِنِ الْجِنِّ وَسَائِرِ الْأُمَمِ أَيْ مِنْ غَيْرِ الْإِنْسِ: كُونُوا تُرَابًا، فَحِينَئِذٍ يَقُولُ الْكَافِرُ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا. وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ قَالَ: ثَوَابُ الْجِنِّ أَنْ يُجَارُوا مِنَ النَّارِ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ: كُونُوا تُرَابًا. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ نَحْوُ هَذَا الْقَوْلِ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُمْ يُثَابُونَ عَلَى الطَّاعَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَغَيْرِهِمْ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا: هَلْ يَدْخُلُونَ مَدْخَلَ الْإِنْسِ؟ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: نَعَمْ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ، وَثَانِيهَا: يَكُونُونَ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ مَالِكٍ وَطَائِفَةٍ، وَثَالِثُهَا: أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ، وَرَابِعُهَا: التَّوَقُّفُ عَنِ الْجَوَابِ فِي هَذَا.
وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي يُوسُفَ قَالَ: قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى فِي هَذَا لَهُمْ ثَوَابٌ، قَالَ: فَوَجَدْنَا مِصْدَاقَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ قُلْتُ: وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ قَبْلَهَا: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ فَإِنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ يَلِي الْآيَةَ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ، وَاسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَيْضًا ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ. وَاسْتَدَلَّ ابْنُ وَهْبٍ بِمِثْلِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ﴾ الْآيَةَ، فَإِنَّ الْآيَةَ بَعْدَهَا أَيْضًا: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ وَرَوَى أَبُو الشَّيْخِ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ مُغِيثِ بْنِ سُمَيٍّ أَحَدِ التَّابِعِينَ قَالَ: مَا مِنْ شَيْءٍ إِلَّا وَهُوَ يَسْمَعُ زَفِيرَ جَهَنَّمَ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ الَّذِينَ عَلَيْهِمُ الْحِسَابُ وَالْعِقَابُ. وَنُقِلَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ اسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِمُ الْعِقَابَ وَلَهُمُ الثَّوَابَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ وَالْخِطَابُ لِلْإِنْسِ وَالْجِنِّ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ فِيهِمْ مُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنُ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَخَافَ مَقَامَ رَبِّهِ ثَبَتَ الْمَطْلُوبُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (بَخْسًا: نُقْصَانًا) يُرِيدُ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنِ الْجِنِّ: ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا﴾ قَالَ يَحْيَى الْفَرَّاءُ: الْبَخْسُ: النَّقْصُ، وَالرَّهَقُ: الظُّلْمُ، وَمَفْهُومُ الْآيَةِ: أَنَّ مَنْ يَكْفُرُ فَإِنَّهُ يَخَافُ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى ثُبُوتِ تَكْلِيفِهِمْ
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا إِلَخْ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِهِ. وَفِيهِ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَمَنْ أُمَّهَاتُهُمْ؟ قَالُوا: بَنَاتُ سَرَوَاتِ الْجِنِّ إِلَخْ وَفِيهِ: قَالَ: عَلِمَتِ الْجِنُّ أَنَّهُمْ سَيَحْضُرُونَ لِلْحِسَابِ قُلْتُ: وَهَذَا الْكَلَامُ الْأَخِيرُ هُوَ الْمُتَعَلِّقُ بِالتَّرْجَمَةِ، وَسَرَوَاتُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ جَمْعُ سَرِيَّةٍ بِتَحْفِيفِ الرَّاءِ أَيْ شَرِيفَةٍ، وَوَقَعَ هُنَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَأُمَّهَاتُهُنَّ وَلِغَيْرِهِ وَأُمَّهَاتُهُمْ وَهُوَ أَصْوَبُ، وَوَقَعَ أَيْضًا لِغَيْرِ الْكُشْمِيهَنِيِّ ﴿جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ بِالْإِفْرَادِ، وَرِوَايَتُهُ أَشْبَهُ.
قَوْلُهُ: (جُنْدٌ مُحْضَرُونَ عِنْدَ الْحِسَابِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ عَنْ مُجَاهِدٍ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ إِلَّا شَهِدَ لَهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَشْرُوحًا فِي كِتَابِ الْأَذَانِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجِنَّ يُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
١٣ - بَاب قَوْلِ الله ﷿: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾، ﴿مَصْرِفًا﴾ مَعْدِلًا. ﴿صَرَفْنَا﴾ أَيْ وَجَّهْنَا.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ ﷿: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ سَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي تَعْيِينِهِمْ وَتَعْيِينِ بَلَدِهِمْ فِي التَّفْسِيرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
عُمَرُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعِنْدَهُ نِسْوَةٌ الْحَدِيثَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي الْمَنَاقِبِ.
الْحَدِيثُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْأَمْرِ بِالِاسْتِنْثَارِ، وَفِيهِ: فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ. وَالْخَيْشُومُ - بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَبِسُكُونِ الْيَاءِ التَّحْتَانِيَّةِ وَضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ - هُوَ الْأَنْفُ، وَقِيلَ: الْمَنْخِرُ، وَقَوْلُهُ: فَلْيَسْتَنْثِرْ أَكْثَرُ فَائِدَةً مِنْ قَوْلِهِ: فَلْيَسْتَنْشِقْ لِأَنَّ الِاسْتِنْثَارَ يَقَعُ عَلَى الِاسْتِنْشَاقِ بِغَيْرِ عَكْسٍ، فَقَدْ يَسْتَنْشِقُ وَلَا يَسْتَنْثِرُ، وَالِاسْتِنْثَارُ مِنْ تَمَامِ فَائِدَةِ الِاسْتِنْشَاقِ، لِأَنَّ حَقِيقَةَ الِاسْتِنْشَاقِ جَذْبُ الْمَاءِ بِرِيحِ الْأَنْفِ إِلَى أَقْصَاهُ، وَالِاسْتِنْثَارُ إِخْرَاجُ ذَلِكَ الْمَاءِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ الِاسْتِنْشَاقِ تَنْظِيفُ دَاخِلِ الْأَنْفِ، وَالِاسْتِنْثَارُ يُخْرِجُ ذَلِكَ الْوَسَخَ مَعَ الْمَاءِ؛ فَهُوَ مِنْ تَمَامِ الِاسْتِنْشَاقِ، وَقِيلَ: إِنَّ الِاسْتِنْثَارَ مَأْخُوذٌ مِنَ النَّثْرَةِ وَهِيَ طَرَفُ الْأَنْفِ، وَقِيلَ: الْأَنْفُ نَفْسُهُ، فَعَلَى هَذَا فَمَنِ اسْتَنْشَقَ، فَقَدِ اسْتَنْثَرَ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ أَنَّهُ تَنَاوَلَ الْمَاءَ بِأَنْفِهِ أَوْ بِطَرَفِ أَنْفِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ.
ثُمَّ إِنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ أَنَّ هَذَا يَقَعُ لِكُلِّ نَائِمٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِمَنْ لَمْ يَحْتَرِسْ مِنَ الشَّيْطَانِ بِشَيْءٍ مِنَ الذِّكْرِ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ قَبْلَ حَدِيثِ سَعْدٍ؛ فَإِنَّ فِيهِ: فَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ وَكَذَلِكَ آيَةُ الْكُرْسِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِيهِ وَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِنَفْيِ الْقُرْبِ هُنَا أَنَّهُ لَا يَقْرَبُ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِيهِ وَهُوَ الْقَلْبُ، فَيَكُونُ مَبِيتُهُ عَلَى الْأَنْفِ لِيَتَوَصَّلَ مِنْهُ إِلَى الْقَلْبِ إِذَا اسْتَيْقَظَ، فَمَنِ اسْتَنْثَرَ مَنَعَهُ مِنَ التَّوَصُّلِ إِلَى مَا يَقْصِدُ مِنَ الْوَسْوَسَةِ، فَحِينَئِذٍ فَالْحَدِيثُ مُتَنَاوِلٌ لِكُلِّ مُسْتَيْقِظٍ. ثُمَّ إِنَّ الِاسْتِنْشَاقَ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ اتِّفَاقًا لِكُلِّ مَنِ اسْتَيْقَظَ أَوْ كَانَ مُسْتَيْقِظًا، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ بِوُجُوبِهِ فِي الْغُسْلِ وَطَائِفَةٌ بِوُجُوبِهِ فِي الْوُضُوءِ أَيْضًا، وَهَلْ تَتَأَدَّى السُّنَّةُ بِمُجَرَّدِهِ بِغَيْرِ اسْتِنْثَارٍ أَمْ لَا؟ خِلَافَ، وَهُوَ مَحَلُّ بَحْثٍ وَتَأَمُّلٍ. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهَا لَا تَتِمُّ إِلَّا بِهِ لِمَا تَقَدَّمَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
١٢ - بَاب ذِكْرِ الْجِنِّ وَثَوَابِهِمْ وَعِقَابِهِمْ. لِقَوْلِهِ: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾، ﴿بَخْسًا﴾ نَقْصًا، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ، وَأُمَّهَاتُهُمْ بَنَاتُ سَرَوَاتِ الْجِنِّ. قَالَ اللَّهُ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ سَيحْضَرُون لِلْحِسَابِ. ﴿جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ عِنْدَ الْحِسَابِ.
٣٢٩٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﵁ قَالَ لَهُ: إِنِّي أَرَاك تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ، فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ وَبَادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ بِالصَّلَاةِ، فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ، إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
قَوْلُهُ: (بَابُ ذِكْرِ الْجِنِّ وَثَوَابِهِمْ وَعِقَابِهِمْ) أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى إِثْبَاتِ وُجُودِ الْجِنِّ وَإِلَى كَوْنِهِمْ مُكَلَّفِينَ، فَأَمَّا إِثْبَاتُ وُجُودِهِمْ فَقَدْ نَقَلَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الشَّامِلِ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ وَالزَّنَادِقَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ أَنَّهُمْ أَنْكَرُوا وُجُودَهُمْ رَأْسًا، قَالَ: وَلَا يُتَعَجَّبُ مِمَّنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ الْمُشَرِّعِينَ، إِنَّمَا الْعَجَبُ مِنَ الْمُشَرِّعِينَ مَعَ نُصُوصِ الْقُرْآنِ وَالْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ، قَالَ: وَلَيْسَ فِي قَضِيَّةِ الْعَقْلِ مَا يَقْدَحُ فِي إِثْبَاتِهِمْ. قَالَ: وَأَكْثَرُ مَا اسْتَرْوَحَ إِلَيْهِ مَنْ نَفَاهُمْ حُضُورُهُمْ
عِنْدَ الْإِنْسِ بِحَيْثُ لَا يَرَوْنَهُمْ وَلَوْ شَاءُوا لَأَبْدَوْا أَنْفُسَهُمْ، قَالَ: وَإِنَّمَا يَسْتَبْعِدُ ذَلِكَ مَنْ لَمْ يُحِطْ عِلْمًا بِعَجَائِبِ الْمَقْدُورَاتِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: وَكَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ يُثْبِتُونَ وُجُودَهُمْ وَيَنْفُونَهُ الْآنَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُثْبِتُهُمْ وَيَنْفِي تَسَلُّطَهُمْ عَلَى الْإِنْسِ. وَقَالَ عَبْدُ الْجَبَّارِ الْمُعْتَزِلِيُّ: الدَّلِيلُ عَلَى إِثْبَاتِهِمُ السَّمْعُ دُونَ الْعَقْلِ، إِذْ لَا طَرِيقَ إِلَى إِثْبَاتِ أَجْسَامٍ غَائِبَةٍ لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يَدُلُّ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا تَعَلُّقٌ، وَلَوْ كَانَ إِثْبَاتُهُمْ بِاضْطِرَارٍ لَمَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِيهِ، إِلَّا أَنَّا قَدْ عَلِمْنَا بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَدَيَّنُ بِإِثْبَاتِهِمْ، وَذَلِكَ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ يُتَشَاغَلَ بِإِيرَادِهِ.
وَإِذَا ثَبَتَ وُجُودُهُمْ فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ صِفَةِ النَّارِ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ وَاخْتُلِفَ فِي صِفَتِهِمْ: فَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ: قَالَ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ: الْجِنُّ أَجْسَادٌ رَقِيقَةٌ بَسِيطَةٌ، قَالَ: وَهَذَا عِنْدَنَا غَيْرُ مُمْتَنِعٍ إِنْ ثَبَتَ بِهِ سَمْعٌ. وَقَالَ أَبُو يَعْلَى بْنُ الْفَرَّاءِ: الْجِنُّ أَجْسَامٌ مُؤَلَّفَةٌ وَأَشْخَاصٌ مُمَثَّلَةٌ، يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ رَقِيقَةً وَأَنْ تَكُونَ كَثِيفَةً خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ فِي دَعْوَاهُمْ أَنَّهَا رَقِيقَةٌ، وَأَنَّ امْتِنَاعَ رُؤْيَتِنَا لَهُمْ مِنْ جِهَةِ رِقَّتِهَا. وَهُوَ مَرْدُودٌ، فَإِنَّ الرِّقَّةَ لَيْسَتْ بِمَانِعَةٍ عَنِ الرُّؤْيَةِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَخْفَى عَنْ رُؤْيَتِنَا بَعْضُ الْأَجْسَامِ الْكَثِيفَةِ إِذَا لَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ فِينَا إِدْرَاكَهَا. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي مَنَاقِبِ الشَّافِعِيِّ بِإِسْنَادِهِ عَنِ الرَّبِيعِ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَرَى الْجِنَّ أَبْطَلْنَا شَهَادَتَهُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا. انْتَهَى. وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ يَدَّعِي رُؤْيَتَهُمْ عَلَى صُوَرِهِمُ الَّتِي خُلِقُوا عَلَيْهَا، وَأَمَّا مَنِ ادَّعَى أَنَّهُ يَرَى شَيْئًا مِنْهُمْ بَعْدَ أَنْ يَتَطَوَّرَ عَلَى صُوَرٍ شَتَّى مِنَ الْحَيَوَانِ فَلَا يَقْدَحُ فِيهِ، وَقَدْ تَوَارَدَتِ الْأَخبَارُ بِتَطَوُّرِهِمْ فِي الصُّوَرِ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْكَلَامِ فِي ذَلِكَ فَقِيلَ: هُوَ تَخْيِيلٌ فَقَطْ، وَلَا يَنْتَقِلُ أَحَدٌ عَنْ صُورَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ، وَقِيلَ: بَلْ يَنْتَقِلُونَ، لَكِنْ لَا بِاقْتِدَارِهِمْ عَلَى ذَلِكَ، بَلْ بِضَرْبٍ مِنَ الْفِعْلِ إِذَا فَعَلَهُ انْتَقَلَ كَالسِّحْرِ، وَهَذَا قَدْ يَرْجِعُ إِلَى الْأَوَّلِ، وَفِيهِ أَثَرٌ عَنْ عُمَرَ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّ الْغِيلَانَى ذُكِرُوا عِنْدَ عُمَرَ فَقَالَ: إِنَّ أَحَدًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَحَوَّلَ عَنْ صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا، وَلَكِنْ لَهُمْ سَحَرَةٌ كَسَحَرَتِكُمْ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَأَذِّنُوا وَإِذَا ثَبَتَ وُجُودُهُمْ فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي أَصْلِهِمْ فَقِيلَ: إِنَّ أَصْلَهُمْ مِنْ وَلَدِ إِبْلِيسَ، فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ كَافِرًا سُمِّيَ شَيْطَانًا، وَقِيلَ: إِنَّ الشَّيَاطِينَ خَاصَّةً أَوْلَادُ إِبْلِيسَ، وَمَنْ عَدَاهُمْ لَيْسُوا مِنْ وَلَدِهِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْآتِي فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْجِنِّ يُقَوِّي أَنَّهُمْ نَوْعٌ وَاحِدٌ مِنْ أَصْلٍ وَاحِدٍ، وَاخْتَلَفَ صِنْفُهُ فَمَنْ كَانَ كَافِرًا سُمِّيَ شَيْطَانًا وَإِلَّا قِيلَ لَهُ جِنِّيٌّ، وَأَمَّا كَوْنُهُمْ مُكَلَّفِينَ فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الْجِنُّ عِنْدَ الْجَمَاعَةِ مُكَلَّفُونَ، وَقَالَ عَبْدُ الْجَبَّارِ: لَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ النَّظَرِ فِي ذَلِكَ، إِلَّا مَا حَكَى زَرْقَانُ عَنْ بَعْضِ الْحَشْوِيَّةِ أَنَّهُمْ مُضْطَرُّونَ إِلَى أَفْعَالِهِمْ وَلَيْسُوا بِمُكَلَّفِينَ، قَالَ: وَالدَّلِيلُ لِلْجَمَاعَةِ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذَمِّ الشَّيَاطِينِ وَالتَّحَرُّزِ مِنْ شَرِّهِمْ وَمَا أُعِدَّ لَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ، وَهَذِهِ الْخِصَالُ لَا تَكُونُ إِلَّا لِمَنْ خَالَفَ الْأَمْرَ وَارْتَكَبَ النَّهْيَ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ أَنْ لَا يَفْعَلَ، وَالْآيَاتُ وَالْأَخْبَارُ الدَّالَّةُ عَلَى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
وَإِذَا تَقَرَّرَ كَوْنُهُمْ مُكَلَّفِينَ فَقَدِ اخْتَلَفُوا: هَلْ كَانَ فِيهِمْ نَبِيٌّ مِنْهُمْ أَمْ لَا؟ فَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ إِثْبَاتَ ذَلِكَ، قَالَ: وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِ الضَّحَّاكِ احْتَجَّ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ رُسُلًا أُرْسِلُوا إِلَيْهِمْ، فَلَوْ جَازَ أَنَّ الْمُرَادَ بِرُسُلِ الْجِنِّ رُسُلُ الْإِنْسِ لَجَازَ عَكْسُهُ، وَهُوَ فَاسِدٌ. انْتَهَى. وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ: أَنَّ رُسُلَ الْإِنْسِ رُسُلٌ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ إِلَيْهِمْ، وَرُسُلُ الْجِنِّ بَثَّهُمُ اللَّهُ فِي الْأَرْضِ، فَسَمِعُوا كَلَامَ الرُّسُلِ مِنَ الْإِنْسِ وَبَلَّغُوا قَوْمَهُمْ، وَلِهَذَا قَالَ قَائِلُهُمْ ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ الْآيَةَ، وَاحْتَجَّ ابْنُ حَزْمٍ بِأَنَّهُ ﷺ قَالَ: وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ قَالَ: وَلَيْسَ الْجِنُّ مِنْ قَوْمِ الْإِنْسِ، فَثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ مِنْهُمْ أَنْبِيَاءُ إِلَيْهِمْ، قَالَ: وَلَمْ يُبْعَثْ إِلَى الْجِنِّ مِنَ الْإِنْسِ نَبِيٌّ إِلَّا نَبِيُّنَا ﷺ؛ لِعُمُومِ بَعْثَتِهِ إِلَى الْجِنِّ وَالْإِنْسِ بِاتِّفَاقٍ. انْتَهَى، وَقَالَ
ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّهُ ﷺ بُعِثَ إِلَى الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَهَذَا مِمَّا فُضِّلَ بِهِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، وَنُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ غَافِرٍ: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ قَالَ: هُوَ رَسُولُ الْجِنِّ، وَهَذَا ذَكَرَهُ (١).
وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْإِرْشَادِ فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ مَعَ الْعِيسَوِيَّةِ: وَقَدْ عَلِمْنَا ضَرُورَةً أَنَّهُ ﷺ ادَّعَى كَوْنَهُ مَبْعُوثًا إِلَى الثَّقَلَيْنِ، وَقَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: اتَّفَقَ عَلَى ذَلِكَ عُلَمَاءُ السَّلَفِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، قُلْتُ: وَثَبَتَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ فِي حَدِيثِ: وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ، وَبُعِثْتُ إِلَى الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، فِيمَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ بِلَفْظٍ: وَعَنِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ كَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى الْإِنْسِ فَقَطْ، وَبُعِثَ مُحَمَّدٌ إِلَى الْإِنْسِ وَالْجِنِّ. وَإِذَا تَقَرَّرَ كَوْنُهُمْ مُكَلَّفِينَ فَهُمْ مُكَلَّفُونَ بِالتَّوْحِيدِ وَأَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا مَا عَدَاهُ مِنَ الْفُرُوعِ فَاخْتُلِفَ فِيهِ لِمَا ثَبَتَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الرَّوْثِ وَالْعَظْمِ وَأَنَّهُمَا زَادُ الْجِنِّ، وَسَيَأْتِي فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَفِي آخِرِهِ: فَقُلْتُ: مَا بَالُ الرَّوْثِ وَالْعَظْمِ؟ قَالَ: هُمَا طَعَامُ الْجِنِّ. . الْحَدِيثَ، فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ تَنَاوُلِهِمْ لِلرَّوْثِ وَذَلِكَ حَرَامٌ عَلَى الْإِنْسِ.
وَكَذَلِكَ رَوَى أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ خَيْبَرَ فَتَبِعَهُ رَجُلَانِ، وَآخَرُ يَتْلُوهُمَا يَقُولُ: ارْجِعَا. حَتَّى رَدَّهُمَا، ثُمَّ لَحِقَهُ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ هَذَيْنِ شَيْطَانَانِ، فَإِذَا أَتَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَاقْرَأْ ﵇، وَأَخْبِرْهُ أَنَّا فِي جَمْعِ صَدَقَاتِنَا، وَلَوْ كَانَتْ تَصْلُحُ لَهُ لَبَعَثْنَا بِهَا إِلَيْهِ. فَلَمَّا قَدِمَ الرَّجُلُ الْمَدِينَةَ أَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِذَلِكَ، فَنَهَى عَنِ الْخَلْوَةِ، أَيِ السَّفَرِ مُنْفَرِدًا.
وَاخْتُلِفَ أَيْضًا: هَلْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَتَنَاكَحُونَ أَمْ لَا؟ فَقِيلَ بِالنَّفْيِ، وَقِيلَ بِمُقَابِلِهِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَقِيلَ: أَكْلُهُمْ وَشُرْبُهُمْ تَشَمُّمٌ وَاسْتِرْوَاحٌ لَا مَضْغٌ وَلَا بَلْعٌ، وَهُوَ مَرْدُودٌ بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أُمَيَّةَ بْنِ مَخْشِيٍّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا وَرَجُلٌ يَأْكُلُ وَلَمْ يُسَمِّ، ثُمَّ سَمَّى فِي آخِرِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَا زَالَ الشَّيْطَانُ يَأْكُلُ مَعَهُ فَلَمَّا سَمَّى اسْتَقَاءَ مَا فِي بَطْنِهِ. وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا يَأْكُلَنَّ أَحَدُكُمْ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبْ بِشِمَالِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ. وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّ الْجِنَّ أَصْنَافٌ: فَخَالِصُهُمْ رِيحٌ لَا يَأْكُلُونَ وَلَا يَشْرَبُونَ وَلَا يَتَوَالَدُونَ، وَجِنْسٌ مِنْهُمْ يَقَعُ مِنْهُمْ ذَلِكَ وَمِنْهُمُ السَّعَالِي وَالْغُولُ وَالْقُطْرُبُ.
وَهَذَا إِنْ ثَبَتَ كَانَ جَامِعًا لِلْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: الْجِنُّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ: صِنْفٌ لَهُمْ أَجْنِحَةٌ يَطِيرُونَ فِي الْهَوَاءِ، وَصِنْفٌ حَيَّاتٌ وَعَقَارِبُ، وَصِنْفٌ يَحِلُّونَ وَيَظْعَنُونَ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ لَكِنْ قَالَ فِي الثَّالِثِ: وَصِنْفٌ عَلَيْهِمُ الْحِسَابُ وَالْعِقَابُ، وَسَيَأْتِي شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ أَحَدِ ثِقَاتِ الشَّامِيِّينَ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ قَالَ: مَا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ إِلَّا وَفِي سَقْفِ بَيْتِهِمْ مِنَ الْجِنِّ، وَإِذَا وُضِعَ الْغَدَاءُ نَزَلُوا فَتَغَدَّوْا مَعَهُمْ وَالْعَشَاءُ كَذَلِكَ.
وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِأَنَّهُمْ يَتَنَاكَحُونَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾ وَالدَّلَالَةُ مِنْ ذَلِكَ ظَاهِرَةٌ.
وَاعْتَلَّ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّ الْجَانَّ خُلِقَ مِنْ نَارٍ، وَفِي النَّارِ مِنَ الْيُبُوسَةِ وَالْخِفَّةِ مَا يَمْنَعُ مَعَهُ التَّوَالُدَ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ أَصْلَهُمْ مِنَ النَّارِ كَمَا أَنَّ أَصْلَ الْآدَمِيِّ مِنَ التُّرَابِ، وَكَمَا أَنَّ الْآدَمِيَّ لَيْسَ طِينًا حَقِيقَةً، كَذَلِكَ الْجِنِّيُّ لَيْسَ نَارًا حَقِيقَةً، وَقَدْ وَقَعَ فِي الصَّحِيحِ فِي قِصَّةِ تَعَرُّضِ الشَّيْطَانِ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: فَأَخَذْتُهُ فَخَنَقْتُهُ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ رِيقِهِ عَلَى يَدَيَّ. قُلْتُ: وَبِهَذَا الْجَوَابِ يَنْدَفِعُ إِيرَادُ مَنِ اسْتَشْكَلَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِلا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ فَقَالَ كَيْفَ تُحْرِقُ النَّارُ النَّارَ؟
وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَثَوَابُهُمْ
وَعِقَابُهُمْ فَلَمْ يَخْتَلِفْ مَنْ أَثْبَتَ تَكْلِيفَهُمْ أَنَّهُمْ يُعَاقَبُونَ عَلَى الْمَعَاصِي.
وَاخْتُلِفَ: هَلْ يُثَابُونَ؟ فَرَوَى الطَّبَرِيُّ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزِّنَادِ مَوْقُوفًا. قَالَ: إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، قَالَ اللَّهُ لِمُؤْمِنِ الْجِنِّ وَسَائِرِ الْأُمَمِ أَيْ مِنْ غَيْرِ الْإِنْسِ: كُونُوا تُرَابًا، فَحِينَئِذٍ يَقُولُ الْكَافِرُ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا. وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ قَالَ: ثَوَابُ الْجِنِّ أَنْ يُجَارُوا مِنَ النَّارِ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ: كُونُوا تُرَابًا. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ نَحْوُ هَذَا الْقَوْلِ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُمْ يُثَابُونَ عَلَى الطَّاعَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَغَيْرِهِمْ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا: هَلْ يَدْخُلُونَ مَدْخَلَ الْإِنْسِ؟ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: نَعَمْ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ، وَثَانِيهَا: يَكُونُونَ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ مَالِكٍ وَطَائِفَةٍ، وَثَالِثُهَا: أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ، وَرَابِعُهَا: التَّوَقُّفُ عَنِ الْجَوَابِ فِي هَذَا.
وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي يُوسُفَ قَالَ: قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى فِي هَذَا لَهُمْ ثَوَابٌ، قَالَ: فَوَجَدْنَا مِصْدَاقَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ قُلْتُ: وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ قَبْلَهَا: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ فَإِنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ يَلِي الْآيَةَ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ، وَاسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَيْضًا ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ. وَاسْتَدَلَّ ابْنُ وَهْبٍ بِمِثْلِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ﴾ الْآيَةَ، فَإِنَّ الْآيَةَ بَعْدَهَا أَيْضًا: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ وَرَوَى أَبُو الشَّيْخِ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ مُغِيثِ بْنِ سُمَيٍّ أَحَدِ التَّابِعِينَ قَالَ: مَا مِنْ شَيْءٍ إِلَّا وَهُوَ يَسْمَعُ زَفِيرَ جَهَنَّمَ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ الَّذِينَ عَلَيْهِمُ الْحِسَابُ وَالْعِقَابُ. وَنُقِلَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ اسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِمُ الْعِقَابَ وَلَهُمُ الثَّوَابَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ وَالْخِطَابُ لِلْإِنْسِ وَالْجِنِّ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ فِيهِمْ مُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنُ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَخَافَ مَقَامَ رَبِّهِ ثَبَتَ الْمَطْلُوبُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (بَخْسًا: نُقْصَانًا) يُرِيدُ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنِ الْجِنِّ: ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا﴾ قَالَ يَحْيَى الْفَرَّاءُ: الْبَخْسُ: النَّقْصُ، وَالرَّهَقُ: الظُّلْمُ، وَمَفْهُومُ الْآيَةِ: أَنَّ مَنْ يَكْفُرُ فَإِنَّهُ يَخَافُ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى ثُبُوتِ تَكْلِيفِهِمْ
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا إِلَخْ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِهِ. وَفِيهِ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَمَنْ أُمَّهَاتُهُمْ؟ قَالُوا: بَنَاتُ سَرَوَاتِ الْجِنِّ إِلَخْ وَفِيهِ: قَالَ: عَلِمَتِ الْجِنُّ أَنَّهُمْ سَيَحْضُرُونَ لِلْحِسَابِ قُلْتُ: وَهَذَا الْكَلَامُ الْأَخِيرُ هُوَ الْمُتَعَلِّقُ بِالتَّرْجَمَةِ، وَسَرَوَاتُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ جَمْعُ سَرِيَّةٍ بِتَحْفِيفِ الرَّاءِ أَيْ شَرِيفَةٍ، وَوَقَعَ هُنَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَأُمَّهَاتُهُنَّ وَلِغَيْرِهِ وَأُمَّهَاتُهُمْ وَهُوَ أَصْوَبُ، وَوَقَعَ أَيْضًا لِغَيْرِ الْكُشْمِيهَنِيِّ ﴿جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ بِالْإِفْرَادِ، وَرِوَايَتُهُ أَشْبَهُ.
قَوْلُهُ: (جُنْدٌ مُحْضَرُونَ عِنْدَ الْحِسَابِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ عَنْ مُجَاهِدٍ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ إِلَّا شَهِدَ لَهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَشْرُوحًا فِي كِتَابِ الْأَذَانِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجِنَّ يُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
١٣ - بَاب قَوْلِ الله ﷿: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾، ﴿مَصْرِفًا﴾ مَعْدِلًا. ﴿صَرَفْنَا﴾ أَيْ وَجَّهْنَا.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ ﷿: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ سَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي تَعْيِينِهِمْ وَتَعْيِينِ بَلَدِهِمْ فِي التَّفْسِيرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: