«فَتَحَ اللهُ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلَ هَذَا وَعَقَدَ بِيَدِهِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٣٤٧

الحديث رقم ٣٣٤٧ من كتاب «كتاب أحاديث الأنبياء» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب قصة يأجوج ومأجوج.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٣٣٤٧ في صحيح البخاري

«فَتَحَ اللهُ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلَ هَذَا وَعَقَدَ بِيَدِهِ تِسْعِينَ.»

إسناد حديث البخاري رقم ٣٣٤٧

٣٣٤٧ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٣٣٤٧: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٣٣٤٧ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: "فَتَحَ اللَّهُ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلَ هَذَا وَعَقَدَ بِيَدِهِ تِسْعِينَ".

[الحديث ٣٣٤٧ - طرفه في: ٧١٣٦]

٣٣٤٨ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ الأَعْمَشِ حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى يَا آدَمُ فَيَقُولُ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ فَيَقُولُ أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ قَالَ وَمَا بَعْثُ النَّارِ قَالَ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ فَعِنْدَهُ يَشِيبُ الصَّغِيرُ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَيُّنَا ذَلِكَ الْوَاحِدُ قَالَ أَبْشِرُوا فَإِنَّ مِنْكُمْ رَجُلًا وَمِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفًا ثُمَّ قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَكَبَّرْنَا فَقَالَ أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَكَبَّرْنَا فَقَالَ أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَكَبَّرْنَا فَقَالَ مَا أَنْتُمْ فِي النَّاسِ إِلاَّ كَالشَّعَرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَبْيَضَ أَوْ كَشَعَرَةٍ بَيْضَاءَ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَسْوَدَ".

[الحديث ٣٣٤٨ - أطرافه في: ٤٧٤١، ٦٥٣٠، ٧٤٨٣]

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿سَبَبًا﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ غَيْرُهُ الْآيَةَ، ثُمَّ اتَّفَقُوا إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ وَفِي إِيرَادِ الْمُصَنِّفِ تَرْجَمَةَ ذِي الْقَرْنَيْنِ قَبْلَ إِبْرَاهِيمَ إِشَارَةٌ إِلَى تَوْهِينِ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ الْإِسْكَنْدَرُ الْيُونَانِيُّ، لِأَنَّ الْإِسْكَنْدَرَ كَانَ قَرِيبًا مِنْ زَمَنِ عِيسَى ، وَبَيْنَ زَمَنِ إِبْرَاهِيمَ وَعِيسَى أَكْثَرُ مِنْ أَلْفَيْ سَنَةٍ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْإِسْكَنْدَرَ الْمُتَأَخِّرَ لُقِّبَ بِذِي الْقَرْنَيْنِ تَشْبِيهًا بِالْمُتَقَدِّمِ لِسَعَةِ مُلْكِهِ وَغَلَبَتِهِ عَلَى الْبِلَادِ الْكَثِيرَةِ، أَوْ لِأَنَّهُ لَمَّا غَلَبَ عَلَى الْفُرْسِ وَقَتَلَ مَلِكَهُمِ انْتَظَمَ لَهُ مُلْكُ الْمَمْلَكَتَيْنِ الْوَاسِعَتَيْنِ الرُّومِ وَالْفُرْسِ فَلُقِّبَ ذَا الْقَرْنَيْنِ لِذَلِكَ، وَالْحَقُّ أَنَّ الَّذِي قَصَّ اللَّهُ نَبَأَهُ فِي الْقُرْآنِ هُوَ الْمُتَقَدِّمُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ أَوْجُهٍ:

أَحَدُهَا: مَا ذَكَرْتُهُ، وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى تَقَدُّمِ ذِي الْقَرْنَيْنِ مَا رَوَى الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أَحَدِ كِبَارِ التَّابِعِينَ أَنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ حَجَّ مَاشِيًا فَسَمِعَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ فَتَلَقَّاهُ، وَمِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فَسَلَّمَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَصَافَحَهُ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ صَافَحَ. وَمِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ سَاجٍ أَنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ سَأَلَ إِبْرَاهِيمَ أَنْ يَدْعُوَ لَهُ فَقَالَ: وَكَيْفَ وَقَدْ أَفْسَدْتُمْ بِئْرِي؟ فَقَالَ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَنْ أَمْرِي، يَعْنِي أَنَّ بَعْضَ الْجُنْدِ فَعَلَ ذَلِكَ بِغَيْرِ عِلْمِهِ. وَذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ فِي التِّيجَانِ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ تَحَاكَمَ إِلَى ذِي الْقَرْنَيْنِ فِي شَيْءٍ فَحَكَمَ لَهُ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ أَنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ قَدِمَ مَكَّةَ، فَوَجَدَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ يَبْنِيَانِ الْكَعْبَةَ، فَاسْتَفْهَمَهُمَا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَا: نَحْنُ عَبْدَانِ مَأْمُورَانِ، فَقَالَ: مَنْ يَشْهَدُ لَكُمَا؟ فَقَامَتْ خَمْسَةُ أَكْبُشٍ فَشَهِدَتْ، فَقَالَ: قَدْ صَدَقْتُمْ. قَالَ: وَأَظُنُّ الْأَكْبُشَ الْمَذْكُورَةَ حِجَارَةً، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ غَنَمًا. فَهَذِهِ الْآثَارُ يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا. وَيَدُلُّ عَلَى قِدَمِ عَهْدِ ذِي الْقَرْنَيْنِ.

ثَانِيَ الْأَوْجُهِ: قَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: كَانَ ذُو الْقَرْنَيْنِ نَبِيًّا. وَكَانَ الْإِسْكَنْدَرُ كَافِرًا، وَكَانَ مُعَلِّمُهُ أَرَسْطَاطَالِيسَ، وَكَانَ يَأْتَمِرُ

بِأَمْرِهِ، وَهُوَ مِنَ الْكُفَّارِ بِلَا شَكٍّ، وَسَأَذْكُرُ مَا جَاءَ فِي أَنَّهُ كَانَ نَبِيًّا أَمْ لَا.

ثَالِثُهَا: كَانَ ذُو الْقَرْنَيْنِ مِنَ الْعَرَبِ كَمَا سَنَذْكُرُ بَعْدُ، وَأَمَّا الْإِسْكَنْدَرُ فَهُوَ مِنَ الْيُونَانِ، وَالْعَرَبُ كُلُّهَا مِنْ وَلَدِ سَامِ بْنِ نُوحٍ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ هَلْ هُمْ كُلُّهُمْ مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ أَوْ لَا؟ وَالْيُونَانُ مِنْ وَلَدِ يَافِثِ بْنِ نُوحٍ عَلَى الرَّاجِحِ فَافْتَرَقَا. وَشُبْهَةُ مَنْ قَالَ إِنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ هُوَ الْإِسْكَنْدَرُ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعٍ الْجِيزِيُّ فِي كِتَابِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ نَزَلُوا مِصْرَ بِإِسْنَادٍ فِيهِ ابْنُ لَهِيعَةَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ، فَقَالَ: كَانَ مِنَ الرُّومِ فَأُعْطِيَ مُلْكًا فَصَارَ إِلَى مِصْرَ وَبَنَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةَ، فَلَمَّا فَرَغَ أَتَاهُ مَلَكٌ فَعَرَجَ بِهِ فَقَالَ: انْظُرْ مَا تَحْتَكَ، قَالَ: أَرَى مَدِينَةً وَاحِدَةً، قَالَ: تِلْكَ الْأَرْضُ كُلُّهَا، وَإِنَّمَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُرِيَكَ وَقَدْ جَعَلَ لَكَ فِي الْأَرْضِ سُلْطَانًا، فَسِرْ فِيهَا وَعَلِّمِ الْجَاهِلَ وَثَبِّتِ الْعَالِمَ.

وَهَذَا لَوْ صَحَّ لَرَفَعَ النِّزَاعَ، وَلَكِنَّهُ ضَعِيفٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي ذِي الْقَرْنَيْنِ، فَقِيلَ: كَانَ نَبِيًّا كَمَا تَقَدَّمَ، وَهَذَا مَرْوِيٌّ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَعَلَيْهِ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ. وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ النَّبِيُّ : لَا أَدْرِي ذُو الْقَرْنَيْنِ كَانَ نَبِيًّا أَوْ لَا. وَذَكَرَ وَهْبٌ فِي الْمُبْتَدَأِ أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا صَالِحًا وَأَنَّ اللَّهَ بَعَثَهُ إِلَى أَرْبَعَةِ أُمَمٍ: أُمَّتَيْنِ بَيْنَهُمَا طُولُ الْأَرْضِ، وَأُمَّتَيْنِ بَيْنَهُمَا عَرْضُ الْأَرْضِ، وَهِيَ: نَاسِكُ وَمَنْسَكُ وَتَأْوِيلُ وَهَاوِيلُ، فَذَكَرَ قِصَّةً طَوِيلَةً حَكَاهَا الثَّعْلَبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ. وَقَالَ الزُّبَيْرُ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ النَّسَبِ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عِمْرَانَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ سَمِعْتُ ابْنَ الْكَوَّا يَقُولُ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: أَخْبِرْنِي مَا كَانَ ذُو الْقَرْنَيْنِ؟ قَالَ: كَانَ رَجُلًا أَحَبَّ اللَّهَ فَأَحَبَّهُ، بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى قَوْمِهِ فَضَرَبُوهُ عَلَى قَرْنِهِ ضَرْبَةً مَاتَ مِنْهَا، ثُمَّ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ فَضَرَبُوهُ عَلَى قَرْنِهِ ضَرْبَةً مَاتَ مِنْهَا، ثُمَّ بَعَثَهُ اللَّهُ، فَسُمِّيَ ذو الْقَرْنَيْنِ. وَعَبْدُ الْعَزِيزِ ضَعِيفٌ، وَلَكِنْ تُوبِعَ عَلَى أَبِي الطُّفَيْلِ، أَخْرَجَهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ فِي جَامِعِهِ عَنِ ابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ نَحْوَهُ، وَزَادَ: وَنَاصَحَ اللَّهَ فَنَاصَحَهُ. وَفِيهِ: لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا وَلَا مَلَكًا.

وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ، سَمِعْنَاهُ فِي الْأَحَادِيثِ الْمُخْتَارَةِ لِلْحَافِظِ الضِّيَاءِ، وَفِيهِ إِشْكَالٌ لِأَنَّ قَوْلَهُ: ولَمْ يَكُنْ نَبِيًّا مُغَايِرٌ لِقَوْلِهِ: بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى قَوْمِهِ، إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ الْبَعْثُ عَلَى غَيْرِ رِسَالَةِ النُّبُوَّةِ. وَقِيلَ: كَانَ مَلَكًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ، حَكَاهُ الثَّعْلَبِيُّ، وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ فَقَالَ: تُسَمِّيهِ بِأَسْمَاءِ الْمَلَائِكَةِ؟ وَحَكَى الْجَاحِظُ فِي الْحَيَوَانِ أَنَّ أُمَّهُ كَانَتْ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ وَأَنَّ أَبَاهُ كَانَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، قَالَ: وَاسْمُ أَبِيهِ فَيْرَى، وَاسْمُ أُمِّهِ غَيْرَى، وَقِيلَ: كَانَ مِنَ الْمُلُوكِ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ مَا يُومِئُ إِلَى ذَلِكَ، وَسَيَأْتِي فِي تَرْجَمَةِ مُوسَى فِي الْكَلَامِ عَلَى أَخْبَارِ الْخَضِرِ.

وَاخْتُلِفَ فِي سَبَبِ تَسْمِيَتِهِ ذَا الْقَرْنَيْنِ فَتَقَدَّمَ قَوْلُ عَلِيٍّ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ بَلَغَ الْمَشْرِقَ وَالْمَغْرِبَ، أَخْرَجَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَسِيدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: إِنَّمَا سُمِّيَ ذَا الْقَرْنَيْنِ لِأَنَّهُ بَلَغَ قَرْنَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا وَقَرْنَ الشَّمْسِ مِنْ مَطْلَعِهَا، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ مَلَكَهُمَا وَقِيلَ: رَأَى فِي مَنَامِهِ أَنَّهُ أَخَذَ بِقَرْنَيِ الشَّمْسِ، وَقِيلَ: كَانَ لَهُ قَرْنَانِ حَقِيقَةً، وَهَذَا أَنْكَرَهُ عَلِيٌّ فِي رِوَايَةِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ ضَفِيرَتَانِ تُوَارِيهُمَا ثِيَابُهُ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ كَانَتْ لَهُ غَدِيرَتَانِ طَوِيلَتَانِ مِنْ شَعْرِهِ حَتَّى كَانَ يَطَأُ عَلَيْهِمَا، وَتَسْمِيَةُ الضَّفِيرَةِ مِنَ الشَّعْرِ قَرْنًا مَعْرُوفٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ أُمِّ عَطِيَّةَ وَضَفَّرْنَا شَعْرَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ وَمِنْهُ قَوْلُ جَمِيلٍ:

فَلَثَمْتُ فَاهَا آخِذًا بِقُرُونِهَا

وَقِيلَ: كَانَتْ صَفْحَتَا رَأْسِهِ مِنْ نُحَاسٍ، وَقِيلَ لِتَاجِهِ قَرْنَانِ، وَقِيلَ كَانَ فِي رَأْسِهِ شِبْهُ الْقَرْنَيْنِ، وَقِيلَ لِأَنَّهُ دَخَلَ النُّورَ وَالظُّلْمَةَ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ عَمَّرَ حَتَّى فَنِيَ فِي زَمَنِهِ قَرْنَانِ مِنَ النَّاسِ، وَقِيلَ: لِأَنَّ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ عِنْدَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ وَقَدْ بَلَغَهُ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ كَانَ كَرِيمَ الطَّرَفَيْنِ أُمُّهُ وَأَبُوهُ مِنْ بَيْتِ شَرَفٍ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ كَانَ إِذَا قَاتَلَ قَاتَلَ بِيَدَيْهِ وَرِكَابَيْهِ جَمِيعًا،

وَقِيلَ: لِأَنَّهُ أُعْطِيَ عِلْمَ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ مَلَكَ فَارِسَ وَالرُّومِ.

وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ فَرَوَى ابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَخْرَجَهُ الزُّبَيْرُ فِي كِتَابِ النَّسَبِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْذِرِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عِمْرَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَبِيبَةَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ذُو الْقَرْنَيْنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الضَّحَّاكِ بْنِ مَعْدِ بْنِ عَدْنَانَ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ جِدًّا لِضَعْفِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَشَيْخِهِ، وَهُوَ مُبَايِنٌ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِ إِبْرَاهِيمَ فَكَيْفَ يَكُونُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ؛ لَا سِيَّمَا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: كَانَ بَيْنَ عَدْنَانَ وَإِبْرَاهِيمَ أَرْبَعُونَ أَبًا أَوْ أَكْثَرَ، وَقِيلَ: اسْمُهُ الصَّعْبُ وَبِهِ جَزَمَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ وَذَكَرَهُ ابْنُ هِشَامٍ فِي التِّيجَانِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا، وَقَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ حَبِيبٍ فِي كِتَابِ الْمُحَبَّرِ هُوَ الْمُنْذِرُ بْنُ أَبِي الْقَيْسِ أَحَدُ مُلُوكِ الْحِيرَةِ، وَأُمُّهُ مَاءُ السَّمَاءِ مَاوِيَّةُ بِنْتُ عَوْفِ بْنِ جُشَمَ، قَالَ وَقِيلَ: اسْمُهُ الصَّعْبُ بْنُ قَرْنِ بْنِ هُمَّالٍ مِنْ مُلُوكِ حِمْيَرَ، وَقَالَ الطَّبَرِيُّ هُوَ إِسْكَنْدَرُوسُ بْنُ فِيلْبُوسَ وَقِيلَ فِيلِبْسُ وَبِالثَّانِي جَزَمَ الْمَسْعُودِيُّ، وَقِيلَ: اسْمُهُ الْهَمَيْسَعُ ذَكَرَهُ الْهَمْدَانِيُّ فِي كُتُبِ النَّسَبِ قَالَ: وَكُنْيَتُهُ أَبُو الصَّعْبِ وَهُوَ ابْنُ عَمْرِو بْنِ عَرِيبِ بْنِ زَيْدِ بْنِ كَهْلَانَ بْنِ سَبَأٍ، وَقِيلَ: ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَرِينِ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَزْدِ، وَقِيلَ: بِإِسْقَاطِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَوَّلِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ إِسْحَاقَ الَّذِي حَكَاهُ ابْنُ هِشَامٍ عَنْهُ أَنَّ اسْمَ ذِي الْقَرْنَيْنِ، مَرْزُبَانُ بْنُ مُرْدَيْهِ، بِدَالٍ مُهْمَلَةٍ وَقِيلَ: بِزَايٍ فَقَدْ صُرِّحَ بِأَنَّهُ الْإِسْكَنْدَرُ، وَلِذَلِكَ اشْتُهِرَ عَلَى الْأَلْسِنَةِ

لِشُهْرَةِ السِّيرَةِ لِابْنِ إِسْحَاقَ. قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَالظَّاهِرُ مِنْ عِلْمِ الْأَخْبَارِ أَنَّهُمَا اثْنَانِ أَحَدُهُمَا كَانَ عَلَى عَهْدِ إِبْرَاهِيمَ، وَيُقَالُ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ تَحَاكَمَ إِلَيْهِ فِي بِئْرِ السَّبُعِ بِالشَّامِ فَقَضَى لِإِبْرَاهِيمَ وَالْآخَرُ كَانَ قَرِيبًا مِنْ عَهْدِ عِيسَى. قُلْتُ: لَكِنَّ الْأَشْبَهَ أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْقُرْآنِ هُوَ الْأَوَّلُ بِدَلِيلِ مَا ذُكِرَ فِي تَرْجَمَةِ الْخَضِرِ حَيْثُ جَرَى ذِكْرُهُ فِي قِصَّةِ مُوسَى قَرِيبًا أَنَّهُ كَانَ عَلَى مُقَدِّمَةِ ذِي الْقَرْنَيْنِ، وَقَدْ ثَبَتَتْ قِصَّةُ الْخَضِرِ مَعَ مُوسَى، وَمُوسَى كَانَ قَبْلَ زَمَنِ عِيسَى قَطْعًا، وَتَأْتِي بَقِيَّةُ أَخْبَارِ الْخَضِرِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَهَذَا عَلَى طَرِيقة مَنْ يَقُولُ إِنَّهُ الْإِسْكَنْدَرُ، وَحَكَى السُّهَيْلِيُّ أَنَّهُ قِيلَ: إِنَّهُ رَجُلٌ مِنْ وَلَدِ يُونَانَ بْنِ يَافِثَ اسْمُهُ هَرْمَسُ، وَيُقَالُ هِرْدِيسُ، وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ الْمُفَسِّرُ تَبَعًا لِلسُّهَيْلِيِّ أَنَّهُ قِيلَ إِنَّهُ أَفْرِيدُونُ، وَهُوَ الْمَلِكُ الْقَدِيمُ لِلْفُرْسِ الَّذِي قَتَلَ الضَّحَّاكَ الْجَبَّارَ الَّذِي يَقُولُ فِيهِ الشَّاعِرُ:

فَكَأَنَّهُ الضَّحَّاكُ فِي فَتَكَاتِهِ … بِالْعَالَمِينَ وَأَنْتَ أَفْرِيدُونُ

وَلِلضَّحَّاكِ قِصَصٌ طَوِيلَةٌ ذَكَرَهَا الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ. وَالَّذِي يُقَوِّي أَنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ مِنَ الْعَرَبِ كَثْرَةُ مَا ذَكَرُوهُ فِي أَشْعَارِهِمْ، قَالَ أَعْشَى بْنُ ثَعْلَبَةَ:

وَالصَّعْبُ ذُو الْقَرْنَيْنِ أَمْسَى ثَاوِيًا … بِالْحِنْوِ فِي جَدَثٍ هُنَاكَ مُقِيمُ

وَالْحِنْوُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ النُّونِ فِي نَاحِيَةِ الْمَشْرِقِ. وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ ضُبَيْعٍ:

وَالصَّعْبُ ذُو الْقَرْنَيْنِ عَمَّرَ مُلْكَهُ … أَلْفَيْنِ أَمْسَى بَعْدَ ذَاكَ رَمِيمًا

وَقَالَ قُسُّ بْنُ سَاعِدَةَ:

وَالصَّعْبُ ذُو الْقَرْنَيْنِ أَصْبَحَ ثَاوِيًا … بِاللَّحْدِ بَيْنَ مَلَاعِبِ الْأَرْيَاحِ

وَقَالَ تُبَّعُ الْحِمْيَرِيُّ:

قَدْ كَانَ ذُو الْقَرْنَيْنِ قَبْلِيَ مُسْلِمًا … مَلِكًا تَدِينُ لَهُ الْمُلُوكُ وَتَحْشُدُ

مِنْ بَعْدِهِ بَلْقِيسُ كَانَتْ عَمَّتِي … مَلَكَتْهُمُ حَتَّى أَتَاهَا الْهُدْهُدُ

وَقَالَ بَعْضُ الْحَارِثِيِّينَ يَفْتَخِرُ بِكَوْنِ ذِي الْقَرْنَيْنِ مِنَ الْيَمَنِ يُخَاطِبُ قَوْمًا مِنْ مُضَرَ:

سَمُّوا لَنَا وَاحِدًا مِنْكُمْ فَنَعْرِفُهُ … فِي الْجَاهِلِيَّةِ لِاسْمِ الْمُلْكِ مُحْتَمِلًا

كَالتُّبَّعَيْنِ وَذِي الْقَرْنَيْنِ يَقْبَلُهُ … أَهْلُ الْحِجَى وَأَحَقُّ الْقَوْلِ مَا قُبِلَا

وَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ الْأَنْصَارِيُّ الصَّحَابِيُّ ابْنُ الصَّحَابِيِّ:

انْتَهَى.

وَيُؤْخَذُ مِنْ أَكْثَرِ هَذِهِ الشَّوَاهِدِ أَنَّ الرَّاجِحَ فِي اسْمِهِ الصَّعْبُ، وَوَقَعَ ذِكْرُ ذِي الْقَرْنَيْنِ أَيْضًا فِي شِعْرِ امْرِئِ الْقَيْسِ، وَأَوْسِ بْنِ حَجَرٍ، وَطَرَفَةَ بْنِ الْعَبْدِ وَغَيْرِهِمْ.

وَأَخْرَجَ الزُّبَيْرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْذِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّهُ مَلَكَ الدُّنْيَا كُلَّهَا أَرْبَعَةٌ: مُؤْمِنَانِ وَكَافِرَانِ، سُلَيْمَانُ النَّبِيُّ وَذُو الْقَرْنَيْنِ، وَنُمْرُودُ، وَبُخْتَنَصَّرُ. وَرَوَاهُ وَكِيعٌ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ: مَلَكَ الْأَرْضَ أَرْبَعَةٌ فَسَمَّاهُمْ.

قَوْلُهُ: ﴿سَبَبًا﴾ طَرِيقًا) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي الْمَجَازِ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: كَيْفَ بَلَغَ ذُو الْقَرْنَيْنِ الْمَشْرِقَ وَالْمَغْرِبَ؟ قَالَ: سُخِّرَ لَهُ السَّحَابُ، وَبُسِطَ لَهُ النُّورُ، وَبَدَتْ لَهُ الْأَسْبَابُ.

قَوْلُهُ: ﴿زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ وَاحِدُهَا زُبْرَةٌ وَهِيَ الْقِطَعُ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا قَالَ: ﴿زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ أَيْ قِطَعَ الْحَدِيدِ وَاحِدُهَا زُبْرَةٌ.

قَوْلُهُ: ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ يُقَالُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْجَبَلَيْنِ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ قَالَ: بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: قَوْلُهُ: ﴿بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ أَيْ مَا بَيْنَ النَّاحِيَتَيْنِ مِنَ الْجَبَلَيْنِ.

قَوْلُهُ: (وَالسَّدَّيْنِ: الْجَبَلَيْنِ) رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ مَرْفُوعًا فِي قِصَّةِ ذِي الْقَرْنَيْنِ وَأَنَّهُ سَارَ حَتَّى بَلَغَ مَطْلَعَ الشَّمْسِ، ثُمَّ أَتَى السَّدَّيْنِ وَهُمَا جَبَلَانِ لَيِّنَانِ يَزْلَقُ عَنْهُمَا كُلُّ شَيْءٍ فَبَنَى السَّدَّيْنِ، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ، وَالسَّدَّيْنِ بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ بِمَعْنًى قَالَهُ الْكِسَائِيُّ، وَقَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ: مَا كَانَ مِنْ صُنْعِ اللَّهِ فَبِالضَّمِّ، وَمَا كَانَ مِنْ صُنْعِ الْآدَمِيِّ فَبِالْفَتْحِ، وَقِيلَ: بِالْفَتْحِ مَا رَأَيْتَهُ وَبِالضَّمِّ مَا تَوَارَى عَنْكَ.

قَوْلُهُ: ﴿خَرْجًا﴾ أَجْرًا) رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿خَرْجًا﴾ قَالَ أَجْرًا عَظِيمًا.

قَوْلُهُ: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ أَصُبُّ عَلَيْهِ رَصَاصًا، وَيُقَالُ الْحَدِيدُ، وَيُقَالُ الصُّفْرُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: النُّحَاسُ) أَمَّا الْقَوْلُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي فَحَكَاهُمَا أَبُو عُبَيْدَةَ، قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ أَيْ أَصُبُّ عَلَيْهِ حَدِيدًا ذَائِبًا، وَجَعَلَهُ قَوْمٌ الرَّصَاصَ انْتَهَى. وَالرَّصَاصُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَبِكَسْرِهَا أَيْضًا، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ قَالَ: ﴿أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ قَالَ صُفْرًا. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ قَالَ: النُّحَاسُ. وَمِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: الْقِطْرُ النُّحَاسُ الْمُذَابُ، وَبَنَاء لَهُمْ بِالْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ. وَمِنْ طَرِيقِ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: شَرَّفَهُ بِزُبُرِ الْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ الْمُذَابِ وَجَعَلَ لَهُ عِرْقًا مِنْ نُحَاسٍ أَصْفَرَ فَصَارَ كَأَنَّهُ بُرْدٌ مُحَبَّرٌ مِنْ صُفْرَ النُّحَاسِ وَحُمْرَتِهِ وَسَوَادِ الْحَدِيدِ.

قَوْلُهُ: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ يَعْلُوهُ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ أَيْ أَنْ يَعْلُوهُ، تَقُولُ ظَهَرْتُ فَوْقَ الْجَبَلِ أَيْ عَلَوْتُهُ.

قَوْلُهُ: (اسْطَاعَ اسْتَفْعَلَ مِنْ طُعْتُ لَهُ فَلِذَلِكَ فَتَحَ أَسْطَاعَ يُسْطِيعُ، وَقَالَ بَعْضُهُمِ اسْتَطَاعَ يَسْتَطِيعُ) يَعْنِي بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٣٣٤٧ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: "فَتَحَ اللَّهُ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلَ هَذَا وَعَقَدَ بِيَدِهِ تِسْعِينَ".

[الحديث ٣٣٤٧ - طرفه في: ٧١٣٦]

٣٣٤٨ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ الأَعْمَشِ حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى يَا آدَمُ فَيَقُولُ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ فَيَقُولُ أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ قَالَ وَمَا بَعْثُ النَّارِ قَالَ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ فَعِنْدَهُ يَشِيبُ الصَّغِيرُ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَيُّنَا ذَلِكَ الْوَاحِدُ قَالَ أَبْشِرُوا فَإِنَّ مِنْكُمْ رَجُلًا وَمِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفًا ثُمَّ قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَكَبَّرْنَا فَقَالَ أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَكَبَّرْنَا فَقَالَ أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَكَبَّرْنَا فَقَالَ مَا أَنْتُمْ فِي النَّاسِ إِلاَّ كَالشَّعَرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَبْيَضَ أَوْ كَشَعَرَةٍ بَيْضَاءَ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَسْوَدَ".

[الحديث ٣٣٤٨ - أطرافه في: ٤٧٤١، ٦٥٣٠، ٧٤٨٣]

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿سَبَبًا﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ غَيْرُهُ الْآيَةَ، ثُمَّ اتَّفَقُوا إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ وَفِي إِيرَادِ الْمُصَنِّفِ تَرْجَمَةَ ذِي الْقَرْنَيْنِ قَبْلَ إِبْرَاهِيمَ إِشَارَةٌ إِلَى تَوْهِينِ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ الْإِسْكَنْدَرُ الْيُونَانِيُّ، لِأَنَّ الْإِسْكَنْدَرَ كَانَ قَرِيبًا مِنْ زَمَنِ عِيسَى ، وَبَيْنَ زَمَنِ إِبْرَاهِيمَ وَعِيسَى أَكْثَرُ مِنْ أَلْفَيْ سَنَةٍ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْإِسْكَنْدَرَ الْمُتَأَخِّرَ لُقِّبَ بِذِي الْقَرْنَيْنِ تَشْبِيهًا بِالْمُتَقَدِّمِ لِسَعَةِ مُلْكِهِ وَغَلَبَتِهِ عَلَى الْبِلَادِ الْكَثِيرَةِ، أَوْ لِأَنَّهُ لَمَّا غَلَبَ عَلَى الْفُرْسِ وَقَتَلَ مَلِكَهُمِ انْتَظَمَ لَهُ مُلْكُ الْمَمْلَكَتَيْنِ الْوَاسِعَتَيْنِ الرُّومِ وَالْفُرْسِ فَلُقِّبَ ذَا الْقَرْنَيْنِ لِذَلِكَ، وَالْحَقُّ أَنَّ الَّذِي قَصَّ اللَّهُ نَبَأَهُ فِي الْقُرْآنِ هُوَ الْمُتَقَدِّمُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ أَوْجُهٍ:

أَحَدُهَا: مَا ذَكَرْتُهُ، وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى تَقَدُّمِ ذِي الْقَرْنَيْنِ مَا رَوَى الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أَحَدِ كِبَارِ التَّابِعِينَ أَنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ حَجَّ مَاشِيًا فَسَمِعَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ فَتَلَقَّاهُ، وَمِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فَسَلَّمَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَصَافَحَهُ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ صَافَحَ. وَمِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ سَاجٍ أَنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ سَأَلَ إِبْرَاهِيمَ أَنْ يَدْعُوَ لَهُ فَقَالَ: وَكَيْفَ وَقَدْ أَفْسَدْتُمْ بِئْرِي؟ فَقَالَ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَنْ أَمْرِي، يَعْنِي أَنَّ بَعْضَ الْجُنْدِ فَعَلَ ذَلِكَ بِغَيْرِ عِلْمِهِ. وَذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ فِي التِّيجَانِ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ تَحَاكَمَ إِلَى ذِي الْقَرْنَيْنِ فِي شَيْءٍ فَحَكَمَ لَهُ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ أَنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ قَدِمَ مَكَّةَ، فَوَجَدَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ يَبْنِيَانِ الْكَعْبَةَ، فَاسْتَفْهَمَهُمَا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَا: نَحْنُ عَبْدَانِ مَأْمُورَانِ، فَقَالَ: مَنْ يَشْهَدُ لَكُمَا؟ فَقَامَتْ خَمْسَةُ أَكْبُشٍ فَشَهِدَتْ، فَقَالَ: قَدْ صَدَقْتُمْ. قَالَ: وَأَظُنُّ الْأَكْبُشَ الْمَذْكُورَةَ حِجَارَةً، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ غَنَمًا. فَهَذِهِ الْآثَارُ يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا. وَيَدُلُّ عَلَى قِدَمِ عَهْدِ ذِي الْقَرْنَيْنِ.

ثَانِيَ الْأَوْجُهِ: قَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: كَانَ ذُو الْقَرْنَيْنِ نَبِيًّا. وَكَانَ الْإِسْكَنْدَرُ كَافِرًا، وَكَانَ مُعَلِّمُهُ أَرَسْطَاطَالِيسَ، وَكَانَ يَأْتَمِرُ

بِأَمْرِهِ، وَهُوَ مِنَ الْكُفَّارِ بِلَا شَكٍّ، وَسَأَذْكُرُ مَا جَاءَ فِي أَنَّهُ كَانَ نَبِيًّا أَمْ لَا.

ثَالِثُهَا: كَانَ ذُو الْقَرْنَيْنِ مِنَ الْعَرَبِ كَمَا سَنَذْكُرُ بَعْدُ، وَأَمَّا الْإِسْكَنْدَرُ فَهُوَ مِنَ الْيُونَانِ، وَالْعَرَبُ كُلُّهَا مِنْ وَلَدِ سَامِ بْنِ نُوحٍ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ هَلْ هُمْ كُلُّهُمْ مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ أَوْ لَا؟ وَالْيُونَانُ مِنْ وَلَدِ يَافِثِ بْنِ نُوحٍ عَلَى الرَّاجِحِ فَافْتَرَقَا. وَشُبْهَةُ مَنْ قَالَ إِنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ هُوَ الْإِسْكَنْدَرُ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعٍ الْجِيزِيُّ فِي كِتَابِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ نَزَلُوا مِصْرَ بِإِسْنَادٍ فِيهِ ابْنُ لَهِيعَةَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ، فَقَالَ: كَانَ مِنَ الرُّومِ فَأُعْطِيَ مُلْكًا فَصَارَ إِلَى مِصْرَ وَبَنَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةَ، فَلَمَّا فَرَغَ أَتَاهُ مَلَكٌ فَعَرَجَ بِهِ فَقَالَ: انْظُرْ مَا تَحْتَكَ، قَالَ: أَرَى مَدِينَةً وَاحِدَةً، قَالَ: تِلْكَ الْأَرْضُ كُلُّهَا، وَإِنَّمَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُرِيَكَ وَقَدْ جَعَلَ لَكَ فِي الْأَرْضِ سُلْطَانًا، فَسِرْ فِيهَا وَعَلِّمِ الْجَاهِلَ وَثَبِّتِ الْعَالِمَ.

وَهَذَا لَوْ صَحَّ لَرَفَعَ النِّزَاعَ، وَلَكِنَّهُ ضَعِيفٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي ذِي الْقَرْنَيْنِ، فَقِيلَ: كَانَ نَبِيًّا كَمَا تَقَدَّمَ، وَهَذَا مَرْوِيٌّ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَعَلَيْهِ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ. وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ النَّبِيُّ : لَا أَدْرِي ذُو الْقَرْنَيْنِ كَانَ نَبِيًّا أَوْ لَا. وَذَكَرَ وَهْبٌ فِي الْمُبْتَدَأِ أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا صَالِحًا وَأَنَّ اللَّهَ بَعَثَهُ إِلَى أَرْبَعَةِ أُمَمٍ: أُمَّتَيْنِ بَيْنَهُمَا طُولُ الْأَرْضِ، وَأُمَّتَيْنِ بَيْنَهُمَا عَرْضُ الْأَرْضِ، وَهِيَ: نَاسِكُ وَمَنْسَكُ وَتَأْوِيلُ وَهَاوِيلُ، فَذَكَرَ قِصَّةً طَوِيلَةً حَكَاهَا الثَّعْلَبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ. وَقَالَ الزُّبَيْرُ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ النَّسَبِ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عِمْرَانَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ سَمِعْتُ ابْنَ الْكَوَّا يَقُولُ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: أَخْبِرْنِي مَا كَانَ ذُو الْقَرْنَيْنِ؟ قَالَ: كَانَ رَجُلًا أَحَبَّ اللَّهَ فَأَحَبَّهُ، بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى قَوْمِهِ فَضَرَبُوهُ عَلَى قَرْنِهِ ضَرْبَةً مَاتَ مِنْهَا، ثُمَّ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ فَضَرَبُوهُ عَلَى قَرْنِهِ ضَرْبَةً مَاتَ مِنْهَا، ثُمَّ بَعَثَهُ اللَّهُ، فَسُمِّيَ ذو الْقَرْنَيْنِ. وَعَبْدُ الْعَزِيزِ ضَعِيفٌ، وَلَكِنْ تُوبِعَ عَلَى أَبِي الطُّفَيْلِ، أَخْرَجَهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ فِي جَامِعِهِ عَنِ ابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ نَحْوَهُ، وَزَادَ: وَنَاصَحَ اللَّهَ فَنَاصَحَهُ. وَفِيهِ: لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا وَلَا مَلَكًا.

وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ، سَمِعْنَاهُ فِي الْأَحَادِيثِ الْمُخْتَارَةِ لِلْحَافِظِ الضِّيَاءِ، وَفِيهِ إِشْكَالٌ لِأَنَّ قَوْلَهُ: ولَمْ يَكُنْ نَبِيًّا مُغَايِرٌ لِقَوْلِهِ: بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى قَوْمِهِ، إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ الْبَعْثُ عَلَى غَيْرِ رِسَالَةِ النُّبُوَّةِ. وَقِيلَ: كَانَ مَلَكًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ، حَكَاهُ الثَّعْلَبِيُّ، وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ فَقَالَ: تُسَمِّيهِ بِأَسْمَاءِ الْمَلَائِكَةِ؟ وَحَكَى الْجَاحِظُ فِي الْحَيَوَانِ أَنَّ أُمَّهُ كَانَتْ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ وَأَنَّ أَبَاهُ كَانَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، قَالَ: وَاسْمُ أَبِيهِ فَيْرَى، وَاسْمُ أُمِّهِ غَيْرَى، وَقِيلَ: كَانَ مِنَ الْمُلُوكِ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ مَا يُومِئُ إِلَى ذَلِكَ، وَسَيَأْتِي فِي تَرْجَمَةِ مُوسَى فِي الْكَلَامِ عَلَى أَخْبَارِ الْخَضِرِ.

وَاخْتُلِفَ فِي سَبَبِ تَسْمِيَتِهِ ذَا الْقَرْنَيْنِ فَتَقَدَّمَ قَوْلُ عَلِيٍّ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ بَلَغَ الْمَشْرِقَ وَالْمَغْرِبَ، أَخْرَجَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَسِيدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: إِنَّمَا سُمِّيَ ذَا الْقَرْنَيْنِ لِأَنَّهُ بَلَغَ قَرْنَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا وَقَرْنَ الشَّمْسِ مِنْ مَطْلَعِهَا، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ مَلَكَهُمَا وَقِيلَ: رَأَى فِي مَنَامِهِ أَنَّهُ أَخَذَ بِقَرْنَيِ الشَّمْسِ، وَقِيلَ: كَانَ لَهُ قَرْنَانِ حَقِيقَةً، وَهَذَا أَنْكَرَهُ عَلِيٌّ فِي رِوَايَةِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ ضَفِيرَتَانِ تُوَارِيهُمَا ثِيَابُهُ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ كَانَتْ لَهُ غَدِيرَتَانِ طَوِيلَتَانِ مِنْ شَعْرِهِ حَتَّى كَانَ يَطَأُ عَلَيْهِمَا، وَتَسْمِيَةُ الضَّفِيرَةِ مِنَ الشَّعْرِ قَرْنًا مَعْرُوفٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ أُمِّ عَطِيَّةَ وَضَفَّرْنَا شَعْرَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ وَمِنْهُ قَوْلُ جَمِيلٍ:

فَلَثَمْتُ فَاهَا آخِذًا بِقُرُونِهَا

وَقِيلَ: كَانَتْ صَفْحَتَا رَأْسِهِ مِنْ نُحَاسٍ، وَقِيلَ لِتَاجِهِ قَرْنَانِ، وَقِيلَ كَانَ فِي رَأْسِهِ شِبْهُ الْقَرْنَيْنِ، وَقِيلَ لِأَنَّهُ دَخَلَ النُّورَ وَالظُّلْمَةَ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ عَمَّرَ حَتَّى فَنِيَ فِي زَمَنِهِ قَرْنَانِ مِنَ النَّاسِ، وَقِيلَ: لِأَنَّ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ عِنْدَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ وَقَدْ بَلَغَهُ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ كَانَ كَرِيمَ الطَّرَفَيْنِ أُمُّهُ وَأَبُوهُ مِنْ بَيْتِ شَرَفٍ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ كَانَ إِذَا قَاتَلَ قَاتَلَ بِيَدَيْهِ وَرِكَابَيْهِ جَمِيعًا،

وَقِيلَ: لِأَنَّهُ أُعْطِيَ عِلْمَ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ مَلَكَ فَارِسَ وَالرُّومِ.

وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ فَرَوَى ابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَخْرَجَهُ الزُّبَيْرُ فِي كِتَابِ النَّسَبِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْذِرِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عِمْرَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَبِيبَةَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ذُو الْقَرْنَيْنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الضَّحَّاكِ بْنِ مَعْدِ بْنِ عَدْنَانَ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ جِدًّا لِضَعْفِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَشَيْخِهِ، وَهُوَ مُبَايِنٌ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِ إِبْرَاهِيمَ فَكَيْفَ يَكُونُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ؛ لَا سِيَّمَا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: كَانَ بَيْنَ عَدْنَانَ وَإِبْرَاهِيمَ أَرْبَعُونَ أَبًا أَوْ أَكْثَرَ، وَقِيلَ: اسْمُهُ الصَّعْبُ وَبِهِ جَزَمَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ وَذَكَرَهُ ابْنُ هِشَامٍ فِي التِّيجَانِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا، وَقَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ حَبِيبٍ فِي كِتَابِ الْمُحَبَّرِ هُوَ الْمُنْذِرُ بْنُ أَبِي الْقَيْسِ أَحَدُ مُلُوكِ الْحِيرَةِ، وَأُمُّهُ مَاءُ السَّمَاءِ مَاوِيَّةُ بِنْتُ عَوْفِ بْنِ جُشَمَ، قَالَ وَقِيلَ: اسْمُهُ الصَّعْبُ بْنُ قَرْنِ بْنِ هُمَّالٍ مِنْ مُلُوكِ حِمْيَرَ، وَقَالَ الطَّبَرِيُّ هُوَ إِسْكَنْدَرُوسُ بْنُ فِيلْبُوسَ وَقِيلَ فِيلِبْسُ وَبِالثَّانِي جَزَمَ الْمَسْعُودِيُّ، وَقِيلَ: اسْمُهُ الْهَمَيْسَعُ ذَكَرَهُ الْهَمْدَانِيُّ فِي كُتُبِ النَّسَبِ قَالَ: وَكُنْيَتُهُ أَبُو الصَّعْبِ وَهُوَ ابْنُ عَمْرِو بْنِ عَرِيبِ بْنِ زَيْدِ بْنِ كَهْلَانَ بْنِ سَبَأٍ، وَقِيلَ: ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَرِينِ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَزْدِ، وَقِيلَ: بِإِسْقَاطِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَوَّلِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ إِسْحَاقَ الَّذِي حَكَاهُ ابْنُ هِشَامٍ عَنْهُ أَنَّ اسْمَ ذِي الْقَرْنَيْنِ، مَرْزُبَانُ بْنُ مُرْدَيْهِ، بِدَالٍ مُهْمَلَةٍ وَقِيلَ: بِزَايٍ فَقَدْ صُرِّحَ بِأَنَّهُ الْإِسْكَنْدَرُ، وَلِذَلِكَ اشْتُهِرَ عَلَى الْأَلْسِنَةِ

لِشُهْرَةِ السِّيرَةِ لِابْنِ إِسْحَاقَ. قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَالظَّاهِرُ مِنْ عِلْمِ الْأَخْبَارِ أَنَّهُمَا اثْنَانِ أَحَدُهُمَا كَانَ عَلَى عَهْدِ إِبْرَاهِيمَ، وَيُقَالُ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ تَحَاكَمَ إِلَيْهِ فِي بِئْرِ السَّبُعِ بِالشَّامِ فَقَضَى لِإِبْرَاهِيمَ وَالْآخَرُ كَانَ قَرِيبًا مِنْ عَهْدِ عِيسَى. قُلْتُ: لَكِنَّ الْأَشْبَهَ أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْقُرْآنِ هُوَ الْأَوَّلُ بِدَلِيلِ مَا ذُكِرَ فِي تَرْجَمَةِ الْخَضِرِ حَيْثُ جَرَى ذِكْرُهُ فِي قِصَّةِ مُوسَى قَرِيبًا أَنَّهُ كَانَ عَلَى مُقَدِّمَةِ ذِي الْقَرْنَيْنِ، وَقَدْ ثَبَتَتْ قِصَّةُ الْخَضِرِ مَعَ مُوسَى، وَمُوسَى كَانَ قَبْلَ زَمَنِ عِيسَى قَطْعًا، وَتَأْتِي بَقِيَّةُ أَخْبَارِ الْخَضِرِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَهَذَا عَلَى طَرِيقة مَنْ يَقُولُ إِنَّهُ الْإِسْكَنْدَرُ، وَحَكَى السُّهَيْلِيُّ أَنَّهُ قِيلَ: إِنَّهُ رَجُلٌ مِنْ وَلَدِ يُونَانَ بْنِ يَافِثَ اسْمُهُ هَرْمَسُ، وَيُقَالُ هِرْدِيسُ، وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ الْمُفَسِّرُ تَبَعًا لِلسُّهَيْلِيِّ أَنَّهُ قِيلَ إِنَّهُ أَفْرِيدُونُ، وَهُوَ الْمَلِكُ الْقَدِيمُ لِلْفُرْسِ الَّذِي قَتَلَ الضَّحَّاكَ الْجَبَّارَ الَّذِي يَقُولُ فِيهِ الشَّاعِرُ:

فَكَأَنَّهُ الضَّحَّاكُ فِي فَتَكَاتِهِ … بِالْعَالَمِينَ وَأَنْتَ أَفْرِيدُونُ

وَلِلضَّحَّاكِ قِصَصٌ طَوِيلَةٌ ذَكَرَهَا الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ. وَالَّذِي يُقَوِّي أَنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ مِنَ الْعَرَبِ كَثْرَةُ مَا ذَكَرُوهُ فِي أَشْعَارِهِمْ، قَالَ أَعْشَى بْنُ ثَعْلَبَةَ:

وَالصَّعْبُ ذُو الْقَرْنَيْنِ أَمْسَى ثَاوِيًا … بِالْحِنْوِ فِي جَدَثٍ هُنَاكَ مُقِيمُ

وَالْحِنْوُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ النُّونِ فِي نَاحِيَةِ الْمَشْرِقِ. وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ ضُبَيْعٍ:

وَالصَّعْبُ ذُو الْقَرْنَيْنِ عَمَّرَ مُلْكَهُ … أَلْفَيْنِ أَمْسَى بَعْدَ ذَاكَ رَمِيمًا

وَقَالَ قُسُّ بْنُ سَاعِدَةَ:

وَالصَّعْبُ ذُو الْقَرْنَيْنِ أَصْبَحَ ثَاوِيًا … بِاللَّحْدِ بَيْنَ مَلَاعِبِ الْأَرْيَاحِ

وَقَالَ تُبَّعُ الْحِمْيَرِيُّ:

قَدْ كَانَ ذُو الْقَرْنَيْنِ قَبْلِيَ مُسْلِمًا … مَلِكًا تَدِينُ لَهُ الْمُلُوكُ وَتَحْشُدُ

مِنْ بَعْدِهِ بَلْقِيسُ كَانَتْ عَمَّتِي … مَلَكَتْهُمُ حَتَّى أَتَاهَا الْهُدْهُدُ

وَقَالَ بَعْضُ الْحَارِثِيِّينَ يَفْتَخِرُ بِكَوْنِ ذِي الْقَرْنَيْنِ مِنَ الْيَمَنِ يُخَاطِبُ قَوْمًا مِنْ مُضَرَ:

سَمُّوا لَنَا وَاحِدًا مِنْكُمْ فَنَعْرِفُهُ … فِي الْجَاهِلِيَّةِ لِاسْمِ الْمُلْكِ مُحْتَمِلًا

كَالتُّبَّعَيْنِ وَذِي الْقَرْنَيْنِ يَقْبَلُهُ … أَهْلُ الْحِجَى وَأَحَقُّ الْقَوْلِ مَا قُبِلَا

وَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ الْأَنْصَارِيُّ الصَّحَابِيُّ ابْنُ الصَّحَابِيِّ:

انْتَهَى.

وَيُؤْخَذُ مِنْ أَكْثَرِ هَذِهِ الشَّوَاهِدِ أَنَّ الرَّاجِحَ فِي اسْمِهِ الصَّعْبُ، وَوَقَعَ ذِكْرُ ذِي الْقَرْنَيْنِ أَيْضًا فِي شِعْرِ امْرِئِ الْقَيْسِ، وَأَوْسِ بْنِ حَجَرٍ، وَطَرَفَةَ بْنِ الْعَبْدِ وَغَيْرِهِمْ.

وَأَخْرَجَ الزُّبَيْرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْذِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّهُ مَلَكَ الدُّنْيَا كُلَّهَا أَرْبَعَةٌ: مُؤْمِنَانِ وَكَافِرَانِ، سُلَيْمَانُ النَّبِيُّ وَذُو الْقَرْنَيْنِ، وَنُمْرُودُ، وَبُخْتَنَصَّرُ. وَرَوَاهُ وَكِيعٌ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ: مَلَكَ الْأَرْضَ أَرْبَعَةٌ فَسَمَّاهُمْ.

قَوْلُهُ: ﴿سَبَبًا﴾ طَرِيقًا) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي الْمَجَازِ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: كَيْفَ بَلَغَ ذُو الْقَرْنَيْنِ الْمَشْرِقَ وَالْمَغْرِبَ؟ قَالَ: سُخِّرَ لَهُ السَّحَابُ، وَبُسِطَ لَهُ النُّورُ، وَبَدَتْ لَهُ الْأَسْبَابُ.

قَوْلُهُ: ﴿زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ وَاحِدُهَا زُبْرَةٌ وَهِيَ الْقِطَعُ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا قَالَ: ﴿زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ أَيْ قِطَعَ الْحَدِيدِ وَاحِدُهَا زُبْرَةٌ.

قَوْلُهُ: ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ يُقَالُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْجَبَلَيْنِ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ قَالَ: بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: قَوْلُهُ: ﴿بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ أَيْ مَا بَيْنَ النَّاحِيَتَيْنِ مِنَ الْجَبَلَيْنِ.

قَوْلُهُ: (وَالسَّدَّيْنِ: الْجَبَلَيْنِ) رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ مَرْفُوعًا فِي قِصَّةِ ذِي الْقَرْنَيْنِ وَأَنَّهُ سَارَ حَتَّى بَلَغَ مَطْلَعَ الشَّمْسِ، ثُمَّ أَتَى السَّدَّيْنِ وَهُمَا جَبَلَانِ لَيِّنَانِ يَزْلَقُ عَنْهُمَا كُلُّ شَيْءٍ فَبَنَى السَّدَّيْنِ، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ، وَالسَّدَّيْنِ بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ بِمَعْنًى قَالَهُ الْكِسَائِيُّ، وَقَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ: مَا كَانَ مِنْ صُنْعِ اللَّهِ فَبِالضَّمِّ، وَمَا كَانَ مِنْ صُنْعِ الْآدَمِيِّ فَبِالْفَتْحِ، وَقِيلَ: بِالْفَتْحِ مَا رَأَيْتَهُ وَبِالضَّمِّ مَا تَوَارَى عَنْكَ.

قَوْلُهُ: ﴿خَرْجًا﴾ أَجْرًا) رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿خَرْجًا﴾ قَالَ أَجْرًا عَظِيمًا.

قَوْلُهُ: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ أَصُبُّ عَلَيْهِ رَصَاصًا، وَيُقَالُ الْحَدِيدُ، وَيُقَالُ الصُّفْرُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: النُّحَاسُ) أَمَّا الْقَوْلُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي فَحَكَاهُمَا أَبُو عُبَيْدَةَ، قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ أَيْ أَصُبُّ عَلَيْهِ حَدِيدًا ذَائِبًا، وَجَعَلَهُ قَوْمٌ الرَّصَاصَ انْتَهَى. وَالرَّصَاصُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَبِكَسْرِهَا أَيْضًا، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ قَالَ: ﴿أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ قَالَ صُفْرًا. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ قَالَ: النُّحَاسُ. وَمِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: الْقِطْرُ النُّحَاسُ الْمُذَابُ، وَبَنَاء لَهُمْ بِالْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ. وَمِنْ طَرِيقِ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: شَرَّفَهُ بِزُبُرِ الْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ الْمُذَابِ وَجَعَلَ لَهُ عِرْقًا مِنْ نُحَاسٍ أَصْفَرَ فَصَارَ كَأَنَّهُ بُرْدٌ مُحَبَّرٌ مِنْ صُفْرَ النُّحَاسِ وَحُمْرَتِهِ وَسَوَادِ الْحَدِيدِ.

قَوْلُهُ: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ يَعْلُوهُ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ أَيْ أَنْ يَعْلُوهُ، تَقُولُ ظَهَرْتُ فَوْقَ الْجَبَلِ أَيْ عَلَوْتُهُ.

قَوْلُهُ: (اسْطَاعَ اسْتَفْعَلَ مِنْ طُعْتُ لَهُ فَلِذَلِكَ فَتَحَ أَسْطَاعَ يُسْطِيعُ، وَقَالَ بَعْضُهُمِ اسْتَطَاعَ يَسْتَطِيعُ) يَعْنِي بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.6 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
اللهم صل على محمد