«جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ: إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٣٨

الحديث رقم ٣٣٨ من كتاب «كتاب التيمم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب المتيمم هل ينفخ فيهما.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٣٣٨ في صحيح البخاري

«جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ: إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أُصِبِ الْمَاءَ؟ فَقَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَمَا تَذْكُرُ أَنَّا كُنَّا فِي سَفَرٍ أَنَا وَأَنْتَ، فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فَصَلَّيْتُ، فَذَكَرْتُ لِلنَّبِيِّ ، فَقَالَ النَّبِيُّ : إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا. فَضَرَبَ النَّبِيُّ بِكَفَّيْهِ الْأَرْضَ، وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ».

إسناد حديث رقم ٣٣٨ من صحيح البخاري

٣٣٨ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ، عَنْ ذَرٍّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٣٣٨: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَبِي الْحُوَيْرِثِ، وَأَبِي صَالِحٍ مِنَ الضَّعْفِ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ الْخِلَافِ فِي إِيجَابِ مَسْحِ الذِّرَاعَيْنِ بَعْدُ بِبَابٍ وَاحِدٍ، قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ عَادِمًا لِلْمَاءِ حَالَ التَّيَمُّمِ. قَالَ: وَهُوَ مُقْتَضَى صَنِيعِ الْبُخَارِيِّ، لَكِنْ تُعُقِّبَ اسْتِدْلَالُهُ بِهِ عَلَى جَوَازِ التَّيَمُّمِ فِي الْحَضَرِ بِأَنَّهُ وَرَدَ عَلَى سَبَبٍ، وَهُوَ إِرَادَةُ ذِكْرِ اللَّهِ ; لِأَنَّ لَفْظَ السَّلَامِ مِنْ أَسْمَائِهِ، وَمَا أُرِيدَ بِهِ اسْتِبَاحَةُ الصَّلَاةِ.

وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَمَّا تَيَمَّمَ فِي الْحَضَرِ لِرَدِّ السَّلَامِ - مَعَ جَوَازِهِ بِدُونِ الطَّهَارَةِ - فَمَنْ خَشِيَ فَوْتَ الصَّلَاةِ فِي الْحَضَرِ جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لِعَدَمِ جَوَازِ الصَّلَاةِ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ مَعَ الْقُدْرَةِ، وَقِيلَ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ رَفْعَ الْحَدَثِ، وَلَا اسْتِبَاحَةَ مَحْظُورٍ، وَإِنَّمَا أَرَادَ التَّشَبُّهَ بِالْمُتَطَهِّرِينَ كَمَا يُشْرَعُ الْإِمْسَاكُ فِي رَمَضَانَ لِمَنْ يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ، أَوْ أَرَادَ تَخْفِيفَ الْحَدَثِ بِالتَّيَمُّمِ كَمَا يُشْرَعُ تَخْفِيفُ حَدَثِ الْجُنُبِ بِالْوُضُوءِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ بَطَّالٍ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ التُّرَابِ قَالَ: لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَقْ بِيَدِهِ مِنَ الْجِدَارِ تُرَابٌ، وَنُوقِضَ بِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ بَلْ هُوَ مُحْتَمَلٌ، وَقَدْ سِيقَ مِنْ رِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْجِدَارِ تُرَابٌ، وَلِهَذَا احْتَاجَ إِلَى حَتِّهِ بِالْعَصَا.

٤ - بَاب الْمُتَيَمِّمُ هَلْ يَنْفُخُ فِيهِمَا

٣٣٨ - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ، عَنْ ذَرٍّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ: إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أُصِبْ الْمَاءَ، فَقَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَمَا تَذْكُرُ أَنَّا كُنَّا فِي سَفَرٍ أَنَا وَأَنْتَ، فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فَصَلَّيْتُ، فَذَكَرْتُ لِلنَّبِيِّ ، فَقَالَ النَّبِيُّ : إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا، فَضَرَبَ النَّبِيُّ بِكَفَّيْهِ الْأَرْضَ وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ.

[الحديث ٣٣٨ - أطرافه في: ٣٤٧، ٣٤٦، ٣٤٥، ٣٤٣، ٣٤١، ٣٤٠، ٣٣٩]

قَوْلُهُ: (بَابُ الْمُتَيَمِّمِ هَلْ يَنْفُخُ فِيهِمَا) أَيْ فِي يَدَيْهِ، وَزَعَمَ الْكِرْمَانِيُّ أَنَّ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بَابُ هَلْ يَنْفُخُ فِي يَدَيْهِ بَعْدَمَا يَضْرِبُ بِهِمَا الصَّعِيدَ لِلتَّيَمُّمِ وَإِنَّمَا تَرْجَمَ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ فِيهِ احْتِمَالًا كَعَادَتِهِ ; لِأَنَّ النَّفْخَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِشَيْءٍ عَلِقَ بِيَدِهِ خَشِيَ أَنْ يُصِيبَ وَجْهَهُ الْكَرِيمَ، أَوْ عَلِقَ بِيَدِهِ مِنَ التُّرَابِ شَيْءٌ لَهُ كَثْرَةٌ فَأَرَادَ تَخْفِيفَهُ لِئَلَّا يَبْقَى لَهُ أَثَرٌ فِي وَجْهِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِبَيَانِ التَّشْرِيعِ، وَمِنْ ثَمَّ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ أَجَازَ التَّيَمُّمَ بِغَيْرِ التُّرَابِ زَاعِمًا أَنَّ نَفْخَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُشْتَرَطَ فِي التَّيَمُّمِ الضَّرْبُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ عَلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ هَذَا الْفِعْلُ مُحْتَمِلًا لِمَا ذَكَرَ أَوْرَدَهُ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ لِيَعْرِفَ النَّاظِرُ أَنَّ لِلْبَحْثِ فِيهِ مَجَالًا.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا الْحَكَمُ) هُوَ ابْنُ عُتَيْبَةَ. الْفَقِيهُ الْكُوفِيُّ، وَذَرٌّ بِالْمُعْجَمَةِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَرْهَبِيُّ.

قَوْلُهُ: (جَاءَ رَجُلٌ) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَتِهِ، وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ الْآتِيَةِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبْزَى شَهِدَ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (فَلَمْ أُصِبِ الْمَاءَ، فَقَالَ عَمَّارٌ) هَذِهِ الرِّوَايَةُ اخْتَصَرَ فِيهَا جَوَابَ عُمَرَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنِ الْمُصَنِّفِ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ آدَمَ أَيْضًا بِدُونِهَا، وَقَدْ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ مِنْ رِوَايَةِ سِتَّةِ أَنْفُسٍ أَيْضًا عَنْ شُعْبَةَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ وَلَمْ يَسُقْهُ تَامًّا مِنْ رِوَايَةِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، نَعَمْ ذَكَرَ جَوَابَ عُمَرَ، مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ وَلَفْظُهُمَا فَقَالَ لَا تُصَلِّ زَادَ السَّرَّاجُ حَتَّى تَجِدَ الْمَاءَ وَلِلنَّسَائِيِّ نَحْوُهُ. وَهَذَا مَذْهَبٌ مَشْهُورٌ عَنْ عُمَرَ، وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَجَرَتْ فِيه مُنَاظَرَةٌ بَيْنَ أَبِي مُوسَى، وَابْنِ مَسْعُودٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابٌ التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ، وَقِيلَ إِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ، وَسَنَذْكُرُ هُنَاكَ تَوْجِيهَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ فِي ذَلِكَ وَالْجَوَابُ عَنْهُ.

قَوْلُهُ: (فِي سَفَرٍ)

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

ورواة هذا الحديث السَّبعة ما بين مدنيِّين ومصريِّين (١)، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ في «الطهارة».

(٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (المُتَيَمِّمُ هَلْ يَنْفُخُ فِيهِمَا؟) أي: في يديه بعدما يضرب بهما الصَّعيد، وللأربعة: «باب هل ينفخ فيهما (٢)؟».

٣٣٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياس (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا الحَكَمُ) بفتح الحاء والكاف، ابن عُتَيْبَة؛ بضمِّ العين وفتح المُثنَّاة الفوقيَّة وسكون التَّحتيَّة وفتح المُوحَّدة (عَنْ ذَرٍّ) بفتح الذَّال المُعجَمة وتشديد الرَّاء، ابن عبد الله الهمْدانيِّ؛ بسكون الميم (عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى) بفتح الهمزة وسكون المُوحَّدة وبالزَّايِ المفتوحة مقصورًا، و «سعيد» بكسر العين (عَنْ أَبِيهِ) عبد الرَّحمن، الصَّحابيِّ الخزاعيِّ الكوفيِّ (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) وفي رواية الطَّبرانيِّ: من أهل البادية (إِلَى عُمَرَبْنِ الخَطَّابِ) (فَقَالَ: إِنِّي أَجْنَبْتُ) بفتح الهمزة، أي: صرت جنبًا (فَلَمْ أُصِبِ المَاءَ) بضمِّ الهمزة، من الإصابة، أي: لم (٣) أجده (فَقَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ) العنْسيُّ؛ بالنُّون السَّاكنة، وكان من السَّابقين الأوَّلين، وهو وأبوه

شهد المشاهد كلَّها، وقال : «إنَّ عمَّارًا مُلِئَ إيمانًا» أخرجه التِّرمذيُّ، واستأذن عليه، فقال له: «مرحبًا بالطَّيّب المُطيّب»، وقال: «من عادى عمَّارًا عاداه الله، ومن أبغض عمَّارًا أبغضه الله»، له في «البخاريِّ» أربعة أحاديث، منها: قوله هنا (لِعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ) : يا أمير المؤمنين (أَمَا تَذْكُرُ أَنَّا) وللأَصيليِّ: «إذ» (كُنَّا فِي سَفَرٍ) ولـ «مسلمٍ»: في سريَّةٍ، وزاد (١): فأجنبنا (أَنَا وَأَنْتَ) تفسيرٌ لضمير الجمع في: «كنَّا»، وهمزة «أَمَا» للاستفهام، وكلمة «ما» للنَّفي، وموضع «أنَّا كنَّا» نصبُ مفعولِ «تذكر» (فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ) أي: لأنَّه كان يتوقَّع الوصول إلى الماء قبل خروج الوقت، أو لاعتقاد أنَّ التَّيمُّم عن الحدث الأصغر لا الأكبر، وعمَّارٌ قاسه عليه (وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ) أي: تمَّرغت في التُّراب، كأنَّه لمَّا رأى أنَّ التَّيمَّم إذا وقع بدل الوضوء وقع على هيئة الوضوء، رأى (٢) أنَّ التَّيمُّم عنِ الغسل يقع على هيئة الغسل (فَصَلَّيْتُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ) ولغير أبوَي ذَرٍّ والوقت (٣) وابن عساكر: «فذكرت (٤) للنَّبيِّ» بإسقاط لفظ: «ذلك» (فَقَالَ النَّبِيُّ ) وللأَصيليِّ: «فقال »: (إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ

هَكَذَا) بالكاف بعد الهاء، وللحَمُّويي والمُستملي: «هذا» (فَضَرَبَ النَّبِيُّ بِكَفَّيْهِ (١)) ولأبي ذَرٍّ: «فضرب بكفَّيه» (الأَرْضَ) وللأَصيليِّ: «في الأرض» (وَنَفَخَ فِيهِمَا) نفخًا؛ تخفيفًا (٢) للتُّراب، وهو محمولٌ على أنَّه كان كثيرًا (ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ) إلى الرُّسغين، وهذا مذهب أحمد فلا يجب عنده المسح إلى المرفقين، ولا الضَّربة الثَّانية للكفَّين، واستُشكِل بأنَّما يمسح به وجهه يصير مُستعمَلًا، فكيف يمسح به كفَّيه؟ وأُجيببأنَّه يمكن أن يمسح الوجه ببعض الكفَّين، والكفَّين بباقيهما، والمشهور عند المالكيَّة: وجوب ضربتين والمسح إلى المرفقين، واختُلِف عندهم إذا اقتصر على الرُّسغين وصلَّى فالمشهور: أنَّه يعيد في الوقت، ومذهب أبي حنيفة والشَّافعيِّ -وصحَّحه النَّوويُّ : وجوبُ (٣) ضربةٍ لمسح وجهه، وأخرى ليديه، والمسح إلى المرفقين، قياسًا على الوضوء لحديث أبي داود: «أنَّه تيمَّم بضربتين؛ مسح بإحداهما وجهه». وروى الحاكم والدَّارقُطنيُّ عن ابن عمر عن النَّبيِّ قال (٤): «التَّيمُّم ضربتان:

ضربة للوجه، وضربةٌ لليدين إلى المرفقين»، و «إلى» هنا بمعنى «مع»، والقياس على الوضوء دليلٌ على أنَّ المُراد بقوله في حديث عمَّارٍ: «وكفَّيه» أي: إلى المرفقين، وصحَّح الرَّافعيُّ الاكتفاء بضربةٍ لحديث الباب، والأوَّلأصحُّ مذهبًا، والثَّاني أصحُّ دليلًا، وأمَّا حديث الدَّارقُطنيِّ والحاكم: «التَّيمُّم ضربتان … » إلى آخره فالصَّواب وَقْفَه على ابن عمر، وأمَّا حديث أبي داود فليس بالقويِّ، وقضيَّة حديث عمَّار: الاكتفاء بمسح الوجه والكفَّين وهو قولٌ قديمٌ، قال في «المجموع»: وهو وإن كان مرجوحًا عند الأصحاب، فهو القويُّ في الدَّليل، كما قال الخطَّابيُّ: الاقتصار على الكفَّين أصحُّ في الرِّواية، ووجوب الذِّراعين أشبه بالأصول وأصحُّ في القياس، ولو كان التُّراب ناعمًا كفى وضع اليد عليه من غير ضربٍ، وفي الحديث: أنَّ مسح الوجه واليدين بدلٌ من (١) الجنابة عن كلِّ البدن، وإنَّما لم يأمره بالإعادة لأنَّه عمل أكثر ممَّا كان (٢) يجب عليه في التَّيمُّم.

ورواة هذا (٣) الحديث الثَّمانية ما بين خراسانيٍّ وكوفيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وثلاثةٌ من الصَّحابة، وأخرجه المؤلِّف في «الطَّهارة»، وكذا مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه.

(٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (التَّيَمُّمُ لِلْوَجْهِ وَالكَفَّيْنِ) «التَّيمُّم للوجه» مُبتدأٌ، و «الكفَّين»: عُطِفَ على «الوجه»، والخبر محذوفٌ، قدَّره الحافظ ابن حجرٍ بقوله: «هو الواجب المجزئ»، والعينيُّ: «التَّيمُّم ضربةٌ واحدةٌ للوجه والكفَّين»، قال: ثمَّ نقدِّر (٤) بعد ذلك لفظ «جوازًا» يعني: من حيث الجواز، أو (٥) نقدِّر «وجوبًا» يعني (٦): من حيث الوجوب، قال: والتَّقييد بالوجوب لا يُفهَم منه لأنَّه أعمُّ من ذلك. انتهى.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَبِي الْحُوَيْرِثِ، وَأَبِي صَالِحٍ مِنَ الضَّعْفِ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ الْخِلَافِ فِي إِيجَابِ مَسْحِ الذِّرَاعَيْنِ بَعْدُ بِبَابٍ وَاحِدٍ، قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ عَادِمًا لِلْمَاءِ حَالَ التَّيَمُّمِ. قَالَ: وَهُوَ مُقْتَضَى صَنِيعِ الْبُخَارِيِّ، لَكِنْ تُعُقِّبَ اسْتِدْلَالُهُ بِهِ عَلَى جَوَازِ التَّيَمُّمِ فِي الْحَضَرِ بِأَنَّهُ وَرَدَ عَلَى سَبَبٍ، وَهُوَ إِرَادَةُ ذِكْرِ اللَّهِ ; لِأَنَّ لَفْظَ السَّلَامِ مِنْ أَسْمَائِهِ، وَمَا أُرِيدَ بِهِ اسْتِبَاحَةُ الصَّلَاةِ.

وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَمَّا تَيَمَّمَ فِي الْحَضَرِ لِرَدِّ السَّلَامِ - مَعَ جَوَازِهِ بِدُونِ الطَّهَارَةِ - فَمَنْ خَشِيَ فَوْتَ الصَّلَاةِ فِي الْحَضَرِ جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لِعَدَمِ جَوَازِ الصَّلَاةِ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ مَعَ الْقُدْرَةِ، وَقِيلَ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ رَفْعَ الْحَدَثِ، وَلَا اسْتِبَاحَةَ مَحْظُورٍ، وَإِنَّمَا أَرَادَ التَّشَبُّهَ بِالْمُتَطَهِّرِينَ كَمَا يُشْرَعُ الْإِمْسَاكُ فِي رَمَضَانَ لِمَنْ يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ، أَوْ أَرَادَ تَخْفِيفَ الْحَدَثِ بِالتَّيَمُّمِ كَمَا يُشْرَعُ تَخْفِيفُ حَدَثِ الْجُنُبِ بِالْوُضُوءِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ بَطَّالٍ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ التُّرَابِ قَالَ: لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَقْ بِيَدِهِ مِنَ الْجِدَارِ تُرَابٌ، وَنُوقِضَ بِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ بَلْ هُوَ مُحْتَمَلٌ، وَقَدْ سِيقَ مِنْ رِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْجِدَارِ تُرَابٌ، وَلِهَذَا احْتَاجَ إِلَى حَتِّهِ بِالْعَصَا.

٤ - بَاب الْمُتَيَمِّمُ هَلْ يَنْفُخُ فِيهِمَا

٣٣٨ - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ، عَنْ ذَرٍّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ: إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أُصِبْ الْمَاءَ، فَقَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَمَا تَذْكُرُ أَنَّا كُنَّا فِي سَفَرٍ أَنَا وَأَنْتَ، فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فَصَلَّيْتُ، فَذَكَرْتُ لِلنَّبِيِّ ، فَقَالَ النَّبِيُّ : إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا، فَضَرَبَ النَّبِيُّ بِكَفَّيْهِ الْأَرْضَ وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ.

[الحديث ٣٣٨ - أطرافه في: ٣٤٧، ٣٤٦، ٣٤٥، ٣٤٣، ٣٤١، ٣٤٠، ٣٣٩]

قَوْلُهُ: (بَابُ الْمُتَيَمِّمِ هَلْ يَنْفُخُ فِيهِمَا) أَيْ فِي يَدَيْهِ، وَزَعَمَ الْكِرْمَانِيُّ أَنَّ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بَابُ هَلْ يَنْفُخُ فِي يَدَيْهِ بَعْدَمَا يَضْرِبُ بِهِمَا الصَّعِيدَ لِلتَّيَمُّمِ وَإِنَّمَا تَرْجَمَ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ فِيهِ احْتِمَالًا كَعَادَتِهِ ; لِأَنَّ النَّفْخَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِشَيْءٍ عَلِقَ بِيَدِهِ خَشِيَ أَنْ يُصِيبَ وَجْهَهُ الْكَرِيمَ، أَوْ عَلِقَ بِيَدِهِ مِنَ التُّرَابِ شَيْءٌ لَهُ كَثْرَةٌ فَأَرَادَ تَخْفِيفَهُ لِئَلَّا يَبْقَى لَهُ أَثَرٌ فِي وَجْهِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِبَيَانِ التَّشْرِيعِ، وَمِنْ ثَمَّ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ أَجَازَ التَّيَمُّمَ بِغَيْرِ التُّرَابِ زَاعِمًا أَنَّ نَفْخَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُشْتَرَطَ فِي التَّيَمُّمِ الضَّرْبُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ عَلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ هَذَا الْفِعْلُ مُحْتَمِلًا لِمَا ذَكَرَ أَوْرَدَهُ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ لِيَعْرِفَ النَّاظِرُ أَنَّ لِلْبَحْثِ فِيهِ مَجَالًا.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا الْحَكَمُ) هُوَ ابْنُ عُتَيْبَةَ. الْفَقِيهُ الْكُوفِيُّ، وَذَرٌّ بِالْمُعْجَمَةِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَرْهَبِيُّ.

قَوْلُهُ: (جَاءَ رَجُلٌ) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَتِهِ، وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ الْآتِيَةِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبْزَى شَهِدَ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (فَلَمْ أُصِبِ الْمَاءَ، فَقَالَ عَمَّارٌ) هَذِهِ الرِّوَايَةُ اخْتَصَرَ فِيهَا جَوَابَ عُمَرَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنِ الْمُصَنِّفِ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ آدَمَ أَيْضًا بِدُونِهَا، وَقَدْ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ مِنْ رِوَايَةِ سِتَّةِ أَنْفُسٍ أَيْضًا عَنْ شُعْبَةَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ وَلَمْ يَسُقْهُ تَامًّا مِنْ رِوَايَةِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، نَعَمْ ذَكَرَ جَوَابَ عُمَرَ، مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ وَلَفْظُهُمَا فَقَالَ لَا تُصَلِّ زَادَ السَّرَّاجُ حَتَّى تَجِدَ الْمَاءَ وَلِلنَّسَائِيِّ نَحْوُهُ. وَهَذَا مَذْهَبٌ مَشْهُورٌ عَنْ عُمَرَ، وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَجَرَتْ فِيه مُنَاظَرَةٌ بَيْنَ أَبِي مُوسَى، وَابْنِ مَسْعُودٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابٌ التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ، وَقِيلَ إِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ، وَسَنَذْكُرُ هُنَاكَ تَوْجِيهَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ فِي ذَلِكَ وَالْجَوَابُ عَنْهُ.

قَوْلُهُ: (فِي سَفَرٍ)

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

ورواة هذا الحديث السَّبعة ما بين مدنيِّين ومصريِّين (١)، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ في «الطهارة».

(٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (المُتَيَمِّمُ هَلْ يَنْفُخُ فِيهِمَا؟) أي: في يديه بعدما يضرب بهما الصَّعيد، وللأربعة: «باب هل ينفخ فيهما (٢)؟».

٣٣٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياس (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا الحَكَمُ) بفتح الحاء والكاف، ابن عُتَيْبَة؛ بضمِّ العين وفتح المُثنَّاة الفوقيَّة وسكون التَّحتيَّة وفتح المُوحَّدة (عَنْ ذَرٍّ) بفتح الذَّال المُعجَمة وتشديد الرَّاء، ابن عبد الله الهمْدانيِّ؛ بسكون الميم (عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى) بفتح الهمزة وسكون المُوحَّدة وبالزَّايِ المفتوحة مقصورًا، و «سعيد» بكسر العين (عَنْ أَبِيهِ) عبد الرَّحمن، الصَّحابيِّ الخزاعيِّ الكوفيِّ (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) وفي رواية الطَّبرانيِّ: من أهل البادية (إِلَى عُمَرَبْنِ الخَطَّابِ) (فَقَالَ: إِنِّي أَجْنَبْتُ) بفتح الهمزة، أي: صرت جنبًا (فَلَمْ أُصِبِ المَاءَ) بضمِّ الهمزة، من الإصابة، أي: لم (٣) أجده (فَقَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ) العنْسيُّ؛ بالنُّون السَّاكنة، وكان من السَّابقين الأوَّلين، وهو وأبوه

شهد المشاهد كلَّها، وقال : «إنَّ عمَّارًا مُلِئَ إيمانًا» أخرجه التِّرمذيُّ، واستأذن عليه، فقال له: «مرحبًا بالطَّيّب المُطيّب»، وقال: «من عادى عمَّارًا عاداه الله، ومن أبغض عمَّارًا أبغضه الله»، له في «البخاريِّ» أربعة أحاديث، منها: قوله هنا (لِعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ) : يا أمير المؤمنين (أَمَا تَذْكُرُ أَنَّا) وللأَصيليِّ: «إذ» (كُنَّا فِي سَفَرٍ) ولـ «مسلمٍ»: في سريَّةٍ، وزاد (١): فأجنبنا (أَنَا وَأَنْتَ) تفسيرٌ لضمير الجمع في: «كنَّا»، وهمزة «أَمَا» للاستفهام، وكلمة «ما» للنَّفي، وموضع «أنَّا كنَّا» نصبُ مفعولِ «تذكر» (فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ) أي: لأنَّه كان يتوقَّع الوصول إلى الماء قبل خروج الوقت، أو لاعتقاد أنَّ التَّيمُّم عن الحدث الأصغر لا الأكبر، وعمَّارٌ قاسه عليه (وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ) أي: تمَّرغت في التُّراب، كأنَّه لمَّا رأى أنَّ التَّيمَّم إذا وقع بدل الوضوء وقع على هيئة الوضوء، رأى (٢) أنَّ التَّيمُّم عنِ الغسل يقع على هيئة الغسل (فَصَلَّيْتُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ) ولغير أبوَي ذَرٍّ والوقت (٣) وابن عساكر: «فذكرت (٤) للنَّبيِّ» بإسقاط لفظ: «ذلك» (فَقَالَ النَّبِيُّ ) وللأَصيليِّ: «فقال »: (إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ

هَكَذَا) بالكاف بعد الهاء، وللحَمُّويي والمُستملي: «هذا» (فَضَرَبَ النَّبِيُّ بِكَفَّيْهِ (١)) ولأبي ذَرٍّ: «فضرب بكفَّيه» (الأَرْضَ) وللأَصيليِّ: «في الأرض» (وَنَفَخَ فِيهِمَا) نفخًا؛ تخفيفًا (٢) للتُّراب، وهو محمولٌ على أنَّه كان كثيرًا (ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ) إلى الرُّسغين، وهذا مذهب أحمد فلا يجب عنده المسح إلى المرفقين، ولا الضَّربة الثَّانية للكفَّين، واستُشكِل بأنَّما يمسح به وجهه يصير مُستعمَلًا، فكيف يمسح به كفَّيه؟ وأُجيببأنَّه يمكن أن يمسح الوجه ببعض الكفَّين، والكفَّين بباقيهما، والمشهور عند المالكيَّة: وجوب ضربتين والمسح إلى المرفقين، واختُلِف عندهم إذا اقتصر على الرُّسغين وصلَّى فالمشهور: أنَّه يعيد في الوقت، ومذهب أبي حنيفة والشَّافعيِّ -وصحَّحه النَّوويُّ : وجوبُ (٣) ضربةٍ لمسح وجهه، وأخرى ليديه، والمسح إلى المرفقين، قياسًا على الوضوء لحديث أبي داود: «أنَّه تيمَّم بضربتين؛ مسح بإحداهما وجهه». وروى الحاكم والدَّارقُطنيُّ عن ابن عمر عن النَّبيِّ قال (٤): «التَّيمُّم ضربتان:

ضربة للوجه، وضربةٌ لليدين إلى المرفقين»، و «إلى» هنا بمعنى «مع»، والقياس على الوضوء دليلٌ على أنَّ المُراد بقوله في حديث عمَّارٍ: «وكفَّيه» أي: إلى المرفقين، وصحَّح الرَّافعيُّ الاكتفاء بضربةٍ لحديث الباب، والأوَّلأصحُّ مذهبًا، والثَّاني أصحُّ دليلًا، وأمَّا حديث الدَّارقُطنيِّ والحاكم: «التَّيمُّم ضربتان … » إلى آخره فالصَّواب وَقْفَه على ابن عمر، وأمَّا حديث أبي داود فليس بالقويِّ، وقضيَّة حديث عمَّار: الاكتفاء بمسح الوجه والكفَّين وهو قولٌ قديمٌ، قال في «المجموع»: وهو وإن كان مرجوحًا عند الأصحاب، فهو القويُّ في الدَّليل، كما قال الخطَّابيُّ: الاقتصار على الكفَّين أصحُّ في الرِّواية، ووجوب الذِّراعين أشبه بالأصول وأصحُّ في القياس، ولو كان التُّراب ناعمًا كفى وضع اليد عليه من غير ضربٍ، وفي الحديث: أنَّ مسح الوجه واليدين بدلٌ من (١) الجنابة عن كلِّ البدن، وإنَّما لم يأمره بالإعادة لأنَّه عمل أكثر ممَّا كان (٢) يجب عليه في التَّيمُّم.

ورواة هذا (٣) الحديث الثَّمانية ما بين خراسانيٍّ وكوفيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وثلاثةٌ من الصَّحابة، وأخرجه المؤلِّف في «الطَّهارة»، وكذا مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه.

(٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (التَّيَمُّمُ لِلْوَجْهِ وَالكَفَّيْنِ) «التَّيمُّم للوجه» مُبتدأٌ، و «الكفَّين»: عُطِفَ على «الوجه»، والخبر محذوفٌ، قدَّره الحافظ ابن حجرٍ بقوله: «هو الواجب المجزئ»، والعينيُّ: «التَّيمُّم ضربةٌ واحدةٌ للوجه والكفَّين»، قال: ثمَّ نقدِّر (٤) بعد ذلك لفظ «جوازًا» يعني: من حيث الجواز، أو (٥) نقدِّر «وجوبًا» يعني (٦): من حيث الوجوب، قال: والتَّقييد بالوجوب لا يُفهَم منه لأنَّه أعمُّ من ذلك. انتهى.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله