«عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ فَدَخَلَتْ فِيهَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٤٨٢

الحديث رقم ٣٤٨٢ من كتاب «كتاب أحاديث الأنبياء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب حدثنا أبو اليمان.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٣٤٨٢ في صحيح البخاري

«عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَلَا سَقَتْهَا إِذْ حَبَسَتْهَا وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَُِشَاشِ الْأَرْضِ.»

إسناد حديث رقم ٣٤٨٢ من صحيح البخاري

٣٤٨٢ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ

⦗١٧٧⦘

بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٣٤٨٢: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

إِذَا أَنَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي ثُمَّ اطْحَنُونِي ثُمَّ ذَرُّونِي فِي الرِّيحِ فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي لَيُعَذِّبَنِّي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ أَحَدًا. فَلَمَّا مَاتَ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ. فَأَمَرَ اللَّهُ الأَرْضَ فَقَالَ: اجْمَعِي مَا فِيكِ مِنْهُ فَفَعَلَتْ فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ. فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: يَا رَبِّ خَشْيَتُكَ. فَغَفَرَ لَهُ". وَقَالَ غَيْرُهُ: "مَخَافَتُكَ يَا رَبِّ".

[الحديث ٣٤٨١ - طرفه في: ٧٥٠٦]

٣٤٨٢ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قال: "عُذِّبَتْ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَلَا سَقَتْهَا إِذْ حَبَسَتْهَا وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ".

٣٤٨٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ عَنْ زُهَيْرٍ حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ حَدَّثَنَا أَبُو مَسْعُودٍ عُقْبَةُ قَالَ قال النبي : "إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَافْعَلْ مَا شِئْتَ".

[الحديث ٣٤٨٣ - طرفاه في: ٣٤٨٤، ٦١٢٠]

٣٤٨٤ - حدثنا آدم حدثنا شعبة عن منصور قال سمعت ربعي بن حراش يحدث عن أبي مسعود قال النبي : "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة إذا لم تستحي فاصنع ما شئت".

٣٤٨٥ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي سَالِمٌ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: "بَيْنَمَا رَجُلٌ يَجُرُّ إِزَارَهُ مِنْ الْخُيَلَاءِ خُسِفَ بِهِ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِي الأَرْضِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ". تَابَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ

[الحديث ٣٤٨٥ - طرفه في: ٥٧٩٠]

٣٤٨٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: "نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْدَ كُلِّ أُمَّةٍ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا وَأُوتِينَا مِنْ بَعْدِهِمْ فَهَذَا الْيَوْمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ فَغَدًا لِلْيَهُودِ وَبَعْدَ غَدٍ لِلنَّصَارَى".

٣٤٨٧ - عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمٌ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ.

٣٤٨٨ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ، قَالَ: قَدِمَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ الْمَدِينَةَ آخِرَ قَدْمَةٍ قَدِمَهَا فَخَطَبَنَا فَأَخْرَجَ كُبَّةً مِنْ شَعَرٍ فَقَالَ: مَا كُنْتُ أُرَى أَنَّ أَحَدًا يَفْعَلُ هَذَا غَيْرَ الْيَهُودِ، وَإِنَّ النَّبِيَّ سَمَّاهُ الزُّورَ. يَعْنِي الْوِصَالَ فِي الشَّعَرِ. تَابَعَهُ غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ.

الْحَدِيثُ الرَّابِعَ عَشَرَ: حَدَيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الْمَرْأَةِ الَّتِي كَانَتْ تُرْضِعُ وَلَدَهَا فَتَكَلَّمَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي قِصَّةِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ. وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمَذْكُورُ فِي الْإِسْنَادِ هُوَ الْأَعْرَجُ.

الْحَدِيثُ الْخَامِسَ عَشَرَ: حَدَيثُهُ فِي قِصَّةِ الْمَرْأَةِ الَّتِي سَقَتِ الْكَلْبَ.

قَوْلُهُ: (يُطِيفُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِنْ أَطَافَ، يُقَالُ: أَطَفْتُ بِالشَّيْءِ إِذَا أَدَمْتُ الْمُرُورَ حَوْلَهُ.

قَوْلُهُ: (بِرَكِيَّةٍ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ: الْبِئْرُ مَطْوِيَّةً أَوْ غَيْرَ مَطْوِيَّةٍ، وَغَيْرُ الْمَطْوِيَّةِ يُقَالُ لَهَا جُبٌّ وَقَلِيبٌ، وَلَا يُقَالُ لَهَا بِئْرٌ حَتَّى تُطْوَى، وَقِيلَ: الرَّكِيُّ الْبِئْرُ قَبْلَ أَنْ تُطْوَى فَإِذَا طُوِيَتْ فَهِيَ الطَّوِيُّ.

قَوْلُهُ: (بَغِيٌّ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ هِيَ الزَّانِيَةُ، وَتُطْلَقُ عَلَى الْأَمَةِ مُطْلَقًا.

قَوْلُهُ: (مُوقَهَا) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا قَافٌ هُوَ الْخُفُّ، وَقِيلَ مَا يُلْبَسُ فَوْقَ الْخُفِّ.

قَوْلُهُ: (فَغُفِرَ لَهَا) زَادَ الْكُشْمِيهَنِيُّ بِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ مَشْرُوحًا فِي كِتَابِ الشُّرْبِ، لَكِنْ وَقَعَ هُنَاكَ وَفِي الطَّهَارَةِ أَنَّ الَّذِي سَقَى الْكَلْبَ رَجُلٌ، وَأَنَّهُ سَقَاهُ فِي خُفِّهِ، وَيُحْتَمَلُ تَعَدُّدُ الْقِصَّةِ، وَقَدَّمْتُ بَقِيَّةَ الْكَلَامِ فِي كِتَابِ الشُّرْبِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الْحَدِيثُ السَّادِسَ عَشَرَ: حَدَيثُ مُعَاوِيَةَ.

قَوْلُهُ: (عَامَ حَجَّ) فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ الْآتِيَةِ آخِرَ الْبَابِ: آخِرَ قَدْمَةٍ قَدِمَهَا قُلْتُ: وَكَانَ ذَلِكَ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَخَمْسِينَ، وَهِيَ آخِرُ حَجَّةٍ حَجَّهَا فِي خِلَافَتِهِ.

قَوْلُهُ: (فَتَنَاوَلَ قُصَّةً) بِضَمِّ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَةِ هِيَ شَعْرُ النَّاصِيَةِ، وَالْحَرَسِيُّ مَنْسُوبٌ إِلَى الْحَرَسِ وَهُوَ وَاحِدُ الْحُرَّاسِ.

قَوْلُهُ: (أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْعُلَمَاءَ إِذْ ذَاكَ فِيهِمْ كَانُوا قَدْ قَلُّوا، وَهُوَ كَذَلِكَ لِأَنَّ غَالِبَ الصَّحَابَةِ كَانُوا يَوْمَئِذٍ قَدْ مَاتُوا، وَكَأَنَّهُ رَأَى جُهَّالَ عَوَامِّهِمْ صَنَعُوا ذَلِكَ فَأَرَادَ أَنْ يُذَكِّرَ عُلَمَاءَهُمْ وَيُنَبِّهَهُمْ بِمَا تَرَكُوهُ مِنْ إِنْكَارِ ذَلِكَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَرْكُ مَنْ بَقِيَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمِنْ أَكَابِرِ التَّابِعِينَ إِذْ ذَاكَ الْإِنْكَارَ إِمَّا لِاعْتِقَادِ عَدَمِ التَّحْرِيمِ مِمَّنْ بَلَغَهُ الْخَبَرُ فَحَمَلَهُ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ، أَوْ كَانَ يَخْشَى مِنْ سَطْوَةِ الْأُمَرَاءِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ عَلَى مَنْ يَسْتَبِدَّ بِالْإِنْكَارِ لِئَلَّا يُنْسَبَ إِلَى الِاعْتِرَاضِ عَلَى أُولِي الْأَمْرِ، أَوْ كَانُوا مِمَّنْ لَمْ يَبْلُغْهُمُ الْخَبَرُ أَصْلًا، أَوْ بَلَغَ بَعْضَهُمْ لَكِنْ لَمْ يَتَذَكَّرُوهُ حَتَّى ذَكَّرَهُمْ بِهِ مُعَاوِيَةُ، فَكُلُّ هَذِهِ أَعْذَارٌ مُمْكِنَةٌ لِمَنْ كَانَ مَوْجُودًا إِذْ ذَاكَ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَأَمَّا مَنْ حَضَرَ خُطْبَةَ مُعَاوِيَةَ وَخَاطَبَهُمْ بِقَوْلِهِ: أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ؟ فَلَعَلَّ ذَلِكَ كَانَ فِي خُطْبَةِ غَيْرِ الْجُمُعَةِ، وَلَمْ يَتَّفِقْ أَنْ يَحْضُرَهُ إِلَّا مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَقَالَ: أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ؟ لِأَنَّ الْخِطَابَ بِالْإِنْكَارِ لَا يَتَوَجَّهُ إِلَّا عَلَى مَنْ عَلِمَ الْحُكْمَ وَأَقَرَّهُ.

قَوْلُهُ: (وَيَقُولُ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى يَنْهَى، وَفَاعِلُ ذَلِكَ النَّبِيُّ .

قَوْلُهُ: (إِنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَهَا نِسَاؤُهُمْ) فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ حَرَامًا عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا فَعَلُوهُ كَانَ سَبَبًا لِهَلَاكِهِمْ، مَعَ مَا انْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ مِنَ ارْتِكَابِهِمْ مَا ارْتَكَبُوهُ مِنَ الْمَنَاهِي، وَسَيَأْتِي شَرْحُ ذَلِكَ مَبْسُوطًا فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

الْحَدِيثُ السَّابِعَ عَشَرَ: حَدَيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ) هُوَ سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، وَقِيلَ عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ كَمَا سَيَأْتِي.

قَوْلُهُ: (إِنَّهُ قَدْ كَانَ فِيمَا مَضَى قَبْلَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ مُحَدَّثُونَ) بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي مَنَاقِبِ عُمَرَ، فَإِنَّ فِيهِ أَنَّهُمْ كَانُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ.

قَوْلُهُ: (وَإِنَّهُ إن كَانَ فِي أُمَّتِي هَذِهِ مِنْهُمْ) فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ: وَأنَّهُ إِنْ كَانَ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ مِنْهُمْ.

قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) كَذَا قَالَهُ النَّبِيُّ عَلَى سَبِيلِ التَّوَقُّعِ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَكُنِ اطَّلَعَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَائِنٌ، وَقَدْ وَقَعَ بِحَمْدِ اللَّهِ مَا تَوَقَّعَهُ النَّبِيُّ فِي عُمَرَ ، وَوَقَعَ مِنْ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ مَا لَا يُحْصَى ذِكْرُهُ.

الْحَدِيثُ الثَّامِنَ عَشَرَ: حَدَيثُ أَبِي سَعِيدٍ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ النَّاجِي) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُعَاذٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الصِّدِّيقِ النَّاجِي، وَاسْمُ أَبِي الصِّدِّيقِ - وَهُوَ بِكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ

الْمَكْسُورَةِ - بَكْرٌ، وَاسْمُ أَبِيهِ عَمْرٌو، وَقِيلَ قَيْسٌ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ.

قَوْلُهُ: (كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ وَلَا عَلَى اسْمِ أَحَدٍ مِنَ الرِّجَالِ مِمَّنْ ذُكِرَ فِي الْقِصَّةِ، زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ، عَنْ قَتَادَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ.

قَوْلُهُ: (فَأَتَى رَاهِبًا) فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ رَفْعِ عِيسَى ، لِأَنَّ الرَّهْبَانِيَّةَ إِنَّمَا ابْتَدَعَهَا أَتْبَاعُهُ كَمَا نُصَّ عَلَيْهِ فِي الْقُرْآنِ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ: لَهُ تَوْبَةٌ؟) بِحَذْفِ أَدَاةِ الِاسْتِفْهَامِ، وَفِيهِ تَجْرِيدٌ أَوِ الْتِفَاتٌ، لِأَنَّ حَقَّ السِّيَاقِ أَنْ يَقُولَ: لِيَ تَوْبَةٌ؟ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ، وَزَادَ: ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ، وَقَالَ فِيهِ: وَمِنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ ائْتِ قَرْيَةَ كَذَا وَكَذَا) زَادَ فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ: فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللَّهَ فَاعْبُدِ اللَّهَ مَعَهُمْ، وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أَرْضُ سُوءٍ، فَانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا كَانَ نِصْفُ الطَّرِيقِ أَتَاهُ مَلَكُ الْمَوْتِ، وَوَقَعَتْ لِي تَسْمِيَةُ الْقَرْيَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مَرْفُوعًا فِي الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ لِلطَّبَرَانِيِّ قَالَ فِيهِ: إِنَّ اسْمَ الصَّالِحَةِ نَصْرَةُ، وَاسْمَ الْقَرْيَةِ الْأُخْرَى كَفْرَةُ.

قَوْلُهُ: (فَنَاءَ) بِنُونٍ وَمَدٍّ أَيْ بَعُدَ، أَوِ الْمَعْنَى مَالَ أَوْ نَهَضَ مَعَ تَثَاقُلٍ، فَعَلَى هَذَا فَالْمَعْنَى: فَمَالَ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي طَلَبَهَا، هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَحَكَى بَعْضُهُمْ فِيهِ فَنَأَى بِغَيْرِ مَدٍّ قَبْلَ الْهَمْزِ، وَبِإِشْبَاعِهَا بِوَزْنِ سَعَى، تَقُولُ: نَأَى يَنْأَى نَأْيًا، أي بَعُدَ، وَعَلَى هَذَا فَالْمَعْنَى فَبَعُدَ عَلَى الْأَرْضِ الَّتِي خَرَجَ مِنْهَا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ، عَنْ قَتَادَةَ مَا يُشْعِرُ بِأَنَّ قَوْلَهُ فَنَاءَ بِصَدْرِهِ إِدْرَاجٌ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ قَالَ قَتَادَةَ: قَالَ الْحَسَنُ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ لَمَّا أَتَاهُ الْمَوْتُ نَاءَ بِصَدْرِهِ.

قَوْلُهُ: (فَاخْتَصَمت فِيهِ) فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ مِنَ الزِّيَادَةِ: فَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ جَاءَ نائبا مُقْبِلًا بِقَلْبِهِ إِلَى اللَّهِ، وَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ: إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ، فَأَتَاهُ مَلَكٌ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَ الْأَرْضَيْنِ فَإِلَى أَيِّهِمَا كَانَ أَدْنَى فَهُوَ لَهَا.

قَوْلُهُ: (فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى هَذِهِ أَنْ تَبَاعَدِي) أَيْ إِلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي خَرَجَ مِنْهَا (وَإِلَى هَذِهِ أَنْ تَقَرَّبِي) أَيِ الْقَرْيَةَ الَّتِي قَصَدَهَا. وَفِي رِوَايَةِ هِشَامٍ: فَقَاسُوهُ فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ.

قَوْلُهُ: (أَقْرَبَ بِشِبْرٍ فَغُفِرَ لَهُ) فِي رِوَايَةِ مُعَاذٍ، عَنْ شُعْبَةَ: فَجُعِلَ مِنْ أَهْلِهَا وَفِي رِوَايَةِ هِشَامٍ: فَقَبَضَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ، وَفِي الْحَدِيثِ مَشْرُوعِيَّةُ التَّوْبَةِ مِنْ جَمِيعِ الْكَبَائِرِ حَتَّى مِنْ قَتْلِ الْأَنْفُسِ، وَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا قَبِلَ تَوِبَةَ الْقَاتِلِ تَكَفَّلَ بِرِضَا خَصْمِهِ. وَفِيهِ: إنَّ الْمُفْتِيَ قَدْ يُجِيبُ بِالْخَطَأ، وَغَفَلَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ إِنَّمَا قَتَلَ الْأَخِيرَ عَلَى سَبِيلِ التَّأَوُّلِ لِكَوْنِهِ أَفْتَاهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ؛ لِأَنَّ السِّيَاقَ يَقْتَضِي أَنَّهُ كَانَ غَيْرَ عَالِمٍ بِالْحُكْمِ حَتَّى اسْتَمَرَّ يَسْتَفْتِي، وَأَنَّ الَّذِي أَفْتَاهُ اسْتَبْعَدَ أَنْ تَصِحَّ تَوْبَتَهُ بَعْدَ قَتْلِهِ لمن ذَكَرَ أَنَّهُ قَتَلَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا قَتَلَهُ بِنَاءً عَلَى الْعَمَلِ بِفَتْوَاهُ لِأَنَّ ذَلِكَ اقْتَضَى عِنْدَهُ أَنْ لَا نَجَاةَ لَهُ فَيَئِسَ مِنَ الرَّحْمَةِ، ثُمَّ تَدَارَكَهُ اللَّهُ فَنَدِمَ عَلَى مَا صَنَعَ فَرَجَعَ يَسْأَلُ. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى قِلَّةِ فِطْنَةِ الرَّاهِبِ، لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ حَقِّهِ التَّحَرُّزُ مِمَّنِ اجْتَرَأَ عَلَى الْقَتْلِ حَتَّى صَارَ لَهُ عَادَةٌ بِأَنْ لَا يُوَاجِهَهُ بِخِلَافِ مُرَادِهِ وَأَنْ يَسْتَعْمِلَ مَعَهُ الْمَعَارِيضَ مُدَارَاةً عَنْ نَفْسِهِ، هَذَا لَوْ كَانَ الْحُكْمُ عِنْدَهُ صَرِيحًا فِي عَدَمِ قَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاتِلِ فَضْلًا عَنْ أَنَّ الْحُكْمَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إِلَّا مَظْنُونًا.

وَفِيهِ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ الْمُوَكَّلِينَ بِبَنِي آدَمَ يَخْتَلِفُ اجْتِهَادُهُمْ فِي حَقِّهِمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ يَكْتُبُونَهُ مُطِيعًا أَوْ عَاصِيًا، وَأَنَّهُمْ يَخْتَصِمُونَ فِي ذَلِكَ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ، وَفِيهِ فَضْلُ التَّحَوُّلِ مِنَ الْأَرْضِ الَّتِي يُصِيبُ الْإِنْسَانُ فِيهَا الْمَعْصِيَةَ لِمَا يَغْلِبُ بِحُكْمِ الْعَادَةِ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ إِمَّا لِتَذَكُّرِهِ لِأَفْعَالِهِ الصَّادِرَةِ قَبْلَ ذَلِكَ وَالْفِتْنَةِ بِهَا وَإِمَّا لِوُجُودِ مَنْ كَانَ يُعِينُهُ عَلَى ذَلِكَ وَيَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا قَالَ لَهُ الْأَخِيرُ: وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أَرْضُ سُوءٍ، فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ التائب يَنْبَغِي لَهُ مُفَارَقَةُ الْأَحْوَالِ الَّتِي اعْتَادَهَا فِي زَمَنِ الْمَعْصِيَةِ، وَالتَّحَوُّلُ مِنْهَا كُلِّهَا

وَالِاشْتِغَالُ بِغَيْرِهَا، وَفِيهِ فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ لِأَنَّ الَّذِي أَفْتَاهُ أَوَّلًا بِأَنْ لَا تَوْبَةَ لَهُ غَلَبَتْ عَلَيْهِ الْعِبَادَةُ فَاسْتَعْظَمَ وُقُوعَ مَا وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ الْقَاتِلِ مِنَ اسْتِجْرَائِهِ عَلَى قَتْلِ هَذَا الْعَدَدِ الْكَثِيرِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَغَلَبَ عَلَيْهِ الْعِلْمُ فَأَفْتَاهُ بِالصَّوَابِ وَدَلَّهُ عَلَى طَرِيقِ النَّجَاةِ، قَالَ عِيَاضٌ: وَفِيهِ أَنَّ التَّوْبَةَ تَنْفَعُ مِنَ الْقَتْلِ كَمَا تَنْفَعُ مِنْ سَائِرِ الذُّنُوبِ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ شَرْعًا لِمَنْ قَبْلَنَا وَفِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ خِلَافٌ لَكِنْ لَيْسَ هَذَا مِنْ مَوْضِعِ الْخِلَافِ لِأَنَّ مَوْضِعَ الْخِلَافِ إِذَا لَمْ يَرِدْ فِي شَرْعِنَا تَقْرِيرُهُ وَمُوَافَقَتُهُ، أَمَّا إِذَا وَرَدَ فَهُوَ شَرْعٌ لَنَا بِلَا خِلَافٍ، وَمِنَ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾

وَحَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فَفِيهِ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْمَنْهِيَّاتِ فَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قُلْتُ: وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ أَيْضًا مِنْ جِهَةِ تَخْفِيفِ الْآصَارِ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ، فَإِذَا شُرِعَ لَهُمْ قَبُولُ تَوْبَةِ الْقَاتِلِ فَمَشْرُوعِيَّتُهَا لَنَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ الْآيَةَ فِي التَّفْسِيرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ فِي بَنِي آدَمَ مَنْ يَصْلُحُ لِلْحُكْمِ بَيْنَ الْمَلَائِكَةِ إِذَا تَنَازَعُوا، وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ أَجَازَ التَّحْكِيمَ، وَأَنَّ مَنْ رَضِيَ الْفَرِيقَانِ بِتَحْكِيمِهِ فَحُكْمُهُ جَائِزٌ عَلَيْهِمْ، وَسَيَأْتِي نَقْلُ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَلِي مَا بَعْدَهُ، وَفِيهِ أَنَّ لِلْحَاكِمِ إِذَا تَعَارَضَتْ عِنْدَهُ الْأَحْوَالُ وَتَعَدَّدَتِ الْبَيِّنَاتُ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِالْقَرَائِنِ عَلَى التَّرْجِيحِ.

الْحَدِيثُ التَّاسِعَ عَشَرَ: حَدَيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الْبَقَرَةِ الَّتِي تَكَلَّمَتْ:

قَوْلُهُ: (عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) هُوَ مِنْ رِوَايَةِ الْأَقْرَانِ، وَقَدْ رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ أَيْضًا عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَسَيَأْتِي مَعَ شَرْحِهِ مُسْتَوْفًى فِي الْمَنَاقِبِ.

قَوْلُهُ: (بَيْنَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ.

قَوْلُهُ: (إِذْ رَكِبَهَا فَضَرَبَهَا فَقَالَتْ: إِنَّا لَمْ نُخْلَقْ لِهَذَا) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الدَّوَابَّ لَا تُسْتَعْمَلُ إِلَّا فِيمَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِاسْتِعْمَالِهَا فِيهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهَا: إِنَّمَا خُلِقْنَا لِلْحَرْثِ، لِلْإِشَارَةِ إِلَى مُعْظَمِ مَا خُلِقَتْ لَهُ، وَلَمْ تُرِدِ الْحَصْرَ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ اتِّفَاقًا، لِأَنَّ مِنْ أَجَلِّ مَا خُلِقَتْ لَهُ أَنَّهَا تُذْبَحُ وَتُؤْكَلُ بِالِاتِّفَاقِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ بَطَّالٍ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْمُزَارَعَةِ.

قَوْلُهُ: (فَإِنِّي أُؤْمِنُ بِهَذَا أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ) هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ أَخْبَرَهُمَا بِذَلِكَ فَصَدَّقَاهُ، أَوْ أَطْلَقَ ذَلِكَ لِمَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّهُمَا يُصَدِّقَانِ بِذَلِكَ إِذَا سَمِعَاهُ وَلَا يَتَرَدَّدَانِ فِيهِ.

قَوْلُهُ: (وَمَا هُمَا ثَمَّ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ، أَيْ لَيْسَا حَاضِرَيْنِ، وَهُوَ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي، وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ.

قَوْلُهُ: (وَبَيْنَا رَجُلٌ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْخَبَرِ الَّذِي قَبْلَهُ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ.

قَوْلُهُ: (إِذْ عَدَا الذِّئْبُ) بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ مِنَ الْعُدْوَانِ.

قَوْلُهُ: (هَذَا اسْتَنْقَذْتَهَا مِنِّي) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ اسْتَنْقَذَهَا بِإِبْهَامِ الْفَاعِلِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مِسْعَرٍ) هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ شَيْخِهِ مُفَرَّقًا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ لِسُفْيَانَ فِيهِ إِسْنَادَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، وَالْآخَرُ: مِسْعَرٌ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَفِي كُلٍّ مِنَ الْإِسْنَادَيْنِ رِوَايَةُ الْقَرِينِ عَنْ قَرِينِهِ، لِأَنَّ الْأَعْرَجَ قَرِينُ أَبِي سَلَمَةَ كَمَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّهُ شَارَكَهُ فِي أَكْثَرِ شُيُوخِهِ وَلَا سِيَّمَا أَبُو هُرَيْرَةَ، وَإِنْ كَانَ أَبُو سَلَمَةَ أَكْبَرَ سِنًّا مِنَ الْأَعْرَجِ، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَرِينَ مِسْعَرٍ، لِأَنَّهُ شَارَكَهُ فِي أَكْثَرِ شُيُوخِهِ لَا سِيَّمَا سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَإِنْ كَانَ مِسْعَرٌ أَكْبَرَ سِنًّا مِنْ سُفْيَانَ.

الحديث العشرون: حَدَيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ عَقَارًا لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِمَا وَلَا عَلَى اسْمِ أَحَدٍ مِمَّنْ ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ، لَكِنْ فِي الْمُبْتَدَأ لِوَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّ الَّذِي تَحَاكَمَا إِلَيْهِ هُوَ دَاوُدُ النَّبِيُّ ; وَفِي الْمُبْتَدَأ لِإِسْحَاقَ بْنِ بِشْرٍ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي زَمَنِ ذِي الْقَرْنَيْنِ مِنْ بَعْضِ قُضَاتِهِ فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَصَنِيعُ الْبُخَارِيِّ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ مَا وَقَعَ عِنْدَ وَهْبٍ لِكَوْنِهِ أَوْرَدَهُ فِي ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ.

قَوْلُهُ: (عَقَارًا) الْعَقَارُ فِي اللُّغَةِ الْمَنْزِلُ وَالضَّيْعَةُ وَخَصَّهُ

بَعْضُهُمْ بِالنَّخْلِ، وَيُقَالُ لِلْمَتَاعِ النَّفِيسِ الَّذِي لِلْمَنْزِلِ عَقَارٌ أَيْضًا، وَأَمَّا عِيَاضٌ فَقَالَ: الْعَقَارُ الْأَصْلُ مِنَ الْمَالِ، وَقِيلَ الْمَنْزِلُ وَالضَّيْعَةُ، وَقِيلَ: مَتَاعُ الْبَيْتِ، فَجَعَلَهُ خِلَافًا. وَالْمَعْرُوفُ فِي اللُّغَةِ أَنَّهُ مَقُولٌ بِالِاشْتِرَاكِ عَلَى الْجَمِيعِ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الدَّارُ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي حَدِيثِ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ.

قَوْلُهُ: (فَوَجَدَ الرَّجُلُ الَّذِي اشْتَرَى الْعَقَارَ فِي عَقَارِهِ جَرَّةً فِيهَا ذَهَبٌ، فَقَالَ لَهُ: خُذْ ذَهَبَكَ فَإِنَّمَا اشْتَرَيْتُ مِنْكَ الْأَرْضَ وَلَمْ أَبْتَعِ الذَّهَبَ) وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْعَقْدَ إِنَّمَا وَقَعَ بَيْنَهُمَا عَلَى الْأَرْضِ خَاصَّةً، فَاعْتَقَدَ الْبَائِعُ دُخُولَ مَا فِيهَا ضِمْنًا، وَاعْتَقَدَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ. وَأَمَّا صُورَةُ الدَّعْوَى بَيْنَهُمَا فَوَقَعَتْ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ وَأَنَّهُمَا لَمْ يَخْتَلِفَا فِي صُورَةِ الْعَقْدِ الَّتِي وَقَعَتْ، وَالْحُكْمُ فِي شَرْعِنَا عَلَى هَذَا فِي مِثْلِ ذَلِكَ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُشْتَرِي وَأَنَّ الذَّهَبَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي صُورَةِ الْعَقْدِ بِأَنْ يَقُولَ الْمُشْتَرِي: لَمْ يَقَعْ تَصْرِيحٌ بِبَيْعِ الْأَرْضِ وَمَا فِيهَا بَلْ بِبَيْعِ الْأَرْضِ خَاصَّةً، وَالْبَائِعُ يَقُولُ: وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ، وَالْحُكْمُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَنْ يَتَحَالَفَا وَيَسْتَرِدَّا الْمَبِيعَ، وَهَذَا كُلُّهُ بِنَاءٌ عَلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ أَنَّهُ وَجَدَ فِيهِ جَرَّةً مِنْ ذَهَبٍ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ بِشْرٍ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ قَالَ: إِنَّهُ اشْتَرَى دَارًا فَعَمَّرَهَا فَوَجَدَ فِيهَا كَنْزًا، وَأَنَّ الْبَائِعَ قَالَ لَهُ لَمَّا دَعَاهُ إِلَى أَخْذِهِ: مَا دَفَنْتُ وَلَا عَلِمْتُ، وَأَنَّهُمَا قَالَا لِلْقَاضِي: ابْعَثْ مَنْ يَقْبِضُهُ وَتَضَعْهُ حَيْثُ رَأَيْتَ، فَامْتَنَعَ، وَعَلَى هَذَا فَحُكْمُ هَذَا الْمَالِ حُكْمُ الرِّكَازِ فِي هَذِهِ الشَّرِيعَةِ، إِنْ عُرِفَ أَنَّهُ مِنْ دَفِينِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَإِلَّا فَإِنْ عُرِفَ أَنَّهُ مِنْ دَفِينِ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ لُقَطَةٌ، وَإِنْ جُهِلَ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَالِ الضَّائِعِ يُوضَعُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَلَعَلَّهُمْ لَمْ يَكُنْ فِي شَرْعِهِمْ هَذَا التَّفْصِيلُ فَلِهَذَا حَكَمَ الْقَاضِي بِمَا حَكَمَ بِهِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ الَّذِي لَهُ الْأَرْضُ) أَيِ الَّذِي كَانَتْ لَهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بَيَانُ الْمُرَادِ مِنْ ذَلِكَ وَلَفْظُهُ: فَقَالَ الَّذِي بَاعَ الْأَرْضَ: إِنَّمَا بِعْتُكَ الْأَرْضَ، وَوَقَعَ فِي نُسَخِ مُسْلِمٍ اخْتِلَافٌ، فَالْأَكْثَرُ رَوَوْهُ بِلَفْظِ: فَقَالَ الَّذِي شَرَى الْأَرْضَ، وَالْمُرَادُ بَاعَ الْأَرْضَ كَمَا قَالَ أَحْمَدُ، وَلِبَعْضِهِمْ: فَقَالَ الَّذِي اشْتَرَى الْأَرْضَ وَوَهَّمَهَا الْقُرْطُبِيُّ قَالَ: إِلَّا إِنْ ثَبَتَ أَنَّ لَفْظَ اشْتَرَى مِنَ الْأَضْدَادِ كَشَرَى فَلَا وَهْمَ، وَقَوْلُهُ فَتَحَاكَمَا ظَاهِرُهُ أَنَّهُمَا حَكَّمَاهُ فِي ذَلِكَ، لَكِنْ فِي حَدِيثِ إِسْحَاقَ بْنِ بِشْرٍ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ كَانَ حَاكِمًا مَنْصُوبًا لِلنَّاسِ، فَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَنْ جَوَّزَ لِلْمُتَدَاعِيَيْنِ أَنْ يُحَكِّمَا بَيْنَهُمَا رَجُلًا وَيَنْفُذُ حُكْمُهُ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا: فَأَجَازَ ذَلِكَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ أَهْلِيَّةُ الْحُكْمِ، وَأَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمَا بِالْحَقِّ سَوَاءٌ وَافَقَ ذَلِكَ رَأْيَ قَاضِي الْبَلَدِ أَمْ لَا، وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيُّ الْحُدُودَ، وَشَرَطَ أَبُو حَنِيفَةَ أَنْ لَا يُخَالِفَ ذَلِكَ رَأْيَ قَاضِي الْبَلَدِ، وَجَزَمَ الْقُرْطُبِيُّ بِأَنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ حُكْمٌ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمَا، وَإِنَّمَا أَصْلَحَ بَيْنَهُمَا لِمَا ظَهَرَ لَهُ أَنَّ حُكْمَ الْمَالِ الْمَذْكُورِ حُكْمُ الْمَالِ الضَّائِعِ، فَرَأَى أَنَّهُمَا أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِمَا لِمَا ظَهَرَ لَهُ مِنْ وَرَعِهِمَا وَحُسْنِ حَالِهِمَا وَارْتَجَى مِنْ طِيبِ نَسْلِهِمَا وَصَلَاحِ ذُرِّيَّتِهِمَا، وَيَرُدُّهُ مَا جَزَمَ بِهِ الْغَزَالِيُّ فِي نَصِيحَةِ الْمُلُوكِ أَنَّهُمَا تَحَاكَمَا إِلَى كِسْرَى، فَإِنْ ثَبَتَ هَذَا ارْتَفَعَتِ الْمَبَاحِثُ الْمَاضِيَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالتَّحْكِيمِ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا حُجَّةَ فِيمَا

يَحْكُمُ بِهِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ لَقَدْ رَأَيْتُنَا يَكْثُرُ تَمَارِينَا وَمُنَازَعَتُنَا عِنْدَ النَّبِيِّ أَيُّهُمَا أَكْثَرُ أَمَانَةً.

قَوْلُهُ: (أَلَكُمَا وَلَدٌ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَاللَّامِ، وَالْمُرَادُ الْجِنْسُ، لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ للرجلين جَمِيعًا وَلَدٌ وَاحِدٌ، وَالْمَعْنَى: أَلِكُلٍّ مِنْكُمَا وَلَدٌ؟ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ أَلَكُمَا وُلْدٌ بِضَمِّ الْوَاوِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَهِيَ صِيغَةُ جَمْعٍ أَيْ أَوْلَادٌ، وَيَجُوزُ كَسْرُ الْوَاوِ أَيْضًا فِي ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ أَحَدُهُمْ لِي غُلَامٌ) بَيَّنَ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ بِشْرٍ أَنَّ الَّذِي قَالَ لِي غُلَامٌ هُوَ الَّذِي اشْتَرَى الْعَقَارَ.

قَوْلُهُ: (أَنْكِحُوا الْغُلَامَ الْجَارِيَةَ وَأَنْفِقُوا عَلَى أَنْفُسِهِمَا مِنْهُ وَتَصَدَّقَا) هَكَذَا وَقَعَ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ فِي الْإِنْكَاحِ وَالْإِنْفَاقِ وَبِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ فِي النَّفْسَيْنِ وَفِي التَّصَدُّقِ، وَكَأَنَّ السِّرَّ فِي ذَلِكَ أَنَّ الزَّوْجَيْنِ كَانَا مَحْجُورَيْنِ

وَإِنْكَاحُهُمَا لَا بُدَّ فيه مَعَ وَلِيِّيهِمَا مِنْ غَيْرِهِمَا كَالشَّاهِدَيْنِ، وَكَذَلِكَ الْإِنْفَاقُ قَدْ يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الْمُعَيَّنِ كَالْوَكِيلِ، وَأَمَّا تَثْنِيَةُ النَّفْسَيْنِ فَلِلْإِشَارَةِ إِلَى اخْتِصَاصِ الزَّوْجَيْنِ بِذَلِكَ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ بِشْرٍ مَا يُشْعِرُ بِذَلِكَ وَلَفْظُهُ: اذْهَبَا فَزَوِّجِ ابْنَتَكَ مِنِ ابْنِ هَذَا وَجَهِّزُوهُمَا مِنْ هَذَا الْمَالِ وَادْفَعَا إِلَيْهِمَا مَا بَقِيَ يَعِيشَانِ بِهِ، وَأَمَّا تَثْنِيَةُ التَّصدق فَلِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنْ يُبَاشِرَاهَا بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْفَضْلِ، وَأَيْضًا فَهِيَ تَبَرُّعٌ لَا يَصْدُرُ مِنْ غَيْرِ الرَّشِيدِ وَلَا سِيَّمَا مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ فِيهَا مِلْكٌ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَأَنْفِقَا عَلَى أَنْفُسِكُمَا وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الْحَدِيثُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: حَدَيثُ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فِي الطَّاعُونِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي الطِّبِّ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: الطَّاعُونُ رِجْزٌ أُرْسِلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَوَقَعَ هُنَا رِجْسٌ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ بَدَلَ الزَّايِ وَالْمَحْفُوظُ بِالزَّايِ، وَوَجَّهَهُ الْقَاضِي بِأَنَّ الرِّجْسَ يَقَعُ عَلَى الْعُقُوبَةِ أَيْضًا، وَقَدْ قَالَ الْفَارَابِيُّ، وَالْجَوْهَرِيُّ: الرِّجْسُ الْعَذَابُ.

قَوْلُهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ (فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ، قَالَ أَبُو النَّضْرِ: لَا يُخْرِجْكُمْ إِلَّا فِرَارًا مِنْهُ) يُرِيدُ أَنَّ الْأُولَى رِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ وَالثَّانِيَةُ رِوَايَةُ أَبِي النَّضْرِ، فَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ فَلَا إِشْكَالَ فِيهَا، وَأَمَّا رِوَايَةُ أَبِي النَّضْرِ فَرِوَايَتُهَا بِالنَّصْبِ كَالَّذِي هُنَا مُشْكِلَةٌ، وَرَوَاهَا جَمَاعَةٌ بِالرَّفْعِ وَلَا إِشْكَالَ فِيهَا، قَالَ عِيَاضٌ فِي الشَّرْحِ: وَقَعَ لِأَكْثَرِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأ بِالرَّفْعِ وَهُوَ بَيِّنٌ أَنَّ السَّبَبَ الَّذِي يُخْرِجُكُمُ الْفِرَارُ وَمُجَرَّدُ قَصْدِهِ لَا غَيْرَ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْخُرُوجَ إِلَى الْأَسْفَارِ وَالْحَوَائِجِ مُبَاحٌ، وَيُطَابِقُ الرِّوَايَةَ الْأُخْرَى: فَلَا يخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ قَالَ: رَوَاهُ بَعْضُهُمْ إِلَّا فِرَارًا مِنْهُ قَالَ: وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: جَاءَ بِالْوَجْهَيْنِ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ كانَ مِنْ مَالِكٍ، وَأَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ يَقُولُونَ دُخُولُ إِلَّا هُنَا بَعْدَ النَّفْيِ لِإِيجَابِ بَعْضِ مَا نُفِيَ قَبْلُ مِنَ الْخُرُوجِ، فَكَأَنَّهُ نَهَى عَنِ الْخُرُوجِ إِلَّا لِلْفِرَارِ خَاصَّةً، وَهُوَ ضِدُّ الْمَقْصُودِ، فَإِنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ إِنَّمَا هُوَ الْخُرُوجُ لِلْفِرَارِ خَاصَّةً لَا لِغَيْرِهِ، قَالَ: وَجَوَّزَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ وَجَعَلَ قَوْلَهُ إِلَّا حَالًا مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ، أَيْ لَا تَخْرُجُوا إِذَا لَمْ يَكُنْ خُرُوجُكُمْ إِلَّا لِلْفِرَارِ، قَالَ عِيَاضٌ: وَوَقَعَ لِبَعْضِ رُوَاةِ الْمُوَطَّإِ: لَا يُخْرِجْكُمُ الْإِفْرَارُ، بِأَدَاةِ التَّعْرِيفِ وَبَعْدَهَا إِفْرَارٌ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَهُوَ وَهْمٌ وَلَحْنٌ.

وَقَالَ فِي الْمَشَارِقِ مَا حَاصِلُهُ: يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْهَمْزَةُ لِلتَّعْدِيَةِ، يُقَالُ: أَفَرَّهُ كَذَا مِنْ كَذَا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ: إِنْ كَانَ لَا يُفِرُّكَ مِنْ هَذَا إِلَّا مَا تَرَى، فَيَكُونُ الْمَعْنَى لَا يُخْرِجْكُمْ إِفْرَارُهُ إِيَّاكُمْ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ: هَذِهِ الرِّوَايَةُ غَلَطٌ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ أَفَرَّ وَإِنَّمَا يُقَالُ فَرَّرَ، قَالَ: وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: إِدْخَالُ إِلَّا فِيهِ غَلَطٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ زَائِدَةٌ وَتَجُوزُ زِيَادَتُهُ كَمَا تُزَادُ لَا، وَخَرَّجَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهَا لِلْإِيجَابِ، فَذَكَرَ نَحْوَ مَا مَضَى، قَالَ: وَالْأَقْرَبُ أَنْ تَكُونَ زَائِدَةً، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الْجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ: لَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ، وَبَيْنَ قَوْلِ أَبِي النَّضْرِ: لَا يُخْرِجْكُمْ إِلَّا فِرَارًا مِنْهُ مُشْكِلٌ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ التَّنَاقُضُ، ثُمَّ أَجَابَ بِأَجْوِبَةٍ: أَحَدِهَا أَنَّ غَرَضَ الرَّاوِي أَنَّ أَبَا النَّضْرِ فَسَّرَ لَا تَخْرُجُوا بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الْحَصْرُ يَعْنِي الْخُرُوجَ الْمَنْهِيَّ هُوَ الَّذِي يَكُونُ لِمُجَرَّدِ الْفِرَارِ لَا لِغَرَضٍ آخَرَ، فَهُوَ تَفْسِيرٌ لِلْمُعَلَّلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لَا لِلنَّهْيِ. قُلْتُ: وَهُوَ بَعِيدٌ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ مِنْ كَلَامِ أَبِي النَّضْرِ زَادَهُ بَعْدَ الْخَبَرِ وَأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِابْنِ الْمُنْكَدِرِ عَلَى اللَّفْظِ الْأَوَّلِ رِوَايَةً، وَالْمُتَبَادَرُ خِلَافُ ذَلِكَ. وَالْجَوَابُ الثَّانِي كَالْأَوَّلِ وَالزِّيَادَةُ مَرْفُوعَةٌ أَيْضًا فَيَكُونُ رَوَى اللَّفْظَيْنِ وَيَكُونُ التَّفْسِيرُ مَرْفُوعًا أَيْضًا. الثَّالِثُ إِلَّا زَائِدَةٌ بِشَرْطِ أَنْ تَثْبُتَ زِيَادَتُهَا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: حَدَيثُ عَائِشَةَ فِي ذَلِكَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي الطِّبِّ أَيْضًا.

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ، وَأَوْرَدَهُ هُنَا بِلَفْظِ: إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ: إِنَّ

بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا وَهُوَ الْمُطَابِقُ لِلتَّرْجَمَةِ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

الْحَدِيثُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: حَدَيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي النَّهْيِ عَنْ الِاخْتِلَافِ فِي الْقِرَاءَةِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ.

الْحَدِيثُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: حَدَيثُ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَشَقِيقٌ هُوَ أَبُو وَائِلٍ.

قَوْلُهُ: (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ هَذَا النَّبِيِّ صَرِيحًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ نُوحٌ ، فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمُبْتَدَأ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِ الشُّعَرَاءِ مِنْ طَرِيقِ ابنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيِّ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ قَوْمَ نُوحٍ كَانُوا يَبْطِشُونَ بِهِ فَيَخْنُقُونَهُ حَتَّى يُغْشَى عَلَيْهِ، فَإِذَا أَفَاقَ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ. قُلْتُ: وَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ فَكَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ، ثُمَّ لَمَّا يَئِسَ مِنْهُمْ قَالَ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ بَعْدَ تَخْرِيجِ هَذَا الْحَدِيثِ حَدِيثَ أَنَّهُ قَالَ فِي قِصَّةِ أُحُدٍ: كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ دَمَّوْا وَجْهَ نَبِيِّهِمْ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: إِنَّ النَّبِيَّ هُوَ الْحَاكِي وَالْمَحْكِيُّ كمَا سَيَأْتِي. وَأَمَّا النَّوَوِيُّ فَقَالَ: هَذَا النَّبِيُّ الَّذِي جَرَى لَهُ مَا حَكَاهُ النَّبِيُّ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَقَدْ جَرَى لِنَبِيِّنَا نَحْوُ ذَلِكَ يَوْمَ أُحُدٍ.

قَوْلُهُ: (وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ) يَحْتَمِلُ أَنَّ ذَلِكَ لَمَّا وَقَعَ لِلنَّبِيِّ ذَكَرَ لِأَصْحَابِهِ أَنَّهُ وَقَعَ لِنَبِيٍّ آخَرَ قَبْلَهُ، وَذَلِكَ فِيمَا وَقَعَ لَهُ يَوْمَ أُحُدٍ لَمَّا شُجَّ وَجْهُهُ وَجَرَى الدَّمُ مِنْهُ. فَاسْتَحْضَرَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ قِصَّةَ ذَلِكَ النَّبِيِّ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ فَذَكَرَ قِصَّتَهُ لِأَصْحَابِهِ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ. وَأَغْرَبَ الْقُرْطُبِيُّ فَقَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ هُوَ الْحَاكِي وَهُوَ الْمَحْكِيُّ عَنْهُ، قَالَ: وَكَأَنَّهُ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ قَبْلَ وُقُوعِ الْقِصَّةِ، وَلَمْ يُسَمِّ ذَلِكَ النَّبِيَّ، فَلَمَّا وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ تَعَيَّنَ أَنَّهُ هُوَ الْمَعْنِيُّ بِذَلِكَ. قُلْتُ: وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ أَنَّ التَّرْجَمَةَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ فَيَتَعَيَّنَ الْحَمْلُ عَلَى بَعْضِ أَنْبِيَائِهِمْ، وَفِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: إن النَّبِيَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ.

قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: مَعْنَى هَذَا الدُّعَاءِ الَّذِي قَالَ يَوْمَ أُحُدٍ لَمَّا شُجَّ وَجْهُهُ، أَيِ: اغْفِرْ لَهُمْ ذَنْبَهُمْ فِي شَجِّ وَجْهِي، لَا أَنَّهُ أَرَادَ الدُّعَاءَ لَهُمْ بِالْمَغْفِرَةِ مُطْلَقًا، إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَأُجِيبَ وَلَوْ أُجِيبَ لَأَسْلَمُوا كُلُّهُمْ، كَذَا قَالَ، وَكَأَنَّهُ بَنَاهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَخَلَّفَ بَعْضُ دُعَائِهِ عَلَى بَعْضٍ أَوْ عَنْ بَعْضٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِثُبُوتِ: أَعْطَانِي اثْنَتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً، وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَنْعَامِ، ثُمَّ وَجَدْتُ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ مَا يَمْنَعُ تَأْوِيلَ الْقُرْطُبِيِّ، وَيُعَيِّنُ الْغَزْوَةَ الَّتِي قَالَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ذَلِكَ وَلَفْظُهُ: قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ بِالْجِعِرَّانَةِ، قَالَ: فَازْدَحَمُوا عَلَيْهِ فَقَالَ: إِنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِ اللَّهِ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى قَوْمِهِ فَكَذَّبُوهُ وَشَجُّوهُ، فَجَعَلَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ جَبِينِهِ وَيَقُولُ: رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ يَمْسَحُ جَبْهَتَهُ يَحْكِي الرَّجُلَ. قُلْتُ: وَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا الَّذِي قَالَهُ عَبْدُ اللَّهِ أَنَّ يَكُونَ النَّبِيُّ مَسَحَ أَيْضًا، بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ حَكَى صِفَةَ مَسْحِ جَبْهَتِهِ خَاصَّةً كَمَا مَسَحَهَا ذَلِكَ النَّبِيُّ، وَظَهَرَ بِذَلِكَ فَسَادُ مَا زَعَمَهُ الْقُرْطُبِيُّ.

الْحَدِيثُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ، وَالسَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ، وَالثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ: أَحَادِيثُ أَبِي سَعِيدٍ، وَحُذَيْفَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الَّذِي أَوْصَى بِأَنْ يُحْرَقَ إِذَا مَاتَ، أَوْرَدَهُ مِنْ طُرُقٍ، وَتَقَدَّمَ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَسَأَذْكُرُ جَمِيعَ فَوَائِدِهِ هُنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَبْدِ الْغَافِرِ) بَيَّنَ فِي الرِّوَايَةِ الْمُعَلَّقَةِ تِلْوَ هَذِهِ سَمَاعَ قَتَادَةَ مِنْ عُقْبَةَ، وَعُقْبَةُ الْمَذْكُورُ أَزْدِيٌّ بَصْرِيٌّ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَحَدِيثٌ آخَرُ تَقَدَّمَ فِي الْوَكَالَةِ. وَطَرِيقُ مُعَاذٍ هَذِهِ وَصَلَهَا مُسْلِمٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ بِهِ.

قَوْلُهُ: (رَغَسَهُ اللَّهُ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا سِينٌ مُهْمَلَةٌ، أَيْ كَثَّرَ مَالَهُ، وَقِيلَ رَغْسُ كُلِّ شَيْءٍ أَصْلُهُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: جَعَلَ لَهُ أَصْلًا مِنْ مَالٍ. وَوَقَعَ فِي مُسْلِمٍ

رَأَسَهُ اللَّهُ بِهَمْزٍ بَدَلَ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَهُوَ غَلَطٌ، فَإِنْ صَحَّ - أَيْ مِنْ جِهَةِ الرِّوَايَةِ - فَكَأَنَّهُ كَانَ فِيهِ رَاشَهُ يَعْنِي بِأَلِفٍ سَاكِنَةٍ بِغَيْرِ هَمْزٍ وَبِشِينٍ مُعْجَمَةٍ، وَالرِّيشُ وَالرِّيَاشُ الْمَالُ، انْتَهَى. وَيَحْتَمِلُ فِي تَوْجِيهِ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَنْ يُقَالَ: مَعْنَى رَأَّسَهُ جَعَلَهُ رَأْسًا وَيَكُونُ بِتَشْدِيدِ الْهَمْزَةِ، وَقَوْلُهُ مَالًا، أَيْ بِسَبَبِ الْمَالِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ عُقْبَةُ، لِحُذَيْفَةَ) هُوَ عُقْبَةُ بْنُ عُمَرَ أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ الْبَدْرِيُّ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُوسَى) هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ التَّبُوذَكِيُّ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَصَوَّبَ أَبُو ذَرٍّ رِوَايَةَ الْأَكْثَرِ وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ أَنَّهُ عَنْ مُوسَى ; وَمُوسَى، وَمُسَدَّدٌ جَمِيعًا قَدْ سَمِعَا مِنْ أَبِي عَوَانَةَ، لَكِنَّ الصَّوَابَ هُنَا مُوسَى لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ سَاقَ الْحَدِيثَ عَنْ مُسَدَّدٍ، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ مُوسَى خَالَفَهُ فِي لَفْظَةٍ مِنْهُ وَهِيَ قَوْلُهُ: فِي يَوْمِ رَاحٍ، فَإِنَّ فِي رِوَايَةِ مُسَدَّدٍ يَوْمٌ حَارٌّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ سِيَاقُ مُوسَى فِي أَوَّلِ بَابِ ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَقَالَ فِيهِ: انْظُرُوا يَوْمًا رَاحًا وَقَوْلُهُ: رَاحًا أَيْ كَثِيرَ الرِّيحِ، وَيُقَالُ ذَلِكَ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي تَخْتَرِقُهُ الرِّيَاحُ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: يَوْمٌ رَاحٌ، أَيْ شَدِيدُ الرِّيحِ، وَإِذَا كَانَ طَيِّبَ الرِّيحِ يُقَالُ الرَّيِّحُ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: يَوْمٌ رَاحٌ أَيْ ذُو رِيحٍ كَمَا يُقَالُ رَجُلٌ مَالٌ أَيْ ذُو مَالٍ، وَأَمَّا رِوَايَةُ الْبَابِ فَقَوْلُهُ فِي يَوْمٍ حَارٍ فَهُوَ بِتَخْفِيفِ الرَّاءِ، قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: الْحَوَرُ رِيحٌ تَحِنُّ كَحَنِينِ الْإِبِلِ، وَقَدْ نَبَّهَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ عَلَى مَا وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ. وَظَنَّ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ عَنَى بِذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي أَوَّلِ ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ إِلَّا رِوَايَتُهُ عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ وَهُوَ صَحِيحٌ، لَكِنَّ مُرَادَ الْجَيَّانِيِّ مَا وَقَعَ هُنَا، وَهُوَ بَيِّنٌ لِمَنْ تَأَمَّلَ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ) هُوَ ابْنُ عُمَيْرٍ الْمَذْكُورُ فِي الْإِسْنَادِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَمُرَادُهُ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ رَوَاهُ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ مِثْلَ الرِّوَايَةِ الَّتِي قَبْلَهُ إِلَّا فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ ; وَهَذَا يَقْتَضِي خَطَأَ مَنْ أَوْرَدَهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى بِلَفْظِ رَاحٍ وَهِيَ رِوَايَةُ السَّرَخْسِيِّ، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو الْوَلِيدِ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، فَقَالَ فِيهِ: فِي رِيحٍ عَاصِفٍ، أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الرِّقَاقِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هُوَ ابْنُ يُوسُفَ.

قَوْلُهُ: (كَانَ رَجُلٌ يُسْرِفُ عَلَى نَفْسِهِ) تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ كَانَ نَبَّاشًا، وَفِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الرِّقَاقِ أَنَّهُ كَانَ يُسِيءُ الظَّنَّ بِعَمَلِهِ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَبْتَئِرْ خَيْرًا، وَسَيَأْتِي نَقْلُ الْخِلَافِ فِي تَحْرِيرِهَا هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ إن رَجُلًا كَانَ قَبْلَكُمْ.

قَوْلُهُ: (أَوْرُوا) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَضَمِّ الرَّاءِ، أَيِ اقْدَحُوا وَأَشْعِلُوا.

قَوْلُهُ: (إِذَا أَنَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي ثُمَّ اطْحَنُونِي ثُمَّ ذُرُّونِي) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ، فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فَقَالَ لِبَنِيهِ لَمَّا حُضِرَ - بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ - أَيُّ أَبٍ كُنْتُ لَكُمْ؟ قَالُوا: خَيْرُ أَبٍ، قَالَ: فَإِنِّي لَمْ أَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ، فَإِذَا مُتُّ اسْحَقُونِي ثُمَّ ذَرُونِي بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَالتَّخْفِيفِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ ثُمَّ أَذْرُونِي بِزِيَادَةِ هَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ فِي أَوَّلِهِ، فَالْأُولَى بِمَعْنَى دَعُونِي أَيِ اتْرُكُونِي، وَالثَّانِي مِنْ قَوْلِهِ أَذْرَتِ الرِّيحُ الشَّيْءَ إِذَا فَرَّقَتْهُ بِهُبُوبِهَا، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِرِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ.

قَوْلُهُ: (فِي الرِّيحِ) تَقَدَّمَ مَا فِي رِوَايَةِ حُذَيْفَةَ مِنَ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ أَيْ عَاصِفٌ رِيحُهُ، وَفِي حَدِيثِ مُعَاذٍ، عَنْ شُعْبَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي رِيحٍ عَاصِفٍ وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ حَتَّى إِذَا أَكَلَتْ لَحْمِي وَخَلَصَتْ إِلَى عَظْمِي وَامْتُحِشْتُ، وَهُوَ بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا شِينٌ مُعْجَمَةٌ، أَيْ وَصَلَ الْحَرْقُ الْعِظَامَ، وَالْمَحْشُ إِحْرَاقُ النَّارِ الْجِلْدَ.

قَوْلُهُ: (فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي قَالَ الْخَطَّابِيُّ: قَدْ يُسْتَشْكَلُ هَذَا فَيُقَالُ: كَيْفَ يُغْفَرُ لَهُ وَهُوَ مُنْكِرٌ لِلْبَعْثِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى إِحْيَاءِ الْمَوْتَى؟ وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَمْ يُنْكِرِ الْبَعْثَ وَإِنَّمَا جَهِلَ فَظَنَّ أَنَّهُ إِذَا فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ لَا يُعَادُ فَلَا يُعَذَّبُ، وَقَدْ ظَهَرَ إِيمَانُهُ بِاعْتِرَافِهِ بِأَنَّهُ إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ

قُتَيْبَةَ: قَدْ يَغْلَطُ فِي بَعْضِ الصِّفَاتِ قَوْمٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَكْفُرُونَ بِذَلِكَ ; وَرَدَّهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَقَالَ: جَحْدُهُ صِفَةَ الْقُدْرَةِ كُفْرٌ اتِّفَاقًا، وَإِنَّمَا قِيلَ إِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ أَيْ ضَيَّقَ، وَهِيَ كقوله: وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ أَيْ ضُيِّقَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: لَعَلِّي أُضِلُّ اللَّهَ فَمَعْنَاهُ: لَعَلِّي أَفُوتَهُ، يُقَالُ: ضَلَّ الشَّيْءُ إِذَا فَاتَ وَذَهَبَ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ وَلَعَلَّ هَذَا الرَّجُلُ قَالَ ذَلِكَ مِنْ شِدَّةِ جَزَعِهِ وَخَوْفِهِ كَمَا غَلِطَ ذَلِكَ الْآخَرُ فَقَالَ: أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَوْ يَكُونُ قَوْلُهُ: لَئِنْ قَدَّرَ عَلَيَّ بِتَشْدِيدِ الدَّالِ، أَيْ: قَدَّرَ عَلَيَّ أَنْ يُعَذِّبَنِي لَيُعَذِّبَنِي، أَوْ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُثْبِتًا لِلصَّانِعِ وَكَانَ فِي زَمَنِ الْفَتْرَةِ فَلَمْ تَبْلَغْهُ شَرَائِطُ الْإِيمَانِ، وَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي حَالِ دَهْشَتِهِ وَغَلَبَةِ الْخَوْفِ عَلَيْهِ حَتَّى ذُهِبَ بِعَقْلِهِ لِمَا يَقُولُ، وَلَمْ يَقُلْهُ قَاصِدًا لِحَقِيقَةِ مَعْنَاهُ بَلْ فِي حَالَةٍ كَانَ فِيهَا كَالْغَافِلِ وَالذَّاهِلِ وَالنَّاسِي الَّذِي لَا يُؤَاخَذُ بِمَا يَصْدُرُ مِنْهُ، وَأَبْعَدُ الْأَقْوَالِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ كَانَ فِي شَرْعِهِمْ جَوَازُ الْمَغْفِرَةِ لِلْكَافِرِ.

قَوْلُهُ: (فَأَمَرَ اللَّهُ الْأَرْضَ فَقَالَ: اجْمَعِي مَا فِيكِ مِنْهُ فَفَعَلَتْ) وَفِي حَدِيثِ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ فَقَالَ اللَّهُ لَهُ: كُنْ، فَكَانَ كَأَسْرَعِ مِنْ طَرْفَةِ الْعَيْنِ، وَهَذَا جَمِيعُهُ كَمَا قَالَ ابْنُ عُقَيْلٍ إِخْبَارٌ عَمَّا سَيَقَعُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ خَاطَبَ رُوحَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُنَاسِبُ قَوْلَهُ: فَجَمَعَهُ اللَّهُ، لِأَنَّ التَّحْرِيقَ وَالتَّفْرِيقَ إِنَّمَا وَقَعَ عَلَى الْجَسَدِ وَهُوَ الَّذِي يُجْمَعُ وَيُعَادُ عِنْدَ الْبَعْثِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ خَشْيَتُكَ) الْغَيْرُ الْمَذْكُورُ هُوَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، كَذَا رَوَاهُ عَنْ مَعْمَرٍ بِلَفْظِ خَشْيَتُكَ بَدَلَ مَخَافَتُكَ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِهَذَا، وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبَى سَعِيدٍ مَخَافَتُكَ، وَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ خَشْيَتُكَ.

قَوْلُهُ فِي آخِرِ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ (فَتَلْقَاهُ رَحْمَتُهُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَتَلَافَاهُ قَالَ ابْنُ التِّينِ: أَمَّا تَلَقَّاهُ بِالْقَافِ فَوَاضِحٌ. لَكِنَّ الْمَشْهُورَ تَعْدِيَتُهُ بِالْبَاءِ وَقَدْ جَاءَ هُنَا بِغَيْرِ تَعْدِيَةٍ، وَعَلَى هَذَا فَالرَّحْمَةُ مَنْصُوبَةٌ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذِكْرُ الرَّحْمَةِ وَهِيَ عَلَى هَذَا بِالرَّفْعِ، قَالَ: وَأَمَّا تَلَافَاهُ بِالْفَاءِ فَلَا أَعْرِفُ لَهُ وَجْهًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَصْلُهُ فَتَلَفَّفَهُ أَيْ غَشَّاهُ، فَلَمَّا اجْتَمَعَتْ ثَلَاثُ فَاءَاتٍ أُبْدِلَتِ الْأَخِيرَةُ أَلِفًا مِثْلُ دَسَّاهَا كَذَا قَالَ وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ مِنَ الثُّلَاثِيِّ، وَالْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي التَّلَقِّي. وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ سَلْمَانَ مِمَّا تَلَافَاهُ عِنْدَهَا أَنْ غُفِرَ لَهُ.

الْحَدِيثُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ: حَدَيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الَّذِي كَانَ يُدَايِنُ النَّاسَ، قَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبُيُوعِ.

الْحَدِيثُ الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ: قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) هَذَا هُوَ الْمَحْفُوظُ، وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَقَالَ: عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ حَكَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ قَالَ: وَرَوَاهُ أَبُو مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ أَيْضًا، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قُلْتُ: رِوَايَتُهُ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ أَنْ يَكُونَ رِبْعِيٌّ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي مَسْعُودٍ وَمِنْ حُذَيْفَةَ جَمِيعًا.

قَوْلُهُ: (إِنْ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ) النَّاسُ بِالرَّفْعِ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ، وَيَجُوزُ النَّصْبُ، أَيْ: مِمَّا بَلَغَ النَّاسَ، وَقَوْلُهُ: مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ أَيْ: مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَنْبِيَاءُ، أَيْ: إِنَّهُ مِمَّا نَدَبَ إِلَيْهِ الْأَنْبِيَاءُ وَلَمْ يُنْسَخْ فِيمَا نُسِخَ مِنْ شَرَائِعِهِمْ، لِأَنَّهُ أَمْرٌ أَطْبَقَتْ عَلَيْهِ الْعُقُولُ، وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ، وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا النُّبُوَّةُ الْأُولَى أَيِ الَّتِي قَبْلَ نَبِيِّنَا .

قَوْلُهُ: (فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ) هُوَ أَمْرٌ بِمَعْنَى الْخَبَرِ، أَوْ هُوَ لِلتَّهْدِيدِ، أَيِ: اصْنَعْ مَا شِئْتَ فَإِنَّ اللَّهَ يَجْزِيكَ، أَوْ مَعْنَاهُ انْظُرْ إِلَى مَا تُرِيدُ أَنْ تَفْعَلَهُ فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يستحى مِنْهُ فَافْعَلْهُ وَإِنْ كَانَ مِمَّا يستحى مِنْهُ فَدَعْهُ، أَوِ الْمَعْنَى أَنَّكَ إِذَا لَمْ تَسْتَحِ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ يَجِبُ أَنْ لَا تَسْتَحْيِيَ مِنْهُ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ فَافْعَلْهُ وَلَا تُبَالِ بِالْخَلْقِ، أَوِ الْمُرَادُ الْحَثُّ عَلَى الْحَيَاءِ وَالتَّنْوِيهُ بِفَضْلِهِ، أَيْ لَمَّا لَمْ يَجُزْ صُنْعُ جَمِيعِ مَا شِئْتَ لَمْ يَجُزْ تَرْكُ الِاسْتِحْيَاءِ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ:

حَدَيثُ ابْنِ عُمَرَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ يَجُرُّ إِزَارَهُ مِنَ الْخُيَلَاءِ خُسِفَ بِهِ سَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ، وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ يُونُسَ أَيْضًا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَأَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ.

قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ) أَيِ ابْنُ مُسَافِرٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) أَيْ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَطَرِيقُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هَذِهِ وَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ.

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ: حَدَيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي فَضْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْجُمُعَةِ.

الْحَدِيثُ الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ فِي النَّهْيِ عَنِ الْوَصْلِ فِي الشِّعْرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَتَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى مَكَانِ شَرْحِهِ.

قَوْلُهُ (تَابَعَهُ غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ) وَصَلَهُ مُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ غُنْدَرٍ - وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ - بِهِ.

(خَاتِمَةٌ):

اشْتَمَلَ كِتَابُ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ وَمَا بَعْدَهُ مِنْ ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى مِائَتَيْ حَدِيثٍ وَتِسْعَةِ أَحَادِيثَ، الْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى مِائَةٌ وَسَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ حَدِيثًا، وَالْخَالِصُ اثْنَانِ وَثَمَانُونَ حَدِيثًا، الْمُعَلَّقُ مِنْهَا ثَلَاثُونَ طَرِيقًا وَسَائِرُهَا مَوْصُولٌ، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيثِ عَائِشَةَ الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ وَحَدِيثِ قَالَ رَجُلٌ رَأَيْتُ السَّدَّ، وَهَذَانَ مُعَلَّقَانِ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ زَمْزَمَ وَبِنَاءِ الْبَيْتِ بِطُولِهِ، وَحَدِيثِهِ فِي تَعْوِيذِ الْحَسَنِ، وَالْحُسَيْنِ، وَحَدِيثِ سَبْرَةَ ابْنِ مَعْبَدٍ، وَحَدِيثِ أَبِي الشُّمُوسِ، وَحَدِيثِ أَبِي ذَرٍ وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ مُعَلَّقَاتٌ، وَحَدِيثِ أُمِّ رُومَانَ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ إِنَّمَا سُمِّيَ الْخَضِرُ وَحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي يُونُسَ ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ خُفِّفَ عَلَى دَاوُدَ الْقُرْآنُ وَحَدِيثِ عُمْرَ لَا تُطْرُونِي، وَحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي كَرَاهِيَةِ الِاتِّكَاءِ عَلَى الْخَاصِرَةِ، وَحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بَلِّغُوا عَنِّي وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ إِنَّ الْيَهُودَ لَا يَصْبُغُونَ، وَحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الطَّاعُونِ، وَحَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ فِي الْحَيَاءِ. وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ سِتَّةٌ وَثَمَانُونَ أَثَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحِبَهُ وَسَلَّمَ.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

إِذَا أَنَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي ثُمَّ اطْحَنُونِي ثُمَّ ذَرُّونِي فِي الرِّيحِ فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي لَيُعَذِّبَنِّي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ أَحَدًا. فَلَمَّا مَاتَ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ. فَأَمَرَ اللَّهُ الأَرْضَ فَقَالَ: اجْمَعِي مَا فِيكِ مِنْهُ فَفَعَلَتْ فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ. فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: يَا رَبِّ خَشْيَتُكَ. فَغَفَرَ لَهُ". وَقَالَ غَيْرُهُ: "مَخَافَتُكَ يَا رَبِّ".

[الحديث ٣٤٨١ - طرفه في: ٧٥٠٦]

٣٤٨٢ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قال: "عُذِّبَتْ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَلَا سَقَتْهَا إِذْ حَبَسَتْهَا وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ".

٣٤٨٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ عَنْ زُهَيْرٍ حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ حَدَّثَنَا أَبُو مَسْعُودٍ عُقْبَةُ قَالَ قال النبي : "إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَافْعَلْ مَا شِئْتَ".

[الحديث ٣٤٨٣ - طرفاه في: ٣٤٨٤، ٦١٢٠]

٣٤٨٤ - حدثنا آدم حدثنا شعبة عن منصور قال سمعت ربعي بن حراش يحدث عن أبي مسعود قال النبي : "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة إذا لم تستحي فاصنع ما شئت".

٣٤٨٥ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي سَالِمٌ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: "بَيْنَمَا رَجُلٌ يَجُرُّ إِزَارَهُ مِنْ الْخُيَلَاءِ خُسِفَ بِهِ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِي الأَرْضِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ". تَابَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ

[الحديث ٣٤٨٥ - طرفه في: ٥٧٩٠]

٣٤٨٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: "نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْدَ كُلِّ أُمَّةٍ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا وَأُوتِينَا مِنْ بَعْدِهِمْ فَهَذَا الْيَوْمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ فَغَدًا لِلْيَهُودِ وَبَعْدَ غَدٍ لِلنَّصَارَى".

٣٤٨٧ - عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمٌ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ.

٣٤٨٨ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ، قَالَ: قَدِمَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ الْمَدِينَةَ آخِرَ قَدْمَةٍ قَدِمَهَا فَخَطَبَنَا فَأَخْرَجَ كُبَّةً مِنْ شَعَرٍ فَقَالَ: مَا كُنْتُ أُرَى أَنَّ أَحَدًا يَفْعَلُ هَذَا غَيْرَ الْيَهُودِ، وَإِنَّ النَّبِيَّ سَمَّاهُ الزُّورَ. يَعْنِي الْوِصَالَ فِي الشَّعَرِ. تَابَعَهُ غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ.

الْحَدِيثُ الرَّابِعَ عَشَرَ: حَدَيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الْمَرْأَةِ الَّتِي كَانَتْ تُرْضِعُ وَلَدَهَا فَتَكَلَّمَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي قِصَّةِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ. وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمَذْكُورُ فِي الْإِسْنَادِ هُوَ الْأَعْرَجُ.

الْحَدِيثُ الْخَامِسَ عَشَرَ: حَدَيثُهُ فِي قِصَّةِ الْمَرْأَةِ الَّتِي سَقَتِ الْكَلْبَ.

قَوْلُهُ: (يُطِيفُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِنْ أَطَافَ، يُقَالُ: أَطَفْتُ بِالشَّيْءِ إِذَا أَدَمْتُ الْمُرُورَ حَوْلَهُ.

قَوْلُهُ: (بِرَكِيَّةٍ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ: الْبِئْرُ مَطْوِيَّةً أَوْ غَيْرَ مَطْوِيَّةٍ، وَغَيْرُ الْمَطْوِيَّةِ يُقَالُ لَهَا جُبٌّ وَقَلِيبٌ، وَلَا يُقَالُ لَهَا بِئْرٌ حَتَّى تُطْوَى، وَقِيلَ: الرَّكِيُّ الْبِئْرُ قَبْلَ أَنْ تُطْوَى فَإِذَا طُوِيَتْ فَهِيَ الطَّوِيُّ.

قَوْلُهُ: (بَغِيٌّ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ هِيَ الزَّانِيَةُ، وَتُطْلَقُ عَلَى الْأَمَةِ مُطْلَقًا.

قَوْلُهُ: (مُوقَهَا) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا قَافٌ هُوَ الْخُفُّ، وَقِيلَ مَا يُلْبَسُ فَوْقَ الْخُفِّ.

قَوْلُهُ: (فَغُفِرَ لَهَا) زَادَ الْكُشْمِيهَنِيُّ بِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ مَشْرُوحًا فِي كِتَابِ الشُّرْبِ، لَكِنْ وَقَعَ هُنَاكَ وَفِي الطَّهَارَةِ أَنَّ الَّذِي سَقَى الْكَلْبَ رَجُلٌ، وَأَنَّهُ سَقَاهُ فِي خُفِّهِ، وَيُحْتَمَلُ تَعَدُّدُ الْقِصَّةِ، وَقَدَّمْتُ بَقِيَّةَ الْكَلَامِ فِي كِتَابِ الشُّرْبِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الْحَدِيثُ السَّادِسَ عَشَرَ: حَدَيثُ مُعَاوِيَةَ.

قَوْلُهُ: (عَامَ حَجَّ) فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ الْآتِيَةِ آخِرَ الْبَابِ: آخِرَ قَدْمَةٍ قَدِمَهَا قُلْتُ: وَكَانَ ذَلِكَ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَخَمْسِينَ، وَهِيَ آخِرُ حَجَّةٍ حَجَّهَا فِي خِلَافَتِهِ.

قَوْلُهُ: (فَتَنَاوَلَ قُصَّةً) بِضَمِّ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَةِ هِيَ شَعْرُ النَّاصِيَةِ، وَالْحَرَسِيُّ مَنْسُوبٌ إِلَى الْحَرَسِ وَهُوَ وَاحِدُ الْحُرَّاسِ.

قَوْلُهُ: (أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْعُلَمَاءَ إِذْ ذَاكَ فِيهِمْ كَانُوا قَدْ قَلُّوا، وَهُوَ كَذَلِكَ لِأَنَّ غَالِبَ الصَّحَابَةِ كَانُوا يَوْمَئِذٍ قَدْ مَاتُوا، وَكَأَنَّهُ رَأَى جُهَّالَ عَوَامِّهِمْ صَنَعُوا ذَلِكَ فَأَرَادَ أَنْ يُذَكِّرَ عُلَمَاءَهُمْ وَيُنَبِّهَهُمْ بِمَا تَرَكُوهُ مِنْ إِنْكَارِ ذَلِكَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَرْكُ مَنْ بَقِيَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمِنْ أَكَابِرِ التَّابِعِينَ إِذْ ذَاكَ الْإِنْكَارَ إِمَّا لِاعْتِقَادِ عَدَمِ التَّحْرِيمِ مِمَّنْ بَلَغَهُ الْخَبَرُ فَحَمَلَهُ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ، أَوْ كَانَ يَخْشَى مِنْ سَطْوَةِ الْأُمَرَاءِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ عَلَى مَنْ يَسْتَبِدَّ بِالْإِنْكَارِ لِئَلَّا يُنْسَبَ إِلَى الِاعْتِرَاضِ عَلَى أُولِي الْأَمْرِ، أَوْ كَانُوا مِمَّنْ لَمْ يَبْلُغْهُمُ الْخَبَرُ أَصْلًا، أَوْ بَلَغَ بَعْضَهُمْ لَكِنْ لَمْ يَتَذَكَّرُوهُ حَتَّى ذَكَّرَهُمْ بِهِ مُعَاوِيَةُ، فَكُلُّ هَذِهِ أَعْذَارٌ مُمْكِنَةٌ لِمَنْ كَانَ مَوْجُودًا إِذْ ذَاكَ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَأَمَّا مَنْ حَضَرَ خُطْبَةَ مُعَاوِيَةَ وَخَاطَبَهُمْ بِقَوْلِهِ: أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ؟ فَلَعَلَّ ذَلِكَ كَانَ فِي خُطْبَةِ غَيْرِ الْجُمُعَةِ، وَلَمْ يَتَّفِقْ أَنْ يَحْضُرَهُ إِلَّا مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَقَالَ: أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ؟ لِأَنَّ الْخِطَابَ بِالْإِنْكَارِ لَا يَتَوَجَّهُ إِلَّا عَلَى مَنْ عَلِمَ الْحُكْمَ وَأَقَرَّهُ.

قَوْلُهُ: (وَيَقُولُ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى يَنْهَى، وَفَاعِلُ ذَلِكَ النَّبِيُّ .

قَوْلُهُ: (إِنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَهَا نِسَاؤُهُمْ) فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ حَرَامًا عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا فَعَلُوهُ كَانَ سَبَبًا لِهَلَاكِهِمْ، مَعَ مَا انْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ مِنَ ارْتِكَابِهِمْ مَا ارْتَكَبُوهُ مِنَ الْمَنَاهِي، وَسَيَأْتِي شَرْحُ ذَلِكَ مَبْسُوطًا فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

الْحَدِيثُ السَّابِعَ عَشَرَ: حَدَيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ) هُوَ سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، وَقِيلَ عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ كَمَا سَيَأْتِي.

قَوْلُهُ: (إِنَّهُ قَدْ كَانَ فِيمَا مَضَى قَبْلَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ مُحَدَّثُونَ) بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي مَنَاقِبِ عُمَرَ، فَإِنَّ فِيهِ أَنَّهُمْ كَانُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ.

قَوْلُهُ: (وَإِنَّهُ إن كَانَ فِي أُمَّتِي هَذِهِ مِنْهُمْ) فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ: وَأنَّهُ إِنْ كَانَ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ مِنْهُمْ.

قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) كَذَا قَالَهُ النَّبِيُّ عَلَى سَبِيلِ التَّوَقُّعِ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَكُنِ اطَّلَعَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَائِنٌ، وَقَدْ وَقَعَ بِحَمْدِ اللَّهِ مَا تَوَقَّعَهُ النَّبِيُّ فِي عُمَرَ ، وَوَقَعَ مِنْ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ مَا لَا يُحْصَى ذِكْرُهُ.

الْحَدِيثُ الثَّامِنَ عَشَرَ: حَدَيثُ أَبِي سَعِيدٍ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ النَّاجِي) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُعَاذٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الصِّدِّيقِ النَّاجِي، وَاسْمُ أَبِي الصِّدِّيقِ - وَهُوَ بِكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ

الْمَكْسُورَةِ - بَكْرٌ، وَاسْمُ أَبِيهِ عَمْرٌو، وَقِيلَ قَيْسٌ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ.

قَوْلُهُ: (كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ وَلَا عَلَى اسْمِ أَحَدٍ مِنَ الرِّجَالِ مِمَّنْ ذُكِرَ فِي الْقِصَّةِ، زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ، عَنْ قَتَادَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ.

قَوْلُهُ: (فَأَتَى رَاهِبًا) فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ رَفْعِ عِيسَى ، لِأَنَّ الرَّهْبَانِيَّةَ إِنَّمَا ابْتَدَعَهَا أَتْبَاعُهُ كَمَا نُصَّ عَلَيْهِ فِي الْقُرْآنِ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ: لَهُ تَوْبَةٌ؟) بِحَذْفِ أَدَاةِ الِاسْتِفْهَامِ، وَفِيهِ تَجْرِيدٌ أَوِ الْتِفَاتٌ، لِأَنَّ حَقَّ السِّيَاقِ أَنْ يَقُولَ: لِيَ تَوْبَةٌ؟ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ، وَزَادَ: ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ، وَقَالَ فِيهِ: وَمِنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ ائْتِ قَرْيَةَ كَذَا وَكَذَا) زَادَ فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ: فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللَّهَ فَاعْبُدِ اللَّهَ مَعَهُمْ، وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أَرْضُ سُوءٍ، فَانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا كَانَ نِصْفُ الطَّرِيقِ أَتَاهُ مَلَكُ الْمَوْتِ، وَوَقَعَتْ لِي تَسْمِيَةُ الْقَرْيَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مَرْفُوعًا فِي الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ لِلطَّبَرَانِيِّ قَالَ فِيهِ: إِنَّ اسْمَ الصَّالِحَةِ نَصْرَةُ، وَاسْمَ الْقَرْيَةِ الْأُخْرَى كَفْرَةُ.

قَوْلُهُ: (فَنَاءَ) بِنُونٍ وَمَدٍّ أَيْ بَعُدَ، أَوِ الْمَعْنَى مَالَ أَوْ نَهَضَ مَعَ تَثَاقُلٍ، فَعَلَى هَذَا فَالْمَعْنَى: فَمَالَ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي طَلَبَهَا، هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَحَكَى بَعْضُهُمْ فِيهِ فَنَأَى بِغَيْرِ مَدٍّ قَبْلَ الْهَمْزِ، وَبِإِشْبَاعِهَا بِوَزْنِ سَعَى، تَقُولُ: نَأَى يَنْأَى نَأْيًا، أي بَعُدَ، وَعَلَى هَذَا فَالْمَعْنَى فَبَعُدَ عَلَى الْأَرْضِ الَّتِي خَرَجَ مِنْهَا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ، عَنْ قَتَادَةَ مَا يُشْعِرُ بِأَنَّ قَوْلَهُ فَنَاءَ بِصَدْرِهِ إِدْرَاجٌ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ قَالَ قَتَادَةَ: قَالَ الْحَسَنُ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ لَمَّا أَتَاهُ الْمَوْتُ نَاءَ بِصَدْرِهِ.

قَوْلُهُ: (فَاخْتَصَمت فِيهِ) فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ مِنَ الزِّيَادَةِ: فَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ جَاءَ نائبا مُقْبِلًا بِقَلْبِهِ إِلَى اللَّهِ، وَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ: إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ، فَأَتَاهُ مَلَكٌ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَ الْأَرْضَيْنِ فَإِلَى أَيِّهِمَا كَانَ أَدْنَى فَهُوَ لَهَا.

قَوْلُهُ: (فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى هَذِهِ أَنْ تَبَاعَدِي) أَيْ إِلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي خَرَجَ مِنْهَا (وَإِلَى هَذِهِ أَنْ تَقَرَّبِي) أَيِ الْقَرْيَةَ الَّتِي قَصَدَهَا. وَفِي رِوَايَةِ هِشَامٍ: فَقَاسُوهُ فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ.

قَوْلُهُ: (أَقْرَبَ بِشِبْرٍ فَغُفِرَ لَهُ) فِي رِوَايَةِ مُعَاذٍ، عَنْ شُعْبَةَ: فَجُعِلَ مِنْ أَهْلِهَا وَفِي رِوَايَةِ هِشَامٍ: فَقَبَضَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ، وَفِي الْحَدِيثِ مَشْرُوعِيَّةُ التَّوْبَةِ مِنْ جَمِيعِ الْكَبَائِرِ حَتَّى مِنْ قَتْلِ الْأَنْفُسِ، وَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا قَبِلَ تَوِبَةَ الْقَاتِلِ تَكَفَّلَ بِرِضَا خَصْمِهِ. وَفِيهِ: إنَّ الْمُفْتِيَ قَدْ يُجِيبُ بِالْخَطَأ، وَغَفَلَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ إِنَّمَا قَتَلَ الْأَخِيرَ عَلَى سَبِيلِ التَّأَوُّلِ لِكَوْنِهِ أَفْتَاهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ؛ لِأَنَّ السِّيَاقَ يَقْتَضِي أَنَّهُ كَانَ غَيْرَ عَالِمٍ بِالْحُكْمِ حَتَّى اسْتَمَرَّ يَسْتَفْتِي، وَأَنَّ الَّذِي أَفْتَاهُ اسْتَبْعَدَ أَنْ تَصِحَّ تَوْبَتَهُ بَعْدَ قَتْلِهِ لمن ذَكَرَ أَنَّهُ قَتَلَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا قَتَلَهُ بِنَاءً عَلَى الْعَمَلِ بِفَتْوَاهُ لِأَنَّ ذَلِكَ اقْتَضَى عِنْدَهُ أَنْ لَا نَجَاةَ لَهُ فَيَئِسَ مِنَ الرَّحْمَةِ، ثُمَّ تَدَارَكَهُ اللَّهُ فَنَدِمَ عَلَى مَا صَنَعَ فَرَجَعَ يَسْأَلُ. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى قِلَّةِ فِطْنَةِ الرَّاهِبِ، لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ حَقِّهِ التَّحَرُّزُ مِمَّنِ اجْتَرَأَ عَلَى الْقَتْلِ حَتَّى صَارَ لَهُ عَادَةٌ بِأَنْ لَا يُوَاجِهَهُ بِخِلَافِ مُرَادِهِ وَأَنْ يَسْتَعْمِلَ مَعَهُ الْمَعَارِيضَ مُدَارَاةً عَنْ نَفْسِهِ، هَذَا لَوْ كَانَ الْحُكْمُ عِنْدَهُ صَرِيحًا فِي عَدَمِ قَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاتِلِ فَضْلًا عَنْ أَنَّ الْحُكْمَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إِلَّا مَظْنُونًا.

وَفِيهِ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ الْمُوَكَّلِينَ بِبَنِي آدَمَ يَخْتَلِفُ اجْتِهَادُهُمْ فِي حَقِّهِمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ يَكْتُبُونَهُ مُطِيعًا أَوْ عَاصِيًا، وَأَنَّهُمْ يَخْتَصِمُونَ فِي ذَلِكَ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ، وَفِيهِ فَضْلُ التَّحَوُّلِ مِنَ الْأَرْضِ الَّتِي يُصِيبُ الْإِنْسَانُ فِيهَا الْمَعْصِيَةَ لِمَا يَغْلِبُ بِحُكْمِ الْعَادَةِ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ إِمَّا لِتَذَكُّرِهِ لِأَفْعَالِهِ الصَّادِرَةِ قَبْلَ ذَلِكَ وَالْفِتْنَةِ بِهَا وَإِمَّا لِوُجُودِ مَنْ كَانَ يُعِينُهُ عَلَى ذَلِكَ وَيَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا قَالَ لَهُ الْأَخِيرُ: وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أَرْضُ سُوءٍ، فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ التائب يَنْبَغِي لَهُ مُفَارَقَةُ الْأَحْوَالِ الَّتِي اعْتَادَهَا فِي زَمَنِ الْمَعْصِيَةِ، وَالتَّحَوُّلُ مِنْهَا كُلِّهَا

وَالِاشْتِغَالُ بِغَيْرِهَا، وَفِيهِ فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ لِأَنَّ الَّذِي أَفْتَاهُ أَوَّلًا بِأَنْ لَا تَوْبَةَ لَهُ غَلَبَتْ عَلَيْهِ الْعِبَادَةُ فَاسْتَعْظَمَ وُقُوعَ مَا وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ الْقَاتِلِ مِنَ اسْتِجْرَائِهِ عَلَى قَتْلِ هَذَا الْعَدَدِ الْكَثِيرِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَغَلَبَ عَلَيْهِ الْعِلْمُ فَأَفْتَاهُ بِالصَّوَابِ وَدَلَّهُ عَلَى طَرِيقِ النَّجَاةِ، قَالَ عِيَاضٌ: وَفِيهِ أَنَّ التَّوْبَةَ تَنْفَعُ مِنَ الْقَتْلِ كَمَا تَنْفَعُ مِنْ سَائِرِ الذُّنُوبِ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ شَرْعًا لِمَنْ قَبْلَنَا وَفِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ خِلَافٌ لَكِنْ لَيْسَ هَذَا مِنْ مَوْضِعِ الْخِلَافِ لِأَنَّ مَوْضِعَ الْخِلَافِ إِذَا لَمْ يَرِدْ فِي شَرْعِنَا تَقْرِيرُهُ وَمُوَافَقَتُهُ، أَمَّا إِذَا وَرَدَ فَهُوَ شَرْعٌ لَنَا بِلَا خِلَافٍ، وَمِنَ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾

وَحَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فَفِيهِ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْمَنْهِيَّاتِ فَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قُلْتُ: وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ أَيْضًا مِنْ جِهَةِ تَخْفِيفِ الْآصَارِ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ، فَإِذَا شُرِعَ لَهُمْ قَبُولُ تَوْبَةِ الْقَاتِلِ فَمَشْرُوعِيَّتُهَا لَنَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ الْآيَةَ فِي التَّفْسِيرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ فِي بَنِي آدَمَ مَنْ يَصْلُحُ لِلْحُكْمِ بَيْنَ الْمَلَائِكَةِ إِذَا تَنَازَعُوا، وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ أَجَازَ التَّحْكِيمَ، وَأَنَّ مَنْ رَضِيَ الْفَرِيقَانِ بِتَحْكِيمِهِ فَحُكْمُهُ جَائِزٌ عَلَيْهِمْ، وَسَيَأْتِي نَقْلُ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَلِي مَا بَعْدَهُ، وَفِيهِ أَنَّ لِلْحَاكِمِ إِذَا تَعَارَضَتْ عِنْدَهُ الْأَحْوَالُ وَتَعَدَّدَتِ الْبَيِّنَاتُ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِالْقَرَائِنِ عَلَى التَّرْجِيحِ.

الْحَدِيثُ التَّاسِعَ عَشَرَ: حَدَيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الْبَقَرَةِ الَّتِي تَكَلَّمَتْ:

قَوْلُهُ: (عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) هُوَ مِنْ رِوَايَةِ الْأَقْرَانِ، وَقَدْ رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ أَيْضًا عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَسَيَأْتِي مَعَ شَرْحِهِ مُسْتَوْفًى فِي الْمَنَاقِبِ.

قَوْلُهُ: (بَيْنَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ.

قَوْلُهُ: (إِذْ رَكِبَهَا فَضَرَبَهَا فَقَالَتْ: إِنَّا لَمْ نُخْلَقْ لِهَذَا) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الدَّوَابَّ لَا تُسْتَعْمَلُ إِلَّا فِيمَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِاسْتِعْمَالِهَا فِيهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهَا: إِنَّمَا خُلِقْنَا لِلْحَرْثِ، لِلْإِشَارَةِ إِلَى مُعْظَمِ مَا خُلِقَتْ لَهُ، وَلَمْ تُرِدِ الْحَصْرَ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ اتِّفَاقًا، لِأَنَّ مِنْ أَجَلِّ مَا خُلِقَتْ لَهُ أَنَّهَا تُذْبَحُ وَتُؤْكَلُ بِالِاتِّفَاقِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ بَطَّالٍ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْمُزَارَعَةِ.

قَوْلُهُ: (فَإِنِّي أُؤْمِنُ بِهَذَا أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ) هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ أَخْبَرَهُمَا بِذَلِكَ فَصَدَّقَاهُ، أَوْ أَطْلَقَ ذَلِكَ لِمَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّهُمَا يُصَدِّقَانِ بِذَلِكَ إِذَا سَمِعَاهُ وَلَا يَتَرَدَّدَانِ فِيهِ.

قَوْلُهُ: (وَمَا هُمَا ثَمَّ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ، أَيْ لَيْسَا حَاضِرَيْنِ، وَهُوَ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي، وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ.

قَوْلُهُ: (وَبَيْنَا رَجُلٌ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْخَبَرِ الَّذِي قَبْلَهُ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ.

قَوْلُهُ: (إِذْ عَدَا الذِّئْبُ) بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ مِنَ الْعُدْوَانِ.

قَوْلُهُ: (هَذَا اسْتَنْقَذْتَهَا مِنِّي) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ اسْتَنْقَذَهَا بِإِبْهَامِ الْفَاعِلِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مِسْعَرٍ) هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ شَيْخِهِ مُفَرَّقًا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ لِسُفْيَانَ فِيهِ إِسْنَادَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، وَالْآخَرُ: مِسْعَرٌ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَفِي كُلٍّ مِنَ الْإِسْنَادَيْنِ رِوَايَةُ الْقَرِينِ عَنْ قَرِينِهِ، لِأَنَّ الْأَعْرَجَ قَرِينُ أَبِي سَلَمَةَ كَمَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّهُ شَارَكَهُ فِي أَكْثَرِ شُيُوخِهِ وَلَا سِيَّمَا أَبُو هُرَيْرَةَ، وَإِنْ كَانَ أَبُو سَلَمَةَ أَكْبَرَ سِنًّا مِنَ الْأَعْرَجِ، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَرِينَ مِسْعَرٍ، لِأَنَّهُ شَارَكَهُ فِي أَكْثَرِ شُيُوخِهِ لَا سِيَّمَا سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَإِنْ كَانَ مِسْعَرٌ أَكْبَرَ سِنًّا مِنْ سُفْيَانَ.

الحديث العشرون: حَدَيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ عَقَارًا لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِمَا وَلَا عَلَى اسْمِ أَحَدٍ مِمَّنْ ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ، لَكِنْ فِي الْمُبْتَدَأ لِوَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّ الَّذِي تَحَاكَمَا إِلَيْهِ هُوَ دَاوُدُ النَّبِيُّ ; وَفِي الْمُبْتَدَأ لِإِسْحَاقَ بْنِ بِشْرٍ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي زَمَنِ ذِي الْقَرْنَيْنِ مِنْ بَعْضِ قُضَاتِهِ فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَصَنِيعُ الْبُخَارِيِّ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ مَا وَقَعَ عِنْدَ وَهْبٍ لِكَوْنِهِ أَوْرَدَهُ فِي ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ.

قَوْلُهُ: (عَقَارًا) الْعَقَارُ فِي اللُّغَةِ الْمَنْزِلُ وَالضَّيْعَةُ وَخَصَّهُ

بَعْضُهُمْ بِالنَّخْلِ، وَيُقَالُ لِلْمَتَاعِ النَّفِيسِ الَّذِي لِلْمَنْزِلِ عَقَارٌ أَيْضًا، وَأَمَّا عِيَاضٌ فَقَالَ: الْعَقَارُ الْأَصْلُ مِنَ الْمَالِ، وَقِيلَ الْمَنْزِلُ وَالضَّيْعَةُ، وَقِيلَ: مَتَاعُ الْبَيْتِ، فَجَعَلَهُ خِلَافًا. وَالْمَعْرُوفُ فِي اللُّغَةِ أَنَّهُ مَقُولٌ بِالِاشْتِرَاكِ عَلَى الْجَمِيعِ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الدَّارُ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي حَدِيثِ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ.

قَوْلُهُ: (فَوَجَدَ الرَّجُلُ الَّذِي اشْتَرَى الْعَقَارَ فِي عَقَارِهِ جَرَّةً فِيهَا ذَهَبٌ، فَقَالَ لَهُ: خُذْ ذَهَبَكَ فَإِنَّمَا اشْتَرَيْتُ مِنْكَ الْأَرْضَ وَلَمْ أَبْتَعِ الذَّهَبَ) وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْعَقْدَ إِنَّمَا وَقَعَ بَيْنَهُمَا عَلَى الْأَرْضِ خَاصَّةً، فَاعْتَقَدَ الْبَائِعُ دُخُولَ مَا فِيهَا ضِمْنًا، وَاعْتَقَدَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ. وَأَمَّا صُورَةُ الدَّعْوَى بَيْنَهُمَا فَوَقَعَتْ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ وَأَنَّهُمَا لَمْ يَخْتَلِفَا فِي صُورَةِ الْعَقْدِ الَّتِي وَقَعَتْ، وَالْحُكْمُ فِي شَرْعِنَا عَلَى هَذَا فِي مِثْلِ ذَلِكَ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُشْتَرِي وَأَنَّ الذَّهَبَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي صُورَةِ الْعَقْدِ بِأَنْ يَقُولَ الْمُشْتَرِي: لَمْ يَقَعْ تَصْرِيحٌ بِبَيْعِ الْأَرْضِ وَمَا فِيهَا بَلْ بِبَيْعِ الْأَرْضِ خَاصَّةً، وَالْبَائِعُ يَقُولُ: وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ، وَالْحُكْمُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَنْ يَتَحَالَفَا وَيَسْتَرِدَّا الْمَبِيعَ، وَهَذَا كُلُّهُ بِنَاءٌ عَلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ أَنَّهُ وَجَدَ فِيهِ جَرَّةً مِنْ ذَهَبٍ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ بِشْرٍ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ قَالَ: إِنَّهُ اشْتَرَى دَارًا فَعَمَّرَهَا فَوَجَدَ فِيهَا كَنْزًا، وَأَنَّ الْبَائِعَ قَالَ لَهُ لَمَّا دَعَاهُ إِلَى أَخْذِهِ: مَا دَفَنْتُ وَلَا عَلِمْتُ، وَأَنَّهُمَا قَالَا لِلْقَاضِي: ابْعَثْ مَنْ يَقْبِضُهُ وَتَضَعْهُ حَيْثُ رَأَيْتَ، فَامْتَنَعَ، وَعَلَى هَذَا فَحُكْمُ هَذَا الْمَالِ حُكْمُ الرِّكَازِ فِي هَذِهِ الشَّرِيعَةِ، إِنْ عُرِفَ أَنَّهُ مِنْ دَفِينِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَإِلَّا فَإِنْ عُرِفَ أَنَّهُ مِنْ دَفِينِ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ لُقَطَةٌ، وَإِنْ جُهِلَ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَالِ الضَّائِعِ يُوضَعُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَلَعَلَّهُمْ لَمْ يَكُنْ فِي شَرْعِهِمْ هَذَا التَّفْصِيلُ فَلِهَذَا حَكَمَ الْقَاضِي بِمَا حَكَمَ بِهِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ الَّذِي لَهُ الْأَرْضُ) أَيِ الَّذِي كَانَتْ لَهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بَيَانُ الْمُرَادِ مِنْ ذَلِكَ وَلَفْظُهُ: فَقَالَ الَّذِي بَاعَ الْأَرْضَ: إِنَّمَا بِعْتُكَ الْأَرْضَ، وَوَقَعَ فِي نُسَخِ مُسْلِمٍ اخْتِلَافٌ، فَالْأَكْثَرُ رَوَوْهُ بِلَفْظِ: فَقَالَ الَّذِي شَرَى الْأَرْضَ، وَالْمُرَادُ بَاعَ الْأَرْضَ كَمَا قَالَ أَحْمَدُ، وَلِبَعْضِهِمْ: فَقَالَ الَّذِي اشْتَرَى الْأَرْضَ وَوَهَّمَهَا الْقُرْطُبِيُّ قَالَ: إِلَّا إِنْ ثَبَتَ أَنَّ لَفْظَ اشْتَرَى مِنَ الْأَضْدَادِ كَشَرَى فَلَا وَهْمَ، وَقَوْلُهُ فَتَحَاكَمَا ظَاهِرُهُ أَنَّهُمَا حَكَّمَاهُ فِي ذَلِكَ، لَكِنْ فِي حَدِيثِ إِسْحَاقَ بْنِ بِشْرٍ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ كَانَ حَاكِمًا مَنْصُوبًا لِلنَّاسِ، فَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَنْ جَوَّزَ لِلْمُتَدَاعِيَيْنِ أَنْ يُحَكِّمَا بَيْنَهُمَا رَجُلًا وَيَنْفُذُ حُكْمُهُ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا: فَأَجَازَ ذَلِكَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ أَهْلِيَّةُ الْحُكْمِ، وَأَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمَا بِالْحَقِّ سَوَاءٌ وَافَقَ ذَلِكَ رَأْيَ قَاضِي الْبَلَدِ أَمْ لَا، وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيُّ الْحُدُودَ، وَشَرَطَ أَبُو حَنِيفَةَ أَنْ لَا يُخَالِفَ ذَلِكَ رَأْيَ قَاضِي الْبَلَدِ، وَجَزَمَ الْقُرْطُبِيُّ بِأَنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ حُكْمٌ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمَا، وَإِنَّمَا أَصْلَحَ بَيْنَهُمَا لِمَا ظَهَرَ لَهُ أَنَّ حُكْمَ الْمَالِ الْمَذْكُورِ حُكْمُ الْمَالِ الضَّائِعِ، فَرَأَى أَنَّهُمَا أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِمَا لِمَا ظَهَرَ لَهُ مِنْ وَرَعِهِمَا وَحُسْنِ حَالِهِمَا وَارْتَجَى مِنْ طِيبِ نَسْلِهِمَا وَصَلَاحِ ذُرِّيَّتِهِمَا، وَيَرُدُّهُ مَا جَزَمَ بِهِ الْغَزَالِيُّ فِي نَصِيحَةِ الْمُلُوكِ أَنَّهُمَا تَحَاكَمَا إِلَى كِسْرَى، فَإِنْ ثَبَتَ هَذَا ارْتَفَعَتِ الْمَبَاحِثُ الْمَاضِيَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالتَّحْكِيمِ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا حُجَّةَ فِيمَا

يَحْكُمُ بِهِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ لَقَدْ رَأَيْتُنَا يَكْثُرُ تَمَارِينَا وَمُنَازَعَتُنَا عِنْدَ النَّبِيِّ أَيُّهُمَا أَكْثَرُ أَمَانَةً.

قَوْلُهُ: (أَلَكُمَا وَلَدٌ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَاللَّامِ، وَالْمُرَادُ الْجِنْسُ، لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ للرجلين جَمِيعًا وَلَدٌ وَاحِدٌ، وَالْمَعْنَى: أَلِكُلٍّ مِنْكُمَا وَلَدٌ؟ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ أَلَكُمَا وُلْدٌ بِضَمِّ الْوَاوِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَهِيَ صِيغَةُ جَمْعٍ أَيْ أَوْلَادٌ، وَيَجُوزُ كَسْرُ الْوَاوِ أَيْضًا فِي ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ أَحَدُهُمْ لِي غُلَامٌ) بَيَّنَ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ بِشْرٍ أَنَّ الَّذِي قَالَ لِي غُلَامٌ هُوَ الَّذِي اشْتَرَى الْعَقَارَ.

قَوْلُهُ: (أَنْكِحُوا الْغُلَامَ الْجَارِيَةَ وَأَنْفِقُوا عَلَى أَنْفُسِهِمَا مِنْهُ وَتَصَدَّقَا) هَكَذَا وَقَعَ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ فِي الْإِنْكَاحِ وَالْإِنْفَاقِ وَبِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ فِي النَّفْسَيْنِ وَفِي التَّصَدُّقِ، وَكَأَنَّ السِّرَّ فِي ذَلِكَ أَنَّ الزَّوْجَيْنِ كَانَا مَحْجُورَيْنِ

وَإِنْكَاحُهُمَا لَا بُدَّ فيه مَعَ وَلِيِّيهِمَا مِنْ غَيْرِهِمَا كَالشَّاهِدَيْنِ، وَكَذَلِكَ الْإِنْفَاقُ قَدْ يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الْمُعَيَّنِ كَالْوَكِيلِ، وَأَمَّا تَثْنِيَةُ النَّفْسَيْنِ فَلِلْإِشَارَةِ إِلَى اخْتِصَاصِ الزَّوْجَيْنِ بِذَلِكَ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ بِشْرٍ مَا يُشْعِرُ بِذَلِكَ وَلَفْظُهُ: اذْهَبَا فَزَوِّجِ ابْنَتَكَ مِنِ ابْنِ هَذَا وَجَهِّزُوهُمَا مِنْ هَذَا الْمَالِ وَادْفَعَا إِلَيْهِمَا مَا بَقِيَ يَعِيشَانِ بِهِ، وَأَمَّا تَثْنِيَةُ التَّصدق فَلِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنْ يُبَاشِرَاهَا بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْفَضْلِ، وَأَيْضًا فَهِيَ تَبَرُّعٌ لَا يَصْدُرُ مِنْ غَيْرِ الرَّشِيدِ وَلَا سِيَّمَا مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ فِيهَا مِلْكٌ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَأَنْفِقَا عَلَى أَنْفُسِكُمَا وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الْحَدِيثُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: حَدَيثُ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فِي الطَّاعُونِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي الطِّبِّ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: الطَّاعُونُ رِجْزٌ أُرْسِلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَوَقَعَ هُنَا رِجْسٌ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ بَدَلَ الزَّايِ وَالْمَحْفُوظُ بِالزَّايِ، وَوَجَّهَهُ الْقَاضِي بِأَنَّ الرِّجْسَ يَقَعُ عَلَى الْعُقُوبَةِ أَيْضًا، وَقَدْ قَالَ الْفَارَابِيُّ، وَالْجَوْهَرِيُّ: الرِّجْسُ الْعَذَابُ.

قَوْلُهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ (فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ، قَالَ أَبُو النَّضْرِ: لَا يُخْرِجْكُمْ إِلَّا فِرَارًا مِنْهُ) يُرِيدُ أَنَّ الْأُولَى رِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ وَالثَّانِيَةُ رِوَايَةُ أَبِي النَّضْرِ، فَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ فَلَا إِشْكَالَ فِيهَا، وَأَمَّا رِوَايَةُ أَبِي النَّضْرِ فَرِوَايَتُهَا بِالنَّصْبِ كَالَّذِي هُنَا مُشْكِلَةٌ، وَرَوَاهَا جَمَاعَةٌ بِالرَّفْعِ وَلَا إِشْكَالَ فِيهَا، قَالَ عِيَاضٌ فِي الشَّرْحِ: وَقَعَ لِأَكْثَرِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأ بِالرَّفْعِ وَهُوَ بَيِّنٌ أَنَّ السَّبَبَ الَّذِي يُخْرِجُكُمُ الْفِرَارُ وَمُجَرَّدُ قَصْدِهِ لَا غَيْرَ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْخُرُوجَ إِلَى الْأَسْفَارِ وَالْحَوَائِجِ مُبَاحٌ، وَيُطَابِقُ الرِّوَايَةَ الْأُخْرَى: فَلَا يخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ قَالَ: رَوَاهُ بَعْضُهُمْ إِلَّا فِرَارًا مِنْهُ قَالَ: وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: جَاءَ بِالْوَجْهَيْنِ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ كانَ مِنْ مَالِكٍ، وَأَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ يَقُولُونَ دُخُولُ إِلَّا هُنَا بَعْدَ النَّفْيِ لِإِيجَابِ بَعْضِ مَا نُفِيَ قَبْلُ مِنَ الْخُرُوجِ، فَكَأَنَّهُ نَهَى عَنِ الْخُرُوجِ إِلَّا لِلْفِرَارِ خَاصَّةً، وَهُوَ ضِدُّ الْمَقْصُودِ، فَإِنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ إِنَّمَا هُوَ الْخُرُوجُ لِلْفِرَارِ خَاصَّةً لَا لِغَيْرِهِ، قَالَ: وَجَوَّزَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ وَجَعَلَ قَوْلَهُ إِلَّا حَالًا مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ، أَيْ لَا تَخْرُجُوا إِذَا لَمْ يَكُنْ خُرُوجُكُمْ إِلَّا لِلْفِرَارِ، قَالَ عِيَاضٌ: وَوَقَعَ لِبَعْضِ رُوَاةِ الْمُوَطَّإِ: لَا يُخْرِجْكُمُ الْإِفْرَارُ، بِأَدَاةِ التَّعْرِيفِ وَبَعْدَهَا إِفْرَارٌ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَهُوَ وَهْمٌ وَلَحْنٌ.

وَقَالَ فِي الْمَشَارِقِ مَا حَاصِلُهُ: يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْهَمْزَةُ لِلتَّعْدِيَةِ، يُقَالُ: أَفَرَّهُ كَذَا مِنْ كَذَا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ: إِنْ كَانَ لَا يُفِرُّكَ مِنْ هَذَا إِلَّا مَا تَرَى، فَيَكُونُ الْمَعْنَى لَا يُخْرِجْكُمْ إِفْرَارُهُ إِيَّاكُمْ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ: هَذِهِ الرِّوَايَةُ غَلَطٌ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ أَفَرَّ وَإِنَّمَا يُقَالُ فَرَّرَ، قَالَ: وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: إِدْخَالُ إِلَّا فِيهِ غَلَطٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ زَائِدَةٌ وَتَجُوزُ زِيَادَتُهُ كَمَا تُزَادُ لَا، وَخَرَّجَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهَا لِلْإِيجَابِ، فَذَكَرَ نَحْوَ مَا مَضَى، قَالَ: وَالْأَقْرَبُ أَنْ تَكُونَ زَائِدَةً، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الْجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ: لَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ، وَبَيْنَ قَوْلِ أَبِي النَّضْرِ: لَا يُخْرِجْكُمْ إِلَّا فِرَارًا مِنْهُ مُشْكِلٌ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ التَّنَاقُضُ، ثُمَّ أَجَابَ بِأَجْوِبَةٍ: أَحَدِهَا أَنَّ غَرَضَ الرَّاوِي أَنَّ أَبَا النَّضْرِ فَسَّرَ لَا تَخْرُجُوا بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الْحَصْرُ يَعْنِي الْخُرُوجَ الْمَنْهِيَّ هُوَ الَّذِي يَكُونُ لِمُجَرَّدِ الْفِرَارِ لَا لِغَرَضٍ آخَرَ، فَهُوَ تَفْسِيرٌ لِلْمُعَلَّلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لَا لِلنَّهْيِ. قُلْتُ: وَهُوَ بَعِيدٌ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ مِنْ كَلَامِ أَبِي النَّضْرِ زَادَهُ بَعْدَ الْخَبَرِ وَأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِابْنِ الْمُنْكَدِرِ عَلَى اللَّفْظِ الْأَوَّلِ رِوَايَةً، وَالْمُتَبَادَرُ خِلَافُ ذَلِكَ. وَالْجَوَابُ الثَّانِي كَالْأَوَّلِ وَالزِّيَادَةُ مَرْفُوعَةٌ أَيْضًا فَيَكُونُ رَوَى اللَّفْظَيْنِ وَيَكُونُ التَّفْسِيرُ مَرْفُوعًا أَيْضًا. الثَّالِثُ إِلَّا زَائِدَةٌ بِشَرْطِ أَنْ تَثْبُتَ زِيَادَتُهَا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: حَدَيثُ عَائِشَةَ فِي ذَلِكَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي الطِّبِّ أَيْضًا.

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ، وَأَوْرَدَهُ هُنَا بِلَفْظِ: إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ: إِنَّ

بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا وَهُوَ الْمُطَابِقُ لِلتَّرْجَمَةِ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

الْحَدِيثُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: حَدَيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي النَّهْيِ عَنْ الِاخْتِلَافِ فِي الْقِرَاءَةِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ.

الْحَدِيثُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: حَدَيثُ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَشَقِيقٌ هُوَ أَبُو وَائِلٍ.

قَوْلُهُ: (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ هَذَا النَّبِيِّ صَرِيحًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ نُوحٌ ، فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمُبْتَدَأ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِ الشُّعَرَاءِ مِنْ طَرِيقِ ابنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيِّ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ قَوْمَ نُوحٍ كَانُوا يَبْطِشُونَ بِهِ فَيَخْنُقُونَهُ حَتَّى يُغْشَى عَلَيْهِ، فَإِذَا أَفَاقَ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ. قُلْتُ: وَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ فَكَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ، ثُمَّ لَمَّا يَئِسَ مِنْهُمْ قَالَ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ بَعْدَ تَخْرِيجِ هَذَا الْحَدِيثِ حَدِيثَ أَنَّهُ قَالَ فِي قِصَّةِ أُحُدٍ: كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ دَمَّوْا وَجْهَ نَبِيِّهِمْ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: إِنَّ النَّبِيَّ هُوَ الْحَاكِي وَالْمَحْكِيُّ كمَا سَيَأْتِي. وَأَمَّا النَّوَوِيُّ فَقَالَ: هَذَا النَّبِيُّ الَّذِي جَرَى لَهُ مَا حَكَاهُ النَّبِيُّ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَقَدْ جَرَى لِنَبِيِّنَا نَحْوُ ذَلِكَ يَوْمَ أُحُدٍ.

قَوْلُهُ: (وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ) يَحْتَمِلُ أَنَّ ذَلِكَ لَمَّا وَقَعَ لِلنَّبِيِّ ذَكَرَ لِأَصْحَابِهِ أَنَّهُ وَقَعَ لِنَبِيٍّ آخَرَ قَبْلَهُ، وَذَلِكَ فِيمَا وَقَعَ لَهُ يَوْمَ أُحُدٍ لَمَّا شُجَّ وَجْهُهُ وَجَرَى الدَّمُ مِنْهُ. فَاسْتَحْضَرَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ قِصَّةَ ذَلِكَ النَّبِيِّ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ فَذَكَرَ قِصَّتَهُ لِأَصْحَابِهِ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ. وَأَغْرَبَ الْقُرْطُبِيُّ فَقَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ هُوَ الْحَاكِي وَهُوَ الْمَحْكِيُّ عَنْهُ، قَالَ: وَكَأَنَّهُ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ قَبْلَ وُقُوعِ الْقِصَّةِ، وَلَمْ يُسَمِّ ذَلِكَ النَّبِيَّ، فَلَمَّا وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ تَعَيَّنَ أَنَّهُ هُوَ الْمَعْنِيُّ بِذَلِكَ. قُلْتُ: وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ أَنَّ التَّرْجَمَةَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ فَيَتَعَيَّنَ الْحَمْلُ عَلَى بَعْضِ أَنْبِيَائِهِمْ، وَفِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: إن النَّبِيَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ.

قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: مَعْنَى هَذَا الدُّعَاءِ الَّذِي قَالَ يَوْمَ أُحُدٍ لَمَّا شُجَّ وَجْهُهُ، أَيِ: اغْفِرْ لَهُمْ ذَنْبَهُمْ فِي شَجِّ وَجْهِي، لَا أَنَّهُ أَرَادَ الدُّعَاءَ لَهُمْ بِالْمَغْفِرَةِ مُطْلَقًا، إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَأُجِيبَ وَلَوْ أُجِيبَ لَأَسْلَمُوا كُلُّهُمْ، كَذَا قَالَ، وَكَأَنَّهُ بَنَاهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَخَلَّفَ بَعْضُ دُعَائِهِ عَلَى بَعْضٍ أَوْ عَنْ بَعْضٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِثُبُوتِ: أَعْطَانِي اثْنَتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً، وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَنْعَامِ، ثُمَّ وَجَدْتُ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ مَا يَمْنَعُ تَأْوِيلَ الْقُرْطُبِيِّ، وَيُعَيِّنُ الْغَزْوَةَ الَّتِي قَالَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ذَلِكَ وَلَفْظُهُ: قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ بِالْجِعِرَّانَةِ، قَالَ: فَازْدَحَمُوا عَلَيْهِ فَقَالَ: إِنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِ اللَّهِ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى قَوْمِهِ فَكَذَّبُوهُ وَشَجُّوهُ، فَجَعَلَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ جَبِينِهِ وَيَقُولُ: رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ يَمْسَحُ جَبْهَتَهُ يَحْكِي الرَّجُلَ. قُلْتُ: وَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا الَّذِي قَالَهُ عَبْدُ اللَّهِ أَنَّ يَكُونَ النَّبِيُّ مَسَحَ أَيْضًا، بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ حَكَى صِفَةَ مَسْحِ جَبْهَتِهِ خَاصَّةً كَمَا مَسَحَهَا ذَلِكَ النَّبِيُّ، وَظَهَرَ بِذَلِكَ فَسَادُ مَا زَعَمَهُ الْقُرْطُبِيُّ.

الْحَدِيثُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ، وَالسَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ، وَالثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ: أَحَادِيثُ أَبِي سَعِيدٍ، وَحُذَيْفَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الَّذِي أَوْصَى بِأَنْ يُحْرَقَ إِذَا مَاتَ، أَوْرَدَهُ مِنْ طُرُقٍ، وَتَقَدَّمَ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَسَأَذْكُرُ جَمِيعَ فَوَائِدِهِ هُنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَبْدِ الْغَافِرِ) بَيَّنَ فِي الرِّوَايَةِ الْمُعَلَّقَةِ تِلْوَ هَذِهِ سَمَاعَ قَتَادَةَ مِنْ عُقْبَةَ، وَعُقْبَةُ الْمَذْكُورُ أَزْدِيٌّ بَصْرِيٌّ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَحَدِيثٌ آخَرُ تَقَدَّمَ فِي الْوَكَالَةِ. وَطَرِيقُ مُعَاذٍ هَذِهِ وَصَلَهَا مُسْلِمٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ بِهِ.

قَوْلُهُ: (رَغَسَهُ اللَّهُ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا سِينٌ مُهْمَلَةٌ، أَيْ كَثَّرَ مَالَهُ، وَقِيلَ رَغْسُ كُلِّ شَيْءٍ أَصْلُهُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: جَعَلَ لَهُ أَصْلًا مِنْ مَالٍ. وَوَقَعَ فِي مُسْلِمٍ

رَأَسَهُ اللَّهُ بِهَمْزٍ بَدَلَ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَهُوَ غَلَطٌ، فَإِنْ صَحَّ - أَيْ مِنْ جِهَةِ الرِّوَايَةِ - فَكَأَنَّهُ كَانَ فِيهِ رَاشَهُ يَعْنِي بِأَلِفٍ سَاكِنَةٍ بِغَيْرِ هَمْزٍ وَبِشِينٍ مُعْجَمَةٍ، وَالرِّيشُ وَالرِّيَاشُ الْمَالُ، انْتَهَى. وَيَحْتَمِلُ فِي تَوْجِيهِ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَنْ يُقَالَ: مَعْنَى رَأَّسَهُ جَعَلَهُ رَأْسًا وَيَكُونُ بِتَشْدِيدِ الْهَمْزَةِ، وَقَوْلُهُ مَالًا، أَيْ بِسَبَبِ الْمَالِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ عُقْبَةُ، لِحُذَيْفَةَ) هُوَ عُقْبَةُ بْنُ عُمَرَ أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ الْبَدْرِيُّ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُوسَى) هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ التَّبُوذَكِيُّ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَصَوَّبَ أَبُو ذَرٍّ رِوَايَةَ الْأَكْثَرِ وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ أَنَّهُ عَنْ مُوسَى ; وَمُوسَى، وَمُسَدَّدٌ جَمِيعًا قَدْ سَمِعَا مِنْ أَبِي عَوَانَةَ، لَكِنَّ الصَّوَابَ هُنَا مُوسَى لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ سَاقَ الْحَدِيثَ عَنْ مُسَدَّدٍ، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ مُوسَى خَالَفَهُ فِي لَفْظَةٍ مِنْهُ وَهِيَ قَوْلُهُ: فِي يَوْمِ رَاحٍ، فَإِنَّ فِي رِوَايَةِ مُسَدَّدٍ يَوْمٌ حَارٌّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ سِيَاقُ مُوسَى فِي أَوَّلِ بَابِ ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَقَالَ فِيهِ: انْظُرُوا يَوْمًا رَاحًا وَقَوْلُهُ: رَاحًا أَيْ كَثِيرَ الرِّيحِ، وَيُقَالُ ذَلِكَ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي تَخْتَرِقُهُ الرِّيَاحُ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: يَوْمٌ رَاحٌ، أَيْ شَدِيدُ الرِّيحِ، وَإِذَا كَانَ طَيِّبَ الرِّيحِ يُقَالُ الرَّيِّحُ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: يَوْمٌ رَاحٌ أَيْ ذُو رِيحٍ كَمَا يُقَالُ رَجُلٌ مَالٌ أَيْ ذُو مَالٍ، وَأَمَّا رِوَايَةُ الْبَابِ فَقَوْلُهُ فِي يَوْمٍ حَارٍ فَهُوَ بِتَخْفِيفِ الرَّاءِ، قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: الْحَوَرُ رِيحٌ تَحِنُّ كَحَنِينِ الْإِبِلِ، وَقَدْ نَبَّهَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ عَلَى مَا وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ. وَظَنَّ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ عَنَى بِذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي أَوَّلِ ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ إِلَّا رِوَايَتُهُ عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ وَهُوَ صَحِيحٌ، لَكِنَّ مُرَادَ الْجَيَّانِيِّ مَا وَقَعَ هُنَا، وَهُوَ بَيِّنٌ لِمَنْ تَأَمَّلَ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ) هُوَ ابْنُ عُمَيْرٍ الْمَذْكُورُ فِي الْإِسْنَادِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَمُرَادُهُ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ رَوَاهُ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ مِثْلَ الرِّوَايَةِ الَّتِي قَبْلَهُ إِلَّا فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ ; وَهَذَا يَقْتَضِي خَطَأَ مَنْ أَوْرَدَهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى بِلَفْظِ رَاحٍ وَهِيَ رِوَايَةُ السَّرَخْسِيِّ، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو الْوَلِيدِ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، فَقَالَ فِيهِ: فِي رِيحٍ عَاصِفٍ، أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الرِّقَاقِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هُوَ ابْنُ يُوسُفَ.

قَوْلُهُ: (كَانَ رَجُلٌ يُسْرِفُ عَلَى نَفْسِهِ) تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ كَانَ نَبَّاشًا، وَفِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الرِّقَاقِ أَنَّهُ كَانَ يُسِيءُ الظَّنَّ بِعَمَلِهِ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَبْتَئِرْ خَيْرًا، وَسَيَأْتِي نَقْلُ الْخِلَافِ فِي تَحْرِيرِهَا هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ إن رَجُلًا كَانَ قَبْلَكُمْ.

قَوْلُهُ: (أَوْرُوا) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَضَمِّ الرَّاءِ، أَيِ اقْدَحُوا وَأَشْعِلُوا.

قَوْلُهُ: (إِذَا أَنَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي ثُمَّ اطْحَنُونِي ثُمَّ ذُرُّونِي) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ، فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فَقَالَ لِبَنِيهِ لَمَّا حُضِرَ - بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ - أَيُّ أَبٍ كُنْتُ لَكُمْ؟ قَالُوا: خَيْرُ أَبٍ، قَالَ: فَإِنِّي لَمْ أَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ، فَإِذَا مُتُّ اسْحَقُونِي ثُمَّ ذَرُونِي بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَالتَّخْفِيفِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ ثُمَّ أَذْرُونِي بِزِيَادَةِ هَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ فِي أَوَّلِهِ، فَالْأُولَى بِمَعْنَى دَعُونِي أَيِ اتْرُكُونِي، وَالثَّانِي مِنْ قَوْلِهِ أَذْرَتِ الرِّيحُ الشَّيْءَ إِذَا فَرَّقَتْهُ بِهُبُوبِهَا، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِرِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ.

قَوْلُهُ: (فِي الرِّيحِ) تَقَدَّمَ مَا فِي رِوَايَةِ حُذَيْفَةَ مِنَ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ أَيْ عَاصِفٌ رِيحُهُ، وَفِي حَدِيثِ مُعَاذٍ، عَنْ شُعْبَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي رِيحٍ عَاصِفٍ وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ حَتَّى إِذَا أَكَلَتْ لَحْمِي وَخَلَصَتْ إِلَى عَظْمِي وَامْتُحِشْتُ، وَهُوَ بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا شِينٌ مُعْجَمَةٌ، أَيْ وَصَلَ الْحَرْقُ الْعِظَامَ، وَالْمَحْشُ إِحْرَاقُ النَّارِ الْجِلْدَ.

قَوْلُهُ: (فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي قَالَ الْخَطَّابِيُّ: قَدْ يُسْتَشْكَلُ هَذَا فَيُقَالُ: كَيْفَ يُغْفَرُ لَهُ وَهُوَ مُنْكِرٌ لِلْبَعْثِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى إِحْيَاءِ الْمَوْتَى؟ وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَمْ يُنْكِرِ الْبَعْثَ وَإِنَّمَا جَهِلَ فَظَنَّ أَنَّهُ إِذَا فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ لَا يُعَادُ فَلَا يُعَذَّبُ، وَقَدْ ظَهَرَ إِيمَانُهُ بِاعْتِرَافِهِ بِأَنَّهُ إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ

قُتَيْبَةَ: قَدْ يَغْلَطُ فِي بَعْضِ الصِّفَاتِ قَوْمٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَكْفُرُونَ بِذَلِكَ ; وَرَدَّهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَقَالَ: جَحْدُهُ صِفَةَ الْقُدْرَةِ كُفْرٌ اتِّفَاقًا، وَإِنَّمَا قِيلَ إِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ أَيْ ضَيَّقَ، وَهِيَ كقوله: وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ أَيْ ضُيِّقَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: لَعَلِّي أُضِلُّ اللَّهَ فَمَعْنَاهُ: لَعَلِّي أَفُوتَهُ، يُقَالُ: ضَلَّ الشَّيْءُ إِذَا فَاتَ وَذَهَبَ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ وَلَعَلَّ هَذَا الرَّجُلُ قَالَ ذَلِكَ مِنْ شِدَّةِ جَزَعِهِ وَخَوْفِهِ كَمَا غَلِطَ ذَلِكَ الْآخَرُ فَقَالَ: أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَوْ يَكُونُ قَوْلُهُ: لَئِنْ قَدَّرَ عَلَيَّ بِتَشْدِيدِ الدَّالِ، أَيْ: قَدَّرَ عَلَيَّ أَنْ يُعَذِّبَنِي لَيُعَذِّبَنِي، أَوْ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُثْبِتًا لِلصَّانِعِ وَكَانَ فِي زَمَنِ الْفَتْرَةِ فَلَمْ تَبْلَغْهُ شَرَائِطُ الْإِيمَانِ، وَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي حَالِ دَهْشَتِهِ وَغَلَبَةِ الْخَوْفِ عَلَيْهِ حَتَّى ذُهِبَ بِعَقْلِهِ لِمَا يَقُولُ، وَلَمْ يَقُلْهُ قَاصِدًا لِحَقِيقَةِ مَعْنَاهُ بَلْ فِي حَالَةٍ كَانَ فِيهَا كَالْغَافِلِ وَالذَّاهِلِ وَالنَّاسِي الَّذِي لَا يُؤَاخَذُ بِمَا يَصْدُرُ مِنْهُ، وَأَبْعَدُ الْأَقْوَالِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ كَانَ فِي شَرْعِهِمْ جَوَازُ الْمَغْفِرَةِ لِلْكَافِرِ.

قَوْلُهُ: (فَأَمَرَ اللَّهُ الْأَرْضَ فَقَالَ: اجْمَعِي مَا فِيكِ مِنْهُ فَفَعَلَتْ) وَفِي حَدِيثِ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ فَقَالَ اللَّهُ لَهُ: كُنْ، فَكَانَ كَأَسْرَعِ مِنْ طَرْفَةِ الْعَيْنِ، وَهَذَا جَمِيعُهُ كَمَا قَالَ ابْنُ عُقَيْلٍ إِخْبَارٌ عَمَّا سَيَقَعُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ خَاطَبَ رُوحَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُنَاسِبُ قَوْلَهُ: فَجَمَعَهُ اللَّهُ، لِأَنَّ التَّحْرِيقَ وَالتَّفْرِيقَ إِنَّمَا وَقَعَ عَلَى الْجَسَدِ وَهُوَ الَّذِي يُجْمَعُ وَيُعَادُ عِنْدَ الْبَعْثِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ خَشْيَتُكَ) الْغَيْرُ الْمَذْكُورُ هُوَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، كَذَا رَوَاهُ عَنْ مَعْمَرٍ بِلَفْظِ خَشْيَتُكَ بَدَلَ مَخَافَتُكَ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِهَذَا، وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبَى سَعِيدٍ مَخَافَتُكَ، وَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ خَشْيَتُكَ.

قَوْلُهُ فِي آخِرِ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ (فَتَلْقَاهُ رَحْمَتُهُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَتَلَافَاهُ قَالَ ابْنُ التِّينِ: أَمَّا تَلَقَّاهُ بِالْقَافِ فَوَاضِحٌ. لَكِنَّ الْمَشْهُورَ تَعْدِيَتُهُ بِالْبَاءِ وَقَدْ جَاءَ هُنَا بِغَيْرِ تَعْدِيَةٍ، وَعَلَى هَذَا فَالرَّحْمَةُ مَنْصُوبَةٌ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذِكْرُ الرَّحْمَةِ وَهِيَ عَلَى هَذَا بِالرَّفْعِ، قَالَ: وَأَمَّا تَلَافَاهُ بِالْفَاءِ فَلَا أَعْرِفُ لَهُ وَجْهًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَصْلُهُ فَتَلَفَّفَهُ أَيْ غَشَّاهُ، فَلَمَّا اجْتَمَعَتْ ثَلَاثُ فَاءَاتٍ أُبْدِلَتِ الْأَخِيرَةُ أَلِفًا مِثْلُ دَسَّاهَا كَذَا قَالَ وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ مِنَ الثُّلَاثِيِّ، وَالْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي التَّلَقِّي. وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ سَلْمَانَ مِمَّا تَلَافَاهُ عِنْدَهَا أَنْ غُفِرَ لَهُ.

الْحَدِيثُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ: حَدَيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الَّذِي كَانَ يُدَايِنُ النَّاسَ، قَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبُيُوعِ.

الْحَدِيثُ الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ: قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) هَذَا هُوَ الْمَحْفُوظُ، وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَقَالَ: عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ حَكَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ قَالَ: وَرَوَاهُ أَبُو مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ أَيْضًا، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قُلْتُ: رِوَايَتُهُ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ أَنْ يَكُونَ رِبْعِيٌّ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي مَسْعُودٍ وَمِنْ حُذَيْفَةَ جَمِيعًا.

قَوْلُهُ: (إِنْ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ) النَّاسُ بِالرَّفْعِ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ، وَيَجُوزُ النَّصْبُ، أَيْ: مِمَّا بَلَغَ النَّاسَ، وَقَوْلُهُ: مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ أَيْ: مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَنْبِيَاءُ، أَيْ: إِنَّهُ مِمَّا نَدَبَ إِلَيْهِ الْأَنْبِيَاءُ وَلَمْ يُنْسَخْ فِيمَا نُسِخَ مِنْ شَرَائِعِهِمْ، لِأَنَّهُ أَمْرٌ أَطْبَقَتْ عَلَيْهِ الْعُقُولُ، وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ، وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا النُّبُوَّةُ الْأُولَى أَيِ الَّتِي قَبْلَ نَبِيِّنَا .

قَوْلُهُ: (فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ) هُوَ أَمْرٌ بِمَعْنَى الْخَبَرِ، أَوْ هُوَ لِلتَّهْدِيدِ، أَيِ: اصْنَعْ مَا شِئْتَ فَإِنَّ اللَّهَ يَجْزِيكَ، أَوْ مَعْنَاهُ انْظُرْ إِلَى مَا تُرِيدُ أَنْ تَفْعَلَهُ فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يستحى مِنْهُ فَافْعَلْهُ وَإِنْ كَانَ مِمَّا يستحى مِنْهُ فَدَعْهُ، أَوِ الْمَعْنَى أَنَّكَ إِذَا لَمْ تَسْتَحِ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ يَجِبُ أَنْ لَا تَسْتَحْيِيَ مِنْهُ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ فَافْعَلْهُ وَلَا تُبَالِ بِالْخَلْقِ، أَوِ الْمُرَادُ الْحَثُّ عَلَى الْحَيَاءِ وَالتَّنْوِيهُ بِفَضْلِهِ، أَيْ لَمَّا لَمْ يَجُزْ صُنْعُ جَمِيعِ مَا شِئْتَ لَمْ يَجُزْ تَرْكُ الِاسْتِحْيَاءِ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ:

حَدَيثُ ابْنِ عُمَرَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ يَجُرُّ إِزَارَهُ مِنَ الْخُيَلَاءِ خُسِفَ بِهِ سَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ، وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ يُونُسَ أَيْضًا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَأَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ.

قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ) أَيِ ابْنُ مُسَافِرٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) أَيْ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَطَرِيقُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هَذِهِ وَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ.

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ: حَدَيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي فَضْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْجُمُعَةِ.

الْحَدِيثُ الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ فِي النَّهْيِ عَنِ الْوَصْلِ فِي الشِّعْرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَتَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى مَكَانِ شَرْحِهِ.

قَوْلُهُ (تَابَعَهُ غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ) وَصَلَهُ مُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ غُنْدَرٍ - وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ - بِهِ.

(خَاتِمَةٌ):

اشْتَمَلَ كِتَابُ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ وَمَا بَعْدَهُ مِنْ ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى مِائَتَيْ حَدِيثٍ وَتِسْعَةِ أَحَادِيثَ، الْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى مِائَةٌ وَسَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ حَدِيثًا، وَالْخَالِصُ اثْنَانِ وَثَمَانُونَ حَدِيثًا، الْمُعَلَّقُ مِنْهَا ثَلَاثُونَ طَرِيقًا وَسَائِرُهَا مَوْصُولٌ، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيثِ عَائِشَةَ الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ وَحَدِيثِ قَالَ رَجُلٌ رَأَيْتُ السَّدَّ، وَهَذَانَ مُعَلَّقَانِ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ زَمْزَمَ وَبِنَاءِ الْبَيْتِ بِطُولِهِ، وَحَدِيثِهِ فِي تَعْوِيذِ الْحَسَنِ، وَالْحُسَيْنِ، وَحَدِيثِ سَبْرَةَ ابْنِ مَعْبَدٍ، وَحَدِيثِ أَبِي الشُّمُوسِ، وَحَدِيثِ أَبِي ذَرٍ وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ مُعَلَّقَاتٌ، وَحَدِيثِ أُمِّ رُومَانَ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ إِنَّمَا سُمِّيَ الْخَضِرُ وَحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي يُونُسَ ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ خُفِّفَ عَلَى دَاوُدَ الْقُرْآنُ وَحَدِيثِ عُمْرَ لَا تُطْرُونِي، وَحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي كَرَاهِيَةِ الِاتِّكَاءِ عَلَى الْخَاصِرَةِ، وَحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بَلِّغُوا عَنِّي وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ إِنَّ الْيَهُودَ لَا يَصْبُغُونَ، وَحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الطَّاعُونِ، وَحَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ فِي الْحَيَاءِ. وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ سِتَّةٌ وَثَمَانُونَ أَثَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحِبَهُ وَسَلَّمَ.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.1 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل