«أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا مُعْتَزِلًا، لَمْ يُصَلِّ فِي الْقَوْمِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٤٨

الحديث رقم ٣٤٨ من كتاب «كتاب التيمم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب حدثنا عبدان.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٣٤٨ في صحيح البخاري

«أَنَّ رَسُولَ اللهِ رَأَى رَجُلًا مُعْتَزِلًا، لَمْ يُصَلِّ فِي الْقَوْمِ، فَقَالَ: يَا فُلَانُ، مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ فِي الْقَوْمِ؟. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ. قَالَ: عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ».

كِتَابُ الصَّلَاةِ

بَابُ: كَيْفَ فُرِضَتِ الصَّلَوَاتُ فِي الْإِسْرَاءِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ فِي حَدِيثِ هِرَقْلَ فَقَالَ يَأْمُرُنَا يَعْنِي النَّبِيَّ بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ

إسناد حديث رقم ٣٤٨ من صحيح البخاري

٣٤٨ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَوْفٌ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ الْخُزَاعِيُّ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٣٤٨: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَاخْتَارَهُ. وَفِيهِ أَنَّ التَّرْتِيبَ غَيْرُ مُشْتَرَطٍ فِي التَّيَمُّمِ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: اخْتُلِفَ فِي لَفْظِ هَذَا الْحَدِيثِ فَوَقَعَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ ثُمَّ وَفِي سِيَاقِهِ اخْتِصَارٌ وَلِمُسْلِمٍ بِالْوَاوِ وَلَفْظُهُ ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ وَظَاهِرِ كَفَّيْهِ وَوَجْهِهِ وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مَا هُوَ أَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ. قُلْتُ: وَلَفْظُهُ مِنْ طَرِيقِ هَارُونَ الْحَمَّالِ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ إِنَّمَا يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ عَلَى الْأَرْضِ ثُمَّ تَنْفُضَهُمَا ثُمَّ تَمْسَحَ بِيَمِينِكَ عَلَى شِمَالِكَ وَشِمَالِكَ عَلَى يَمِينِكَ ثُمَّ تَمْسَحَ عَلَى وَجْهِكَ.

قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ إِشْكَالٌ مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا الضَّرْبَةُ الْوَاحِدَةُ، وَفِي الطُّرُقِ الْأُخْرَى (١) ضَرْبَتَانِ، وَقَدْ قَالَ النَّوَوِيُّ الْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ ضَرْبَتَانِ. قُلْتُ: مُرَادُ النَّوَوِيِّ مَا يَتَعَلَّقُ بِنَقْلِ الْمَذْهَبِ.

قَوْلُهُ: (أَلَمْ تَرَ عُمَرَ) فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ، وَكَرِيمَةَ أَفَلَمْ بِزِيَادَةِ فَاءٍ، وَإِنَّمَا لَمْ يَقْنَعْ عُمَرُ بِقَوْلِ عَمَّارٍ لِكَوْنِهِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ مَعَهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ وَحَضَرَ مَعَهُ تِلْكَ الْقِصَّةَ كَمَا سَيَأْتِي فِي رِوَايَةِ يَعْلَى بْنِ عُبَيْدٍ، وَلَمْ يَتَذَكَّرْ ذَلِكَ عُمَرُ أَصْلًا، وَلِهَذَا قَالَ لِعَمَّارٍ فِيمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى: اتَّقِ اللَّهَ يَا عَمَّارُ، قَالَ: إِنْ شِئْتَ لَمْ أُحَدِّثْ بِهِ فَقَالَ عُمَرُ: نُوَلِّيكَ مَا تَوَلَّيْتَ.

قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَى قَوْلِ عُمَرَ اتَّقِ اللَّهَ يَا عَمَّارُ أَيْ فِيمَا تَرْوِيهِ وَتَثَبَّتْ فِيهِ، فَلَعَلَّكَ نَسِيتَ أَوِ اشْتَبَهَ عَلَيْكَ، فَإِنِّي كُنْتُ مَعَكَ وَلَا أَتَذَكَّرُ شَيْئًا مِنْ هَذَا، وَمَعْنَى قَوْلِ عَمَّارٍ: إِنْ رَأَيْتُ الْمَصْلَحَةَ فِي الْإِمْسَاكِ عَنِ التَّحْدِيثِ بِهِ رَاجِحَةً عَلَى التَّحْدِيثِ بِهِ وَافَقْتُكَ وَأَمْسَكْتُ فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُهُ فَلَمْ يَبْقَ عَلَيَّ فِيهِ حَرَجٌ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: نُوَلِّيكَ مَا تَوَلَّيْتَ، أَيْ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِي لَا أَتَذَكَّرُهُ أَنْ لَا يَكُونَ حَقًّا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَلَيْسَ لِي مَنْعُكَ مِنَ التَّحْدِيثِ بِهِ.

قَوْلُهُ: (زَادَ يَعْلَى) هُوَ ابْنُ عُبَيْدٍ، وَالَّذِي زَادَهُ يَعْلَى فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ قَوْلُ عَمَّارٍ، لِعُمَرَ بَعَثَنِي أَنَا وَأَنْتَ وَبِهِ يَتَّضِحُ عُذْرُ عُمَرَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَأَمَّا ابْنُ مَسْعُودٍ فَلَا عُذْرَ لَهُ فِي التَّوَقُّفِ عَنْ قَبُولِ حَدِيثِ عَمَّارٍ، فَلِهَذَا جَاءَ عَنْهُ أَنَّهُ رَجَعَ عَنِ الْفُتْيَا بِذَلِكَ كَمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ فِيهِ انْقِطَاعٌ عَنْهُ، وَرِوَايَةُ يَعْلَى بْنِ عُبَيْدٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَصَلَهَا أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْهُ.

قَوْلُهُ: (إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا) لِلْكُشْمِيهَنِيِّ هَذَا.

قَوْلُهُ: (وَاحِدَةٌ) أَيْ مَسْحَةٌ وَاحِدَةٌ.

[٩ - باب]

٣٤٨ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَوْفٌ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ الْخُزَاعِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ رَأَى رَجُلًا مُعْتَزِلًا لَمْ يُصَلِّ فِي الْقَوْمِ، فَقَالَ: يَا فُلَانُ، مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ فِي الْقَوْمِ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ، قَالَ: عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ.

قَوْلُهُ: (بَابٌ). كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِلَا تَرْجَمَةٍ، وَسَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ أَصْلًا، فَعَلَى رِوَايَتِهِ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ التَّرْجَمَةِ الْمَاضِيَةِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْفَصْلِ مِنَ الْبَابِ كَنَظَائِرِهِ.

قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَحَدِيثُهُ هَذَا مُخْتَصَرٌ مِنَ الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ الْمَاضِي فِي بَابِ الصَّعِيدِ الطَّيِّبِ وَلَيْسَ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِكَوْنِ الضَّرْبَةِ فِي التَّيَمُّمِ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُصَنِّفُ أَخَذَهُ مِنْ عَدَمِ التَّقْيِيدِ ; لِأَنَّ الْمَرَّةَ الْوَاحِدَةَ أَقَلُّ مَا يَحْصُلُ بِهِ الِامْتِثَالُ، وَوُجُوبُهَا مُتَيَقَّنٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(خَاتِمَةٌ): اشْتَمَلَ كِتَابُ التَّيَمُّمِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى سَبْعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا، الْمُكَرَّرُ مِنْهَا عَشَرَةٌ، مِنْهَا اثْنَانِ مُعَلَّقَانِ وَالْخَالِصُ سَبْعَةٌ مِنْهَا وَاحِدٌ مُعَلَّقٌ وَالْبَقِيَّةُ مَوْصُولَةٌ، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ الْمُعَلَّقِ، وَفِيهِ مِنَ الْمَوْقُوفَاتِ عَلَى الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ عَشَرَةُ آثَارٍ، مِنْهَا ثَلَاثَةٌ مَوْصُولَةٌ وَهِيَ فَتْوَى عُمَرَ، وَأَبِي مُوسَى،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

بالواو، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «زاد» (يَعْلَى) بن عبيدٍ الطَّنَافِسِيُّ الحنفيُّ الكوفيُّ ممَّا وصله أحمد وغيره (عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (وَأَبِي مُوسَى) الأشعريِّ (فَقَالَ أَبُو مُوسَى) لعبد الله: (أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ) وللأَصيلي: «إنَّ النَّبيَّ» (، بَعَثَنِي أَنَا وَأَنْتَ) لا يُقال: كان الوجه بعثني إيَّاي وإيَّاك؛ لأنَّ «أنا» ضمير رفعٍ، فكيف وقع تأكيدًا للضَّمير المنصوب، والمعطوف في حكم المعطوف عليه؛ لأنَّ الضَّمائر تتقارض فيُحمَل بعضها على بعضٍ، وتجري بينها (١) المُناوَبة (فَأَجْنَبْتُ فَتَمَعَّكْتُ بِالصَّعِيدِ فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ) وللأَصيليِّ: «النَّبيَّ» (، فَأَخْبَرْنَاهُ فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «هذا» (وَمَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ) مسحةً (وَاحِدَةً؟) أو ضربةً واحدةً (٢)، وهو المناسب لقول المؤلِّف في التَّرجمة (٣) «باب التَّيمُّم ضربةٌ».

(٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين من غير ترجمةٍ، ولفظ: «باب» ساقطٌ عند الأَصيليِّ، فيكون داخلًا في التَّرجمة السَّابقة.

٣٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) بفتح العين (٤) المُهمَلة وسكون المُوحَّدة (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ)

ابن المُبارَك (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَوْفٌ) الأعرابيُّ (عَنْ أَبِي رَجَاءٍ) عمران بن ملحان العطارديِّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ الخُزَاعِيُّ) (أَنَّ رَسُولَ اللهِ رَأَى) أي: أبصر (١) (رَجُلًا مُعْتَزِلًا) أي: منفردًا (٢) عن النَّاس (لَمْ يُصَلِّ فِي القَوْمِ فَقَالَ) : (يَا فُلَانُ) هو كنايةٌ عن علم المُذكَّر، ويحتمل (٣) أن يكون خاطبه باسمه، وكنَّى عنه الرَّاوي لنسيان اسمه، أو لغير ذلك (مَا مَنَعَكَ) ولابن عساكر: «ما يمنعك» (أَنْ تُصَلِّيَ فِي القَوْمِ؟) مفعولٌ ثانٍ لـ «منع»، أو على إسقاط الخافض، أي: من أن تصلِّي، ففي محلِّه المذهبان المشهوران هل هو نصبٌ أو جرٌّ؟ (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ) بالفتح -كما مرَّ- والمُراد عموم النَّفيِ إظهارًا لتمام العذر، فكأنَّه نفى وجود الماء بالكليَّة (قَالَ) : (عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ) المذكور في التَّنزيل، قال ابن عبَّاسٍ: المُراد به (٤): التُّراب، ولمَّا صحَّ: «وترابها طهورٌ» تعلَّق (٥) الحكم به (فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ) عن الماء، و «الفاء» في «فإنَّه» سببيَّةٌ (٦).

فإن قلت: ما المُطابَقة بين التَّرجمة وبين هذا على رواية الأَصيليِّ المُسقِطة (٧) للفظ (٨): «بابٍ»؟ أُجيببأنَّه لم يقيّد بضربةٍ ولا غيرها، وأقلُّه ضربةٌ واحدةٌ، فيدخل هذا (٩) في التَّرجمة من (١٠) ثمَّ.

وفي هذا الحديث: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وهو مُختَصَرٌ من الحديث السَّابق في باب «الصَّعيد الطَّيِّب» [خ¦٣٤٤].

ولمَّا فرغ المؤلِّف من ذكر أحكام الطَّهارة التي هي من (١) شروط الصَّلاة (٢) شَرَعَ في بيان الصَّلاة التي هي المشروطة فقال:

((٨)) (بسم الله الرحمن الرحيم) وهي ساقطةٌ عند ابن عساكر. هذا (كِتَابُ الصَّلَاةِ) (٣) أو: خذ كتاب الصَّلاة، واشتقاقها من الصَّلي، وهو عرض خشبةٍ معوجَّةٍ على نارٍ لتقويمها (٤)، وبالطَّبع عوجٌ فالمصلِّي من وهج السَّطوة يتقوَّم اعوجاجه ثمَّ يتحقَّق معراجه، ومن اصطلى بنار الصَّلاة وزال عوجه لا يدخل النَّار، وهي صلةٌ بين العبد وربِّه تعالى، وجامعةٌ لأنواع العبادات النَّفسانيَّة والبدنيَّة، من الطَّهارة، وستر العورة، وصرف المال فيهما، والتَّوجُّه إلى الكعبة، والعكوف على العبادة، وإظهار الخشوع بالجوارح، وإخلاص النيَّة بالقلب، ومجاهدة الشَّيطان، ومناجاة الحقِّ، وقراءة القرآن، والنُّطق بالشَّهادتين، وكفِّ النَّفس عن الأطيبين، وشرع المناجاة فيها سرًّا وجهرًا ليُجمَع للعبد فيها ذكر السِّرِّ وذكر العلانية، فالمصلِّي في صلاته يذكر الله في ملأ الملائكة ومَن حضر من الموجودين السَّامعين، وهو ما يجهر به من القراءة فيها، قال الله في الحديث الثَّابت عنه: «إن ذكرني في نفسه ذكرته في

نفسي، وإن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملأٍ خيرٍ منه» وقد يريد بذلك الملأ (١): الملائكة المقرَّبين، والكَروبيِّين (٢) خاصَّةً الَّذين اختصَّهم لحضرته (٣)، فلهذا الفضل (٤) شرع لهم في الصَّلاة (٥) الجهر بالقراءة والسِّرَّ، وهي لغةً: الدُّعاء بخيرٍ (٦)، قال الله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] أي: ادعُ لهم، وشرعًا: أقوالٌ وأفعالٌ مُفتَتحةٌ بالتَّكبير، مُختَتمةٌ بالتَّسليم.

(١) (بابٌ كَيْفَ فُرِضَتِ الصَّلَاةُ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ والمُستملي: «كيف فُرِضَت الصَّلوات» (فِي) ليلة (الإِسْرَاءِ) بجسده وروحه يقظةً إلى السَّموات، وقد اختلفوا -مع اتِّفاقهم على أنَّ فرْضيَّة (٧) الصَّلوات كانت ليلة الإسراء- في وقته، فقِيلَ: قبل الهجرة بسنةٍ، وعليه الأكثرون، أو وخمسة أشهرٍ، أو وثلاثةٍ، أو قبلها بثلاث سنين، وقال الحربيُّ: في سابع عشْري (٨) ربيع الآخر، وكذا قال النَّوويُّ في «فتاويه»، لكن قال في «شرح مسلمٍ»: ربيع الأوَّل، وقِيلَ: سابع عشر رجب، واختاره الحافظ عبد الغنيِّ بن سرورٍ المقدسيُّ.

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصله المؤلِّف أوائلَ الكتاب: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو سُفْيَانَ) صخر بن حربٍ (فِي حَدِيثِ هِرَقْلَ) الطَّويل (فَقَالَ) أبو سفيان: (يَأْمُرُنَا -يَعْنِي: النَّبِيَّ بالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالعَفَافِ) وقد أخرجه المؤلِّف في أربعة عشر موضعًا، وأخرجه مسلمٌ وأصحاب

«السُّنن» الأربعة (١) إلَّا ابن ماجه.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَاخْتَارَهُ. وَفِيهِ أَنَّ التَّرْتِيبَ غَيْرُ مُشْتَرَطٍ فِي التَّيَمُّمِ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: اخْتُلِفَ فِي لَفْظِ هَذَا الْحَدِيثِ فَوَقَعَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ ثُمَّ وَفِي سِيَاقِهِ اخْتِصَارٌ وَلِمُسْلِمٍ بِالْوَاوِ وَلَفْظُهُ ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ وَظَاهِرِ كَفَّيْهِ وَوَجْهِهِ وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مَا هُوَ أَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ. قُلْتُ: وَلَفْظُهُ مِنْ طَرِيقِ هَارُونَ الْحَمَّالِ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ إِنَّمَا يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ عَلَى الْأَرْضِ ثُمَّ تَنْفُضَهُمَا ثُمَّ تَمْسَحَ بِيَمِينِكَ عَلَى شِمَالِكَ وَشِمَالِكَ عَلَى يَمِينِكَ ثُمَّ تَمْسَحَ عَلَى وَجْهِكَ.

قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ إِشْكَالٌ مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا الضَّرْبَةُ الْوَاحِدَةُ، وَفِي الطُّرُقِ الْأُخْرَى (١) ضَرْبَتَانِ، وَقَدْ قَالَ النَّوَوِيُّ الْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ ضَرْبَتَانِ. قُلْتُ: مُرَادُ النَّوَوِيِّ مَا يَتَعَلَّقُ بِنَقْلِ الْمَذْهَبِ.

قَوْلُهُ: (أَلَمْ تَرَ عُمَرَ) فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ، وَكَرِيمَةَ أَفَلَمْ بِزِيَادَةِ فَاءٍ، وَإِنَّمَا لَمْ يَقْنَعْ عُمَرُ بِقَوْلِ عَمَّارٍ لِكَوْنِهِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ مَعَهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ وَحَضَرَ مَعَهُ تِلْكَ الْقِصَّةَ كَمَا سَيَأْتِي فِي رِوَايَةِ يَعْلَى بْنِ عُبَيْدٍ، وَلَمْ يَتَذَكَّرْ ذَلِكَ عُمَرُ أَصْلًا، وَلِهَذَا قَالَ لِعَمَّارٍ فِيمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى: اتَّقِ اللَّهَ يَا عَمَّارُ، قَالَ: إِنْ شِئْتَ لَمْ أُحَدِّثْ بِهِ فَقَالَ عُمَرُ: نُوَلِّيكَ مَا تَوَلَّيْتَ.

قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَى قَوْلِ عُمَرَ اتَّقِ اللَّهَ يَا عَمَّارُ أَيْ فِيمَا تَرْوِيهِ وَتَثَبَّتْ فِيهِ، فَلَعَلَّكَ نَسِيتَ أَوِ اشْتَبَهَ عَلَيْكَ، فَإِنِّي كُنْتُ مَعَكَ وَلَا أَتَذَكَّرُ شَيْئًا مِنْ هَذَا، وَمَعْنَى قَوْلِ عَمَّارٍ: إِنْ رَأَيْتُ الْمَصْلَحَةَ فِي الْإِمْسَاكِ عَنِ التَّحْدِيثِ بِهِ رَاجِحَةً عَلَى التَّحْدِيثِ بِهِ وَافَقْتُكَ وَأَمْسَكْتُ فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُهُ فَلَمْ يَبْقَ عَلَيَّ فِيهِ حَرَجٌ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: نُوَلِّيكَ مَا تَوَلَّيْتَ، أَيْ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِي لَا أَتَذَكَّرُهُ أَنْ لَا يَكُونَ حَقًّا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَلَيْسَ لِي مَنْعُكَ مِنَ التَّحْدِيثِ بِهِ.

قَوْلُهُ: (زَادَ يَعْلَى) هُوَ ابْنُ عُبَيْدٍ، وَالَّذِي زَادَهُ يَعْلَى فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ قَوْلُ عَمَّارٍ، لِعُمَرَ بَعَثَنِي أَنَا وَأَنْتَ وَبِهِ يَتَّضِحُ عُذْرُ عُمَرَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَأَمَّا ابْنُ مَسْعُودٍ فَلَا عُذْرَ لَهُ فِي التَّوَقُّفِ عَنْ قَبُولِ حَدِيثِ عَمَّارٍ، فَلِهَذَا جَاءَ عَنْهُ أَنَّهُ رَجَعَ عَنِ الْفُتْيَا بِذَلِكَ كَمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ فِيهِ انْقِطَاعٌ عَنْهُ، وَرِوَايَةُ يَعْلَى بْنِ عُبَيْدٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَصَلَهَا أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْهُ.

قَوْلُهُ: (إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا) لِلْكُشْمِيهَنِيِّ هَذَا.

قَوْلُهُ: (وَاحِدَةٌ) أَيْ مَسْحَةٌ وَاحِدَةٌ.

[٩ - باب]

٣٤٨ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَوْفٌ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ الْخُزَاعِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ رَأَى رَجُلًا مُعْتَزِلًا لَمْ يُصَلِّ فِي الْقَوْمِ، فَقَالَ: يَا فُلَانُ، مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ فِي الْقَوْمِ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ، قَالَ: عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ.

قَوْلُهُ: (بَابٌ). كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِلَا تَرْجَمَةٍ، وَسَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ أَصْلًا، فَعَلَى رِوَايَتِهِ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ التَّرْجَمَةِ الْمَاضِيَةِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْفَصْلِ مِنَ الْبَابِ كَنَظَائِرِهِ.

قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَحَدِيثُهُ هَذَا مُخْتَصَرٌ مِنَ الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ الْمَاضِي فِي بَابِ الصَّعِيدِ الطَّيِّبِ وَلَيْسَ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِكَوْنِ الضَّرْبَةِ فِي التَّيَمُّمِ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُصَنِّفُ أَخَذَهُ مِنْ عَدَمِ التَّقْيِيدِ ; لِأَنَّ الْمَرَّةَ الْوَاحِدَةَ أَقَلُّ مَا يَحْصُلُ بِهِ الِامْتِثَالُ، وَوُجُوبُهَا مُتَيَقَّنٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(خَاتِمَةٌ): اشْتَمَلَ كِتَابُ التَّيَمُّمِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى سَبْعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا، الْمُكَرَّرُ مِنْهَا عَشَرَةٌ، مِنْهَا اثْنَانِ مُعَلَّقَانِ وَالْخَالِصُ سَبْعَةٌ مِنْهَا وَاحِدٌ مُعَلَّقٌ وَالْبَقِيَّةُ مَوْصُولَةٌ، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ الْمُعَلَّقِ، وَفِيهِ مِنَ الْمَوْقُوفَاتِ عَلَى الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ عَشَرَةُ آثَارٍ، مِنْهَا ثَلَاثَةٌ مَوْصُولَةٌ وَهِيَ فَتْوَى عُمَرَ، وَأَبِي مُوسَى،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

بالواو، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «زاد» (يَعْلَى) بن عبيدٍ الطَّنَافِسِيُّ الحنفيُّ الكوفيُّ ممَّا وصله أحمد وغيره (عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (وَأَبِي مُوسَى) الأشعريِّ (فَقَالَ أَبُو مُوسَى) لعبد الله: (أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ) وللأَصيلي: «إنَّ النَّبيَّ» (، بَعَثَنِي أَنَا وَأَنْتَ) لا يُقال: كان الوجه بعثني إيَّاي وإيَّاك؛ لأنَّ «أنا» ضمير رفعٍ، فكيف وقع تأكيدًا للضَّمير المنصوب، والمعطوف في حكم المعطوف عليه؛ لأنَّ الضَّمائر تتقارض فيُحمَل بعضها على بعضٍ، وتجري بينها (١) المُناوَبة (فَأَجْنَبْتُ فَتَمَعَّكْتُ بِالصَّعِيدِ فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ) وللأَصيليِّ: «النَّبيَّ» (، فَأَخْبَرْنَاهُ فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «هذا» (وَمَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ) مسحةً (وَاحِدَةً؟) أو ضربةً واحدةً (٢)، وهو المناسب لقول المؤلِّف في التَّرجمة (٣) «باب التَّيمُّم ضربةٌ».

(٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين من غير ترجمةٍ، ولفظ: «باب» ساقطٌ عند الأَصيليِّ، فيكون داخلًا في التَّرجمة السَّابقة.

٣٤٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) بفتح العين (٤) المُهمَلة وسكون المُوحَّدة (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ)

ابن المُبارَك (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَوْفٌ) الأعرابيُّ (عَنْ أَبِي رَجَاءٍ) عمران بن ملحان العطارديِّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ الخُزَاعِيُّ) (أَنَّ رَسُولَ اللهِ رَأَى) أي: أبصر (١) (رَجُلًا مُعْتَزِلًا) أي: منفردًا (٢) عن النَّاس (لَمْ يُصَلِّ فِي القَوْمِ فَقَالَ) : (يَا فُلَانُ) هو كنايةٌ عن علم المُذكَّر، ويحتمل (٣) أن يكون خاطبه باسمه، وكنَّى عنه الرَّاوي لنسيان اسمه، أو لغير ذلك (مَا مَنَعَكَ) ولابن عساكر: «ما يمنعك» (أَنْ تُصَلِّيَ فِي القَوْمِ؟) مفعولٌ ثانٍ لـ «منع»، أو على إسقاط الخافض، أي: من أن تصلِّي، ففي محلِّه المذهبان المشهوران هل هو نصبٌ أو جرٌّ؟ (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ) بالفتح -كما مرَّ- والمُراد عموم النَّفيِ إظهارًا لتمام العذر، فكأنَّه نفى وجود الماء بالكليَّة (قَالَ) : (عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ) المذكور في التَّنزيل، قال ابن عبَّاسٍ: المُراد به (٤): التُّراب، ولمَّا صحَّ: «وترابها طهورٌ» تعلَّق (٥) الحكم به (فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ) عن الماء، و «الفاء» في «فإنَّه» سببيَّةٌ (٦).

فإن قلت: ما المُطابَقة بين التَّرجمة وبين هذا على رواية الأَصيليِّ المُسقِطة (٧) للفظ (٨): «بابٍ»؟ أُجيببأنَّه لم يقيّد بضربةٍ ولا غيرها، وأقلُّه ضربةٌ واحدةٌ، فيدخل هذا (٩) في التَّرجمة من (١٠) ثمَّ.

وفي هذا الحديث: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وهو مُختَصَرٌ من الحديث السَّابق في باب «الصَّعيد الطَّيِّب» [خ¦٣٤٤].

ولمَّا فرغ المؤلِّف من ذكر أحكام الطَّهارة التي هي من (١) شروط الصَّلاة (٢) شَرَعَ في بيان الصَّلاة التي هي المشروطة فقال:

((٨)) (بسم الله الرحمن الرحيم) وهي ساقطةٌ عند ابن عساكر. هذا (كِتَابُ الصَّلَاةِ) (٣) أو: خذ كتاب الصَّلاة، واشتقاقها من الصَّلي، وهو عرض خشبةٍ معوجَّةٍ على نارٍ لتقويمها (٤)، وبالطَّبع عوجٌ فالمصلِّي من وهج السَّطوة يتقوَّم اعوجاجه ثمَّ يتحقَّق معراجه، ومن اصطلى بنار الصَّلاة وزال عوجه لا يدخل النَّار، وهي صلةٌ بين العبد وربِّه تعالى، وجامعةٌ لأنواع العبادات النَّفسانيَّة والبدنيَّة، من الطَّهارة، وستر العورة، وصرف المال فيهما، والتَّوجُّه إلى الكعبة، والعكوف على العبادة، وإظهار الخشوع بالجوارح، وإخلاص النيَّة بالقلب، ومجاهدة الشَّيطان، ومناجاة الحقِّ، وقراءة القرآن، والنُّطق بالشَّهادتين، وكفِّ النَّفس عن الأطيبين، وشرع المناجاة فيها سرًّا وجهرًا ليُجمَع للعبد فيها ذكر السِّرِّ وذكر العلانية، فالمصلِّي في صلاته يذكر الله في ملأ الملائكة ومَن حضر من الموجودين السَّامعين، وهو ما يجهر به من القراءة فيها، قال الله في الحديث الثَّابت عنه: «إن ذكرني في نفسه ذكرته في

نفسي، وإن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملأٍ خيرٍ منه» وقد يريد بذلك الملأ (١): الملائكة المقرَّبين، والكَروبيِّين (٢) خاصَّةً الَّذين اختصَّهم لحضرته (٣)، فلهذا الفضل (٤) شرع لهم في الصَّلاة (٥) الجهر بالقراءة والسِّرَّ، وهي لغةً: الدُّعاء بخيرٍ (٦)، قال الله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] أي: ادعُ لهم، وشرعًا: أقوالٌ وأفعالٌ مُفتَتحةٌ بالتَّكبير، مُختَتمةٌ بالتَّسليم.

(١) (بابٌ كَيْفَ فُرِضَتِ الصَّلَاةُ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ والمُستملي: «كيف فُرِضَت الصَّلوات» (فِي) ليلة (الإِسْرَاءِ) بجسده وروحه يقظةً إلى السَّموات، وقد اختلفوا -مع اتِّفاقهم على أنَّ فرْضيَّة (٧) الصَّلوات كانت ليلة الإسراء- في وقته، فقِيلَ: قبل الهجرة بسنةٍ، وعليه الأكثرون، أو وخمسة أشهرٍ، أو وثلاثةٍ، أو قبلها بثلاث سنين، وقال الحربيُّ: في سابع عشْري (٨) ربيع الآخر، وكذا قال النَّوويُّ في «فتاويه»، لكن قال في «شرح مسلمٍ»: ربيع الأوَّل، وقِيلَ: سابع عشر رجب، واختاره الحافظ عبد الغنيِّ بن سرورٍ المقدسيُّ.

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصله المؤلِّف أوائلَ الكتاب: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو سُفْيَانَ) صخر بن حربٍ (فِي حَدِيثِ هِرَقْلَ) الطَّويل (فَقَالَ) أبو سفيان: (يَأْمُرُنَا -يَعْنِي: النَّبِيَّ بالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالعَفَافِ) وقد أخرجه المؤلِّف في أربعة عشر موضعًا، وأخرجه مسلمٌ وأصحاب

«السُّنن» الأربعة (١) إلَّا ابن ماجه.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
أستغفر الله