الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٨٤٦
الحديث رقم ٣٨٤٦ من كتاب «كتاب مناقب الأنصار» في صحيح البخاري، تحت باب: باب القسامة في الجاهلية.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٣٨٤٧ - وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنَا عَمْرٌو، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ: أَنَّ كُرَيْبًا مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ حَدَّثَهُ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَيْسَ السَّعْيُ بِبَطْنِ الْوَادِي بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سُنَّةً، إِنَّمَا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَسْعَوْنَهَا، وَيَقُولُونَ: لَا نُجِيزُ الْبَطْحَاءَ إِلَّا شَدًّا.
٣٨٤٦ - حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَلَا تُصْبِرْ يَمِينِي حَيْثُ تُصْبَرُ الْأَيْمَانُ فَقَبِلَهُمَا. وَجَاءَ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ فَحَلَفُوا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا حَالَ الْحَوْلُ وَمِنْ الثَّمَانِيَةِ وَأَرْبَعِينَ عَيْنٌ تَطْرِفُ.
٣٨٤٦ - حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ "كَانَ يَوْمُ بُعَاثٍ يَوْمًا قَدَّمَهُ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ افْتَرَقَ مَلَؤُهُمْ وَقُتِّلَتْ سَرَوَاتُهُمْ وَجُرِّحُوا قَدَّمَهُ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ فِي دُخُولِهِمْ فِي الإِسْلَامِ"
٣٨٤٧ - وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنَا عَمْرٌو عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَشَجِّ أَنَّ كُرَيْبًا مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ حَدَّثَهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ "لَيْسَ السَّعْيُ بِبَطْنِ الْوَادِي بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سُنَّةً إِنَّمَا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَسْعَوْنَهَا وَيَقُولُونَ لَا نُجِيزُ الْبَطْحَاءَ إِلاَّ شَدًّا"
٣٨٤٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ أَخْبَرَنَا مُطَرِّفٌ سَمِعْتُ أَبَا السَّفَرِ يَقُولُ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا مِنِّي مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأَسْمِعُونِي مَا تَقُولُونَ وَلَا تَذْهَبُوا فَتَقُولُوا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ فَلْيَطُفْ مِنْ وَرَاءِ الْحِجْرِ وَلَا تَقُولُوا الْحَطِيمُ فَإِنَّ الرَّجُلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ يَحْلِفُ فَيُلْقِي سَوْطَهُ أَوْ نَعْلَهُ أَوْ قَوْسَهُ"
٣٨٤٩ - حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ "رَأَيْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قِرْدَةً اجْتَمَعَ عَلَيْهَا قِرَدَةٌ قَدْ زَنَتْ فَرَجَمُوهَا فَرَجَمْتُهَا مَعَهُمْ"
٣٨٥٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ "خِلَالٌ مِنْ خِلَالِ الْجَاهِلِيَّةِ الطَّعْنُ فِي الأَنْسَابِ وَالنِّيَاحَةُ وَنَسِيَ الثَّالِثَةَ قَالَ سُفْيَانُ وَيَقُولُونَ إِنَّهَا الِاسْتِسْقَاءُ بِالأَنْوَاءِ"
الْحَدِيثُ الرَّابِعَ عَشَرَ: حَدِيثُ الْقَسَامَةِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِطُولِهِ، وَثَبَتَ عِنْدَ أَكْثَرِ الرُّوَاةِ عَنِ الْفَرَيرِيِّ هُنَا تَرْجَمَةُ الْقَسَامَةِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَلَمْ يَقَعْ عِنْدَ النَّسَفِيِّ وَهُوَ أَوْجَهُ، لِأَنَّ الْجَمِيعَ مِنْ تَرْجَمَةِ أَيَّامِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَيَظْهَرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي أَوْرَدَهَا تِلْوَ هَذَا الْحَدِيثِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا قَطَنٌ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَالْمُهْمَلَةِ ثُمَّ نُونٍ هُوَ ابْنُ كَعْبٍ الْقُطَعِيُّ بِضَمِّ الْقَافِ الْبَصْرِيُّ، ثِقَةٌ عِنْدَهُمْ، وَشَيْخُهُ أَبُو يَزِيدَ الْمَدَنِيُّ بَصْرِيٌّ أَيْضًا وَيُقَالُ لَهُ: الْمَدِينِيُّ بِزِيَادَةِ تَحْتَانِيَّةٍ، وَلَعَلَّ أَصْلَهُ كَانَ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَلَكِنْ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَسُئِلَ عَنْهُ مَالِكٌ فَلَمْ يَعْرِفْهُ وَلَا يَعْرِفُ اسْمَهُ وَقَدْ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ، وَلَا لَهُ وَلَا لِلرَّاوِي عَنْهُ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْمَوْضِعُ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ أَوَّلَ قَسَامَةٍ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَخْفِيفِ الْمُهْمَلَةِ الْيَمِينُ، وَهِيَ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ حَلِفٌ مُعَيَّنٌ عِنْدَ التُّهْمَةِ بِالْقَتْلِ عَلَى الْإِثْبَاتِ أَوِ النَّفْيِ. وَقِيلَ: هِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ قِسْمَةِ الْأَيْمَانِ عَلَى الْحَالِفِينَ.
وَسَيَأْتِي بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي حُكْمِهَا فِي كِتَابِ الدِّيَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَوْلُهُ: (لَفِينَا بَنِي هَاشِمٍ) اللَّامُ لِلتَّأْكِيدِ وَبَنِي هَاشِمٍ مَجْرُورٌ عَلَى الْبَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلَى التَّمْيِيزِ، أَوْ عَلَى النِّدَاءِ بِحَذْفِ الْأَدَاةِ.
قَوْلُهُ: (كَانَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ) هُوَ عَمْرُو بْنُ عَلْقَمَةَ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، جَزَمَ بِذَلِكَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ فَكَأَنَّهُ نَسَبَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ إِلَى بَنِي هَاشِمٍ مَجَازًا لِمَا كَانَ بَيْنَ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ مِنَ الْمَوَدَّةِ وَالْمُؤَاخَاةِ وَالْمُنَاصَرَةِ، وَسَمَّاهُ ابْنُ الْكَلْبِيِّ، عَامِرًا.
قَوْلُهُ: (اسْتَأْجَرَهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ فَخِذٍ أُخْرَى) كَذَا فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ، وَأَبِي ذَرٍّ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْفَاكِهِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ. وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَغَيْرِهَا اسْتَأْجَرَ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ وَهُوَ مَقْلُوبٌ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ. وَالْفَخِذُ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَقَدْ تُسَكَّنُ. وَجَزَمَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ بِأَنَّ الْمُسْتَأْجَرَ الْمَذْكُورَ هُوَ خِدَاشٌ - بِمُعْجَمَتَيْنِ وَدَالٍ مُهْمَلَةٍ - ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ الْعَامِرِيُّ.
قَوْلُهُ: (فَمَرَّ بِهِ) أَيْ بِالْأَجِيرِ (رَجُلٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ. وَقَوْلُهُ: (عُرْوَةُ جُوَالَقِهِ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ اللَّامِ الْوِعَاءُ مِنْ جُلُودٍ وَثِيَابٍ وَغَيْرِهَا، فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، وَأَصْلُهُ كَوَالِهِ: وَجَمْعُهُ جَوَالِيقُ وَحُكِيَ جُوَالِقُ بِحَذْفِ التَّحْتَانِيَّةِ، وَالْعِقَالُ الْحَبْلُ.
قَوْلُهُ: (فَأَيْنَ عِقَالُهُ؟ قَالَ فَحَذَفَهُ) كَذَا فِي النُّسَخِ وَفِيهِ حَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْكَلَامِ، وَقَدْ بَيَّنَتْهُ رِوَايَةُ الْفَاكِهِيِّ فَقَالَ: مَرَّ بِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ قَدِ انْقَطَعَ عُرْوَةُ جُوَالَقِهِ، وَاسْتَغَاثَ بِي فَأَعْطَيْتُهُ، فَحَذَفَهُ أَيْ رَمَاهُ.
قَوْلُهُ: (كَانَ فِيهَا أَجَلُهُ) أَيْ أَصَابَ مَقْتَلَهُ. وَقَوْلُهُ: فَمَاتَ أَيْ أَشْرَفَ عَلَى الْمَوْتِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ (١)، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ هَذَا الْمَارِّ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (أَتَشْهَدُ الْمَوْسِمَ) أَيْ مَوْسِمَ الْحَجِّ.
قَوْلُهُ: (فَكَتَبَ) بِالْمُثَنَّاةِ ثُمَّ الْمُوَحَّدَةِ، وَلِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَالْأَصِيلِيِّ بِضَمِّ الْكَافِ وَسُكُونِ النُّونِ ثُمَّ الْمُثَنَّاةِ وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ، وَفِي رِوَايَةِ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ: فَكَتَبَ إِلَى أَبِي طَالِبٍ يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ وَمَاتَ مِنْهَا. وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ أَبُو طَالِبٍ:
أَفِي فَضْلِ حَبْلٍ لَا أَبَا لَكَ ضَرَبَهُ … بِمِنْسَأَةٍ، قَدْ جَاءَ حَبْلٌ وَأَحْبُلُ
قَوْلُهُ: (يَا آلَ قُرَيْشٍ) بِإِثْبَاتِ الْهَمْزَةِ وَبِحَذْفِهَا عَلَى الِاسْتِغَاثَةِ.
قَوْلُهُ: (قَتَلَنِي فِي عِقَالٍ) أَيْ بِسَبَبِ عِقَالٍ.
قَوْلُهُ: (وَمَاتَ الْمُسْتَأْجَرُ) بِفَتْحِ الْجِيمِ أَيْ بَعْدَ أَنْ أَوْصَى الْيَمَانِيَّ بِمَا أَوْصَاهُ بِهِ.
قَوْلُهُ: (فَوَلِيتُ) بِكَسْرِ اللَّامِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ فَقَالَ: أَصَابَهُ قَدَرُهُ، فَصَدَّقُوهُ وَلَمْ يَظُنُّوا بِهِ غَيْرَ ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ: وَافَى الْمَوْسِمَ أَيْ أَتَاهُ.
قَوْلُهُ: (يَا بَنِي هَاشِمٍ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ يَا آلَ بَنِي هَاشِمٍ.
قَوْلُهُ: (مَنْ أَبُو طَالِبٍ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَيْنَ أَبُو طَالِبٍ، زَادَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: فَأَخْبَرَهُ بِالْقِصَّةِ، وَخِدَاشٌ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ لَا يَعْلَمُ بِمَا كَانَ، فَقَامَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ إِلَى خِدَاشٍ فَضَرَبُوهُ وَقَالُوا: قَتَلْتَ صَاحِبَنَا، فَجَحَدَ.
قَوْلُهُ: (اخْتَرْ مِنَّا إِحْدَى ثَلَاثٍ) يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الثَّلَاثُ كَانَتْ مَعْرُوفَةً بَيْنَهُمْ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ شَيْئًا اخْتَرَعَهُ أَبُو طَالِبٍ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُمْ تَشَاوَرُوا فِي ذَلِكَ وَلَا تَدَافَعُوا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْرِفُونَ الْقَسَامَةَ قَبْلَ ذَلِكَ. كَذَا قَالَ، وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَاوِي الْحَدِيثِ أَنَّهَا أَوَّلُ قَسَامَةٍ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْوُقُوعُ وَإِنْ كَانُوا يَعْرِفُونَ الْحُكْمَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَحَكَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ أَنَّهُمْ تَحَاكَمُوا فِي ذَلِكَ إِلَى الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ فَقَضَى أَنْ يَحْلِفَ خَمْسُونَ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَامِرٍ عِنْدَ الْبَيْتِ مَا قَتَلَهُ خِدَاشٌ، وَهَذَا
يُشْعِرُ بِالْأَوَّلِيَّةِ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ) هِيَ زَيْنَبُ بِنْتُ عَلْقَمَةَ أُخْتُ الْمَقْتُولِ (كَانَتْ تَحْتَ رَجُلٍ مِنْهُمْ) هُوَ عَبْدُ الْعُزَّى بْنُ أَبِي قَيْسٍ الْعَامِرِيُّ، وَاسْمُ وَلَدِهَا مِنْهُ حُوَيْطِبٌ بِمُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّرٌ، ذَكَرَ ذَلِكَ الزُّبَيْرُ. وَقَدْ عَاشَ حُوَيْطِبٌ بَعْدَ هَذَا دَهْرًا طَوِيلًا، وَلَهُ صُحْبَةٌ، وَسَيَأْتِي حَدِيثُهُ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ. وَنِسْبَتُهَا إِلَى بَنِي هَاشِمٍ مَجَازِيَّةٌ، وَالتَّقْدِيرُ كَانَتْ زَوْجًا لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ. وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهَا فَوَلَدَتْ لَهُ وَلَدًا أَيْ غَيْرَ حُوَيْطِبٍ.
قَوْلُهُ: (أَنْ تُجِيزَ ابْنِي) بِالْجِيمِ وَالزَّايِ، أَيْ تَهَبُهُ مَا يَلْزَمُهُ مِنَ الْيَمِينِ. وَقَوْلُهَا: (وَلَا تُصْبِرْ يَمِينَهُ) بِالْمُهْمَلَةِ ثُمَّ الْمُوَحَّدَةِ، أَصْلُ الصَّبْرِ الْحَبْسُ وَالْمَنْعُ، وَمَعْنَاهُ فِي الْأَيْمَانِ الْإِلْزَامُ، تَقُولُ: صَبَّرْتُهُ أَيْ أَلْزَمْتُهُ أَنْ يَحْلِفَ بِأَعْظَمِ الْأَيْمَانِ حَتَّى لَا يَسْعَهُ أَنْ لَا يَحْلِفَ.
قَوْلُهُ: (حَيْثُ تُصْبَرُ الْأَيْمَانُ)؛ أَيْ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ، قَالَهُ ابْنُ التِّينِ. قَالَ: وَمِنْ هُنَا اسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُحْلَفُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ عَلَى أَقَلَّ مِنْ عِشْرِينَ دِينَارًا نِصَابِ الزَّكَاةِ، كَذَا قَالَ، وَلَا أَدْرِي كَيْفَ يَسْتَقِيمُ هَذَا الِاسْتِدْلَالُ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ اسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ.
قَوْلُهُ: (فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ). لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، وَلَا عَلَى اسْمِ أَحَدٍ مِنْ سَائِرِ الْخَمْسِينَ إِلَّا مَنْ تَقَدَّمَ، وَزَادَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: ثُمَّ حَلَفُوا عِنْدَ الرُّكْنِ أَنَّ خِدَاشًا بَرِيءٌ مِنْ دَمِ الْمَقْتُولِ.
قَوْلُهُ: (فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) قَالَ ابْنُ التِّينِ: كَأَنَّ الَّذِي أَخْبَرَ ابْنَ عَبَّاسٍ بِذَلِكَ جَمَاعَةٌ اطْمَأَنَّتْ نَفْسُهُ إِلَى صِدْقِهِمْ حَتَّى وَسِعَهُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى ذَلِكَ. قُلْتُ: يَعْنِي أَنَّهُ كَانَ حِينَ الْقَسَامَةِ لَمْ يُولَدْ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ هُوَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ أَمْكَنُ فِي دُخُولِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الصَّحِيحِ.
قَوْلُهُ: (فَمَا حَالَ الْحَوْلُ) أَيْ: مِنْ يَوْمِ حَلَفُوا.
قَوْلُهُ: (وَمِنَ الثَّمَانِيَةِ وَأَرْبَعِينَ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: وَفِي الثَّمَانِيَةِ، وَعِنْدَ الْأَصِيلِيِّ: وَالْأَرْبَعِينَ وَقَوْلُهُ: عَيْنٌ تَطْرِفُ بِكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ تَتَحَرَّكُ. زَادَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ وَصَارَتْ رِبَاعُ الْجَمِيعِ لِحُوَيْطِبٍ، فَبِذَلِكَ كَانَ أَكْثَرُ مَنْ بِمَكَّةَ رِبَاعًا. وَرَوَى الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: حَلَفَ نَاسٌ عِنْدَ الْبَيْتِ قَسَامَةً عَلَى بَاطِلٍ، ثُمَّ خَرَجُوا فَنَزَلُوا تَحْتَ صَخْرَةٍ فَانْهَدَمَتْ عَلَيْهِمْ، وَمِنْ طَرِيقِ طَاوُسٍ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يُصِيبُونَ فِي الْحَرَم شَيْئًا إِلَّا عُجِّلَتْ لَهُمْ عُقُوبَتُهُ، وَمِنْ طَرِيقِ حُوَيْطِبٍ أَنَّ أَمَةً فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَاذَتْ بِالْبَيْتِ، فَجَاءَتْهَا سَيِّدَتُهَا فَجَبَذَتْهَا فَشَلَّتْ يَدُهَا وَرُوِّينَا فِي كِتَابِ مُجَابِي الدَّعْوَةِ لِابْنِ أَبِي الدُّنْيَا فِي قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ فِي مَعْنَى سُرْعَةِ الْإِجَابَةِ بِالْحَرَمِ لِلْمَظْلُومِ فِيمَنْ ظَلَمَهُ قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: كَانَ يُفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لِيَتَنَاهَوْا عَنِ الظُّلْمِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَعْرِفُونَ الْبَعْثَ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ أَخَّرَ الْقِصَاصَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَرَوَى الْفَاكِهِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: يُوشِكُ أَنْ لَا يُصِيبَ أَحَدٌ فِي الْحَرَمِ شَيْئًا إِلَّا عُجِّلَتْ لَهُ الْعُقُوبَةُ، فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ عِنْدَ قَبْضِ الْعِلْمِ، وَتَنَاسِي أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ أُمُورَ الشَّرِيعَةِ، فَيَعُودُ الْأَمْرُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَدِيثُ الْخَامِسَ عَشَرَ.
قَوْلُهُ: (عَنْ هِشَامٍ) هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ.
قَوْلُهُ: (يَوْمَ بُعَاثٍ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَّلِ مَنَاقِبِ الْأَنْصَارِ، وَأَنَّهُ كَانَ قَبْلَ الْبَعْثِ عَلَى الرَّاجِحِ، وَقَوْلُهُ فِيهِ: وَجُرِحُوا بِالْجِيمِ الْمَضْمُومَةِ ثُمَّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَلِبَعْضِهِمْ: وَخَرَجُوا بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ بَعْدَهَا جِيمٌ، وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ تَسْمِيَةِ مَنْ جُرِحَ مِنْهُمْ فِي تِلْكَ الْوَقْعَةِ حُضَيْرُ الْكَتَائِبِ وَالِدُ أُسَيْدٍ فَمَاتَ مِنْهَا.
الحديث السادس عشر.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ وَهْبٍ … إِلَخْ) وَصَلَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ حَرْمَلَةَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ.
قَوْلُهُ: (لَيْسَ السَّعْيُ) أَيْ شِدَّةُ الْمَشْيِ.
قَوْلُهُ: (سُنَّةً) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِسُنَّةٍ قَالَ ابْنُ التِّينِ: خُولِفَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ، بَلْ قَالُوا: إِنَّهُ فَرِيضَةٌ. قُلْتُ: لَمْ يُرِدِ ابْنُ عَبَّاسٍ أَصْلَ السَّعْيِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ شِدَّةَ الْعَدْوِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فَرِيضَةً. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ فِي تَرْجَمَةِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ فِي قِصَّةِ هَاجَرَ أَنَّ مَبْدَأَ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ كَانَ مِنْ
هَاجَرَ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا، فَظَهَرَ أَنَّ الَّذِي أَرَادَ أَنَّ مَبْدَأَهُ مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ هِيَ شِدَّةُ الْعَدْوِ. نَعَمْ قَوْلُهُ: لَيْسَ بِسُنَّةٍ إِنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ فَهُوَ يُخَالِفُ مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَهُوَ نَظِيرُ إِنْكَارِهِ اسْتِحْبَابَ الرَّمَلِ فِي الطَّوَافِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِالسُّنَّةِ الطَّرِيقَةَ الشَّرْعِيَّةَ وَهِيَ تُطْلَقُ كَثِيرًا عَلَى الْمَفْرُوضِ، وَلَمْ يُرِدِ السُّنَّةَ بِاصْطِلَاحِ أَهْلِ الْأُصُولِ، وَهُوَ مَا ثَبَتَ دَلِيلُ مَطْلُوبِيَّتِهِ مِنْ غَيْرِ تَأْثِيمِ تَارِكِهِ.
قَوْلُهُ: (لَا نُجِيزُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ، أَيْ: لَا نَقْطَعُ. وَالْبَطْحَاءُ مَسِيلُ الْوَادِي، تَقُولُ: جُزْتُ الْمَوْضِعَ: إِذَا سِرْتَ فِيهِ، وَأَجَزْتُهُ إِذَا خَلَّفْتَهُ وَرَاءَكَ. وَقِيلَ: هُمَا بِمَعْنًى. وَقَوْلُهُ: إِلَّا شَدًّا أَيْ لَا نَقْطَعُهَا إِلَّا بِالْعَدْوِ الشَّدِيدِ.
الْحَدِيثُ السَّابِعَ عَشَرَ.
قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا مُطَرِّفٌ) بِالْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ هُوَ ابْنُ طَرِيفٍ بِالْمُهْمَلَةِ أَيْضًا الْكُوفِيُّ، وَأَبُو السَّفَرِ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ هُوَ سَعِيدُ بْنُ يُحْمَدَ بِالتَّحْتَانِيَّةِ الْمَضْمُومَةِ وَالْمُهْمَلَةِ السَّاكِنَةِ كُوفِيٌّ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا مِنِّي مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأَسْمِعُونِي) بِهَمْزَةِ قَطْعٍ، أَيْ: أَعِيدُوا عَلَيَّ قَوْلِي لِأَعْرِفَ أَنَّكُمْ حَفِظْتُمُوهُ، كَأَنَّهُ خَشِيَ أَنْ لَا يَفْهَمُوا مَا أَرَادَ فَيُخْبِرُوا عَنْهُ بِخِلَافِ مَا قَالَ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: اسْمَعُوا مِنِّي سَمَاعَ ضَبْطٍ وَإِتْقَانٍ، وَلَا تَقُولُوا: قَالَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَضْبِطُوا.
قَوْلُهُ: (مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ فَلْيَطُفْ مِنْ وَرَاءِ الْحِجْرِ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ وَرَاءِ الْجَدْرِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْحِجْرُ، وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّ الَّذِي يَلِي الْبَيْتَ إِلَى جِهَةِ الْحِجْرِ مِنَ الْبَيْتِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَمَا قِيلَ فِي مِقْدَارِهِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْحَجِّ.
قَوْلُهُ: (وَلَا تَقُولُوا الْحَطِيمُ) فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ خَدِيجِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي السَّفَرِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ فَقَالَ رَجُلٌ: مَا الْحَطِيمُ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّهُ لَا حَطِيمَ، كَانَ الرَّجُلُ إِلَخْ زَادَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ خَالِدٍ الطَّحَّانِ عَنْ مُطَرِّفٍ: فَإِنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يُسَمُّونَهُ - أَيْ الْحِجْرَ - الْحَطِيمُ، كَانَتْ فِيهِ أَصْنَامُ قُرَيْشٍ وَلِلْفَاكِهِيِّ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي السَّفَرِ نَحْوَهُ وَقَالَ: كَانَ أَحَدُهُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَحْلِفَ وَضَعَ مِحْجَنَهُ ثُمَّ حَلَفَ، فَمَنْ طَافَ فَلْيَطُفْ مِنْ وَرَائِهِ.
قَوْلُهُ: (كَانَ يَحْلِفُ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ السَّاكِنَةِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ الْمَكْسُورَةِ، وَفِي رِوَايَةِ خَالِدٍ الطَّحَّانِ الْمَذْكُورَةِ كَانَ إِذَا حُلِّفَ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا حَالَفَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا أَلْقَى الْحَلِيفُ فِي الْحِجْرِ نَعْلًا أَوْ سَوْطًا أَوْ قَوْسًا أَوْ عَصًا عَلَامَةً لِقَصْدِ حَلِفِهِمْ فَسَمَّوْهُ الْحَطِيمَ لِذَلِكَ، لِكَوْنِهِ يُحَطِّمُ أَمْتِعَتَهُمْ، وَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَانَ شَأْنَهُمْ إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَحْلِفُوا عَلَى نَفْيِ شَيْءٍ، وَقِيلَ: إِنَّمَا سُمِّيَ الْحَطِيمُ لِأَنَّ بَعْضَهُمْ كَانَ إِذَا دَعَا عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ هَلَكَ. وَقَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: سُمِّيَ الْحِجْرُ حَطِيمًا لِمَا تَحَجَّرَ عَلَيْهِ، أَوْ لِأَنَّهُ قُصِرَ بِهِ عَنِ ارْتِفَاعِ الْبَيْتِ وَأُخْرِجَ عَنْهُ، فَعَلَى هَذَا فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، أَوْ لِأَنَّ النَّاسَ يَحْطِمُ فِيهِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا مِنَ الزِّحَامِ عِنْدَ الدُّعَاءِ فِيهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْحَطِيمُ هُوَ بِئْرُ الْكَعْبَةِ الَّتِي كَانَ يُلْقَى فِيهَا مَا يُهْدَى لَهَا. وَقِيلَ: الْحَطِيمُ بَيْنَ الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ وَالْمَقَامِ. وَقِيلَ: مِنْ أَوَّلِ الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ إِلَى أَوَّلِ الْحِجْرِ يُسَمَّى الْحَطِيمَ. وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حُجَّةٌ فِي رَدِّ أَكْثَرِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ، زَادَ فِي رِوَايَةِ خَدِيجٍ: وَلَكِنَّهُ الْجَدْرُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ، وَهُوَ مِنَ الْبَيْتِ.
وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَالْبَرْقَانِيِّ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَيُّمَا صَبِيٌّ حَجَّ بِهِ أَهْلُهُ فَقَدْ قَضَى حَجَّهُ مَا دَامَ صَغِيرًا، فَإِذَا بَلَغَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى، وَأَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ بِهِ أَهْلُهُ الْحَدِيثُ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا فِي غَيْرِ الصَّحِيحِ، وَحَذَفَهَا مِنْهُ عَمْدًا لِعَدَمِ تَعَلُّقِهَا بِالتَّرْجَمَةِ، وَلِكَوْنِهَا مَوْقُوفَةً، وَأَمَّا أَوَّلُ الْحَدِيثِ فَهُوَ وَإِنْ كَانَ مَوْقُوفًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَّا أَنَّ الْغَرَضَ مِنْهُ حَاصِلٌ بِالنَّسَبَةِ لِنَقْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِمَّا رَآهُ النَّبِيُّ ﷺ فَأَقَرَّهُ أَوْ أَزَالَهُ، فَمَهْمَا لَمْ يُنْكِرْهُ وَاسْتَمَرَّتْ مَشْرُوعِيَّتُهُ فَيَكُونُ لَهُ حُكْمُ الْمَرْفُوعِ، وَمَهْمَا أَنْكَرَ فَالشَّرْعُ بِخِلَافِهِ.
الحديث الثامن عشر.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ) فِي رِوَايَةِ بَعْضِهِمْ: حَدَّثَنَا نُعَيْمٌ غَيْرُ مَنْسُوبٍ، وَهُوَ الْمَرْوَزِيُّ نَزِيلُ مِصْرَ، وَقَلَّ أَنْ يُخَرِّجَ لَهُ الْبُخَارِيُّ مَوْصُولًا، بَلْ عَادَتُهُ أَنْ يَذْكُرَ عَنْهُ بِصِيغَةِ التَّعْلِيقِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ وَصَوَّبَهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ غَلَطٌ.
قَوْلُهُ: (عَنْ حُصَيْنٍ) فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فِي التَّارِيخِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ، فَأَمِنَ بِذَلِكَ مَا يَخْشَى مِنْ تَدْلِيسِ هُشَيْمٍ الرَّاوِي عَنْهُ، وَقَرَنَ فِيهِ أَيْضًا مَعَ حُصَيْنٍ، أَبَا الْمَلِيحِ.
قَوْلُهُ: (رَأَيْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قِرْدَةً) بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَاحِدَةُ الْقُرُودِ، وَقَوْلُهُ: اجْتَمَعَ عَلَيْهَا قِرَدَةٌ بِفَتْحِ الرَّاءِ جَمْعُ قِرْدٍ، وَقَدْ سَاقَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ هَذِهِ الْقِصَّةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُطَوَّلَةً مِنْ طَرِ قِ عِيسَى بْنِ حِطَّانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: كُنْتُ فِي الْيَمَنِ فِي غَنَمٍ لِأَهْلِي وَأَنَا عَلَى شَرَفٍ، فَجَاءَ قِرْدٌ مَعَ قِرَدَةٍ فَتَوَسَّدَ يَدَهَا، فَجَاءَ قِرْدٌ أَصْغَرُ مِنْهُ فَغَمَزَهَا، فَسَلَّتْ يَدَهَا مِنْ تَحْتِ رَأْسِ الْقِرْدِ الْأَوَّلِ سَلًّا رَفِيقًا وَتَبِعَتْهُ، فَوَقَعَ عَلَيْهَا وَأَنَا أَنْظُرُ، ثُمَّ رَجَعَتْ فَجَعَلَتْ تُدْخِلُ يَدَهَا تَحْتَ خَدِّ الْأَوَّلِ بِرِفْقٍ، فَاسْتَيْقَظَ فَزِعًا، فَشَمَّهَا فَصَاحَ، فَاجْتَمَعَتِ الْقُرُودُ، فَجَعَلَ يَصِيحُ وَيُومِئُ إِلَيْهَا بِيَدِهِ، فَذَهَبَ الْقُرُودُ يَمْنَةً وَيَسْرَةً، فَجَاءُوا بِذَلِكَ الْقِرْدِ أَعْرِفُهُ، فَحَفَرُوا لَهُمَا حُفْرَةً فَرَجَمُوهُمَا، فَلَقَدْ رَأَيْتُ الرَّجْمَ فِي غَيْرِ بَنِي آدَمَ.
قَالَ ابْنُ التِّينِ: لَعَلَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا مِنْ نَسْلِ الَّذِينَ مُسِخُوا فَبَقِيَ فِيهِمْ ذَلِكَ الْحُكْمُ. ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الْمَمْسُوخَ لَا يَنْسِلُ، قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، لِمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ الْمَمْسُوخَ لَا نَسْلَ لَهُ. وَعِنْدَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُهْلِكْ قَوْمًا فَيَجْعَلُ لَهُمْ نَسْلًا. وَقَدْ ذَهَبَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، وَأَبُو بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ إِلَى أَنَّ الْمَوْجُودَ مِنَ الْقِرَدَةِ مِنْ نَسْلِ الْمَمْسُوخِ، وَهُوَ مَذْهَبٌ شَاذٌّ اعْتَمَدَ مَنْ ذَهَبَ إِلَيْهِ مَا ثَبَتَ أَيْضًا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا أُتِيَ بِالضَّبِّ قَالَ: لَعَلَّهُ مِنَ الْقُرُونِ الَّتِي مُسِخَتْ. وَقَالَ فِي الْفَأْرِ: فُقِدَتْ أُمَّةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا أَرَاهَا إِلَّا الْفَأْرَ.
وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ ﷺ قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ بِحَقِيقَةِ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَأْتِ الْجَزْمُ عَنْهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، بِخِلَافِ النَّفْيِ فَإِنَّهُ جَزَمَ بِهِ كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ الْقُرُودُ الْمَذْكُورَةُ مِنَ النَّسْلِ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ مُسِخُوا لَمَّا صَارُوا عَلَى هَيْئَةِ الْقِرَدَةِ مَعَ بَقَاءِ أَفْهَامِهِمْ عَاشَرَتْهُمُ الْقِرَدَةُ الْأَصْلِيَّةُ لِلْمُشَابَهَةِ فِي الشَّكْلِ فَتَلَقَّوْا عَنْهُمْ بَعْضَ مَا شَاهَدُوهُ مِنْ أَفْعَالِهِمْ فَحَفِظُوهَا وَصَارَتْ فِيهِمْ، وَاخْتُصَّ الْقِرْدُ بِذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنَ الْفِطْنَةِ الزَّائِدَةِ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْحَيَوَانِ وَقَابِلِيَّةِ التَّعْلِيمِ لِكُلِّ صِنَاعَةٍ مِمَّا لَيْسَ لِأَكْثَرِ الْحَيَوَانِ، وَمِنْ خِصَالِهِ أَنَّهُ يَضْحَكُ وَيَطْرَبُ وَيَحْكِي مَا يَرَاهُ، وَفِيهِ مِنْ شِدَّةِ الْغَيْرَةِ مَا يُوَازِي الْآدَمِيَّ، وَلَا يَتَعَدَّى أَحَدُهُمْ إِلَى غَيْرِ زَوْجَتِهِ، فَلَا يَدَعُ فِي الْغَالِبِ أَنْ يُحَمِّلَهَا مَا رُكِّبَ فِيهَا مِنَ الْغَيْرَةِ عَلَى عُقُوبَةِ مَنِ اعْتَدَى إِلَى مَا لَمْ يَخْتَصَّ بِهِ مِنَ الْأُنْثَى، وَمِنْ خَصَائِصِهِ أَنَّ الْأُنْثَى تَحْمِلُ أَوْلَادَهَا كَهَيْئَةِ الْآدَمِيَّةِ، وَرُبَّمَا مَشَى الْقِرْدُ عَلَى رِجْلَيْهِ لَكِنْ لَا يَسْتَمِرُّ عَلَى ذَلِكَ، وَيَتَنَاوَلُ الشَّيْءَ بِيَدِهِ وَيَأْكُلُ بِيَدِهِ، وَلَهُ أَصَابِعُ مُفَصَّلَةٌ إِلَى أَنَامِلَ وَأَظْفَارَ، وَلِشَفْرِ عَيْنَيْهِ أَهْدَابٌ.
وَقَدِ اسْتَنْكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قِصَّةَ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ هَذِهِ وَقَالَ: فِيهَا إِضَافَةُ الزِّنَا إِلَى غَيْرِ مُكَلَّفٍ وَإِقَامَةُ الْحَدِّ عَلَى الْبَهَائِمِ، وَهَذَا مُنْكَرٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالَ: فَإِنْ كَانَتِ الطَّرِيقُ صَحِيحَةً فَلَعَلَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا مِنَ الْجِنِّ لِأَنَّهُمْ مِنْ جُمْلَةِ الْمُكَلَّفِينَ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ تَكَلَّمَ عَلَى الطَّرِيقِ الَّتِي أَخْرَجَهَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ حَسْبُ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ صُورَةِ الْوَاقِعَةِ صُورَةَ الزِّنَا وَالرَّجْمِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ زِنًا حَقِيقَةً وَلَا حَدًّا، وَإِنَّمَا أُطْلِقَ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِشَبَهِهِ بِهِ، فَلَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ إِيقَاعَ التَّكْلِيفِ عَلَى الْحَيَوَانِ.
وَأَغْرَبَ الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ فَزَعَمَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ وَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ، وَأَنَّ أَبَا مَسْعُودٍ وَحْدَهُ ذَكَرَهُ فِي الْأَطْرَافِ. قَالَ: وَلَيْسَ فِي نُسَخِ الْبُخَارِيِّ أَصْلًا، فَلَعَلَّهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُقْحَمَةِ فِي كِتَابِ الْبُخَارِيِّ.
وَمَا قَالَهُ مَرْدُودٌ؛ فَإِنَّ الْحَدِيثَ مَذْكُورٌ فِي مُعْظَمِ الْأُصُولِ الَّتِي وَقَفْنَا عَلَيْهَا،
وَكَفَى بِإِيرَادِ أَبِي ذَرٍّ الْحَافِظِ لَهُ عَنْ شُيُوخِهِ الثَّلَاثَةِ الْأَئِمَّةِ الْمُتْقِنِينَ عَنِ الْفَرَبْرِيِّ حُجَّةً، وَكَذَا إِيرَادُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَأَبِي نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجَيْهِمَا وَأَبِي مَسْعُودٍ لَهُ فِي أَطْرَافِهِ، نَعَمْ سَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَكَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي بَعْدَهُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يَكُونَ فِي رِوَايَةِ الْفَرَبْرِيِّ، فَإِنَّ رِوَايَتَهُ تَزِيدُ عَلَى رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ عِدَّةَ أَحَادِيثَ قَدْ نَبَّهْتُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْهَا فِيمَا مَضَى وَفِيمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَمَّا تَجْوِيزُهُ أَنْ يُزَادَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهَذَا يُنَافِي مَا عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ مِنَ الْحُكْمِ بِتَصْحِيحِ جَمِيعِ مَا أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِهِ، وَمِنِ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّهُ مَقْطُوعٌ بِنِسْبَتِهِ إِلَيْهِ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ تَخَيُّلٌ فَاسِدٌ يَتَطَرَّقُ مِنْهُ عَدَمُ الْوُثُوقِ بِجَمِيعِ مَا فِي الصَّحِيحِ، لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ فِي وَاحِدٍ لَا بِعَيْنِهِ جَازَ فِي كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ، فَلَا يَبْقَى لِأَحَدٍ الْوُثُوقُ بِمَا فِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ، وَاتِّفَاقُ الْعُلَمَاءِ يُنَافِي ذَلِكَ، وَالطَّرِيقُ الَّتِي أَخْرَجَهَا الْبُخَارِيُّ دَافِعَةٌ لِتَضْعِيفِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ لِلطَّرِيقِ الَّتِي أَخْرَجَهَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَقَدْ أَطْنَبْتُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِئَلَّا يَغْتَرَّ ضَعِيفٌ بِكَلَامِ الْحُمَيْدِيِّ فَيَعْتَمِدُهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْفَسَادِ.
وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى فِي كِتَابِ الْخَيْلِ لَهُ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّ مُهْرًا أُنْزِيَ عَلَى أُمِّهِ فَامْتَنَعَ، فَأُدْخِلَتْ فِي بَيْتٍ وَجُلِّلَتْ بِكِسَاءٍ وَأُنْزِيَ عَلَيْهَا فَنَزَا، فَلَمَّا شَمَّ رِيحَ أُمِّهِ عَمَدَ إِلَى ذَكَرِهِ فَقَطَعَهُ بِأَسْنَانِهِ مِنْ أَصْلِهِ، فَإِذَا كَانَ هَذَا الْفَهْمُ فِي الْخَيْلِ مَعَ كَوْنِهَا أَبْعَدَ فِي الْفِطْنَةِ مِنَ الْقِرْدِ فَجَوَازُهَا فِي الْقِرْدِ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (عَنْ عُبَيْدُ اللَّهِ) بِالتَّصْغِيرِ وَهُوَ ابْنُ أَبِي يَزِيدَ الْمَكِّيِّ.
قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) (١) فِي نُسْخَةٍ: أَنَسٍ وَهُوَ غَلَطٌ.
قَوْلُهُ: (خِلَالٌ مِنْ خِلَالِ الْجَاهِلِيَّةِ) أَيْ مِنْ خِصَالِ.
قَوْلُهُ: (الطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ) أَيِ الْقَدْحُ مِنْ بَعْضِ النَّاسِ فِي نَسَبِ بَعْضٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ.
قَوْلُهُ: (وَالنِّيَاحَةُ) أَيْ عَلَى الْمَيِّتِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ حُكْمِهَا فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ فِي بَابِ مَا يُكْرَهُ مِنَ النِّيَاحَةِ عَلَى الْمَيِّتِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هُنَاكَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ أَنَسٍ: لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَنَسِيَ الثَّالِثَةَ): وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ: وَنَسِيَ عُبَيْدُ اللَّهِ الثَّالِثَةَ، فَعَيَّنَ النَّاسِيَ. أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَيَقُولُونَ: إِنَّهَا الِاسْتِسْقَاءُ بِالْأَنْوَاءِ). أَيْ: يَقُولُونَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الِاسْتِسْقَاءِ، وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ مِنْ رِوَايَةِ شُرَيْحِ بْنِ يُونُسَ، عَنْ سُفْيَانَ مُدْرَجًا، وَلَفْظُهُ: وَالْأَنْوَاءُ، وَلَمْ يَقُلْ: وَنَسِيَ إِلَخْ. وَمَنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ الْعَلَاءِ، عَنْ سُفْيَانَ بَدَلَ قَوْلِهِ: وَنَسِيَ الثَّالِثَةَ وَالتَّفَاخُرُ بِالْأَحْسَابِ، وَهُوَ وَهَمٌ مِنْهُمَا، لِمَا بَيَّنَتْهُ رِوَايَةُ ابْنِ أَبِي عُمَرَ. وَعَلِيٌّ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ فِيهِ هُوَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ، وَقَدْ جَاءَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ذِكْرُ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، وَهِيَ الطَّعْنُ وَالنِّيَاحَةُ وَالِاسْتِسْقَاءُ، أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ.
وَجَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ذَكَرَ فِيهِ الْخِصَالَ الْأَرْبَعَ، أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْهُ، وَالْمَحْفُوظُ فِي هَذَا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ أَبَانَ بْنِ يَزِيدَ وَغَيْرِهِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ، عَنْ أَبِي سَلَّامٍ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ فِي الْأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ، وَالِاسْتِسْقَاءُ بِالْأَنْوَاءِ ; وَالنِّيَاحَةُ.
(خَاتِمَةٌ):
اشْتَمَلَتْ أَحَادِيثُ الْمَنَاقِبِ وَمَا اتَّصَلَ بِهَا مِنْ ذِكْرِ بَعْضِ مَا وَقَعَ قَبْلَ الْبَعْثِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى مِائَتَيْ حَدِيثٍ وَثَلَاثَةٍ وَثَلَاثِينَ حَدِيثًا، الْمُعَلَّقُ مِنْهَا ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ طَرِيقًا وَالْبَقِيَّةُ مَوْصُولَةٌ، الْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَلَا تُصْبِرْ يَمِينِي حَيْثُ تُصْبَرُ الْأَيْمَانُ فَقَبِلَهُمَا. وَجَاءَ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ فَحَلَفُوا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا حَالَ الْحَوْلُ وَمِنْ الثَّمَانِيَةِ وَأَرْبَعِينَ عَيْنٌ تَطْرِفُ.
٣٨٤٦ - حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ "كَانَ يَوْمُ بُعَاثٍ يَوْمًا قَدَّمَهُ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ افْتَرَقَ مَلَؤُهُمْ وَقُتِّلَتْ سَرَوَاتُهُمْ وَجُرِّحُوا قَدَّمَهُ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ فِي دُخُولِهِمْ فِي الإِسْلَامِ"
٣٨٤٧ - وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنَا عَمْرٌو عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَشَجِّ أَنَّ كُرَيْبًا مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ حَدَّثَهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ "لَيْسَ السَّعْيُ بِبَطْنِ الْوَادِي بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سُنَّةً إِنَّمَا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَسْعَوْنَهَا وَيَقُولُونَ لَا نُجِيزُ الْبَطْحَاءَ إِلاَّ شَدًّا"
٣٨٤٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ أَخْبَرَنَا مُطَرِّفٌ سَمِعْتُ أَبَا السَّفَرِ يَقُولُ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا مِنِّي مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأَسْمِعُونِي مَا تَقُولُونَ وَلَا تَذْهَبُوا فَتَقُولُوا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ فَلْيَطُفْ مِنْ وَرَاءِ الْحِجْرِ وَلَا تَقُولُوا الْحَطِيمُ فَإِنَّ الرَّجُلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ يَحْلِفُ فَيُلْقِي سَوْطَهُ أَوْ نَعْلَهُ أَوْ قَوْسَهُ"
٣٨٤٩ - حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ "رَأَيْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قِرْدَةً اجْتَمَعَ عَلَيْهَا قِرَدَةٌ قَدْ زَنَتْ فَرَجَمُوهَا فَرَجَمْتُهَا مَعَهُمْ"
٣٨٥٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ "خِلَالٌ مِنْ خِلَالِ الْجَاهِلِيَّةِ الطَّعْنُ فِي الأَنْسَابِ وَالنِّيَاحَةُ وَنَسِيَ الثَّالِثَةَ قَالَ سُفْيَانُ وَيَقُولُونَ إِنَّهَا الِاسْتِسْقَاءُ بِالأَنْوَاءِ"
الْحَدِيثُ الرَّابِعَ عَشَرَ: حَدِيثُ الْقَسَامَةِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِطُولِهِ، وَثَبَتَ عِنْدَ أَكْثَرِ الرُّوَاةِ عَنِ الْفَرَيرِيِّ هُنَا تَرْجَمَةُ الْقَسَامَةِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَلَمْ يَقَعْ عِنْدَ النَّسَفِيِّ وَهُوَ أَوْجَهُ، لِأَنَّ الْجَمِيعَ مِنْ تَرْجَمَةِ أَيَّامِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَيَظْهَرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي أَوْرَدَهَا تِلْوَ هَذَا الْحَدِيثِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا قَطَنٌ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَالْمُهْمَلَةِ ثُمَّ نُونٍ هُوَ ابْنُ كَعْبٍ الْقُطَعِيُّ بِضَمِّ الْقَافِ الْبَصْرِيُّ، ثِقَةٌ عِنْدَهُمْ، وَشَيْخُهُ أَبُو يَزِيدَ الْمَدَنِيُّ بَصْرِيٌّ أَيْضًا وَيُقَالُ لَهُ: الْمَدِينِيُّ بِزِيَادَةِ تَحْتَانِيَّةٍ، وَلَعَلَّ أَصْلَهُ كَانَ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَلَكِنْ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَسُئِلَ عَنْهُ مَالِكٌ فَلَمْ يَعْرِفْهُ وَلَا يَعْرِفُ اسْمَهُ وَقَدْ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ، وَلَا لَهُ وَلَا لِلرَّاوِي عَنْهُ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْمَوْضِعُ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ أَوَّلَ قَسَامَةٍ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَخْفِيفِ الْمُهْمَلَةِ الْيَمِينُ، وَهِيَ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ حَلِفٌ مُعَيَّنٌ عِنْدَ التُّهْمَةِ بِالْقَتْلِ عَلَى الْإِثْبَاتِ أَوِ النَّفْيِ. وَقِيلَ: هِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ قِسْمَةِ الْأَيْمَانِ عَلَى الْحَالِفِينَ.
وَسَيَأْتِي بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي حُكْمِهَا فِي كِتَابِ الدِّيَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَوْلُهُ: (لَفِينَا بَنِي هَاشِمٍ) اللَّامُ لِلتَّأْكِيدِ وَبَنِي هَاشِمٍ مَجْرُورٌ عَلَى الْبَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلَى التَّمْيِيزِ، أَوْ عَلَى النِّدَاءِ بِحَذْفِ الْأَدَاةِ.
قَوْلُهُ: (كَانَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ) هُوَ عَمْرُو بْنُ عَلْقَمَةَ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، جَزَمَ بِذَلِكَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ فَكَأَنَّهُ نَسَبَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ إِلَى بَنِي هَاشِمٍ مَجَازًا لِمَا كَانَ بَيْنَ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ مِنَ الْمَوَدَّةِ وَالْمُؤَاخَاةِ وَالْمُنَاصَرَةِ، وَسَمَّاهُ ابْنُ الْكَلْبِيِّ، عَامِرًا.
قَوْلُهُ: (اسْتَأْجَرَهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ فَخِذٍ أُخْرَى) كَذَا فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ، وَأَبِي ذَرٍّ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْفَاكِهِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ. وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَغَيْرِهَا اسْتَأْجَرَ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ وَهُوَ مَقْلُوبٌ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ. وَالْفَخِذُ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَقَدْ تُسَكَّنُ. وَجَزَمَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ بِأَنَّ الْمُسْتَأْجَرَ الْمَذْكُورَ هُوَ خِدَاشٌ - بِمُعْجَمَتَيْنِ وَدَالٍ مُهْمَلَةٍ - ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ الْعَامِرِيُّ.
قَوْلُهُ: (فَمَرَّ بِهِ) أَيْ بِالْأَجِيرِ (رَجُلٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ. وَقَوْلُهُ: (عُرْوَةُ جُوَالَقِهِ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ اللَّامِ الْوِعَاءُ مِنْ جُلُودٍ وَثِيَابٍ وَغَيْرِهَا، فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، وَأَصْلُهُ كَوَالِهِ: وَجَمْعُهُ جَوَالِيقُ وَحُكِيَ جُوَالِقُ بِحَذْفِ التَّحْتَانِيَّةِ، وَالْعِقَالُ الْحَبْلُ.
قَوْلُهُ: (فَأَيْنَ عِقَالُهُ؟ قَالَ فَحَذَفَهُ) كَذَا فِي النُّسَخِ وَفِيهِ حَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْكَلَامِ، وَقَدْ بَيَّنَتْهُ رِوَايَةُ الْفَاكِهِيِّ فَقَالَ: مَرَّ بِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ قَدِ انْقَطَعَ عُرْوَةُ جُوَالَقِهِ، وَاسْتَغَاثَ بِي فَأَعْطَيْتُهُ، فَحَذَفَهُ أَيْ رَمَاهُ.
قَوْلُهُ: (كَانَ فِيهَا أَجَلُهُ) أَيْ أَصَابَ مَقْتَلَهُ. وَقَوْلُهُ: فَمَاتَ أَيْ أَشْرَفَ عَلَى الْمَوْتِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ (١)، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ هَذَا الْمَارِّ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (أَتَشْهَدُ الْمَوْسِمَ) أَيْ مَوْسِمَ الْحَجِّ.
قَوْلُهُ: (فَكَتَبَ) بِالْمُثَنَّاةِ ثُمَّ الْمُوَحَّدَةِ، وَلِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَالْأَصِيلِيِّ بِضَمِّ الْكَافِ وَسُكُونِ النُّونِ ثُمَّ الْمُثَنَّاةِ وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ، وَفِي رِوَايَةِ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ: فَكَتَبَ إِلَى أَبِي طَالِبٍ يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ وَمَاتَ مِنْهَا. وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ أَبُو طَالِبٍ:
أَفِي فَضْلِ حَبْلٍ لَا أَبَا لَكَ ضَرَبَهُ … بِمِنْسَأَةٍ، قَدْ جَاءَ حَبْلٌ وَأَحْبُلُ
قَوْلُهُ: (يَا آلَ قُرَيْشٍ) بِإِثْبَاتِ الْهَمْزَةِ وَبِحَذْفِهَا عَلَى الِاسْتِغَاثَةِ.
قَوْلُهُ: (قَتَلَنِي فِي عِقَالٍ) أَيْ بِسَبَبِ عِقَالٍ.
قَوْلُهُ: (وَمَاتَ الْمُسْتَأْجَرُ) بِفَتْحِ الْجِيمِ أَيْ بَعْدَ أَنْ أَوْصَى الْيَمَانِيَّ بِمَا أَوْصَاهُ بِهِ.
قَوْلُهُ: (فَوَلِيتُ) بِكَسْرِ اللَّامِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ فَقَالَ: أَصَابَهُ قَدَرُهُ، فَصَدَّقُوهُ وَلَمْ يَظُنُّوا بِهِ غَيْرَ ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ: وَافَى الْمَوْسِمَ أَيْ أَتَاهُ.
قَوْلُهُ: (يَا بَنِي هَاشِمٍ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ يَا آلَ بَنِي هَاشِمٍ.
قَوْلُهُ: (مَنْ أَبُو طَالِبٍ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَيْنَ أَبُو طَالِبٍ، زَادَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: فَأَخْبَرَهُ بِالْقِصَّةِ، وَخِدَاشٌ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ لَا يَعْلَمُ بِمَا كَانَ، فَقَامَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ إِلَى خِدَاشٍ فَضَرَبُوهُ وَقَالُوا: قَتَلْتَ صَاحِبَنَا، فَجَحَدَ.
قَوْلُهُ: (اخْتَرْ مِنَّا إِحْدَى ثَلَاثٍ) يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الثَّلَاثُ كَانَتْ مَعْرُوفَةً بَيْنَهُمْ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ شَيْئًا اخْتَرَعَهُ أَبُو طَالِبٍ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُمْ تَشَاوَرُوا فِي ذَلِكَ وَلَا تَدَافَعُوا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْرِفُونَ الْقَسَامَةَ قَبْلَ ذَلِكَ. كَذَا قَالَ، وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَاوِي الْحَدِيثِ أَنَّهَا أَوَّلُ قَسَامَةٍ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْوُقُوعُ وَإِنْ كَانُوا يَعْرِفُونَ الْحُكْمَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَحَكَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ أَنَّهُمْ تَحَاكَمُوا فِي ذَلِكَ إِلَى الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ فَقَضَى أَنْ يَحْلِفَ خَمْسُونَ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَامِرٍ عِنْدَ الْبَيْتِ مَا قَتَلَهُ خِدَاشٌ، وَهَذَا
يُشْعِرُ بِالْأَوَّلِيَّةِ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ) هِيَ زَيْنَبُ بِنْتُ عَلْقَمَةَ أُخْتُ الْمَقْتُولِ (كَانَتْ تَحْتَ رَجُلٍ مِنْهُمْ) هُوَ عَبْدُ الْعُزَّى بْنُ أَبِي قَيْسٍ الْعَامِرِيُّ، وَاسْمُ وَلَدِهَا مِنْهُ حُوَيْطِبٌ بِمُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّرٌ، ذَكَرَ ذَلِكَ الزُّبَيْرُ. وَقَدْ عَاشَ حُوَيْطِبٌ بَعْدَ هَذَا دَهْرًا طَوِيلًا، وَلَهُ صُحْبَةٌ، وَسَيَأْتِي حَدِيثُهُ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ. وَنِسْبَتُهَا إِلَى بَنِي هَاشِمٍ مَجَازِيَّةٌ، وَالتَّقْدِيرُ كَانَتْ زَوْجًا لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ. وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهَا فَوَلَدَتْ لَهُ وَلَدًا أَيْ غَيْرَ حُوَيْطِبٍ.
قَوْلُهُ: (أَنْ تُجِيزَ ابْنِي) بِالْجِيمِ وَالزَّايِ، أَيْ تَهَبُهُ مَا يَلْزَمُهُ مِنَ الْيَمِينِ. وَقَوْلُهَا: (وَلَا تُصْبِرْ يَمِينَهُ) بِالْمُهْمَلَةِ ثُمَّ الْمُوَحَّدَةِ، أَصْلُ الصَّبْرِ الْحَبْسُ وَالْمَنْعُ، وَمَعْنَاهُ فِي الْأَيْمَانِ الْإِلْزَامُ، تَقُولُ: صَبَّرْتُهُ أَيْ أَلْزَمْتُهُ أَنْ يَحْلِفَ بِأَعْظَمِ الْأَيْمَانِ حَتَّى لَا يَسْعَهُ أَنْ لَا يَحْلِفَ.
قَوْلُهُ: (حَيْثُ تُصْبَرُ الْأَيْمَانُ)؛ أَيْ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ، قَالَهُ ابْنُ التِّينِ. قَالَ: وَمِنْ هُنَا اسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُحْلَفُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ عَلَى أَقَلَّ مِنْ عِشْرِينَ دِينَارًا نِصَابِ الزَّكَاةِ، كَذَا قَالَ، وَلَا أَدْرِي كَيْفَ يَسْتَقِيمُ هَذَا الِاسْتِدْلَالُ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ اسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ.
قَوْلُهُ: (فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ). لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، وَلَا عَلَى اسْمِ أَحَدٍ مِنْ سَائِرِ الْخَمْسِينَ إِلَّا مَنْ تَقَدَّمَ، وَزَادَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: ثُمَّ حَلَفُوا عِنْدَ الرُّكْنِ أَنَّ خِدَاشًا بَرِيءٌ مِنْ دَمِ الْمَقْتُولِ.
قَوْلُهُ: (فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) قَالَ ابْنُ التِّينِ: كَأَنَّ الَّذِي أَخْبَرَ ابْنَ عَبَّاسٍ بِذَلِكَ جَمَاعَةٌ اطْمَأَنَّتْ نَفْسُهُ إِلَى صِدْقِهِمْ حَتَّى وَسِعَهُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى ذَلِكَ. قُلْتُ: يَعْنِي أَنَّهُ كَانَ حِينَ الْقَسَامَةِ لَمْ يُولَدْ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ هُوَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ أَمْكَنُ فِي دُخُولِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الصَّحِيحِ.
قَوْلُهُ: (فَمَا حَالَ الْحَوْلُ) أَيْ: مِنْ يَوْمِ حَلَفُوا.
قَوْلُهُ: (وَمِنَ الثَّمَانِيَةِ وَأَرْبَعِينَ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: وَفِي الثَّمَانِيَةِ، وَعِنْدَ الْأَصِيلِيِّ: وَالْأَرْبَعِينَ وَقَوْلُهُ: عَيْنٌ تَطْرِفُ بِكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ تَتَحَرَّكُ. زَادَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ وَصَارَتْ رِبَاعُ الْجَمِيعِ لِحُوَيْطِبٍ، فَبِذَلِكَ كَانَ أَكْثَرُ مَنْ بِمَكَّةَ رِبَاعًا. وَرَوَى الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: حَلَفَ نَاسٌ عِنْدَ الْبَيْتِ قَسَامَةً عَلَى بَاطِلٍ، ثُمَّ خَرَجُوا فَنَزَلُوا تَحْتَ صَخْرَةٍ فَانْهَدَمَتْ عَلَيْهِمْ، وَمِنْ طَرِيقِ طَاوُسٍ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يُصِيبُونَ فِي الْحَرَم شَيْئًا إِلَّا عُجِّلَتْ لَهُمْ عُقُوبَتُهُ، وَمِنْ طَرِيقِ حُوَيْطِبٍ أَنَّ أَمَةً فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَاذَتْ بِالْبَيْتِ، فَجَاءَتْهَا سَيِّدَتُهَا فَجَبَذَتْهَا فَشَلَّتْ يَدُهَا وَرُوِّينَا فِي كِتَابِ مُجَابِي الدَّعْوَةِ لِابْنِ أَبِي الدُّنْيَا فِي قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ فِي مَعْنَى سُرْعَةِ الْإِجَابَةِ بِالْحَرَمِ لِلْمَظْلُومِ فِيمَنْ ظَلَمَهُ قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: كَانَ يُفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لِيَتَنَاهَوْا عَنِ الظُّلْمِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَعْرِفُونَ الْبَعْثَ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ أَخَّرَ الْقِصَاصَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَرَوَى الْفَاكِهِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: يُوشِكُ أَنْ لَا يُصِيبَ أَحَدٌ فِي الْحَرَمِ شَيْئًا إِلَّا عُجِّلَتْ لَهُ الْعُقُوبَةُ، فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ عِنْدَ قَبْضِ الْعِلْمِ، وَتَنَاسِي أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ أُمُورَ الشَّرِيعَةِ، فَيَعُودُ الْأَمْرُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَدِيثُ الْخَامِسَ عَشَرَ.
قَوْلُهُ: (عَنْ هِشَامٍ) هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ.
قَوْلُهُ: (يَوْمَ بُعَاثٍ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَّلِ مَنَاقِبِ الْأَنْصَارِ، وَأَنَّهُ كَانَ قَبْلَ الْبَعْثِ عَلَى الرَّاجِحِ، وَقَوْلُهُ فِيهِ: وَجُرِحُوا بِالْجِيمِ الْمَضْمُومَةِ ثُمَّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَلِبَعْضِهِمْ: وَخَرَجُوا بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ بَعْدَهَا جِيمٌ، وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ تَسْمِيَةِ مَنْ جُرِحَ مِنْهُمْ فِي تِلْكَ الْوَقْعَةِ حُضَيْرُ الْكَتَائِبِ وَالِدُ أُسَيْدٍ فَمَاتَ مِنْهَا.
الحديث السادس عشر.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ وَهْبٍ … إِلَخْ) وَصَلَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ حَرْمَلَةَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ.
قَوْلُهُ: (لَيْسَ السَّعْيُ) أَيْ شِدَّةُ الْمَشْيِ.
قَوْلُهُ: (سُنَّةً) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِسُنَّةٍ قَالَ ابْنُ التِّينِ: خُولِفَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ، بَلْ قَالُوا: إِنَّهُ فَرِيضَةٌ. قُلْتُ: لَمْ يُرِدِ ابْنُ عَبَّاسٍ أَصْلَ السَّعْيِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ شِدَّةَ الْعَدْوِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فَرِيضَةً. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ فِي تَرْجَمَةِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ فِي قِصَّةِ هَاجَرَ أَنَّ مَبْدَأَ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ كَانَ مِنْ
هَاجَرَ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا، فَظَهَرَ أَنَّ الَّذِي أَرَادَ أَنَّ مَبْدَأَهُ مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ هِيَ شِدَّةُ الْعَدْوِ. نَعَمْ قَوْلُهُ: لَيْسَ بِسُنَّةٍ إِنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ فَهُوَ يُخَالِفُ مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَهُوَ نَظِيرُ إِنْكَارِهِ اسْتِحْبَابَ الرَّمَلِ فِي الطَّوَافِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِالسُّنَّةِ الطَّرِيقَةَ الشَّرْعِيَّةَ وَهِيَ تُطْلَقُ كَثِيرًا عَلَى الْمَفْرُوضِ، وَلَمْ يُرِدِ السُّنَّةَ بِاصْطِلَاحِ أَهْلِ الْأُصُولِ، وَهُوَ مَا ثَبَتَ دَلِيلُ مَطْلُوبِيَّتِهِ مِنْ غَيْرِ تَأْثِيمِ تَارِكِهِ.
قَوْلُهُ: (لَا نُجِيزُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ، أَيْ: لَا نَقْطَعُ. وَالْبَطْحَاءُ مَسِيلُ الْوَادِي، تَقُولُ: جُزْتُ الْمَوْضِعَ: إِذَا سِرْتَ فِيهِ، وَأَجَزْتُهُ إِذَا خَلَّفْتَهُ وَرَاءَكَ. وَقِيلَ: هُمَا بِمَعْنًى. وَقَوْلُهُ: إِلَّا شَدًّا أَيْ لَا نَقْطَعُهَا إِلَّا بِالْعَدْوِ الشَّدِيدِ.
الْحَدِيثُ السَّابِعَ عَشَرَ.
قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا مُطَرِّفٌ) بِالْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ هُوَ ابْنُ طَرِيفٍ بِالْمُهْمَلَةِ أَيْضًا الْكُوفِيُّ، وَأَبُو السَّفَرِ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ هُوَ سَعِيدُ بْنُ يُحْمَدَ بِالتَّحْتَانِيَّةِ الْمَضْمُومَةِ وَالْمُهْمَلَةِ السَّاكِنَةِ كُوفِيٌّ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا مِنِّي مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأَسْمِعُونِي) بِهَمْزَةِ قَطْعٍ، أَيْ: أَعِيدُوا عَلَيَّ قَوْلِي لِأَعْرِفَ أَنَّكُمْ حَفِظْتُمُوهُ، كَأَنَّهُ خَشِيَ أَنْ لَا يَفْهَمُوا مَا أَرَادَ فَيُخْبِرُوا عَنْهُ بِخِلَافِ مَا قَالَ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: اسْمَعُوا مِنِّي سَمَاعَ ضَبْطٍ وَإِتْقَانٍ، وَلَا تَقُولُوا: قَالَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَضْبِطُوا.
قَوْلُهُ: (مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ فَلْيَطُفْ مِنْ وَرَاءِ الْحِجْرِ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ وَرَاءِ الْجَدْرِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْحِجْرُ، وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّ الَّذِي يَلِي الْبَيْتَ إِلَى جِهَةِ الْحِجْرِ مِنَ الْبَيْتِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَمَا قِيلَ فِي مِقْدَارِهِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْحَجِّ.
قَوْلُهُ: (وَلَا تَقُولُوا الْحَطِيمُ) فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ خَدِيجِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي السَّفَرِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ فَقَالَ رَجُلٌ: مَا الْحَطِيمُ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّهُ لَا حَطِيمَ، كَانَ الرَّجُلُ إِلَخْ زَادَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ خَالِدٍ الطَّحَّانِ عَنْ مُطَرِّفٍ: فَإِنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يُسَمُّونَهُ - أَيْ الْحِجْرَ - الْحَطِيمُ، كَانَتْ فِيهِ أَصْنَامُ قُرَيْشٍ وَلِلْفَاكِهِيِّ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي السَّفَرِ نَحْوَهُ وَقَالَ: كَانَ أَحَدُهُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَحْلِفَ وَضَعَ مِحْجَنَهُ ثُمَّ حَلَفَ، فَمَنْ طَافَ فَلْيَطُفْ مِنْ وَرَائِهِ.
قَوْلُهُ: (كَانَ يَحْلِفُ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ السَّاكِنَةِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ الْمَكْسُورَةِ، وَفِي رِوَايَةِ خَالِدٍ الطَّحَّانِ الْمَذْكُورَةِ كَانَ إِذَا حُلِّفَ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا حَالَفَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا أَلْقَى الْحَلِيفُ فِي الْحِجْرِ نَعْلًا أَوْ سَوْطًا أَوْ قَوْسًا أَوْ عَصًا عَلَامَةً لِقَصْدِ حَلِفِهِمْ فَسَمَّوْهُ الْحَطِيمَ لِذَلِكَ، لِكَوْنِهِ يُحَطِّمُ أَمْتِعَتَهُمْ، وَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَانَ شَأْنَهُمْ إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَحْلِفُوا عَلَى نَفْيِ شَيْءٍ، وَقِيلَ: إِنَّمَا سُمِّيَ الْحَطِيمُ لِأَنَّ بَعْضَهُمْ كَانَ إِذَا دَعَا عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ هَلَكَ. وَقَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: سُمِّيَ الْحِجْرُ حَطِيمًا لِمَا تَحَجَّرَ عَلَيْهِ، أَوْ لِأَنَّهُ قُصِرَ بِهِ عَنِ ارْتِفَاعِ الْبَيْتِ وَأُخْرِجَ عَنْهُ، فَعَلَى هَذَا فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، أَوْ لِأَنَّ النَّاسَ يَحْطِمُ فِيهِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا مِنَ الزِّحَامِ عِنْدَ الدُّعَاءِ فِيهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْحَطِيمُ هُوَ بِئْرُ الْكَعْبَةِ الَّتِي كَانَ يُلْقَى فِيهَا مَا يُهْدَى لَهَا. وَقِيلَ: الْحَطِيمُ بَيْنَ الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ وَالْمَقَامِ. وَقِيلَ: مِنْ أَوَّلِ الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ إِلَى أَوَّلِ الْحِجْرِ يُسَمَّى الْحَطِيمَ. وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حُجَّةٌ فِي رَدِّ أَكْثَرِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ، زَادَ فِي رِوَايَةِ خَدِيجٍ: وَلَكِنَّهُ الْجَدْرُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ، وَهُوَ مِنَ الْبَيْتِ.
وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَالْبَرْقَانِيِّ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَيُّمَا صَبِيٌّ حَجَّ بِهِ أَهْلُهُ فَقَدْ قَضَى حَجَّهُ مَا دَامَ صَغِيرًا، فَإِذَا بَلَغَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى، وَأَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ بِهِ أَهْلُهُ الْحَدِيثُ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا فِي غَيْرِ الصَّحِيحِ، وَحَذَفَهَا مِنْهُ عَمْدًا لِعَدَمِ تَعَلُّقِهَا بِالتَّرْجَمَةِ، وَلِكَوْنِهَا مَوْقُوفَةً، وَأَمَّا أَوَّلُ الْحَدِيثِ فَهُوَ وَإِنْ كَانَ مَوْقُوفًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَّا أَنَّ الْغَرَضَ مِنْهُ حَاصِلٌ بِالنَّسَبَةِ لِنَقْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِمَّا رَآهُ النَّبِيُّ ﷺ فَأَقَرَّهُ أَوْ أَزَالَهُ، فَمَهْمَا لَمْ يُنْكِرْهُ وَاسْتَمَرَّتْ مَشْرُوعِيَّتُهُ فَيَكُونُ لَهُ حُكْمُ الْمَرْفُوعِ، وَمَهْمَا أَنْكَرَ فَالشَّرْعُ بِخِلَافِهِ.
الحديث الثامن عشر.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ) فِي رِوَايَةِ بَعْضِهِمْ: حَدَّثَنَا نُعَيْمٌ غَيْرُ مَنْسُوبٍ، وَهُوَ الْمَرْوَزِيُّ نَزِيلُ مِصْرَ، وَقَلَّ أَنْ يُخَرِّجَ لَهُ الْبُخَارِيُّ مَوْصُولًا، بَلْ عَادَتُهُ أَنْ يَذْكُرَ عَنْهُ بِصِيغَةِ التَّعْلِيقِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ وَصَوَّبَهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ غَلَطٌ.
قَوْلُهُ: (عَنْ حُصَيْنٍ) فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فِي التَّارِيخِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ، فَأَمِنَ بِذَلِكَ مَا يَخْشَى مِنْ تَدْلِيسِ هُشَيْمٍ الرَّاوِي عَنْهُ، وَقَرَنَ فِيهِ أَيْضًا مَعَ حُصَيْنٍ، أَبَا الْمَلِيحِ.
قَوْلُهُ: (رَأَيْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قِرْدَةً) بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَاحِدَةُ الْقُرُودِ، وَقَوْلُهُ: اجْتَمَعَ عَلَيْهَا قِرَدَةٌ بِفَتْحِ الرَّاءِ جَمْعُ قِرْدٍ، وَقَدْ سَاقَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ هَذِهِ الْقِصَّةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُطَوَّلَةً مِنْ طَرِ قِ عِيسَى بْنِ حِطَّانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: كُنْتُ فِي الْيَمَنِ فِي غَنَمٍ لِأَهْلِي وَأَنَا عَلَى شَرَفٍ، فَجَاءَ قِرْدٌ مَعَ قِرَدَةٍ فَتَوَسَّدَ يَدَهَا، فَجَاءَ قِرْدٌ أَصْغَرُ مِنْهُ فَغَمَزَهَا، فَسَلَّتْ يَدَهَا مِنْ تَحْتِ رَأْسِ الْقِرْدِ الْأَوَّلِ سَلًّا رَفِيقًا وَتَبِعَتْهُ، فَوَقَعَ عَلَيْهَا وَأَنَا أَنْظُرُ، ثُمَّ رَجَعَتْ فَجَعَلَتْ تُدْخِلُ يَدَهَا تَحْتَ خَدِّ الْأَوَّلِ بِرِفْقٍ، فَاسْتَيْقَظَ فَزِعًا، فَشَمَّهَا فَصَاحَ، فَاجْتَمَعَتِ الْقُرُودُ، فَجَعَلَ يَصِيحُ وَيُومِئُ إِلَيْهَا بِيَدِهِ، فَذَهَبَ الْقُرُودُ يَمْنَةً وَيَسْرَةً، فَجَاءُوا بِذَلِكَ الْقِرْدِ أَعْرِفُهُ، فَحَفَرُوا لَهُمَا حُفْرَةً فَرَجَمُوهُمَا، فَلَقَدْ رَأَيْتُ الرَّجْمَ فِي غَيْرِ بَنِي آدَمَ.
قَالَ ابْنُ التِّينِ: لَعَلَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا مِنْ نَسْلِ الَّذِينَ مُسِخُوا فَبَقِيَ فِيهِمْ ذَلِكَ الْحُكْمُ. ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الْمَمْسُوخَ لَا يَنْسِلُ، قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، لِمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ الْمَمْسُوخَ لَا نَسْلَ لَهُ. وَعِنْدَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُهْلِكْ قَوْمًا فَيَجْعَلُ لَهُمْ نَسْلًا. وَقَدْ ذَهَبَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، وَأَبُو بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ إِلَى أَنَّ الْمَوْجُودَ مِنَ الْقِرَدَةِ مِنْ نَسْلِ الْمَمْسُوخِ، وَهُوَ مَذْهَبٌ شَاذٌّ اعْتَمَدَ مَنْ ذَهَبَ إِلَيْهِ مَا ثَبَتَ أَيْضًا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا أُتِيَ بِالضَّبِّ قَالَ: لَعَلَّهُ مِنَ الْقُرُونِ الَّتِي مُسِخَتْ. وَقَالَ فِي الْفَأْرِ: فُقِدَتْ أُمَّةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا أَرَاهَا إِلَّا الْفَأْرَ.
وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ ﷺ قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ بِحَقِيقَةِ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَأْتِ الْجَزْمُ عَنْهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، بِخِلَافِ النَّفْيِ فَإِنَّهُ جَزَمَ بِهِ كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ الْقُرُودُ الْمَذْكُورَةُ مِنَ النَّسْلِ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ مُسِخُوا لَمَّا صَارُوا عَلَى هَيْئَةِ الْقِرَدَةِ مَعَ بَقَاءِ أَفْهَامِهِمْ عَاشَرَتْهُمُ الْقِرَدَةُ الْأَصْلِيَّةُ لِلْمُشَابَهَةِ فِي الشَّكْلِ فَتَلَقَّوْا عَنْهُمْ بَعْضَ مَا شَاهَدُوهُ مِنْ أَفْعَالِهِمْ فَحَفِظُوهَا وَصَارَتْ فِيهِمْ، وَاخْتُصَّ الْقِرْدُ بِذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنَ الْفِطْنَةِ الزَّائِدَةِ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْحَيَوَانِ وَقَابِلِيَّةِ التَّعْلِيمِ لِكُلِّ صِنَاعَةٍ مِمَّا لَيْسَ لِأَكْثَرِ الْحَيَوَانِ، وَمِنْ خِصَالِهِ أَنَّهُ يَضْحَكُ وَيَطْرَبُ وَيَحْكِي مَا يَرَاهُ، وَفِيهِ مِنْ شِدَّةِ الْغَيْرَةِ مَا يُوَازِي الْآدَمِيَّ، وَلَا يَتَعَدَّى أَحَدُهُمْ إِلَى غَيْرِ زَوْجَتِهِ، فَلَا يَدَعُ فِي الْغَالِبِ أَنْ يُحَمِّلَهَا مَا رُكِّبَ فِيهَا مِنَ الْغَيْرَةِ عَلَى عُقُوبَةِ مَنِ اعْتَدَى إِلَى مَا لَمْ يَخْتَصَّ بِهِ مِنَ الْأُنْثَى، وَمِنْ خَصَائِصِهِ أَنَّ الْأُنْثَى تَحْمِلُ أَوْلَادَهَا كَهَيْئَةِ الْآدَمِيَّةِ، وَرُبَّمَا مَشَى الْقِرْدُ عَلَى رِجْلَيْهِ لَكِنْ لَا يَسْتَمِرُّ عَلَى ذَلِكَ، وَيَتَنَاوَلُ الشَّيْءَ بِيَدِهِ وَيَأْكُلُ بِيَدِهِ، وَلَهُ أَصَابِعُ مُفَصَّلَةٌ إِلَى أَنَامِلَ وَأَظْفَارَ، وَلِشَفْرِ عَيْنَيْهِ أَهْدَابٌ.
وَقَدِ اسْتَنْكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قِصَّةَ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ هَذِهِ وَقَالَ: فِيهَا إِضَافَةُ الزِّنَا إِلَى غَيْرِ مُكَلَّفٍ وَإِقَامَةُ الْحَدِّ عَلَى الْبَهَائِمِ، وَهَذَا مُنْكَرٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالَ: فَإِنْ كَانَتِ الطَّرِيقُ صَحِيحَةً فَلَعَلَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا مِنَ الْجِنِّ لِأَنَّهُمْ مِنْ جُمْلَةِ الْمُكَلَّفِينَ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ تَكَلَّمَ عَلَى الطَّرِيقِ الَّتِي أَخْرَجَهَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ حَسْبُ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ صُورَةِ الْوَاقِعَةِ صُورَةَ الزِّنَا وَالرَّجْمِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ زِنًا حَقِيقَةً وَلَا حَدًّا، وَإِنَّمَا أُطْلِقَ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِشَبَهِهِ بِهِ، فَلَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ إِيقَاعَ التَّكْلِيفِ عَلَى الْحَيَوَانِ.
وَأَغْرَبَ الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ فَزَعَمَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ وَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ، وَأَنَّ أَبَا مَسْعُودٍ وَحْدَهُ ذَكَرَهُ فِي الْأَطْرَافِ. قَالَ: وَلَيْسَ فِي نُسَخِ الْبُخَارِيِّ أَصْلًا، فَلَعَلَّهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُقْحَمَةِ فِي كِتَابِ الْبُخَارِيِّ.
وَمَا قَالَهُ مَرْدُودٌ؛ فَإِنَّ الْحَدِيثَ مَذْكُورٌ فِي مُعْظَمِ الْأُصُولِ الَّتِي وَقَفْنَا عَلَيْهَا،
وَكَفَى بِإِيرَادِ أَبِي ذَرٍّ الْحَافِظِ لَهُ عَنْ شُيُوخِهِ الثَّلَاثَةِ الْأَئِمَّةِ الْمُتْقِنِينَ عَنِ الْفَرَبْرِيِّ حُجَّةً، وَكَذَا إِيرَادُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَأَبِي نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجَيْهِمَا وَأَبِي مَسْعُودٍ لَهُ فِي أَطْرَافِهِ، نَعَمْ سَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَكَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي بَعْدَهُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يَكُونَ فِي رِوَايَةِ الْفَرَبْرِيِّ، فَإِنَّ رِوَايَتَهُ تَزِيدُ عَلَى رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ عِدَّةَ أَحَادِيثَ قَدْ نَبَّهْتُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْهَا فِيمَا مَضَى وَفِيمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَمَّا تَجْوِيزُهُ أَنْ يُزَادَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهَذَا يُنَافِي مَا عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ مِنَ الْحُكْمِ بِتَصْحِيحِ جَمِيعِ مَا أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِهِ، وَمِنِ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّهُ مَقْطُوعٌ بِنِسْبَتِهِ إِلَيْهِ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ تَخَيُّلٌ فَاسِدٌ يَتَطَرَّقُ مِنْهُ عَدَمُ الْوُثُوقِ بِجَمِيعِ مَا فِي الصَّحِيحِ، لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ فِي وَاحِدٍ لَا بِعَيْنِهِ جَازَ فِي كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ، فَلَا يَبْقَى لِأَحَدٍ الْوُثُوقُ بِمَا فِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ، وَاتِّفَاقُ الْعُلَمَاءِ يُنَافِي ذَلِكَ، وَالطَّرِيقُ الَّتِي أَخْرَجَهَا الْبُخَارِيُّ دَافِعَةٌ لِتَضْعِيفِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ لِلطَّرِيقِ الَّتِي أَخْرَجَهَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَقَدْ أَطْنَبْتُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِئَلَّا يَغْتَرَّ ضَعِيفٌ بِكَلَامِ الْحُمَيْدِيِّ فَيَعْتَمِدُهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْفَسَادِ.
وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى فِي كِتَابِ الْخَيْلِ لَهُ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّ مُهْرًا أُنْزِيَ عَلَى أُمِّهِ فَامْتَنَعَ، فَأُدْخِلَتْ فِي بَيْتٍ وَجُلِّلَتْ بِكِسَاءٍ وَأُنْزِيَ عَلَيْهَا فَنَزَا، فَلَمَّا شَمَّ رِيحَ أُمِّهِ عَمَدَ إِلَى ذَكَرِهِ فَقَطَعَهُ بِأَسْنَانِهِ مِنْ أَصْلِهِ، فَإِذَا كَانَ هَذَا الْفَهْمُ فِي الْخَيْلِ مَعَ كَوْنِهَا أَبْعَدَ فِي الْفِطْنَةِ مِنَ الْقِرْدِ فَجَوَازُهَا فِي الْقِرْدِ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (عَنْ عُبَيْدُ اللَّهِ) بِالتَّصْغِيرِ وَهُوَ ابْنُ أَبِي يَزِيدَ الْمَكِّيِّ.
قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) (١) فِي نُسْخَةٍ: أَنَسٍ وَهُوَ غَلَطٌ.
قَوْلُهُ: (خِلَالٌ مِنْ خِلَالِ الْجَاهِلِيَّةِ) أَيْ مِنْ خِصَالِ.
قَوْلُهُ: (الطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ) أَيِ الْقَدْحُ مِنْ بَعْضِ النَّاسِ فِي نَسَبِ بَعْضٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ.
قَوْلُهُ: (وَالنِّيَاحَةُ) أَيْ عَلَى الْمَيِّتِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ حُكْمِهَا فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ فِي بَابِ مَا يُكْرَهُ مِنَ النِّيَاحَةِ عَلَى الْمَيِّتِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هُنَاكَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ أَنَسٍ: لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَنَسِيَ الثَّالِثَةَ): وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ: وَنَسِيَ عُبَيْدُ اللَّهِ الثَّالِثَةَ، فَعَيَّنَ النَّاسِيَ. أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَيَقُولُونَ: إِنَّهَا الِاسْتِسْقَاءُ بِالْأَنْوَاءِ). أَيْ: يَقُولُونَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الِاسْتِسْقَاءِ، وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ مِنْ رِوَايَةِ شُرَيْحِ بْنِ يُونُسَ، عَنْ سُفْيَانَ مُدْرَجًا، وَلَفْظُهُ: وَالْأَنْوَاءُ، وَلَمْ يَقُلْ: وَنَسِيَ إِلَخْ. وَمَنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ الْعَلَاءِ، عَنْ سُفْيَانَ بَدَلَ قَوْلِهِ: وَنَسِيَ الثَّالِثَةَ وَالتَّفَاخُرُ بِالْأَحْسَابِ، وَهُوَ وَهَمٌ مِنْهُمَا، لِمَا بَيَّنَتْهُ رِوَايَةُ ابْنِ أَبِي عُمَرَ. وَعَلِيٌّ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ فِيهِ هُوَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ، وَقَدْ جَاءَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ذِكْرُ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، وَهِيَ الطَّعْنُ وَالنِّيَاحَةُ وَالِاسْتِسْقَاءُ، أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ.
وَجَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ذَكَرَ فِيهِ الْخِصَالَ الْأَرْبَعَ، أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْهُ، وَالْمَحْفُوظُ فِي هَذَا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ أَبَانَ بْنِ يَزِيدَ وَغَيْرِهِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ، عَنْ أَبِي سَلَّامٍ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ فِي الْأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ، وَالِاسْتِسْقَاءُ بِالْأَنْوَاءِ ; وَالنِّيَاحَةُ.
(خَاتِمَةٌ):
اشْتَمَلَتْ أَحَادِيثُ الْمَنَاقِبِ وَمَا اتَّصَلَ بِهَا مِنْ ذِكْرِ بَعْضِ مَا وَقَعَ قَبْلَ الْبَعْثِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى مِائَتَيْ حَدِيثٍ وَثَلَاثَةٍ وَثَلَاثِينَ حَدِيثًا، الْمُعَلَّقُ مِنْهَا ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ طَرِيقًا وَالْبَقِيَّةُ مَوْصُولَةٌ، الْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى